لقد كان النظام
السياسي في تلك الأيام بصورة عامة ، والبدوي بصورة خاصة ، يقوم على القوة و
الوراثة و ليس الشورى و الانتخاب ،
وكان يعاني من خلل كبير هو: التباس حق الخلافة في الإمارة عندما يموت الأمير و ليس له ابن رشيد ، أو ذو مقدرة معترف
بها ليتولى مقاليد الحكم ، إذ يقع النزاع المسلح على الخلافة بين المتنافسين من
اخوة و أعمام و أولاد الأعمام ، فتقع نتيجة لذلك سلسلة من الحروب الداخلية لا تنتهي
الا بدمار المجتمع وزرع مزيد من العداوة
والبغضاء فيه . وكان ينتظر من أي مصلح خاصة اذا كان يهدف الى التجديد في الدين ،
أن يحل هذه المشكلة المزمنة ليعيد الأمور الى طبيعتها و يقيم نظاماً اسلامياً يقوم
على الشورى و الاختيار و التبادل
السلمي للسلطة ، و لكن الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي كان يركز على موضوع إصلاح
العقيدة الاسلامية و محاربة الشرك في الأمة ، لم يلتفت كثيرا الى مشكلة النظام
السياسي ، و انخرط في النظام البدوي
الوراثي القائم ، بل كرس ذلك النظام و أعطاه شرعية دينية و بايع الأمير محمد بن سعود بدلا
من أن يأخذ البيعة من الامير له.
وعلى أية حال فان اتفاق الشيخ
مع الأمير ، لم يطرح أي تصور واضح عن
العلاقة بين الحركة الوهابية وبين آل سعود ، ولم يتضمن أي حديث عن نظام الشورى او
مشاركة الأمة في انتخاب الامام ، ولم يشر الى أي دور له أو لذريته في تعيين الامام
في المستقبل ، أو كيفية إدارة الدولة و اتخاذ القرارات المهمة فيها. كما لم يتحدث
عن طريقة تبادل السلطة داخل الامارة بين الأبناء و الاخوان من آل سعود ، و انما ترك كل ذلك لما
اعتاد عليه النظام القبلي و لإرادة الأمير الحاكم.
و هكذا اتخذت التجربة
الوهابية السعودية الأولى التي قامت على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد
بن سعود عام 1158هـ صفة الحكم
الاستبدادي المطلق ، وخلت من أي صورة من صور المشاركة الشعبية ، سواء في داخل
الحركة الوهابية او بالنسبة للجماهير التي خضعت لحكم الدولة التي أقامتها باسم
الوهابية [1].
وعلى رغم ان الشيخ محمد
بن عبد الوهاب عاش فترة طويلة في ظل إمارة آل سعود (حوالي أربعين عاما) ، و شهد
نجاحها في السيطرة على تمام نجد ، الا انه مع ذلك لم يقدم تصوراً مستقراً و
متكاملاً عن النظام السياسي او
المشاركة الشعبية او العلمائية فيه ، ما عدا مشاركته هو و مشاركة أبنائه في إرشاد الأمراء بشكل شخصي ، او تقديم المشورة غير الملزمة لهم (إذا استثنينا بالطبع
الحالة الخاصة التي كان يهيمن فيها الشيخ محمد بن عبد الوهاب على السلطة في ظل
إمارة محمد بن سعود و ابنه عبد العزيز).
واذا كان أمراء آل
سعود قد قاموا في بعض الاحيان ،
بتشكيل مجالس استشارية ضمت عددا من رؤساء القبائل و حكام الأقاليم و أهل العلم ، و
لكن عملية الاستشارة ، أو مجالس الشورى تلك ، لم تكن لتلزم الأمراء ، الذين
كانوا يتخذون القرارت بصورة فردية.
و للإنصاف لم يكن أحد يتوقع من
الشيخ عبد الوهاب ، أن يقوم في تلك الأجواء الفكرية السائدة في العالم آنذاك ، و
الظروف الموضوعية التي كانت تمر بها صحاري نجد ، بتغيير أسس النظام الاجتماعي
والسياسي البدوي الحاكم واستبداله بنظام الشورى المهمل منذ القرن الهجري
الاول.
