الفصل الرابع

 

 الدولة السعودية الوهابية الثالثة و الشورى

 

   

 

  اذا كانت الدولة السعودية الوهابية الأولى قد بلغت أوجها و طبقت مبادئها و أهدافها على يدي الأمير سعود الكبير ، و سقطت امام قوة خارجية هي القوة المصرية العثمانية التي احتلت عاصمتها الدرعية و أسرت أميرها عبد الله بن سعود و أعدمته ، فان الدولة السعودية الثالثة التي رفعت لواء الوهابية و استعانت بها لترسيخ أقدامها و مد سلطانها على نجد و الأحساء و حائل و الحجاز ،  هي التي  انقلبت على الحركة الوهابية المتمثلة في (الإخوان) و قضت عليهم ، و ذلك بسبب طبيعة العلاقة الاستبدادية بين النظام السعودي و الحركة الوهابية ، و بالطبع بينهما وبين عامة أبناء الشعب . واذا كان النظام السعودي الأول قد ولد من رحم الحركة الوهابية ، فان النظام الأخير قد ولد خارج رحمها واعتماداً على قوة أجنبية هي بريطانيا التي دفعت بعبد العزيز بن سعود الى احتلال الرياض والانقلاب على الدولة العثمانية.

 

 علاقة النظام السعودي مع بريطانيا

 

    وقد ابتدأت علاقة الملك عبد العزيز بن سعود مع بريطانيا في الكويت ، عندما كان يعيش فيها لاجئاً مع ابيه (عبد الرحمن بن فيصل بن سعود) آخر امام في الدولة السعودية الثانية ، و ذلك عندما تمرد حاكم الكويت (الشيخ مبارك الصباح)  على الدولة العثمانية و تحالف مع بريطانيا في بداية القرن العشرين ، فأوعزت تركيا لأحد ولاتها وهو أمير حائل عبد العزيز بن رشيد ، بالاستيلاء على الكويت و تأديب أميرها المتمرد . وهنا قام مبارك  ضمن  خطته لمواجهة أمير حائل ، بالاستعانة بابن سعود الذي كان له من العمر يوم ذاك حوالي عشرين عاما ، فقاد كتيبة كويتية لاحتلال الرياض في ذي القعدة 1318هـ - مارس 1901 ، ولكنه مني بهزيمة منكرة اضطر إثرها للانسحاب ، فيما أخذت قوات ابن الرشيد تلاحقه حتى أسوار الكويت ، ولم ينجُ من تلك القوات إلا عندما أوقفتها المدافع البريطانية .

    و تعلم عبد العزيز من دفاع بوارج بريطانيا عن ابن الصباح وتثبيته على عرشه في الكويت و ابطالها لمفعول الفرمان العثماني ، درساً مهماً أقنعه بأهمية الاعتماد على بريطانيا في أية مواجهة مع الدولة العثمانية و حلفائها من آل الرشيد ، وعاد من العام القادم مع عصابة صغيرة من أتباعه و نجح في اقتحام قصر الإمارة في الرياض في  الأول من شوال عام 1319هـ - الخامس عشر من يناير عام 1902م و قتل الأمير بن عجلان ، عامل ابن الرشيد .

   وكانت عملية استيلاء عبد العزيز بن سعود على الرياض حلقة من سلسلة طويلة من الصراع على السلطة داخل الحركة الوهابية ، بعيداً عن إرادة الشعب ، و اعتمادا على منطق القوة والقهر والغلبة. ومع ان الاستيلاء على الرياض بتلك الصورة كان يعتبر نوعا من التمرد والخروج على السلطة الشرعية (العثمانية) التي كان يعترف بها السعوديون في ذلك الوقت ، الا ان ابن سعود أعلن منذ اليوم الأول لاحتلاله للرياض بأنه سيحكم باسم السلطان العثماني ، و أعلم حاكمَ البصرة أنه يعتبر نفسه والياً من ولاته.[1]

   ولكن العملية في الواقع لم تكن بعيدة عن  أعين بريطانيا و دعم حليفها أمير الكويت . إذ يقول مؤرخ الكويت المعاصر لتلك الفترة عبد العزيز الرشيد : إن الشيخ مبارك الصباح قدم لابن سعود دعما اقتصادياً وعسكرياً حيوياً ، خاصة عندما حاول ابن الرشيد مهاجمة الرياض و استعادة سلطته فيها في أوائل سنة 1320هـ حيث هبَّ مبارك لنجدة ابن سعود و أمر بشحن جملة من السفن الكويتية أطعمة و ذخيرة ، و أصدر أمره الى الجيش بالمسير الى الرياض لينقل منها ما يحتاجه[2]." وكان مبارك ، فوق ذلك ، يرسم الخطط الحربية له و هو في مدينته ، فانتصار ابن سعود إذاً على ابن الرشيد ، هو انتصار لمبارك على خصمه ، و تنفيذ لخططه التي رسمها".[3]

