الفصل الثاني:

ولادة الدولة السعودية الوهابية الأولى

 الهجرة والقتال و الخروج

     بعد اعتبار الشيخ محمد بن عبد الوهاب عامة المسلمين كفاراً و مشركين و مرتدين الى الجاهلية الأولى ، كان لا بد ان يأمر أتباعه بالانفصال نفسياً و جسدياً عن "المجتمع الجاهلي" و الهجرة اليه من أجل البدء في تأسيس "المجتمع الاسلامي الموحد"  من جديد ، و الدعوة الى "دين الاسلام والتوحيد".    

  و لذلك فعندما  حل ّ الشيخ  في (الدرعية)  أعلنها (دارَ هجرة وإسلام) ، و طلب من أنصاره  الهجرة اليها .[1] و بدأ هؤلاء  يتهافتون عليه و يهاجرون اليه  من كل مكان .[2] و حسبما يقول الشيخ حسين بن غنام فان الهجرة  حدثت كنتيجة لتوتر العلاقة بينهم و بين الآخرين . و " ان الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقى في الدرعية سنتين يدعو الناس بالحجة و الموعظة الحسنة ، و يكاتب أهل البلدان و رؤساءهم و مدعي العلم فيهم  فمنهم من قبل الحق و اتبعه و منهم من اتخذه سخرياً واستهزأ به ، و لم يبادر أحداً بالتكفير و لم يبدأ أحداً بالعدوان ، الى أن نهضوا عليه جميعهم بالعدوان و صاحوا في جميع البلاد بتكفيره هو وجماعته و أباحوا دماءهم ، وما اتبعوه من وسائل لإجلائه و جماعته عن البلاد ،  و مطاردتهم بالتعذيب والاضطهاد. و لم يأمر رحمه الله بسفك دم و لا قتال على أكثر أهل الضلال والأهواء ، حتى بدأوه بالحكم عليه و أصحابه بالقتل و التكفير ، فأمر الشيخ حينئذ جماعته بالجهاد ، فامتثلوا لأمره".[3]

   وسواء كان الشيخ عبد الوهاب هو المبادر الى تكفير عامة المسلمين ، كما لاحظنا في الفصل السابق ،  أم كانوا هم المبادرين لتكفيره مع أتباعه ، فان القول بارتداد المجتمع الاسلامي الى الجاهلية الأولى كان يقسم الناس الى فريقين و دارين ، يضع في احداهما "الموحدين" الجدد ، بينما يضع في الأخرى "المشركين". ويجعل من الأولى (دار اسلام) ، في الوقت الذي يجعل من الأخرى (دار حرب).[4] وقد ذكر ابن غنام نفسه ان الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد بايع الأمير محمد بن سعود على الجهاد ، في أول مجيئه الى الدرعية. وإنه وعده بالنصرة و الجهاد.[5]

   و بناء على ذلك فقد أعلن الشيخ محمد جميعَ بلاد "المشركين" داراً للحرب ، و أمر أتباعه بالانحياز الى جانبه ، و إعلان  الولاء له ، و البراءة من أعدائه . و اعتبر الولاء و البراء شرطاً من شروط الإيمان ، و تركهما ناقضا من نواقض الإيمان العشرة. وأعلن الحرب على "الكفار" وخاصة "الذين بان لهم ان (التوحيد) هو دين الله و رسوله ، ثم ابغضوه و نفّروا الناس عنه ، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله". [6]

    و أهدر دماء جميع المسلمين الذين سماهم بـ: "المشركين" و طالبهم بالتوبة و الرجوع الى التوحيد ، و استحل أموالهم و ذراريهم ، و قال :" من رجع منهم حقن دمه و ذراريه ، و من أصر أباح الله منه ما أباح لرسول الله من المشركين". [7]  و ذلك "لأن مجرد التلفظ بكلمة التوحيد لا يعصم الدم و المال ، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل و لا الإقرار بذلك، بل و لا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له ، بل لا يحرم ماله و دمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله  ، فإن شك أو توقف لم يحرم ماله و دمه" . [8]   

