نتيجة لغياب
الشورى و غياب نظام واضح لتبادل السلطة اعتماداً على ارادة الأمة ، تَمَّ الخضوع
للنظام البدوي الوراثي القائم ، ولكن هذا ترك مصير الدولة الوهابية السعودية في
مهب الريح و وضعها عرضة للانقسام و الصراعات الداخلية بين الأمراء.
من المعروف ان الشيخ محمد بن عبد
الوهاب أخذ البيعة لولاية العهد للأمير عبد العزيز في حياة والده محمد بن سعود ،
ثم أخذ البيعة لولاية العهد لابنه سعود في حياة أبيه عبد العزيز. و عندما توفي
سعود احتل ابنه عبد الله مكانه بالوراثة ، و لكنه لم يسلم من منافسة أخيه و عمه
عبد الله.
و بعد أن سقطت الدولة السعودية
الأولى.. و اخذ ابراهيم باشا معظم رجال آل سعود أسارى الى مصر.. انبرى رجل من آل
معمر (حكام العيينة سابقا) و هو ( محمد بن مشاري بن معمر) سنة 1234 لتنظيم
المقاومة ضد القوات المصرية و نَصَّب نفسه إماماً للحركة الوهابية . [1]
ولكن الأمير مشاري بن سعود بن عبد العزيز ، استطاع الهروب من مصر و جاء الى نجد و
أخذ يطالب ابن معمر بالزعامة ، فتنازل له هذا في البداية ثم قتله . [2]
ولم يمض طويل وقت حتى انبرى تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود في عام
1236 ليعيد حكم آل سعود و ينشيء دولتهم الثانية ، فقتل من أجل ذلك أمير بلدة
(ضرما) ناصر السياري ، في المسجد ، و استولي على البلدة ، ثم أخذ البيعة من أهلها
بالقوة ، و احتل الرياض و قتل محمد ابن معمر.[3] و استطاع أن يفرض هيمنته على نجد كلها
بحلول عام 1241. وقد استند تركي بن عبد الله ، في تثبيت شرعيته ، الى الفكر القدري
، فقال في بيان الى عامة المسلمين: (إن الله ولاه أمرهم).[4]
و بالرغم من تمتع الامام تركي بن عبد الله ، بجميع
المواصفات الشرعية ، حسب الفكر السياسي الوهابي ، و تأييد رجال الدين من آل الشيخ
له ، الا أن ذلك لم يمنع من اغتياله
سنة 1249 ، على يد ابن أخته (مشاري بن عبد الرحمن بن
مشاري بن سعود) الذي كمن له عند باب
المسجد وقتله غدرا بعد خروجه من صلاة الجمعة ، و استولى على السلطة عنوة .
و مع أن مقتل الامام تركي أثار
غضباً وامتعاضاً كبيرين لدى آل الشيخ الذين احتجوا بالاعتصام في المسجد [5]،
الا انهم سلّموا للأمر الواقع فيما بعد ، و بايعوا الأمير الجديد مشاري[6]
، فالسلطة أولاً وأخيراً هي لمن غلب ، و لا دور للأمة في انتخاب الامام ولا رأي
حتى لعلماء الدين.
و لولا تمرد فيصل ابن تركي ، وعدم
استسلامه للانقلاب ، لظل الأمير مشاري مستمراً في الحكم الى أن يشاء الله ، و
لربما ورّث السلطة الى أولاده و أحفاده. ولكن فيصل بن تركي استطاع بعد بضعة شهور
أن ينتقم لوالده ويقتل مشاري ، و يستعيد السلطة منه. وما كان من آل الشيخ هنا الا
أن عادوا لنقل ولائهم الى المنتصر الجديد (فيصل).
و بعد ثلاث
سنوات ، قرر والي مصر محمد علي باشا إعادة الحكم المصري الى نجد ، بواسطة أمير
منافس من آل سعود ، هو: (خالد بن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود) الذي استاء
من استيلاء أبناء عمه على السلطة ، وكان لا يزال يتمتع ببعض الأنصار الذين لم
يرضوا عن انتقال الامامة من أولاد سعود الكبير الى أولاد عبد الله بن محمد [7].
فاستعان محمد علي بخالد سنة 1253هـ و أرسله الى الرياض مع قوة عسكرية مصرية ،
وعندما اقترب الجيش المصري من
الرياض اضطربت الأمور على فيصل فهرب منها ، وهرب معه آل الشيخ ، ولكن
القوات المصرية اعتقلت فيصلاً وأعادته مرة ثانية الى مصر. وفي حين لم يجد معظم أهل
نجد غضاضة بحكم خالد ، لأنه من آل سعود وهو الأقوى ، امتنع بعض أهلها من الخضوع له بسبب تعاونه مع المصريين "المشركين" وخوفاً من
عودة الحكم التركي المباشر.[8]
وهو ما يشير الى قبولهم لأي حاكم قاهر ، و رفضهم للحكم التركي الذي كانوا يعتبرونه
"كافراً ومشركاً".[9]
ولم تمض سنتان ، حتى هرب
فيصل بن تركي ، من سجنه في مصر عام 1259 ، ليستعيد السلطة بالقوة من عبد الله ،
ويلقي به في السجن حتى الموت .[12]
ورغم أن عبد الله كان يحظى بدعم آل الشيخ ويتمتع بكامل الشرعية ، الا ان منطق
الغلبة للأقوى .. كتب تلك النهاية المأساوية لعبد الله بن ثنيان.
