2 – العنف والإرهاب

 

     لقد كان عامة المسلمين يرفضون التفسير الوهابي للتوحيد ، و يجادلون بقوة فيما اذا كان دعاء الصالحين و الاستغاثة بهم شركا بالله تعالى ، خاصة مع الايمان بأن الأولياء وسائل فقط الى الله و ليس بأيديهم النفع أو الضر. وكان ذلك يشكل مبررا كافيا للتوقف في تكفير المسلمين لأنهم – على الأقل – آمنوا بذلك عن جهل و شبهة [1]. ولكن الوهابيين لم يكونوا يعترفون بتلك المبررات ، و كانوا يصرون على فرض قراءتهم الخاصة للتوحيد بالقوة على الناس ، و مقاتلة من لم يوافقهم على نظريتهم. و ذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعيداً في عملية التكفير لتشمل المعارضين له و المحايدين و المترددين .

  و قد صرّح بذلك في رسالة له الى شريف مكة ، الذي سأله عما يقاتل عليه الناس؟ و عما يكفِّر به الرجل ، فقال :" أنه يكفّر ويقاتل أنواعا من الناس:

     الأول: من عرف (التوحيد)[2] دين الله و رسوله ، الذي أظهرناه للناس ، و أقرّ أن هذه الاعتقادات في الحجر والشجر و البشر ، الذي هو دين غالب الناس هي الشرك بالله ، ومع ذلك لم يلتفت الى (التوحيد) و لا تعلمه و لا دخل فيه و لا ترك (الشرك) فهذا كافر نقاتله بكفره ، لأنه عرف دين الرسول فلم يتبعه ، و عرف دين الشرك فلم يتركه ، مع انه لا يبغض دين الرسول و لا من دخل فيه ، و لا يمدح الشرك ولا يزينه للناس.

     الثاني: من عرف ذلك كله و لكنه تبيّن في سب (دين الرسول) مع ادعائه أنه عامل به ،  و تبيّن في مدح من عبد يوسف و الأشقر ، و من عبد أبا علي و الخضر من أهل الكويت ، وفضّلهم على من وحد الله و ترك الشرك ، فهذا أعظم من الأول.

    الثالث: من عرف (التوحيد) و أحبه و اتبعه ، و عرف (الشرك) و تركه ، و لكن يكره من دخل (التوحيد) و يحب من بقي على  (الشرك) فهذا أيضا كافر.

    الرابع: من  سلم من هذا كله و لكن أهل بلده مصرون بعداوة (التوحيد) و اتباع أهل الشرك ، و ساعون في قتالهم ، و يتعذر أن تركه وطنه يشق عليه ، فيقاتل أهل (التوحيد) مع أهل بلده و يجاهد بماله و نفسه ، فهذا أيضا كافر".

    دوامة العنف

 

    و نظراً لهذه العقيدة المتطرفة التي تكفر جميع المسلمين و تتهمهم بالشرك ، و تحاول إدخالهم في "الدين الاسلامي" من جديد [3] ، لم تكن الدولة الوهابية تستطيع ان تقوم الا بالعنف ، و لم تستطع ان تستمر الا في ظل السيف ،  فكان لا بد ان تجابه بالقوة و العنف ، و تضطر هي الى ممارسة المزيد من العنف و الارهاب  لفرض سيطرتها على المسلمين ، و لذلك فقد نشأ نوع من الصراع المحموم الذي لا يهدأ بينها وبين الجماهير المسلمة ، و هو إن خبا فترة من الزمن فلكي يعد أصحابه العدة لجولة جديدة من الحرب. و لم يكن هنالك أي مجال في ظل العقيدة الوهابية ، لأي نوع من الصلح والسلام بين الحكومة الوهابية و القبائل و الشعوب و الطوائف الاسلامية المختلفة ، الا بالدخول في مذهبها ، و مع ذلك فان تلك القبائل و الطوائف لم تكن تسلم من العنف و الاستبداد و الاتهام بالردة.

     ان الحركة الوهابية ولدت في مجتمع اسلامي قائم يرفض الدعوة الوهابية المكفرة له ، و هو لا يمكن ان يخضع لها بسهولة و يقرها على ما جاءت به من تأويلات تعسفية فيعترف على نفسه بالشرك و الكفر ثم يدخل على يديها الى الاسلام من جديد.

   وهذا ما يفسر دموية المعارك التي خاضها الوهابيون لفرض مذهبهم ، أو الانتقام من أعدائهم ، سواء في نجد [4]، أو في الأحساء [5]، أو في الحجاز [6]، أو في العراق و خاصة في كربلاء.