   و رغم ما كان يبدو في عملية التكفير و الالتزام بمبدأ الهجرة و القتال ، من ميل الى الخروج عن الدولة "الكافرة" و محاربة "المجتمع الجاهلي" ، فان الوهابيين كانوا يصرون على نفي تهمة (الخروج) عن أنفسهم ، ويتبرءون منها أشد التبرؤ . و ذلك خوفا من انطباق أحاديث الخوارج عليهم ، و هم ملعونون على لسان رسول الله (ص) في التراث السني ، و محكوم عليهم بالرفض و الهجران. إضافة الى ما كان يعنيه الخروج من تحدٍ للدولة العثمانية ودعوةٍ لها لمعاقبتهم. و لذا كان الوهابيون يفرقون بين انفسهم و بين (الخوارج) بأن هؤلاء كانوا يكفّرون الناس على الكبائر ، بينما  هم يكفّرون على ما يدعو الى التكفير و هو الشرك بالله ، و لا يكفّرون على الكبائر. وسواء أعلن الوهابيون الخروج واعترفوا به.. أم لم يعلنوا ذلك ، فان نظريتهم كانت تنطوي على مبرر كبير للخروج و تشكيل دولة مستقلة ، وخاصة في الوقت المناسب و مع توفر القوة الكافية لهم.

 

    و اذا عدنا الى مرجع الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، و هو ابن تيمية فسوف نجد انه يفتح نافذة واسعة على الثورة و الخروج والتمرد على الامام أي امام ، و يعطي لصاحب كل قوة ان يتمرد على الامام ، لأنه أساساًً يعقد الامامة لمن غلب ، بغض النظر عن توفر الشرط الشرعية فيه او اختياره عبر  أهل الحل و العقد ، خاصة اذا التزم  الخارجي المتغلب بالشريعة الاسلامية أو أخذ على الامام القائم عدم التزامه بالشريعة ، و ذلك لأن ابن تيمية اعتبر الخروج الحقيقي هو الخروج على الشريعة لا  على الامام ، وبذل قصارى جهده لتحويل الانظار من شخص (الامام) الى (الشريعة) . ولم يكن (الامام) في نظره يشكل مركز الشرعية ، و انما الشريعة هي المعيار لشرعية أي نظام.  وقد اختلف بذلك مع عامة الفقهاء السنة السابقين الذين كانوا يضفون على الحاكم نوعا من القدسية و الشرعية و يحرّمون الخروج عليه .  و قد كان ابن تيمية  يرفض قتال الخوارج (أو الثوار إذا ثاروا ) ، و ذلك بسبب  احتمال اعتماد الخوارج على التأويل . و ينفي وجود أي حديث صحيح يأمر بقتال الخارجين على الامام ، ويقول: إن الحديث الوحيد الذي يذكره القائلون بذلك ، هو حديث كوثر بن حكيم عن نافع ، و هو حديث موضوع ، و أما الأحاديث الصحيحة التي جاءت في قتال الخارجين فهي تنص على قتال الخارجين عن الشريعة لا على الامام .  ويقول : " أما القتال لمن لم يخرج الا عن طاعة امام معين فليس في النصوص أمر بذلك ، فارتكب الأولون ثلاثة محاذير :

    الأول:قتال من خرج عن طاعة ملك معين و ان كان قريبا منه و مثله في السنة و الشريعة ، لوجود الافتراق ، و الافتراق هو الفتنة.

   و الثاني: التسوية بين هؤلاء و بين المرتدين عن بعض شرائع الاسلام.