ونظرا لغياب نظام الشورى و عدم وجود آلية لمحاسبة الأمراء المتمردين أو المخالفين
لأوامر القيادة العليا ، لم يكن أمام النظام الوهابي الجديد سوى اللجوء الى القوة
لحل الخلافات الداخلية. كما حدث مع الأمير عثمان بن معمر الذي كان قد أصبح
قائداً أعلى للقوات الوهابية عام
1161هـ ، والذي حاول أن يسلك طريق الصلح والسلام مع خصوم الدعوة الوهابية وخصوصا
مع أمير الرياض دهام بن دواس ، الذي دعاه الى العيينة للحوار معه و أرسل الى الشيخ
محمد بن عبد الوهاب وألحّ عليه بالحضور ، ولكن الشيخ رفض الصلح واللقاء بدهام. [2]
و قرر بدلاً من ذلك تصفية عثمان بن معمر اغتيالاً ، فأرسل اليه من يقتله في المسجد
بعد أداء صلاة الجمعة ، في منتصف رجب عام 1163هـ .[3]
وكان موضوع تكفير المسلمين الذين
لا يؤمنون بمباديء الوهابية ، و إعلان الحرب عليهم ، موضع خلاف داخلي و تململ في
صفوف الكيان الوهابي الجديد في أيامه الأولى ، حيث ألّف الشيخ سليمان بن عبد
الوهاب ( أخو الشيخ محمد) ، الذي كان يشغل منصب القضاء في حريملا ، كتابا يرفض فيه
بشدة عملية التكفير لعموم المسلمين .
وقد أدى انتشار ذلك
الكتاب ورفض الشيخ محمد مبادرة الصلح الى حدوث تململ عام في كافة المدن والقرى
الوهابية ، فانشق أمير ثرمدا إبراهيم بن سلمان ، و قام أمير ضرما ، إبراهيم بن
محمد بن عبد الرحمن سنة 1164 بالتمرد
، و تبعه أهل حريملا بإعلان
الاستقلال عن حكم آل سعود سنة 1165 ، وإخراج الوهابيين من بلدتهم ، وقتل أميرهم
محمد بن عبد الله المبارك.[4]و
هكذا فعل أهل (منفوحة) الذين طردوا في السنة التالية أميرهم محمد بن صالح وتمردوا على
القيادة الوهابية.[5] وأرسل الشيخ
سليمان رجلا من أنصاره الى العيينة ، اسمه (سليمان بن خويطر) وأعطاه كتابه و أمره
ان يقرأه في المحافل و البيوت ، فأثر في قلوب بعض أهل العيينة . كما تأثر بعض أهل
الدرعية نفسها بفكر الشيخ سليمان ، المعتدل و الرافض للتكفير.
وبدلا من فتح باب الحوار حول
الموضوع ، أمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بإلقاء القبض على (سليمان بن خويطر) بتهمة
ترويج كتاب أخيه ، و أصدر أمرا بإعدامه ، فقتل.[6] و قامت
مجموعة وهابية بالهجوم على أمير ضرما المتمرد ابراهيم بن محمد و قتله في مجلسه .[7]
ولكن المعارضة لم تخمد ، وكادت أن تتحول الى انتفاضة عامة ، فأوعز الشيخ محمد بن عبد
الوهاب الى أمير ضرما الجديد محمد بن عبد الله بالتصرف كيفما يشاء معها ، فبادر
هذا الى اعتقال المشكوك فيهم واعدامهم صبراً.[8]
و قامت القوات الوهابية بالهجوم على ثرمدا ، و قتل حوالي سبعين شخصا من أهلها
"المرتدين".[9]
ثم قام عبد العزيز بن محمد بن سعود سنة 1168 بمهاجمة حريملا والقضاء على حركة التمرد
التي استمرت أربع سنوات ، و إخضاع البلدة بالقوة ، بعد أن قتل من أهلها مائة رجل .
وصادر أموال الناس الذين هربوا في الشعاب والجبال .[10]
و قام بعد ذلك بمهاجمة (منفوحة) ومقاتلة أهلها و صادر كثيرا من الإبل و البقر و الحمير. [11]
من المعروف ان الفكر السياسي
الاسلامي عموما انقسم ، منذ العصر الأول ، الى مدرستين رئيسيتين هما المدرسة
السنية التي تقول بالشورى والمدرسة الشيعية (الامامية) التي تقول بالنص والتعيين ،
حيث قالت المدرسة السنية ، بصورة عامة ، بنظرية الشورى في الحكم ، و عدم تعيين
الرسول الأعظم محمد (ص) لأي خليفة من بعده بالنص ، خلافا للمدرسة الامامية التي قالت بأن النبي قد عين
خليفته من بعده ، و أنه قد حصر الخلافة في أهل البيت. و تبعا لذلك فقد آمنت
المدرسة السنية بشرعية خلافة ابي
بكر و عمر و عثمان و علي ، عن طريق البيعة و الانتخاب
بالصور المختلفة التي تمت بها .