 

 مجزرة كربلاء

 

    وكان على رأس تلك المجازر التي أقامها الوهابيون في عهدهم الأول مجزرة كربلاء الرهيبة ، التي شن فيها الوهابيون بقيادة سعود بن عبد العزيز ، هجوما مباغتاً دون سابق انذار او دعوة لمذهبهم ،  و انما على حين غفلة من أهلها ، فأقاموا مجزرة رهيبة فيها ، و ذلك في شهر ذي القعدة من سنة 1216 هـ (المصادف 20 نيسان  1802م )

     يقول المؤرخ الوهابي عثمان ابن بشر  في كتابه ( عنوان المجد في تاريخ نجد ):" ان سعود سار بالجيوش المنصورة و الخيل العتاق المشهورة ، من جميع حاضر نجد و باديها  ، و الجنوب و الحجاز و تهامة و غير ذلك ، و قصدوا أرض كربلاء و نازل أهل بلد الحسين ، فحشد عليها المسلمون  و تسوروا جدرانها ودخلوها عنوة ، و قتلوا غالب أهلها في الأسواق والبيوت ، و هدموا القبة الموضوعة بزعم من اعتقد فيها على قبر الحسين ، و أخذوا ما في القبة و ما حولها ، و اخذوا النصيبة التي وضعوها على القبر  و كانت مرصوفة بالزمرد والياقوت  و الجواهر ، و أخذوا جميع ما وجدوا  في البلد من الاموال والسلاح واللباس و الفرش و الذهب و الفضة و المصاحف الثمينة و غير ذلك مما يعجز عنه الحصر ولم يلبثوا فيها الا ضحوة و خرجوا منها قرب الظهر بجميع تلك الاموال ، و قتل من أهلها قريب الفي رجل ، ثم ان سعودا ارتحل منها فجمع الغنائم و عزل أخماسها ، و قسم باقيها على المسلمين غنيمة للرجل سهم وللفارس سهمان  " .[7]

 

    و ربما كان اعتماد الدعوة الوهابية على العنف بدلا من الحوار و الاقناع ، و تحول الصراع في نجد الى محاولة لفرض سلطان آل سعود ، أكثر منه محاولة لنشر مباديء الدعوة الوهابية  ، هو ما يفسر المعارضة الشديدة التي لقيتها الدعوة في نجد ، و التي استغرقت حوالي أربعين عاما ، و لذا فان الناس الذين كانوا يخضعون بالسيف لسلطة آل سعود فترة من الزمن ، كانوا سرعان ما ينفضون عنهم و يتمردون لمجرد ما يتغير ميزان القوى لصالحهم. 

  و قد استمرت تلك الحقبة المضطربة المشحونة بالانتفاضات ، و اشتدت مع تسلم  سعود بن عبد العزيز للقيادة العسكرية في بداية  عقد التسعينات من القرن الثاني عشر الهجري ، حيث حصل اضطراب شديد ، و تذبذب كبير  في دخول القرى النجدية في طاعة آل سعود و الخروج منها ،  و ذلك لما كان يتسم به سعود من عنف و دموية و إرهاب ، فما أن يسيطر على بلد حتى ينتفض بلد آخر ، وما أن يقمع قرية حتى تتحداه قرية أخرى.

 

دعوة أهالي مكة الى الاسلام

   

    بعد ان فرض سعود بن عبد العزيز سيطرته على نجد و الاحساء توجه لاحتلال الحجاز ، و هنا تغيرت لهجة الحركة الوهابية تجاه الحجازيين و الدولة العثمانية ، فبعد ان كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب يتودد الى شريف مكة ويتظاهر بالولاء له و ينفي "تهمة التكفير بالعموم" أرسل سعود وفداً الى شريف مكة الأمير غالب بن مساعد ، بزعامة الشيخ حمد بن ناصر بن معمر ، و وجّه لأهلها اتهامات مباشرة و صريحة بوجود مظاهر الشرك في مكة ودعوة الأموات ، ولم ينفع إنكار أهل مكة لذلك .