     وفي ذلك الوقت كانت بريطانيا تعمل جاهدة على فصل إقليم الأحساء عن الدولة العثمانية ، و إلحاقه بمشيخات الخليج الخاضعة للحماية البريطانية ، و قد بذلت عدة محاولات مع أهالي الأحساء لدفعهم للتمرد و الاستقلال وطلب الحماية البريطانية.[4] ولكنها باءت بالفشل مما دفعها لإعطاء الضوء الأخضر لابن سعود لاحتلال الأحساء. [5] وقد قام ابن سعود بهذه المهمة في اكتوبر سنة 1913 في الوقت الذي كانت تركيا تواجه زحف البلغار الى الأستانة و الصرب الى سالونيك ، و استيلاء الطليان على ليبيا.

   ورغم أن ابن سعود تظاهر بعد احتلال الأحساء بالبقاء على ولائه للدولة العثمانية ، الا انه سرعان ما كشف عن انحيازه ضدها الى جانب بريطانيا عند اشتعال الحرب العالمية الأولى [6]، حيث أخذ يشارك في اجتماعات البصرة و الكويت و المحمرة التي كان يعقدها مبارك و خزعل و طالب النقيب ، تحت إشراف عملاء المخابرات البريطانية ، و حاول ان يجر عجمي السعدون زعيم عشائر المنتفك في جنوب العراق الى جانب بريطانيا و التعاون معها ضد الدولة العثمانية.[7] و قد ذكر مستشار عبد العزيز ، حافظ وهبة في كتابه (خمسون عاما في جزيرة العرب) : ان عبد العزيز عندما زار الكويت عام 1916 اجتمع بكبار أهلها وكان حديثه معهم كله تشديد النكير على الأتراك والحطّ من شأنهم والتنويه بأنه لو كان في بدنه قطرة دم تميل الى الأتراك لبذل كل وسيلة لإخراجها من جسمه. [8]

 

قبول الحماية البريطانية

 

    و إضافة الى ذلك قام  عبد العزيز بن سعود بتوقيع معاهدة حماية مع بريطانيا ، هي (معاهدة دارين ) التي وقعها في 26 ديسمبر 1915 و التي اعترف بموجبها باتباع نصائح بريطانيا و بحقها في الإشراف على علاقاته الخارجية و عدم إقامة علاقات مع أية دولة الا بعد الحصول على موافقة الحكومة البريطانية ، و الاعتراف بالهيمنة الاستعمارية البريطانية على الامارات المحتلة في الخليج ، في مقابل الاعتراف به من قبل بريطانيا وبضمان الحكم له ولذريته من بعده.

  وقد جاء في البند الأول من المعاهدة: "ان الحكومة البريطانية تعترف وتقبل بأن نجدا والأحساء والقطيف وجبيل وملحقاتها التي تعين هنا والمرافيء التابعة لها على سواحل خليج العجم ، كل هذه المقاطعات هي تابعة للأمير ابن سعود وآبائه من قبل ، وهي تعترف بابن سعود حاكما مستقل على هذه الأراضي ، و رئيسا مطلقا على جميع القبائل الموجودة فيها ، وتعترف لأولاده وأعقابه الوارثين من بعده على ان يكون خليفته منتخباً من الأمير الحاكم ، وان لا يكون مخاصما لانجلترا بوجه من الوجوه".

  وجاء في البند الثالث منها:" يتعهد ابن سعود ان يمتنع عن كل مخابرة او اتفاق او معاهدة مع اية حكومة أو دولة أجنبية ، وعلاوة على ذلك فانه يتعهد بإعلام الحكومة البريطانية عن كل تعرض أو تجاوز يقع من قبل حكومة أخرى على أراضيه".

وجاء في البند الرابع:" يتعهد ابن سعود بصورة قطعية ان لا يتخلى ولا يبيع ولا يرهن ، ولا بصورة من الصور يقبل بترك قطعة أو التخلي عن الأراضي التي ذكرت آنفا ، ولا يمنح امتيازا في تلك الأراضي لدولة أجنبية أو لتبعة دولة أجنبية ، دون رضا الحكومة البريطانية ، وانه يتبع نصائحها التي لا تضر بمصالحه".