وبغض النظر عن تحول الخلافة في العهدين
الأموي و العباسي الى نظام وراثي قائم على القوة ، الا ان المتكلمين السنة ظلوا
يتحدثون عن البيعة و الشورى كأساس لشرعية النظام ، كما فعل الأشعري في (الإبانة)
والباقلاني في (تمهيد الاوائل): حيث
قال " انما يصير الامام إماما بعقد من يعقد له الامامة من أفاضل المسلمين
الذين هم أهل الحل والعقد المؤتمنين على هذا الشأن " .
ومع ان بيعة أهل الحل و العقد و أفاضل
المسلمين لم تكن دائما تمثل عموم المسلمين ، الا انها كانت تلبي ، بدرجة ما ، طموح
أصحاب نظرية الشورى و الراغبين بقيام الحكم الاسلامي على أساس من الشرعية
الدستورية المبنية على الانتخاب و الشورى و رضا الأمة ، و ليس القوة و القهر و الغلبة.
ولكن هذه الرغبة تراجعت قليلا ، في القرن الثالث الهجري مع الامام أحمد بن حنبل
الذي اشتهر عنه القول:" بأن من غلبهم
صار خليفة و سُمّيَ اميرَ المؤمنين ، ولا يحل لأحد يؤمن الله واليوم الآخر
أن يبيت و لا يراه اماماً عليه ، براً كان أو فاجراً ، فهو أمير المؤمنين ". ثم
جاء أبو يوسف الماوردي ، في القرن الخامس الهجري ، ليقبل في (الأحكام السلطانية)
إمارة الاضطرار والاستيلاء ، الى جانب عملية العهد من الامام السابق الى اللاحق ، و اختيار أهل الحل
والعقد.
ولكن الفكر السياسي الاسلامي عاد فارتقى
من جديد الى روح الشورى ، مع الفقيه الحنبلي أبي يعلى (458هـ) الذي رفض عقد
الخلافة الا ببيعة جمهور أهل الحل والعقد ، و رفض إمامة المعهود اليه الا
بانعقادها بعد موت العاهد باختيار أهل الوقت. و فسر قول الامام أحمد (من غلبهم بالسيف
صار خليفة) أنه أراد غلبة نظرائه ممن يطلب الأمر ، فاذا غلبهم فبايعه الناس بعد
ذلك صار خليفة ، و لم يرد به أنه يصير بنفس الغلبة خليفة.
ثم أصبح الفكر السياسي الاسلامي (السني)
أكثر واقعية و انعكاسا لطبيعة الانظمة القائمة ، عندما أخذ الفقهاء يعترفون بصراحة
بشرعية الطريق الثالث القائم على القوة والقهر و الغلبة ، الى جانب أختيار أهل
الحل والعقد و ولاية العهد ، حيث اعترف الجويني في كتابه (الغياثى) بإمكانية غياب الامام الحق ، و قرر امامة
المستولي غير المستجمع للشروط ما دام متغلبا و مستبدا بالسلطة، وسماه (والياً) و اشترط
عليه مراجعة العلماء. وقال ابن قدامة (630هـ) في (الكافي – كتاب أهل البغي ) :" كل من ثبتت امامته حرم
الخروج عليه وقتاله سواء ثبتت
بإجماع المسلمين عليه كإمامة أبي بكر الصديق أو بعهد الامام الذي قبله كعهد أبي
بكر الى عمر ، أو بقهره للناس حتى أذعنوا له و دعوه اماماً كعبد الملك بن مروان". وأقر يحيى بن شرف النووي (677هـ) في
(منهاج الطالبين) و (روضة الطالبين) : القهر و الغلبة كوسيلة مشروعة للاستيلاء على
السلطة ، حيث قال بصراحة:" تنعقد
الامامة بثلاثة طرق ... البيعة.. واستخلاف الامام من قبل و عهده اليه .. و أما الطريق
الثالث : فهو القهر والاستيلاء ، فاذا مات الامام فتصدى للامامة من جمع شرائطها من
غير استخلاف ولا بيعة ، وقهر الناس بشوكته وجنوده انعقدت خلافته لينتظم شمل المسلمين
، فان لم يكن جامعا للشرائط بأن يكون فاسقا أو جاهلا فوجهان: أصحهما انعقاده لما
ذكرناه و ان كان عاصيا بفعله".