    وعندما اقتربت قوات سعود من مكة في نهاية عام 1217هـ ، و طلب أهل مكة منه الأمان ، أصدر اليهم بياناً يتضمن التشكيك بإسلامهم ، و يدعوهم الى "دين الله" حيث جاء فيه:

      " بسم الله الرحمن الرحيم

      من سعود بن عبد العزيز

 الى كافة اهل مكة والعلماء والآغوات وقاضي السلطان

 السلام على من اتبع الهدى

 اما بعد: فأنتم جيران الله وسكان حرمه آمنون بأمنه. انما ندعوكم لدين الله ورسوله ( قل يا اهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ان لا نعبد الاّ الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ، فان تولوا فقولوا: اشهدوا باننا مسلمون " فأنتم في أمان الله ثم في أمان أمير المسلمين سعود بن عبد العزيز وأميركم عبد المعين بن مساعد ، فاسمعوا له وأطيعوا ما أطاع الله والسلام " .[8]

  ويتضح من خلال هذا النص ، أن سعوداً كان ينظر الى (الوهابيين) نظرة خاصة باعتبارهم (المسلمين) والى أهل مكة باعتبارهم (مشركين) ولذلك لم يسلم عليهم وانما وجه سلامه الى من اتبع الهدى ، ودعاهم الى كلمة سواء هي كلمة التوحيد.

    وعندما دخل سعود مكة المكرمة في اليوم الثامن من  محرم  1218هـ  وطلب من الناس الاجتماع بالمسجد الحرام ، خطب فيهم قائلا:" احمدوا الله الذي هداكم للاسلام وأنقذكم من الشرك. أطلب منكم أن تبايعوني على دين الله ورسوله وتوالوا من والاه وتعادوا من عاده في السراء والضراء والسمع والطاعة".[9]  وأصدر بياناً جاء فيه:"  قد عمت البلوى من حوادث الأمور التي أعظمها : الإشراك بالله والتوجه الى الموتى وسؤالهم النصر على الأعداء وقضاء الحاجات وتفريج الكربات التي لا يقدر عليها الا رب الأرض والسماوات... فأخبر أن من جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم الشفاعة فقد عبدهم وأشرك به. وذلك ان الشفاعة كلها لله .كما في الحديث  عنه (ص) أنه قال: لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان...

    فهذا هو الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس حتى آل بهم الأمر الى أن كفرونا وقاتلونا واستحلوا دمائنا وأموالنا...حتى نصرنا الله عليهم وظفرنا بهم ، وهو الذي ندعو الناس اليه ونقاتلهم عليه بعد ما نقيم الحجة عليهم من كتاب الله وسنة رسوله (ص) وإجماع السلف الصالح من الأمة ، ممتثلين لقوله تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله) فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان قاتلناه بالسيف والسنان".[10]

      ثم  بادر الوهابيون لهدم القباب  التي كانت على محل مولد النبي (ص) ومولد ابي بكر ومولد الامام علي و السيدة خديجة ، والتي كانوا يعتبرونها "أصناما تعبد من دون الله" . وأرسل سعود رسالة الى السلطان العثماني سليم ، يخبره فيها بأنه "قد هدم ما هنالك من أشباه الوثنية" .[11]  و أمر  مناديه أن ينادي في مكة المكرمة: ( يا ايها الذين آمنوا انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ).

 

   و وقف الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في مكة قائلا:" ان من قال يا رسول الله، أو يا ابن عباس ، أو يا عبد القادر أو غيرهم من المخلوقين ، طالبا بذلك دفع شر أو جلب خير من كل ما لا يقدر عليه الا الله تعالى من شفاء المريض والنصر على العدو ، والحفظ من المكروه ونحو ذلك: انه مشرك شركا أكير ، يهدر  دمه ويبيح ماله ، وان كان يعتقد أن الفاعل المؤثر في تصريف الكون هو الله تعالى وحده ، لكنه قصد المخلوقين بالدعاء متشفعا بهم ومتقربا بهم لتقضى حاجته من الله بسرهم وشفاعتهم له فيها أيام البرزخ".[12]

 

   واستصدر الوهابيون عدة بيانات من علماء الحرمين ومن الشريف غالب بالاعتراف بالدين الجديد (الاسلام) والتبرؤ من دينهم السابق (الشرك) والإفتاء بكفر عامة المسلمين – تحت تهديد السلاح بالطبع -  فأصدر علماء مكة المكرمة البيان التالي :" نحن علماء مكة الواضعون خطوطنا في هذا الرقيم: ان هذا الدين الذي قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ، ودعا اليه إمام المسلمين سعود بن عبد العزيز ، من توحيد الله ونفي الشرك الذي ذكره في هذا الكتاب ، أنه هو الحق الذي لا شك فيه. ولا ريب وان ما وقع في مكة والمدينة سابقا ومصر والشام وغيرهما من البلدان ، الى الآن ، من أنواع الشرك المذكورة في هذا الكتاب ، أنه: الكفر المبيح للدم والمال ، والموجب للخلود في النار. ومن لم يدخل في هذا الدين ويعمل به ويوالي أهله ويعادي أعداءه فهو عندنا كافر بالله واليوم الآخر. و واجب على إمام المسلمين ، والمسلمين ، جهاده وقتاله حتى يتوب الى الله مما هو عليه ، ويعمل بهذا الدين.