وجاء في البند السادس:" يتعهد ابن سعود –كما تعهد والده من قبل – بأن يمتنع عن كل تجاوز أو تدخل في أرض الكويت والبحرين وأراضي مشايخ قطر وعمان وسواحلها وكل المشايخ الموجودة تحت حماية انجلترا والذين لهم معاهدات معها".[9]

   وتنفيذا لهذه المعاهدة  زودت بريطانيا ابن سعود بالمشورة العسكرية خلال حملة قام بها ضد أمير حائل ابن الرشيد ، وعينت النقيب شكسبير كمستشار عسكري له ، وقد قتل هذا في المعركة وهو يساعد على حشو مدفع أثناء المعركة .[10]   

    ورغم ان انحياز ابن سعود الى جانب بريطانيا في الحرب ضد المسلمين و الدولة العثمانية ، وتوقيعه لمعاهدة الحماية المشينة مع بريطانيا [11]، كان يشكل في منطق الوهابية وحسب شروط التوحيد التي قررها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، من أكبر نواقض الإيمان ، وهو الولاء للكفار. [12] خاصة في ذلك الوقت العصيب الذي كان فيه الانجليز يخططون لضرب وحدة المسلمين و تمزيق اوصال دولتهم العظمى (الدولة العثمانية) و ترسيخ جذور الاستعمار في المنطقة وإقامة الأنظمة التابعة لهم . الا ان ذلك لم يؤثر على علاقة ابن سعود بالحركة الوهابية التي نشطت في ظل حكمه وانخرطت في جيشه وكانت تصف عامة المسلمين بالشرك ، و لا تفرق بين المستعمِر و المستعمَر. 

 

علاقة ابن سعود مع (الإخوان)

 

    مع عودة الحكم الى آل سعود في الرياض ، انطلقت الوهابية في حركة إحياء جديدة ، حيث قام أحد المشايخ الوهابيين و هو (عبد الكريم المغربي) ببناء خلية في واحة (الأرطاوية) و أقنع حوالي خمسين شخصا من البدو بالاستيطان في الواحة ، أو القرى المحيطة بها ، في محاولة منه لاستعادة تجربة الحركة الوهابية الأولى  التي قامت على يدي الشيخ محمد بن عبد الوهاب قبل قرن ونصف قرن من ذلك الزمان. ثم انتشرت الفكرة في طول نجد وعرضها ، و أخذ الدعاة الوهابيون (المطاوعة) يطوفون في قبائل نجد ، يدعونهم الى الهجرة والاستقرار في القرى و الواحات ، التي  أطلقوا عليها اسم : "الهجر"  أو "اليثربيات" نسبة الى (يثرب) مهجر  الرسول الأعظم محمد (ص): (المدينة المنورة)[13] ، واعتبروا (الهجر) داراً للإيمان والهجرة من دار الشرك  و الجاهلية ، كما كانت المدينة المنورة في مطلع الإسلام ، حيث رأوا أن من آية الإخلاص لله ودينه و آية الإيمان الصحيح : التخلص من  كل ما يشتم منه رائحة الجاهلية ، فأخذوا يبيعون إبلهم و أغنامهم و ينقطعون في (الهجر) للعبادة و تعلم القراءة وحفظ القرآن وسماع السيرة النبوية و غزوات الرسول وتاريخ انتشار الإسلام في جزيرة العرب . وأطلقوا على أنفسهم اسم : "الإخوان" تيمنا بآية: (فأصبحتم بنعمته إخوانا).[14]

 

  و قد تفاعل البدو  الذين  اعتادوا على  الغزو و النهب و القتل في الصحراء ، مع العقيدة الوهابية التي كانت تبرر لهم ذلك بما تصوره لهم من أنهم وحدهم "المسلمون" و أن غيرهم "كفار ومشركون" لا حرمة لدمائهم و أموالهم و أعراضهم ، و أنهم يمارسون في غزوهم ، الجهاد في سبيل الله .