و هكذا قال البناني
، (1194هـ) ، المعاصر للشيخ محمد بن
عبد الوهاب ، في (حاشية البناني على شرح الزرقاني) : " اعلم أن الامامة تثبت
بأحد أمور ثلاثة: اما بيعة أهل الحل و العقد ، واما بعهد الامام الذي قبله ، و اما
بتغلبه على الناس ، و حينئذ فلا يشترط فيه شرط ، لأن من اشتدت على الناس وطأته
وجبت طاعته".
بل ان فقيها مثل (ابن عابدين ) اعتبر
الامامة مقرونة بالقوة و دائرة مدارها ، و سلب الشرعية من الامام الذي يبايعه
الناس و لا يملك القوة ، وقال : " يصير (الامام) اماماً بالتغلب و نفاذ الحكم و القهر بدون مبايعة ، او استخلاف
، فان بايعه الناس ولم ينفذ حكمه فيهم لعجزه لا يصير اماماً ".
في
هذا السياق من تدهور الفكر السياسي الاسلامي و اعترافه بالأمر الواقع ، أو إضفاء
نوع من الشرعية عليه ، و الاستسلام لنظرية القوة والقهر و الغلبة ، و الإبتعاد عن
نظرية الشورى ، جاء الشيخ أحمد بن تيمية ، الذي قام بمراجعة شاملة للفكر الاسلامي
، و دخل في مجادلات صاخبة مع جميع التيارات و المدارس و الفرق الاسلامية المختلفة
، و انتقد كثيرا من الظواهر السلبية في المجتمع الاسلامي ، فنظر الى المشكلة
السياسية من زاوية انسجام الحكام مع الشريعة الاسلامية أو عدم انسجامهم ، وطرح
نظرية التوحيد في الألوهية ، أي عبادة الله وحده لا شريك له ، تلك العبادة التي لا
تتحقق الا باتباع الشريعة الالهية . وعلى رغم اقتضاء تلك النظرية للحديث بتفصيل عن
العدالة في الحكم و شروط الحاكم و صفاته و كيفية وصوله الى السلطة بطرق شرعية ،
الا إن الشيخ ابن تيمية لم يبحث مشكلة
السلطة من ناحية طرق الحصول عليها ، ولم يجد أية ضرورة لبحث موضوع الشورى و اشتراط مجيء الحكام عبر أهل الحل والعقد ،
أو حصولهم على رضا الأمة .
وقدم ابن تيمية نظرة واقعية الى موضوع السلطة شبيهة بنظرة
المؤرخ الاجتماعي ابن خلدون ، إذ فصل مختلف الانظمة السياسية التي مرت على العالم
الاسلامي ، عن خلافة النبوة ، التي قال انها استمرت ثلاثين سنة فقط ، و انها
اختلطت بعد ذلك بالملك او تحولت الى ملك خالص . و اعتمد ابن تيمية في تحليله
التاريخي لمسألة السلطة على حديث منسوب الى الرسول الأعظم يقول فيه:
"تكون النبوة فيكم ما
شاء الله أن تكون ثم يرفعها اذا شاء أن يرفعها.
ثم تكون خلافة على
منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها اذا شاء الله أن يرفعها.
ثم تكون ملكاً عضوضا فتكون
ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها اذا شاء الله أن يرفعها.
ثم تكون ملكاً جبريا ، فتكون
ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها اذا شاء أن يرفعها.
ثم تكون خلافة على منهاج
النبوة " ثم سكت.
وقال ابن تيمية : " ان شوب الخلافة
بالملك جائز في شريعتنا ، ومعاوية قد شابها
الملك ، وليس هذا قادحا في خلافته" وإن " انتقال الأمر عن خلافة النبوة الى الملك إما ان
يكون لعجز العباد عن خلافة النبوة ، أو اجتهاد سائغ ، أو مع القدرة على ذلك علماً
وعملاً ، فان كان مع العجز كان ذو الملك معذوراً في ذلك... وان كان مع القدرة علما
وعملا ، وقدّر أن خلافة النبوة مستحبة ليست واجبة و ان اختيار الملك جائز في
شريعتنا كجوازه في غير شريعتنا ، فهذا التقدير اذا فرض أنه حق فلا إثم على الملك
العادل أيضا". [12]
و بينما كانت الخلافة عند عامة
العلماء من أهل السنة اما صحيحة و اما
باطلة ولا توسط بينهما ، وان معيار الامامة الشرعية هو من جهة انعقادها أو توليتها ، لم يذكر ابن تيمية في (السياسة الشرعية) مسألة تنصيب الامام
، لأن الخلافة الراشدة انتهت في نظره خلال السنوات الثلاثين الاولى بعد وفاة
الرسول الأعظم ، ولن تعود ثانية ، و أنها كانت تستند الى نصوص ولم تقم على أساس
الشورى.