اشهد بذلك:

1-              عبد الملك بن عبد المنعم القلعي والحنفي ، مفتي مكة المكرمة.

2-              محمد بن صالح بن ابراهيم ، مفتي الشافعية بمكة.

3-              محمد بن محمد عربي البناتي ، مفتي المالكية بمكة

4-               محمد بن أحمد ، المالكي

5-              محمد بن يحيى ، مفتي الحنابلة بمكة

6-              عبد الحفيظ بن درويش العجيمي

7-              زين العابدين جمل الليل

8-              علي بن محمد البيتي

9-              عبد الرحمن جمال

10-         بشر بن هاشم الشافعي".[13]

    وأصدر علماء المدينة المنورة كذلك بيانا مشابها ، جاء فيه:" نشهد بأن هذا الذي قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، ودعانا اليه إمام المسلمين سعود من توحيد الله ونفي الشرك ، هو الدين الحق الذي لا شك فيه ولا ريب. وان ما وقع في مكة والمدينة سابقا والشام ومصر وغيرها من البلدان الى الآن من أنواع الشرك المذكورة في هذا الكتاب أنها : الكفر المبيح للدم والمال... وكل من خالف ما في هذا الكتاب من أهل مصر والشام والعراق وكل من كان دينهم الذي هم عليه الآن فهو كافر مشرك.

أشهد بذلك وأنا الفقير بن حسين ، بالروضة الشريفة ، وكتبه محمد صالح رضوان ، وشهد بذلك وكتبه محمد بن اسماعيل ، وكتبه الفقير الى الله حسن".[14]

    وهكذا وقع الشريف غالب بن مساعد على بيان مشابه يعترف فيه على نفسه بالكفر سابقا ، بالاضافة الى تكفير الأمة الاسلامية جمعاء .[15]

 

إعلان تكفير الدولة العثمانية

 

     وعندما حاولت الدولة العثمانية ان تتنازل قليلا لسعود بن عبد العزيز فبعثت له بعدة وفود و رسائل تطلب فيها الهدنة والصلح ، كتب في جواب ذلك رسالة مطولة الى يوسف باشا ، جاء فيها:" وأما المهادنة والمسابلة على غير الاسلام ، فهذا أمر محال ، بحول الله وقوته ، وأنت تفهم أن هذا أمر طلبتموه منا مرة بعد مرة ... وبذلتم الجزية على أنفسكم كل سنة ثلاثين ألف مثقال ذهبا ، فلم نقبل منكم ولم نجبكم بالمهادنة ، فان قبلتم الاسلام فخيرتها لكم وهو مطلبنا ، وان توليتم فنقول كما قال الله تعالى: (فان  تولوا فانما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم).[16]

 

  وقد احتج  والي بغداد سليمان باشا  ، على هذه الرسالة العنيفة ، فأرسل  اليه سعود  رسالة  يعلن فيها  موقفه الصريح من الدولة العثمانية ، التي أخذ يتهمها بالكفر والشرك والردة ، ويدعوها الى الدخول في الاسلام . وقد جاء فيها: " ذكرتم أن كتابنا المرسل الى يوسف باشا ، على غير ما أمر الله به ورسوله من الخطاب للمسلمين ، بمخاطبة الكفار والمشركين ، وان هذا حال الضالين وأسوة الجاهلين ، فنقول : بأنا متبعون ما أمر الله به ورسول عباده المؤمنين. ومن تلبيس إبليس أن يظن أن ما ذم الله به اليهود والنصارى والمشركين لا يتناول من شابههم من هذه الأمة ... ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم ، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم وسلكوا سبيلهم.. وغلب الشرك على أكثر النفوس ، لظهور الجهل وخفاء العلم وصار المعروف منكرا والمنكر معروفا.. نشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير ، وطمست الأعلام واشتدت غربة الاسلام وقلّت العلماء وغلبت السفهاء وتفاقم الأمر واشتد البأس وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس. ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين ، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين ، الى أن يرث الله الأرض ومن عليها... فانظر الى تصريح هؤلاء الأئمة  بأن هذه الأعمال الشركية قد عمت بها البلوى وشاعت في كثير من بلاد الشام وغيرها ، وان الاسلام قد اشتدت غربته.. وان هذه المشاهد والأبنية التي على القبور قد كثرت وكثر الشرك عندها وبها حتى صار كثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ، بل أعظم شركا عندها وبها. وهذا ما يبطل قولكم إنكم على الفطرة الاسلامية والاعتقادات الصحيحة ، ويبين أن أكثركم قد فارق ذلك ونبذه وراء ظهره وصار دينه الشرك بالله ودعاء الأموات والاستغاثة بهم.