    ثم توسعت الحركة و أصبحت لها اليد الطولى في شؤون نجد ، و استرعت  انتباه الأمير ابن سعود في معركة احتلال الأحساء عام 1913م بما أبدت فيها من بسالة عسكرية كبيرة وتفانيا شديدا في القتال. و بادر  ابن سعود  في عام 1916 الى التصدي لقيادتهم كزعيم روحي لهم ، واستغلالهم في مشاريعه السياسية و العسكرية القادمة ، وكان أحوج ما يكون إلى جنود مطيعين كالإخوان ، فقرر أن يتولى قيادتهم .[15] و أصدر أوامره بانخراط جميع القبائل العربية في صفوف (الإخوان) ، شاءوا أم أبوا ، فتألفت حوالي 220 مستوطنة ( هجرة ) . و أوكل ابن سعود إلى الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف  إدارة الهجر و تغذية البدو الملتحقين بها بالأفكار الوهابية و التركيز على طاعة الله وطاعة الحاكم و محاربة "الكفار" ، والإيحاء اليهم بأنهم فرسان التوحيد في مواجهة "المشركين".[16]   

    وقبل نهاية السنة وجد ابن سعود نفسه قائدا لجيش كبير من المتطوعين العقائديين يستطيع الاعتماد عليهم حتى الموت ، و أن يضمن بهم التفوق على أعدائه.[17] ولم تأت سنة 1920 حتى كانت الحماسة للحركة الوهابية بين البدو قد بلغت حدا كبيرا ، بحيث أنه لم يبق أحد إلا و انضم إليها.[18]

   وقد جعل عبد العزيز من (الإخوان) نواة جيشه الدائم الذي يخصه بالأسلحة و الذخائر ، لأنهم كانوا  يجمعون بين سطوة البدو و ثبات الحضر. وقال لفيلبي مفتخرا بهم : " إنه يكفي أن أصدر النداء ليهب للقتال تحت رايتي ألوف من بيشة الى نجران و من رانية الى تثليث و غيرها ، ليس فيهم من لا يحب الموت في سبيل العقيدة ، وكلهم يؤمنون بأن الفرار من الزحف يدخلهم النار".[19]

    وأحدث تلاحم ابن سعود مع حركة الإخوان ، تحولا كبيرا في طبيعة الحروب التي كان يشنها من أجل توسيع رقعة إمارته ، حيث اتخذت صفة الجهاد الديني ، بعد أن كانت مجرد نزاع على السلطة.[20] و هكذا  استطاع عبد العزيز أن يحتل بهم (حائل) بعد الأحساء ، ثم يحتل الحجاز .[21]

    ولكن عبد العزيز بن سعود ، كان يدرك أنه يسير في وادٍ ، ويسير الإخوان في وادٍ آخر ، فهو يعمل على خارطة محددة و أهداف معينة و يرتبط باتفاقيات دقيقة مع بريطانيا ، بينما يعيش الإخوان على الآمال والأحلام والشعارات والنظريات المتطرفة التي  تسببت في انهيار الدولة السعودية الأولى . ولم يكن  هو يريد بالتأكيد إعادة العالم الاسلامي "المشرك" الى عالم التوحيد ، ولكنه كان يريد فقط أن يستغل الإخوان والحركة الوهابية لتحقيق انتصارات عسكرية وسياسية ثم يعيدها الى القمقم . ومن هنا كان ابن سعود يدرك جيداً خطر الوهابية على نظامه ، إذا خرجت من بين يديه. ولذلك كان يحاول الإمساك بقرنيها بكل قوة ، و ضربها في الوقت المناسب.  وقد قال للمقيم البريطاني في الكويت (هارولد ديكسون) الذي أبدى قلقه من خطر (الإخوان) في المستقبل : "يا ديكسون لا تخف ، الإخوان هم أنا و لا أحد غيري".[22]

 

علاقة الحركة الوهابية بعامة المسلمين

 

   وقبل ان نواصل الحديث عن علاقة ابن سعود بالحركة الوهابية و (الإخوان) و تطورها ، يجدر بنا ان نتوقف عند علاقة الحركة الوهابية ببقية المسلمين من مختلف الطوائف ومن عامة البدو بمن فيهم شرائح من الوهابيين. فنقول:

  عندما استولى عبد العزيز بن سعود على الرياض في مطلع القرن العشرين ، لم يكن هناك أي حديث عن تكفير الدولة العثمانية التي أصبح ابن سعود والياً لها ، ولا عن تكفير الحجاز و شرفائها الذين أعلن لهم عن وده وتقديره [23]. و لا عن تكفير الكويت التي مضى فيها لاجئا عدة سنوات . وقد مضى أكثر من عشر سنوات قبل ان تنقلب الصورة ، و ذلك بعدما قرر ابن سعود تبني الحركة الوهابية عام 1916 وإعداد جيش (الإخوان) البدوي على أساسها ، حيث بدأت تتعالى نغمة التكفير من جديد ، والنظر الى سائر المسلمين على أنهم "كفار و مشركون". [24]