إضافة الى أنه كان
يعتقد ان امامة الراشدين ذاتها كانت قائمة على الغلبة و السيطرة ، إذ يقول : إن
" الامام هو من يقتدى به ، وصاحب يد وسيف يطاع طوعا وكرها... و هذان الوصفان
كانا كاملين في الخلفاء الراشدين".[13]
ويقول: " إن الامام الذي يطاع هو من كان له سلطان ، سواء كان عادلاً أو
ظالما". [14]
وقد توصل ابن تيمية من خلال
ذلك التحليل الى جواز قيام الأنظمة السياسية على أساس القوة والقهر و الغلبة ، و قال:
ان الامامة " تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها ، و لا يصير الرجل اماما حتى
يوافقه أهل الشوكة الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الامامة ، فان المقصود من الامامة
انما يحصل بالقدرة و السلطان... و أما
نفس الولاية والسلطان فهو عبارة عن القدرة الحاصلة ، ثم قد تحصل على وجه يحبه الله
ورسوله كسلطان الخلفاء الراشدين ، و قد تحصل على وجه فيه معصية كسلطان
الظالمين".[15]
لقد كان ابن تيمية يعتقد ان الامامة تقوم على أساسين هما: (القوة
والأمانة) بناء على نصوص قرآنية و رد فيها ذكر القوة قبل الأمانة مثل قوله تعالى
(إن خير من استأجرت القوي الأمين) وقول صاحب مصر ليوسف (ع): (انك اليوم لدينا مكين أمين) و قول أحمد ابن حنبل : ( أما الفاجر
القوي ، فقوته للمسلمين ، و فجوره على نفسه ، و أما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه و ضعفه
على المسلمين). ومن هنا فقد جمع ابن تيمية صفات الولاية في صفتين رئيسيتين هما القوة
و الأمانة ، وقد اختلف في هذا عن فقهاء أهل السنة و غيرهم من الذين اشترطوا صفات
عديدة في الامام أو عينوا طرقا محددة لتولي السلطة ، حيث كانت القوة عنده أهم وأكثر
ضرورة ولا بد منها ، و الأمانة تابع للقدرة ، فهي حينئذ مكملة لها أو هي التي تضفي
عليها المثالية ، و بتعبير آخر فان القدرة هي أساس الولاية الواقعي ، بينما الامانة
هي مطلوب الولاية الشرعي.
و بعد القبول بفلسفة القوة في السلطة كان
لا بد من التراجع عن كثير من الأمور المثالية والشروط التي ذكرها العلماء السنة
السابقون و أكدتها أحاديث نبوية عديدة ، تتعلق بصفات الحاكم الاسلامي ، مثل شرط "القرشية"
الوارد في بعض الأحاديث النبوية مثل: (الامامة في قريش) أو ( ان هذا الأمر لقريش ما
أقاموا الدين) ، و الذي دأب أهل السنة والحديث ، و خصوصا الحنابلة ، على الالتزام به ، وكذلك التقوى و العدالة
والعلم و الكفاءة ورضا الامة أو بيعة أهل الحل والعقد.