    وأما قولكم: ( فنحن مسلمون حقا ، وأجمع على ذلك أئمتنا أئمة المذاهب الأربعة ومجتهدوا الدين والملة المحمدية).

   فنقول: قد بينا من كلام الله وكلام رسوله وكلام أتباع الأئمة الأربعة ما يدحض حجتكم الواهية ويبطل دعواكم الباطلة. وحالكم وحال أئمتكم وسلاطينكم تشهد بكذبكم وافترائكم في ذلك. وقد رأينا لما فتحنا الحجرة الشريفة ، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ، عام 22 رسالة لسلطانكم سليم ، أرسلها الى ابن عمه الى رسول الله يستغيث به ويدعوه ويسأله النصر على الأعداء من النصارى وغيرهم ، وفيها من الذل والخضوع والعبادة والخشوع ما يشهد بكذبكم ، وأولها: (من عُبيدك السلطان سليم ، وبعد يا رسول الله قد نالنا الضر ونزل بنا المكروه ن نسألك النصر عليهم والعون عليهم) . وقال غير واحد من العلماء: إن من أسباب الكفر والشرك : الغلو في الصالحين... فكل هذا شرك وضلال ، يستتاب صاحبه ، فان تاب ، وإلا قتل.

   وأما قولكم: (وأما  ما اعترينا من الذنوب فلا يخرجنا من  دائرة الاسلام ، كما زعمت الخوارج).

   فنقول: نحن بحمد الله لا نكفر أحداَ من أهل القبلة بذنب ، وانما نكفرهم بما نص الله ورسوله وأجمع عليه علماء الأمة المحمدية: أنه كفر ، كالشرك في عبادة الله غيره ، من دعاء ونذر وذبح ، وكبغض الدين وأهله والاستهزاء به.

   وأما قولكم: (فكيف التجري بالغفلة على إيقاظ الفتنة بتكفير المسلمين وأهل القبلة ، ومقاتلة قوم بؤمنون بالله واليوم الآخر ، واستباحة أموالهم وأعراضهم وعقر مواشيهم وحرق أقواتهم ، من نواحي الشام...إلخ؟).

   فنقول: قد قدمنا أننا لا نكفّر بالذنوب ، وانما نقاتل ونكفر من أشرك بالله وجعل لله ندا... فان كنتم صادقين في دعواكم: (أنكم على ملة الاسلام ومتابعة الرسول (ص)) فاهدموا تلك الأوثان كلها وسووها بالأرض ، وتوبوا الى الله من جميع الشرك والبدع ، وحققوا قول : (لا إله إلا الله). ومن صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله من الأحياء والأموات ، فانهوه عن ذلك ، وعرّفوه أن هذا مناقض لدين الاسلام ومشابهة لدين عباد الأصنام ، فإن لم ينته عن ذلك الا بالمقاتلة ، وجب قتاله ، حتى يجعل الدين كله لله...

   فإذا فعلتم ذلك فأنتم إخواننا لكم ما لنا وعليكم ما علينا ، يحرم علينا دماؤكم وأموالكم . وأما ان دمتم على حالكم هذه ، ولم تتوبوا من الشرك الذي أنتم عليه وتلتزموا دين الله الذي بعث الله به رسوله ، وتتركوا الشرك والبدع والمحدثات ، لم نزل نقاتلكم حتى تراجعوا دين الله القويم وتسلكوا طريقه المستقيم.

   (وقاتلوهم حتى لا يكون فتنة ويكون الدين كله لله).