     إذ قال أحد المشايخ الوهابيين المسؤولين عن تعبئة "الإخوان" ، وهو الشيخ سليمان بن سحمان عضو هيئة كبار العلماء :" إن مَن في جزيرة العرب لا نعلم ما هم عليه جميعهم ، بل الظاهر : أن غالبهم و أكثرهم ليسوا على الإسلام ، فلا نحكم على جميعهم بالكفر لاحتمال أن يكون فيهم مسلم . و أما مَن كان في ولاية إمام المسلمين فالغالب على أكثرهم الإسلام لقيامهم بشرائع الإسلام الظاهرة... وأما من لم يكن في ولاية إمام المسلمين فلا ندري بجميع أحوالهم و ما هم عليه ، لكن الغالب على أكثرهم ما ذكرناه أولا ،  من عدم الإسلام.

  فمن كان ظاهره الإسلام منهم فـيُعامل بما يُعامل به المسلم في جميع الأحكام ، وأما مَن ظاهره لا إسلام ولا كفر ، بل هو جاهل ، فنقول : هذا الرجل الجاهل إن كان معه الأصل الذي يدخل به الإنسان في الإسلام فهو مسلم .. و ان لم يوجد معه الأصل الذي يدخل الإنسان في الإسلام فهو كافر ، فمن كان ظاهره الكفر فهو كافر".[25]

   أما الشيعة فقد كان الوهابيون ينعتونهم بالرافضة ، ويعتبرونهم من  أهل دين آخر غير الاسلام ، وقد اصدر الشيخ محمد بن عبد اللطيف (و أربعة عشر عالماً آخر)  في نهاية اجتماع عقد  في شعبان سنة 1345 (17/1/ 1927)  بيانا جاء فيه : "...أما الرافضة فقد افتينا للامام ابن سعود ان يلزمهم البيعة على الاسلام ، ويمنعهم من اظهار شعائر دينهم الباطل ، و على الامام ان يلزم نائبه في الاحساء ان يحضرهم عند الشيخ (ابن بشر) و يبايعوه على دين الله و رسوله... و يلزمهم بتعليم (ثلاثة الاصول) – وهو كتاب للشيخ عبد الوهاب – و مَن أبى قبول ذلك ينفى من  بلاد المسلمين...و أما رافضة العراق الذين انتشروا وخالطوا بادية المسلمين فأفتينا الامام بكفهم عن الدخول في مراعي المسلمين و أرضهم ".[26]

      و تحت شعارات التكفير  هذه  أمر ابن سعود قائده فيصل الدويش ( زعيم الإخوان) بمهاجمة الجهراء في الكويت بنحو أربعة آلاف رجل سنة 1339 ، من أجل (دعوة أهل الكويت الى الاسلام).[27] مما أحدث صدمة في نفوس الكويتيين و حتى الحنابلة و السلفيين منهم.[28]

   و من الواضح ان علاقة أية حركة تكفر المسلمين ستكون قائمة على العنف و القهر و الغلبة و الفتح والاحتلال ، ولن يكون فيها مجال لأي نوع من الشورى أو الاحترام او السماح للمواطنين بالمشاركة السياسية و تقرير المصير.    

 علاقة الوهابيين الداخلية (التكفير البيني)

 

  ولما كانت عجلة التكفير عنيفة و واسعة فانها لم توفر حتى بعض القواعد الوهابية ، حيث لم يكتف (الإخوان) بتكفير الشيعة و عامة المسلمين ، و انما أخذوا يكفرون بعض الوهابيين من البدو و الحضر ، و خاصة الذين لم يلتحقوا بهم ، أو لم يهاجروا معهم ، أو لم يلتزموا بدقة بمثل ما كانوا يلتزمون ، كلبس العمامة التي اشتهروا بها. [29]   

    يقول الشيخ سليمان بن سحمان :" يجري على ألسنة كثير منهم من الأمور التي أحدثها و ابتدعها مَن تجاوز الحد ، و غلا في الدين و اتبع غير سبيل المؤمنين.

   فمن ذلك قولهم: إنه لا إسلام لمن لم يهاجر من الأعراب ، وان كان قد دخل في (الدين)[30] وأحبه و والى أهله ، و ترك ما كان عليه أولاً ، من أمور الجاهلية ، إلا أن يهاجر ، و من لم يهاجر فليس بمسلم عندهم.