وربما كان تخلي ابن تيمية عن مبدأ الشورى في الحكم ، يعود
الى النظرة السلبية التي كان ينظر من خلالها الى (الأمة الاسلامية) بعد أن قال
بانحرافها و تدهورها و ضلال معظم فرقها و طوائفها ، وبغربة الاسلام فيها ، استنادا
الى بعض الاحاديث التي تتحدث عن
(غربة الاسلام) وعن أفضلية القرن الأول ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. فقد كان
ابن تيمية يعتقد أن الأمة الاسلامية ليست كلها على الحق ولا هي مضمونة النجاة ، و
انما بعض منها وهم (أهل الحديث)
الذين كانوا يشكلون (الفرقة الناجية).[16]
و يقول:" ان الله لم يكن ليجمع هذه الأمة على ضلالة ، و إنه لا يزال فيها
طائفة ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم و لا من خذلهم ، و لا يزال الله يغرس في
هذا الدين غرسا يستعملهم فيه بطاعة الله".[17]
و من المعروف ان ابن تيمية
قد أخرج معظم طوائف الأمة و فرقها
حتى الأشاعرة (السنة) من أهل
الحق. ولم يكن مفهوم (الأمة) عنده بالمعنى المعروف المتبادر ، أي الجماعة الشاملة التي تتخذ الاسلام
دينا لها ، بكل فرقها ، وكما تكونت وتطورت في الواقع التاريخي ، بل كان معنى
(الأمة) عنده هي: (الجماعة الجزئية ) وهي : (أهل الحديث) أو (أهل الحديث والقرآن)
أو (أهل السنة والجماعة) كما يسميهم.[18]
وبما أن (أهل الحديث) ، أو (أهل
الحق) لا يشكلون - بالضرورة - الأغلبية دائما ، وخاصة في زمان "اغتراب
الاسلام" فقد كان من المستحيل ان يحتكم ابن تيمية الى الشورى و الأغلبية أو
يشترط حصول الامام على رضا الامة ، وكان من الطبيعي ان يميل الى نظرية القهر
والغلبة ، و يضفي نوعا من الشرعية على حكومات الأمر الواقع ، بغض الطرف عن الطريقة
التي استولت فيها على السلطة.
ومن هنا كان من المتوقع جدا أن
يلغي الشيخ محمد بن عبد الوهاب (الشورى) من قاموسه السياسي ، وأن لا يفكر بالسماح
للجماهير الواسعة بالمشاركة في الحكم
، أو يشترط رضاها أو رضا أهل الحل و العقد في تنصيب الامام وان يعتمد على
القوة و العنف في توسيع رقعة الدولة السعودية الوهابية الأولى . ولم يكن يحتاج
لاستيراد الفكر السلفي الذي يبيح استخدام القوة في الاستيلاء على السلطة أو يعتبر
(الشوكة) أساساً للحكم. و ذلك لأنه كان يرى
نفسه منخرطا في عملية ثقافية جذرية ، أكبر من مجرد بناء نظام سياسي ، و
ينظر الى موقعه تماما كموقع النبي أمام أهل الجاهلية ، حيث لم يكن يوجد أي معنى
لمنحهم حق ممارسة الشورى أو السماح لهم بالمشاركة في بناء الدولة الاسلامية أو
اختيار الامام أو اتخاذ القرارات العسكرية و السياسية .
ولم يكن يملك ما
يضيفه على الفكر السياسي الموروث من
ابن تيمية ، أو يشكك فيه ، أو يقدم بديلا جديدا عنه ، وهو الذي قام بحركة ذات صبغة فكرية عقدية ، أكثر
منها سياسية.
وإضافة الى إيمان الشيخ محمد بن عبد الوهاب بشرعية الحاكم
المتغلب والقاهر ، و رفضه للشورى، كان يدعو الناس الى طاعة الامام في ظل الدولة
الوهابية و التسليم له ، و يحرم
الثورة عليه ، بغض النظر عن طبيعة سياسته وسلوكه ، إذ يقول:" أرى وجوب السمع
والطاعة لأئمة المسلمين ، برهم و فاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله".[19]
و" إن من تمام الاجتماع : السمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبدا
حبشيا".[20]
ويقول:" من ولي الخلافة و اجتمع عليه الناس و رضوا به ، و غلبهم بسيفه حتى
صار خليفة ، وجبت طاعته وحرم الخروج عليه".[21]
وذلك ضمن السياق العام للموقف السني المدعوم بروايات كثيرة حول الموضوع. [22]
وعلى رغم وجود رأي لابن
تيمية يجيز الخروج على أي حاكم ، بشرط الالتزام بالشريعة الاسلامية ، وعدم إدانته
للخروج بصورة عامة الا إذا كان خروجا على الشريعة [23]، فإن الفكر السياسي الوهابي ، بعد إقامة
الدولة السعودية ، غض الظرف عن ذلك الرأي و عاد ليتمسك بالرأي السني القديم الذي
يحرم الخروج على الحاكم بصورة مطلقة.