حرر في اليوم الرابع عشر من شهر ذي القعدة ، سنة خمس وعشرين".[17]

 

    ان إعلان تكفير الدولة العثمانية و رعاياها من المسلمين ، من قبل الحركة الوهابية بقيادة الأمير سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود ، الذي اقترن مع حملات عسكرية عنيفة على اطرافها المختلفة ، واستعمال لدرجة عالية من الإرهاب ، حقق لابن سعود سيطرة شبه كاملة على الجزيرة العربية ، ولكنه استفز الدولة العثمانية و العالم الاسلامي للقيام بحملة مضادة تمثلت في الإيعاز الى والي مصر محمد علي باشا بالهجوم على الحجاز و نجد و القضاء على الدولة الوهابية. ولم ينفع بعد ذلك تراجع زعيم الوهابية الجديد الأمير عبد الله بن سعود  عن التكفير ، و لا إعلان الولاء التام للسلطان العثماني محمود الغازي  والاعتراف بأنه " عبد من عبيد الباب العالي و من جملة الخدام" [18]

   وبما أنه كان من الصعب جداً على عامة المسلمين القبول بالدعوة الوهابية التي كانت تحتم عليهم الاعتراف على انفسهم بالشرك و الكفر و الدخول في الاسلام من جديد ،  فقد كانت تلقى منهم مجابهة واسعة و عريضة ، ولم يكن أمام الحركة الوهابية الا استخدام العنف و الإرهاب لإجبار الناس على الخضوع لهم و القبول بعقيدتهم ، و هذا ما كان يمهد الطريق للعمل من أجل مقاومتهم و تحين الفرص للتخلص منهم بالقوة.إذ أن السيف وحده لم يكن ليشكل يوما أساساً لدولة ، وان الشعب الذي يخضع  لحركة قوية قد يقبل بها مؤقتا ، ولكن رفض الشعب لها سيكون  سلبياً و عنيفاً في المستقبل . وهو ما حصل بالفعل فقد كانت المواجهة قائمة على قدم وساق بين أغلب سكان المناطق في الجزيرة العربية و الجيوش السعودية الوهابية الغازية، وكان لهذه المواجهات العسكرية المستمرة دوراً  كبيراً  في إفشال الدولة الوهابية الاولى  .

 

   و هذا  ما ذهب اليه حافظ وهبة ، مستشار الملك عبد العزيز بن سعود ، حيث قال  ان السبب الأول لسقوط الدولة السعودية الأولى : أنها كانت مستندة الى القوة العسكرية أكثر من استنادها على القلوب ، و ان الدعوة لم تتمكن من قلوب الناس ، و لذلك فان  الثورات كانت تنشب من وقت لآخر لطرح الحكم السعودي ، لا سيما في البلاد البعيدة عن نجد كعسير و عمان.[19] و هو ما ذهب اليه أيضا الدكتور عبد الله بن عثيمين الذي قال :" كانت الحروب من أهم أسباب توسع الدولة السعودية الأولى ، كما كانت السبب الجوهري في نهايتها". [20]

 

 

 

 

  

 

 



[1]  - يقول الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب :" لا نكفر الا من بلغته دعوتنا للحق ، ووضحت له المحجة وقامت  عليه الحجة ، وأصر مستكبرا معاندا ، كغالب من نقاتلهم اليوم ، يصرون على ذلك الإشراك ... ونعتذر عمن مضى : بأنهم مخطئون معذورون ، لعدم عصمتهم من الخطأ.

  فان قلت: فما القول فيمن حرر الأدلة، واطلع على كلام الأئمة القدوة ، واستمر مصرا على ذلك حتى مات؟

   قلت: لا مانع من ان نعتذر لمن ذكر ، ولا نقول : انه كافر ، ولا لما تقدم انه مخطيء ، وان استمر على خطئه ، لعدم من يناضل عن هذه المسألة في وقته بلسانه وسيفه وسنانه ، فلم تقم عليه الحجة ولا وضحت له المحجة". الدرر السنية والأجوبة النجدية ، ج1 ص 234 – 235 وصيانة الانسان عن وسوسة الشيخ دحلان ، لمحمد بشير السهسواني الهندي ، ص 419

[2]  - ويقصد به مفهومه الخاص عن التوحيد ،  كما هو واضح

[3]  -    و قد عبر الأمير سعود بن عبد العزيز ، عن التزام الحركة الوهابية بالجهاد الابتدائي ، عندما دخل مكة المكرمة ، سنة 1218 هـ حيث أصدر بيانا قال فيه بعد أن شرح معنى الشرك بالمفهوم الوهابي:" .. هذا هو الذي ندعو الناس اليه و نقاتلهم عليه بعد ما نقيم الحجة عليهم من كتاب الله وسنة رسوله (ص) و إجماع السلف الصالح من الأمة ، ممتثلين لقوله تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله) فمن لم يجب الدعوة بالحجة و البيان قاتلناه بالسيف و السنان".[3]

    وقال في مكان آخر:" قد قدمنا أننا لا نكفّر بالذنوب ، و انما نقاتل و نكفر من أشرك بالله وجعل لله ندا...  فإن لم ينته عن ذلك الا بالمقاتلة ، وجب قتاله ، حتى يجعل الدين كله لله...