  و من ذلك أيضا: أنه إذا مرت قافلتهم على بعض الأعراب الذين ظاهرهم الإسلام و فيهم من تميّز بمعرفة الدين و الدخول فيه و ترك ما كانوا عليه من أمور الجاهلية لم يسلموا عليهم ابتداء و لا يردون السلام عليهم و لا يأكلون ذبائحهم  لأنهم لم يهاجروا معهم".[31]

 

      وكان (الإخوان) قد استعادوا أدبيات الحركة الوهابية الأولى ، و التي يكفر فيها مؤسس الحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أهل البادية بالعموم ، و اقتدوا به  في الحكم على أهل البادية المعاصرين لهم عموما بالكفر. ولذلك توقف الشيخ ابن سحمان عند هذه النقطة فقال:" هنا مسألة أخذ بها هؤلاء المتدينون من البدو (الإخوان) و هي أن من يقرأ عليهم بعض عبارات الشيخ محمد بن عبد الوهاب في البدو ، مثل الموضع السادس من السيرة (انه ليس معهم من الإسلام شيء) ، و ما ذكره عن الأعرابي الذي يشهد أنه هو و سائر الناس البدو كفار ، و أن  المطوع الذي ما يكفر البدو كافر ، و أمثال ذلك ، فإذا قرأه عليهم قالوا: هذا قول الشيخ في البدو.[32]" انهم كفروا البادية بالعموم ، وانهم لم يسلموا ولم يدخلوا في هذا الدين".[33]

 



[1]  -  وكذلك فعل أبوه الامام عبد الرحمن ، الذي كتب في 5 صفر 1320هـ عند خروجه من الكويت ، كتابا الى السيد رجب نقيب أشراف البصرة ، يبرر فيه عملية الخروج على ابن رشيد ، ويؤكد فيه "اننا خدام محسوبون على الدولة العليا. وانه لما صار علينا ما صار من غدر ابن الرشيد وخيانته لم نلجأ الى أحد إلا الله تعالى ثم الى عدالة أمير المؤمنين أدام الله مجده.. ونحن في كل مكان وحال من الاحوال لا نزال بحول الله نؤدي الخدمات لحضرة أمير المؤمنين باذلين الجد والاجتهاد فيما يحصل به رضاه منقادين الى أوامر الدولة العلية".

الرشيد ، عبد العزيز ، تاريخ الكويت ، ص 179

[2]  - الرشيد ، عبد العزيز ، تاريخ الكويت ، ص 182

[3]  - الرشيد ، عبد العزيز ، تاريخ الكويت ، ص 175

[4]  - " وكانت المحاولة الأولى عام 1899 عندما زار الممثل البريطاني في البحرين ، منصور باشا بن جمعة ، وعرض عليه نيابة عن بريطانيا المساعدة على الاستقلال وتقديم الحماية البريطانية ضد أي إجراء عسكري تتخذه الدولة التركية. ولكن منصور باشا بوازع من الحمية الدينية ووفاءً للدولة الاسلامية رفض العرض البريطاني جملة وتفصيلا. وقد نمى الى علم السلطان عبد الحميد أمر هذه المحاولة ورفض ابن جمعة قبولها فأنعم عليه برتبة الباشوية.

أما المحاولة الثانية فقد كانت عام 1905 مع حسين النصر عمدة (سيهات) وقد رفض النصر العرض البريطاني من جانبه ، ولكنه أحاله على منصور باشا بن جمعة الذي أكد رفضه للمرة الثانية.

  وفي سنة 1907 تولى المحاولة المقيم البريطاني في الخليج المستر برسي كوكس الذي نزل ضيفا على منصور باشا في قصره المسمى (بقصر الدرويشية) بالقطيف وطلب منه الموافقة على تقديم مساعدة بريطانية للاستقلال بالأحساء دون التقيد بمعاهدة حماية بريطانية ، ولكن منصور باشا أصر على أن شعوره الديني وحده يمنعه من التنكر للدولة الاسلامية ، وليس الحاجة للمعونة العسكرية أو الحماية ،  ولما أعيت بريطانيا الحيلة في الحصول على واجهات وطنية لتبرير تدخلها المباشر في ساحل الأحساء ، أرسلت سفينة حربية عام 1908 الى رأس تنورة بالقطيف فركزت علمها البريطاني هناك . ولكن ما كاد نبأ ذلك يصل الى مسامع أهل (صفوى) حتى بادروا الى انزال العلم البريطاني وتمزيقه وتحطيم ساريته ".ناصر الفرج ، قيام العرش السعودي ، ص 15