و لم يجد عبد الله وهو في تلك الحالة مفراً من الاستعانة بالقوات العثمانية ، متهماً أخاه بالثورة
ضدها و بالتعاون مع الانجليز ، و
أرسل الى والي بغداد مدحت باشا ، يطلب مساعدته ، فهب لنجدته بإرسال حملة عسكرية من
خمسة آلاف جندي .[13] و هكذا عاد
عبد الله بن فيصل الى الرياض بعد أن هرب منها سعود ، و لكن هذا لم يلبث الا سنتين
حتى عاد مرة أخرى الى الرياض عام 1290هـ
ليطرد أخاه عبد الله من السلطة.
و عندما توفي سعود عام 1291هـ (1875م
) ورثه أخوه عبد الرحمن فحكم لسنتين ثم خرج عليه أخوه محمد الذي كان يكبره سنا
ويدعي أحقيته بالحكم ، فوقعت بينهما معارك حتى وافق الأثنان على ان يتولى الحكم
أخوهما الأكبر عبد الله ، فعاد هذا الاخير من البادية و تولى السلطة عام 1293هـ للمرة الثالثة.
و لكن أبناء سعود لم يقبلوا
بهذه الصفقة فخرجوا على عمهم عبد
الله عام 1305هـ واحتلوا الرياض واعتقلوا عمهم و تولى أحدهم و هو محمد بن سعود
السلطة لبعض الوقت.
وهنا استنجد عبد الله ، من سجنه ، بأمير
حائل (الوهابي): محمد بن الرشيد ، فقدم الرياض واحتلها و أطلق سراحه و قتل محمد بن
سعود ، ولكنه لم يعد السلطة الى عبد الله و انما أخذه "ضيفا" الى حائل ،
و عـيّن والياً من قبله على الرياض. وسارعت القبائل النجدية بتقديم الطاعة لمحمد بن رشيد. و
عندما توفي عبد الله ، بعيدا عن السلطة ، حاول أخوه عبد الرحمن عام 1308هـ ان يقوم
بانقلاب على ابن الرشيد و يستعيد إمارته المفقودة و لكنه فشل فلجأ الى الكويت التي
كانت لا تزال تخضع للحكم العثماني .
و هكذا انتهى حكم آل سعود في
دولتهم الثانية نتيجة لصراعاتهم الداخلية المريرة القائمة على أساس القوة و الغلبة
، وفي غياب الشورى أو أي دور للأمة أو لأهل الحل و العقد ، أو أي دستور ينظم طريقة
توارث السلطة .[14]
[1] - ابن بشر: عنوان المجد ، ج 1 ص 442
[2]
- ابن بشر: عنوان المجد ، ج 1 ص 442
[3] - ابن بشر:عنوان
المجد ، ج2 ص 28
[4] - ابن بشر : عنوان
المجد ، ج2 ص 113
[5] - لما علم آل الشيخ بعملية الاغتيال ،
جلسوا في المسجد فلم يخرجوا منه حتى أرسل اليهم مشاري يدعوهم ، فأبوا أن يأتوا
اليه الا بالأمان ، فكتب لهم بالأمان ، فأتوا اليه وطلب منهم المبايعة ، فبايعوه.
كما يقول ابن بشر في عنوان المجد ، ج2 ص 100
[6] - ابن بشر:عنوان
المجد ، ج2 ص 100
[7] - الحصين ، أحمد: دعوة الامام .. سلفية لا وهابية ص 231
[8] - كتب أهل (الحوطة) الى
خالد بن سعود :" ان كان الأمر لك ، ولا يأتينا في ناحيتنا عسكر من الترك فنحن
رعايا لكم ، وان كان الأمر للترك فنحن لهم محاربون".( ابن بشر: عنوان المجد ،
ج2 ص 147)
[9] -"توحدت القرى
النجدية وقامت ضده ثورات بزعامة عبد الله بن ثنيان بن سعود ، تريد التحرر من حكم
الأتراك والمصريين ، وتبغي المحافظة على الدين الاسلامي الصحيح على طريقة الامام
محمد بن عبد الوهاب ". الحصين ، أحمد: دعوة الامام .. سلفية لا وهابية ، ص
233
[10] - ابن بشر: عنوان المجد ، ج2 ص 199
[11] - الحصين ، أحمد: دعوة الامام .. سلفية لا وهابية ، ص 233
[12] - ابن بشر: عنوان المجد ، ج2 ص 208
[13] - الحصين ،
أحمد: دعوة الامام .. سلفية لا وهابية ص 235
[14] - يقول أحمد الحصين: "
ومن الجدير بالملاحظة أن آل رشيد استولوا على نجد وقضوا على حكم آل سعود من دون
معركة ، وكان من أهم أسباب نجاحهم النزاعات الداخلية والحروب الدامية بين أفراد
العائلة الواحدة الطامعين بالامامة ، مما أضعف ولاء السكان للدعوة ورجالها".
( دعوة الامام .. سلفية لا وهابية ص 237)