  وأما ان دمتم على حالكم هذه ، ولم تتوبوا من الشرك الذي أنتم عليه و تلتزموا دين الله الذي بعث الله به رسوله ، و تتركوا الشرك و البدع و المحدثات ، لم نزل نقاتلكم حتى تراجعوا دين الله القويم و تسلكوا طريقه المستقيم.  (وقاتلوهم حتى لا يكون فتنة ويكون الدين كله لله)".[3]

   و أجبر سعود علماء مكة و المدينة على إصدار فتوى تقول:" إن من لم يدخل في هذا الدين ويعمل به و يوالي أهله و يعادي أعداءه فهو كافر بالله واليوم الآخر. و واجب على إمام المسلمين ، والمسلمين ، جهاده و قتاله حتى يتوب الى الله مما هو عليه ، و يعمل بهذا الدين".[3]

 

 

 

 

[4]  -  يقول المؤرخ الوهابي عثمان ابن بشر ، وهو يصف هزيمة أهل الرياض سنة 1187: " فَرَّ اهل الرياض ، الرجال والنساء والاطفال لا يلوي أحد على أحد هربوا على وجوههم الى البرية في السهال قاصدين الخرج ، وذلك في فصل الصيف ، فهلك منهم خلق كثير جوعاً وعطشا ... وتركوها خاوية على عروشها ، الطعام واللحم في قدوره والسواني واقفة في المناحي ، وأبواب المنازل لم تغلق ، وفي البلد من الاموال ما لا يحصر ، فلما دخل عبد العزيز الرياض وجدها خالية من أهلها الاّ قليلاً فساروا في اثرهم يقتلون ويغنمون .." ( عنوان المجد  ، ص 120)

ويكمل ابن غنام المشهد ، فيقول : " استولى ابن سعود على جميع ما في الرياض من أموال ونخيل فيئا من الله لأنه لم يوجف عليها  خيل ولا ركاب". ( تاريخ نجد ، ص 138)

 

[5]  - يقول ابن غنام إنه في سنة 1206 و 1207  هجم سعود على القطيف والأحساء وقتل وأباد نحو ألف وخمسمائة رجل ، واقام مجازر رهيبة بحق السكان.  ( ابن غنام: تاريخ نجد ، ص 182- 183)

  وفي  سنة 1208- حاصر سعود بعض القرى في الأحساء وقتل منهم رجالا ونهب أموالا ، وأمر أهل القرين بالجلاء. وكان الأعراب وأهل البوادي ممن مع سعود في تلك الأثناء يدمرون في الاحساء ويقطعون النخيل . ( ابن غنام: تاريخ نجد ، ص 187)

    وقد صور المؤرخ الوهابي عثمان ابن بشر أحداث إحدى  تلك الغزوات الملطخة بالعنف والدماء ، وهي (وقعة الرقيّقة) التي حدثت عام 1210 ، بقوله : " ثور المسلمون بنادقهم دفعة واحدة فأرجفت الأرض واظلمت السماء وثار عج الدخان في الجو وأسقطت كثير من الحوامل في الأحساء. ثم نزل سعود في (الرقيقة) المذكورة . وأقام  مدة أشهر يقتل من أراد قتله . ويجلي من أراد جلاءه ، ويحبس من أراد حبسه ويأخذ من الاموال، ويهدم من المحال ، ويبني ثغورا ويهدم دورا ، وضرب عليهم ألوفاً من الدراهم وقبضها منهم ، وأكثر فيهم سعود القتل ... فهذا مقتول في البلد ، وهذا يخرجونه الى الخيام  ويضرب عنقه عند خيمة سعود ، حتى افناهم الاّ قليلاً ، وحاز سعود من الاموال في تلك الغزوة ما لايعد ولا يحصى " . ويقول ابن بشر: ان ابن سعود  قتل من أهل قرية واحدة هي (الفضول)  ثلاثمائة رجل ، حتى صارت تلك القرية مضرب الأمثال. ( عنوان المجد ، ص 216)