[5]  -  ذكر بنوا ميشان: ان عبد العزيز أجرى اتصالات مع مبارك الصباح عام 1911 طلب منه جس نبض أصدقائه الانجليز في امكانية احتلال الأحساء فرحبت بريطانيا بذلك .ناصر الفرج ، قيام العرش السعودي ، ص 27 وقد أكدت الوثائق المحفوظة في دار الوثائق البريطانية: ان بريطانيا هي التي طلبت من عبد العزيز ابن السعود احتلال الأحساء ، حيث ورد في المجلد 2139 ما نصه:" وردت الى لندن برقية من نائب الملك في الهند جاء فيها ، يطلب من ابن السعود تعاونه في طرد الأتراك من الأحساء والقطيف ، وفي مقابل ذلك تعقدون معه معاهدة يعترف فيها باستقلاله حاكما على نجد والأحساء مع ضمان عدم الاعتداء عليه من ناحية البحر". ناصر الفرج ، قيام العرش السعودي ، ص 35

 

[6]  - وجاء في الوثائق البريطانية المجلد رقم 2140 ما نصه:" في 5 اكتوبر 1914 وجهت وزارة الهند رسالة الى النقيب شكسبير بأن عليه ان يسافر بأسرع فرصة ممكنة ويتصل بابن السعود في الحال ، ويستخدم نفوذه للوصول الى هدفين ، أولهما: منع وقوع اضطرابات بين الأوساط العربية نتيجة للاجراءات التي ستقوم بريطانيا باتخاذها في الخليج والأراضي العربية التي تقع تحت النفوذ التركي ، وثانيهما: التأكد بأن لا يقدم العرب مساعدة للأتراك اذا ما قامت الحرب بينهم وبين بريطانيا.

   وفي 2يناير 1915 بعث نائب الملك في الهند برقية الى وزارة الهند تعرب عن موقف ابن السعود ، فقد وصل الى المقيم البريطاني في الخليج يوم 31 ديسمبر 1914 رد من ابن السعود يعلن فيه انه في جانب بريطانيا وان من أهم أهدافه تحرير البصرة من حكم الترك"

   وجاء في الوثيقة المحفوظة في المجلد 2479 بدار الوثائق البريطانية ما نصه:" ان الأخبار الواردة من ابن السعود تقول انه في طريقه لمهاجمة ابن الرشيد ويأمل ان يتغلب عليه في آخر يناير 1915 ، وسيبقى شكسبير معه ، والضمانات التي اعطيت لابن السعود كانت مشروطة بتعاونه مع شيخ الكويت والمحمرة لاحتلال البصرة. وفي حال فشلهم في ذلك يعملون على منع الامدادات التركية من الوصول الى البصرة".

    وتقول مس بيل في كتابها (فصول من تاريخ العراق القريب):" أثبتت الصداقة الراسخة بيننا وبين أمير نجد أنها شيء لا يُثمَّن".  ناصر الفرج ، قيام العرش السعودي ، ص 36

[7]  - ذكرت المس بيل في كتابها (فصول من تاريخ العراق القريب) ان ابن سعود كتب الى عجمي السعدون يحرضه على الأتراك ويدعوه للانضمام الى الانجليز ، وقد أجابه السعدون بكتاب رفض فيه دعوته وأكد له سعيه من أجل حماية البلاد الاسلامية من دنس الكافرين . ناصر الفرج ، قيام العرش السعودي ، ص 32

[8]  - ناصر الفرج ، قيام العرش السعودي ، ص 33

[9]  - ناصر الفرج ،  قيام العرش السعودي ، ص 59

[10]  - ناصر الفرج ، قيام العرش السعودي ، ص 36

[11]  - وصف فؤاد حمزة وكيل وزارة الخارجية السعودية ، المعاهدة بأنها "معاهدة جائرة". وقال عنها السفير السعودي خير الدين الزركلي: " بأنها على غرار المعاهدات التي كان الانجليز يعقدونها مع امارات الخليج" ووصفها مستشار عبد العزيز وسفيره في لندن حافظ وهبة ، فقال:" انها معاهدة تضعه تحت الحماية البريطانية كسائر أمراء الخليج ، فكانت كل اتصالاته برئيس الخليج الذي كان يقيم عادة في بوشهر". ناصر الفرج ، قيام العرش السعودي ، ص 85

[12]  -  يقول الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ : "التولي : كفر يخرج من الملة ، وهو كالذب عنهم ، وإعانتهم بالمال والبدن والرأي ، والموالاة : كبيرة من كبائر الذنوب كبلّ الدواة ، أو بري القلم ، أو التبشبش لهم أو رفع السوط لهم" . الدرر السنية والاجوبة النجدية ، ج 7 ص201

[13]  -  بناء على وجوب الهجرة الى يوم القيامة كما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه (الأصول الثلاثة).