و كانت فكرة الطاعة المطلقة
للإمام قد ارتبطت من قبل ، في الفكر
السياسي السلفي (السني) ، بنظرية شرعية إمامة المتغلب بغض النظر عن تحقيق العدالة الاجتماعية و المساواة أو الالتزام
بالقانون ، وتهميش دور الأمة في عملية الاصلاح الاجتماعي أو المعارضة السياسية ، و
ترك المجال السياسي للأمراء و الحكام يتصارعون فيه فيما بينهم حتى يغلب أحدهم على
الآخر. و قد أضاف الفكر الوهابي الى ذلك وجوب التسليم والخضوع لأئمة الدعوة
الوهابية من قبل أبناء الحركة ، فضلا عن عامة الناس . [24]
وبناء على ذلك فان الشيخ لم يعط الأمة أو الحركة الوهابية الحق في المعارضة أو التمرد والخروج على
النظام الوهابي. بالرغم من عدم وجود أي قانون للمحاسبة أو النقد أو التغيير . وكان يرفض توجيه النقد
للأمراء بصورة علنية. [25]
[1] - يذكر عثمان بن بشر
في (عنوان المجد في تاريخ نجد) ج1 ص 61 : ان أهل بلد العيينة ارتأوا عام 1163 بعد مقتل
أميرهم عثمان بن معمر ، أن لا يتأمر عليهم أحد من رؤسائها (من آل معمر) خوفا من أن
ينالهم منهم أذى ، فلم يوافقهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي استعمل عليهم مشاري
بن معمر.
[2] -
ابن
غنام ، تاريخ نجد ، ص 100
[3]
- يقول الشيخ حسين بن غنام:" لما
تزايد شرّ عثمان بن معمر على أهل التوحيد ، وظهر بغضه لهم وموالاته لأهل الباطل
، وتبين الشيخ محمد بن عبد الوهاب صدق ما كان يروى عنه
، وجاءه أهل البلاد كافة وشكوا اليه خشيتهم من غدره بالمسلمين قال الشيخ حينئذ لمن
وفد عليه من أهل العيينة :"أريد منكم البيعة على دين الله ورسوله ومعاداة من
عاداه وموالاة من والاه ، ولو أنه أميركم عثمان".. فلما انقضت صلاة الجمعة
قتلوه في مصلاه بالمسجد في رجب سنة 1163هـ، فلما بلغ الخبر الشيخ محمد بن عبد
الوهاب ركب الى بلد العيينة.. واستعمل فيها أميراً مشاري بن معمر . ابن غنام: تاريخ نجد ص103 و- ابن بشر:
عنوان المجد ، ج1 ص 60 - 61
[4] - ابن غنام: تاريخ
نجد ، ص 106
[5] - ابن غنام: تاريخ
نجد ، ص 106
[6] - ابن غنام : تاريخ
نجد ، ص 108
[7] - ابن غنام: تاريخ
نجد ، ص 104
[8] - ابن غنام: تاريخ
نجد ، ص 108
[9] -
ابن
غنام ، تاريخ نجد ، ص 102
[10] - ابن غنام: تاريخ نجد ، ص 109
[11] - ابن غنام ، تاريخ نجد
، ص 111
[12] - ابن تيمية: مجموع الفتاوى
، ج35 ص 25
[13] - ابن تيمية: مجموع الفتاوى ، ج1 ص 135
[14] - ابن تيمية: مجموع الفتاوى ج1 ص 149
[15] - ابن تيمية:منهاج السنة النبوية ج 1 ص 141- 142
[16] - ابن تيمية : منهاج السنة النبوية ، ج4 ص
235
[17] - ابن تيمية : منهاج
السنة النبوية ، ج4 ص 235
[18] - حسن كو نا كاتا ،
النظرية السياسية عند ابن تيمية ، ص 132
[19] - عبد الرحمن بن محمد بن قاسم : الدرر
السنية في الأجوبة النجدية ، ج1 ، ص 30 و 33
[20] - عبد الرحمن بن
محمد بن قاسم : الدرر السنية في الأجوبة النجدية ، ج1 ، ص 173
[21] - عبد الرحمن بن محمد بن قاسم : الدرر
السنية في الأجوبة النجدية ، ج1 ، ص 30 و 33
[22] - مثل: "من ولي
عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصيته ولا ينزعن يداً
عن طاعة". و "من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه
فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه الاّ مات ميتة جاهلية
" و ما روي عن ابي سلام قال
حذيفة بن اليمان قلت يا رسول الله: إنّا كنا بشر ، فجاء الله بخير، فنحن منه ، فهل
من وراء هذا الخير شر؟ قال نعم، قلت: كيف؟ قال يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا
يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشيطان في جثمان انس؟ قال قلت كيف
أصنع يا رسول الله إن ادركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأطع"
وانه"سيليكم بعدي ولاة فيليكم البرٌ ببره ، ويليكم
الفاجر بفجوره ، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كلّ ما وافق الحق ، فأن احسنوا فلكم ولهم
وأن أساءوا فلكم وعليهم " وما روي عن سليمة بن يزيد الجعفري أنه سأل رسول
الله(ص) فقال: يا نبي الله أرأيت ان قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا
فما تأمرنا؟ فأعرض عنه ، ثم سأله ثانية فاعرض عنه ، ثم سأله في الثانية او في
الثالثة فجذبه وقال: "اسمعوا واطيعوا فانما عليهم ما حملّوا وعليكم ما حملّتم"
.