[6]  -  يقول الجبرتي: أخذ البلدة الوهابيون واستولوا عليها عنوة وقتلوا الرجال وأسروا النساء والأطفال ، وهذا دأبهم مع من يحاربهم./ غالب ، محمد أديب : من أخبار الحجاز ونجد في تاريخ الجبرتي ، ص 90 

 

[7]  - ابن بشر: عنوان المجد ، ص 257 - 258

[8]  - ابن بشر: عنوان المجد ، ص 261

[9]  - عبد العزيز التويجري ، لسراة الليل هتف الصباح ، ص 49

[10]  - غالب ، محمد أديب : من أخبار الحجاز ونجد في تاريخ الجبرتي ، ص 94

[11]  - عبد العزيز التويجري ، لسراة الليل هتف الصباح ، ص 46

[12]  - الدرر السنية والأجوبة النجدية ، ج1 ص 224 ورغم هذه الصراحة في تكفير عامة المسلمين الذين كانوا ولا يزالون يطلبون الشفاعة من الأنبياء والأولياء ، فان الشيخ عبد الله يشكو في أماكن أخرى من كذب الخصوم بإلصاق تهمة تكفير المسلمين بالعموم بالوهابيين ، فيقول في رسالة له:" وأما ما يكذب علينا سترا للحق وتلبيسا على الخلق... أنا نكفر الناس على الإطلاق ومن بعد الستمائة ، الا من هو على ما نحن عليه ، ومن فروع ذلك أنا لا نقبل بيعة أحد حتى نقرر عليه بأنه كان مشركا ، وأن أبويه ماتا على الإشراك بالله... كان جوابنا عليه في كل مسألة من ذلك (سبحانك هذا بهتان عظيم). ولكنه يكمل فيقول: " فان قال قائل: يلزم من تقريركم وقطعكم في أن من قال: (يا رسول الله اسألك الشفاعة) أنه مشرك مهدر الدم ، أن يقال: يكفر غالب الأمة ولا سيما المتأخرين ، لتصريح علمائهم المعتبرين: أن ذلك مندوب ، وشنوا الغارة على من خالف في ذلك.

   قلت: لا يلزم ، لأن لازم المذهب ليس بمذهب ، ونحن نقول فيمن مات : تلك أمة قد خلت ، ولا نكفر الا من بلغته دعوتنا للحق ، ووضحت له المحجة وقامت  عليه الحجة ، وأصر مستكبرا معاندا ، كغالب من نقاتلهم اليوم ، يصرون على ذلك الإشراك .. وغير الغالب: انما نقاتله لمناصرته من هذه حاله ، ورضاه به ، ولتكثير سواد من ذكر ، والتأليب معه ، فله حينئذ حكمه في قتاله. ونعتذر عمن مضى : بأنهم مخطئون معذورون ، لعدم عصمتهم من الخطأ.

  فان قلت: فما القول فيمن حرر الأدلة، واطلع على كلام الأئمة القدوة ، واستمر مصرا على ذلك حتى مات؟

   قلت: لا مانع من ان نعتذر لمن ذكر ، ولا نقول : انه كافر ، ولا لما تقدم انه مخطيء ، وان استمر على خطئه ، لعدم من يناضل عن هذه المسألة في وقته بلسانه وسيفه وسنانه ، فلم تقم عليه الحجة ولا وضحت له المحجة". الدرر السنية والأجوبة النجدية ، ج1 ص 234 – 235 وصيانة الانسان عن وسوسة الشيخ دحلان ، لمحمد بشير السهسواني الهندي ، ص 419

 

[13]  - الدرر السنية والأجوبة النجدية ، ج1 ص 314

[14]  - الدرر السنية والأجوبة النجدية ، ج1 ص 317

[15]  - الدرر السنية والأجوبة النجدية ، ج1 ص 316

[16]  - هامش  عنوان المجد ، لابن بشر ، ج1 ص 323 ، نقلا عن الدرر السنية والأجوبة النجدية ، ج7 ص 261

[17]  - الدرر السنية والأجوبة النجدية ، ج1 ص 287 و  304 – 313 راجع أيضا : رسائل أئمة دعوة  التوحيد ، لفيصل بن مشعل آل سعود ، ص 55 - 79

[18]  -  عبدالرحيم عبدالرحيم ، الدولة السعودية الأولى ص392-393

[19]  - كشك ،  محمد جلال :السعوديون والحل الاسلامي ، ص 190-191

 

[20]  - ابن عثيمين:تاريخ المملكة العربية السعودية ، ص 177