[14]  -  محمد جلال كشك ، السعوديون والحل الاسلامي ، ص 556

 

[15]  - ولم يكن تبني ابن سعود للإخوان بمعزل عن الإرادة البريطانية التي حاولت توظيف الحركة الوهابية في خدمة مخططاتها في المنطقة. إذ يقول الجاسوس  البريطاني جون فيليبي : إن  عملية احياء الافكار الوهابية كانت من بين المهمات المكلف بها من أجل ايجاد انصار لابن سعود في كل بلدة وقبيلة وقرية من انحاء جزيرة العرب  .  جون فيلبي ، تاريخ آل سعود 583

 

[16]  - يقول أمين الريحاني : " أنهم  يعتقدون ان من كان خارجاً عن مذهبهم ليس بمسلم فيشيرون الى ذلك في سلامهم بعضهم على البعض:(السلام عليكم يا الإخوان حيا الله المسلمين).واذا سلم عليهم سني او شيعي فلا يردون السلام " .الريحاني ، معجزة فوق الرمال ، ص 64

[17]  - كشك، محمد جلال ، السعوديون والحل الاسلامي ص  559-560

[18]  - ديكسون: الكويت وجاراتها ، ج1 ص 252

[19]  - كشك ، السعوديون والحل الاسلامي ، 395

[20] - كشك ، السعوديون والحل الاسلامي ، 613

[21]  - وكان الملك حسين قد شعر بخطرهم على دولته فطلب من الوكيل البريطاني في جدة  بتاريخ 18/9/1918 : ان تجبر بريطانيا ، ابن سعود  على إلغاء (الإخوان) " الجمعية السياسية التي تتستر برداء الدين" والتي ينظمها لخدمة طموحاته السياسية ، ورأى في الوهابية خطرا  داهما على الأمن والسلام في الجزيرة العربية. محمد جلال كشك ، السعوديون والحل الاسلامي ، ص  567

[22]  -   ديكسون: الكويت وجاراتها ، ج1 ص 252

[23]  -  حرص عبد العزيز خلال السنوات العشر الأولى من حكمه على إظهار الولاء وتقبيل أيادي شريف مكة. وفي رسالة رقيقة له وجهها الى الشريف حسين بن علي ، رضي ابن سعود لنفسه أن يكون تابعا للعثمانيين بواسطة شريف مكة. عبد الكريم  الغرايبة ، قيام الدولة السعودية العربية ، ص 10

[24]  -    يقول أمين الريحاني : " أنهم  يعتقدون ان من كان خارجاً عن مذهبهم ليس بمسلم فيشيرون الى ذلك في سلامهم بعضهم على البعض:(السلام عليكم يا الإخوان حيا الله المسلمين).واذا سلم عليهم سني او شيعي فلا يردون السلام " .الريحاني ، معجزة فوق الرمال ، ص 64

[25]  - ابن سحمان ، منهاج أهل الحق ، ص 79 - 80

[26] -  حافظ وهبة : جزيرة العرب في القرن العشرين 227 و أنور عبد الله : العلماء والعرش ص 471 و التويجري ، عبد العزيز ، لسراة الليل هتف الصباح ، ص 367 - 369

[27]  - الرشيد، عبد العزيز ، تاريخ الكويت ، ص 23

[28]  -  الرشيد ، عبد العزيز ، تاريخ الكويت ، ص 258

[29]  -  راجع أيضا: حافظ وهبة ،  جزيرة العرب في القرن العشرين ص 312 و التويجري  ، عبد العزيز : لسراة الليل هتف الصباح ، ص 247و257

[30]  - أي الوهابية

[31]  - ابن سحمان : منهاج أهل الحق ، ص 90

[32]  - ابن سحمان ، منهاج أهل الحق ، ص 14

[33]  - ابن سحمان: منهاج أهل الحق ، ص 88