وبناء على ذلك قال
الشيخ حسن بن الشيخ حسين ، حفيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب :".. والانقياد لمن ولاه الله عز وجل أمركم ،
لا تنزع يدا من طاعة ولا تخرج عليه بسيف حتى يجعل الله لك فرجا ومخرجا ، ولا تخرج
على السلطان ، وتسمع وتطع ولا تنكث بيعته ، فمن فعل ذلك فهو مبتدع مخالف مفارق
للجماعة ، وإن أمرك السلطان بأمر فيه لله معصية ، فليس لك أن تطيعه ألبتة ، وليس
لك أن تخرج عليه ولا تمنعه حقه"-
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم : الدرر السنية في الأجوبة النجدية ، ج1 ، ص
348
[23] - كان ابن تيمية يرفض
بصورة أولية الثورة على الحكام المستبدين ويقول :" المشهور في مذهب اهل السنة
انهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف ، وإن كان فيهم ظلم ، كما دلت على
ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي (ص).. لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم
من الفساد الحاصل بظلمهم ، فيدافع أعظم الفسادين بالتزام الأذى ولا نكاد نعرف
طائفة خرجت على ذي السلطان الا كان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي
ازالته ". (ابن تيمية: الاستقامة ج1 ص 330) ولكن ابن تيمية لم يجعل الامام مصدر الشرعية ، وانما العمل
بالشريعة ، ولذلك فتح نافذة واسعة على الثورة ، وكان
يرفض الانجرار لقتال الخوارج ، بسبب
احتمال اعتماد الخوارج على التأويل . وقد نفى وجود أي حديث صحيح
يأمر بقتال الخارجين على الامام ، وقال إن الحديث الوحيد الذي يذكره القائلون بذلك
، هو حديث كوثر بن حكيم عن نافع ، وهو حديث موضوع ، و أما الأحاديث الصحيحة التي
جاءت في قتال الخارجين فهي تنص على قتال الخارجين عن الشريعة لا على الامام . وقال : " أما القتال لمن لم يخرج
الا عن طاعة امام معين فليس في النصوص أمر بذلك ". وكان
ابن تيمية يقول بجواز الخروج على الامام العادل نظرا لشبهة أو تأويل كما خرج
معاوية بن أبي سفيان على الامام علي بن أبي طالب . (ابن تيمية: مجموع الفتاوى ، ج4
ص 450 – 452)
[24] - وقد نظم الشيخ سليمان بن سحمان ، فكرة الطاعة
المطلقة للأمراء في أبيات من الشعر قال فيها :
فيلزمكم أن توفوا بعهد
إمامكم
على الكره منكم والرضا والتحمد
وتعطونه
في ذاك سمعا وطاعة
كما جاء في النص الأكيد المؤيد
فلا
تخرجوا يوما عليه تعنتا
تريدون كشفا للظلامة باليد
عبد
الرحمن بن محمد بن قاسم : الدرر السنية في الأجوبة النجدية ، ج1 ، ص 587
[25] - يقول ابن
غنام في تاريخ نجد ( ص 352) :
إنه في ذات مرة انتقد بعض أبناء الحركة الوهابية أميراً في منطقة سدير ، فرفض
الشيخ محمد بن عبد الوهاب توجيه الانتقاد له علنا وكتب الى أهل سدير وحرمة
والمجمعة والغاط والزلفى بياناً ينهاهم فيه عن توجيه النقد العلني الى الأمراء حتى
لو كانوا أمراء مناطق ، وقال لهم:" اذا صدر المنكر من أمير أو غيره ينصح برفق
، خفية ما يشترف أحد ، فان وافق والا استلحق عليه رجلا يقبل منه بخفية ، فان لم
يفعل ، فيمكن الانكار ظاهرا ، الا ان كان على أمير ونصحه ولا وافق واستلحق عليه
ولا وافق فيرفع الأمر يمنا (إلينا) خفية".