   و الثالث: التسوية بين هؤلاء و بين قتال الخوارج المارقين من الاسلام ، و لهذا تجد تلك الطائفة يدخلون في كثير من أهواء الملوك و ولاة الأمور و يأمرون بالقتال معهم لأعدائهم بناء على انهم هل العدل و أولئك البغاة ".[9]   

   وبناء على ذلك فقد كان ابن تيمية يعترف أيضا بواقع التعددية السياسية في عصر الملك ، ولا يؤمن بضرورة وحدة الخلافة ، كما يعتقد غالبية أهل السنة ، و يقول بجواز الخروج على الامام العادل نظرا لشبهة أو تأويل كما خرج معاوية بن أبي سفيان على الامام علي بن أبي طالب ، فضلا عن وجوب الخروج على كل  من يرفض تطبيق الشريعة الاسلامية و قتاله.[10]

 

    و اذا كان ابن تيمية  قد توصل الى جواز الخروج و وجوب الثورة و استعمال القوة ضد من يمتنع عن الالتزام بالشريعة الاسلامية ، رغم عدم قوله بكفر الأمة ، فقد كان من الأولى بمحمد بن عبد الوهاب الذي قال بارتداد الأمة جمعاء ، أن يرفض أي التزام بوحدتها القائمة او الخضوع لإمام (الأمة الكافرة) ، و ان يقوم بالخروج على الدولة  الاسلامية ، وأن لا يجد  بالطبع في أحاديث وجوب الطاعة للامام ، أي معنى . ولذلك لم يعد لديه أي التزام بالطاعة للدولة العثمانية ،  أو المحافظة على الجماعة ، إذ أن الجماعة في مفهومه هي (جماعة التوحيد) الوهابية فقط ، وهم وحدهم: ( أهل الحق و المسلمون) ، الذين يجب ان يدخل الآخرون في طاعتهم و جماعتهم.

 

    و في الوقت الذي كان يفترض ان يتصدى الشيخ محمد بن عبد الوهاب بنفسه لقيادة الحركة أو الدولة الوهابية أو (الأمة الاسلامية الجديدة) التي كان يبنيها بيديه ، كما يفعل أي ثائر يجمع أنصاره ويقود الثورة ليؤسس النظام الجديد الذي يريد ، و يجعل نفسه قائدا لذلك النظام الثوري.. لكن الشيخ لسبب أو لآخر ، فضل الاتفاق مع بعض الأمراء المحليين في نجد ، و مبايعتهم بشرط النصرة .

     وقد كان هذا الاتفاق واضحا في علاقة الشيخ الأولى بأمير العيينة (عثمان بن معمر) كما كان واضحا في اتفاق الشيخ مع أمير الدرعية محمد بن سعود ، الذي بايعه بمفرده فبنى بذلك أساس الدولة السعودية الوهابية.

   إذ تقول الرواية التاريخية: إن الشيخ  بعد ما طُرد من العيينة لجأ الى دار أحد أنصاره في الدرعية ، و هو الشيخ عبد الله بن سويلم ، على غير علم و لا رضا من أميرها (محمد بن سعود) ، ولكن اخوة الأمير : ثنيان و مشاري ، و زوجته (موضى) و ابنه عبد العزيز ، أقنعوا الأمير بالذهاب الى الشيخ في بيته ، ليرحب به ويعلن تأييده له ويقول له:"إن هذا دين الله ورسوله الذي لا شك فيه ، فأبشر بالنصرة لك و لما أمرت به  والجهاد لمن خالف التوحيد" . [11]

   فقال له الشيخ:" وأنا أبشرك بالعز و التمكين و النصر ، وهذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم . فمن تمسك بها و عمل بها و نصرها ، ملك البلاد و العباد ، وأنت ترى نجداً كلها و أقطارها أطبقت على الشرك و الجهل و الفرقة و الاختلاف و القتال لبعضهم بعضاً ، فأرجو أن تكون إماماً  يجتمع عليه المسلمون و ذريتك من بعدك".

   فطلب ابن سعود من الشيخ المبايعة ، فبايع الشيخ على ذلك ، و على أن الدم بالدم و الهدم بالهدم ، و على أن الشيخ لا يرغب عنه إن أظهره الله.[12]

    ويكاد هذا النص يكون واضحاً في بيعة الشيخ للأمير و بقاء الأمير على إمارته "إماماً يجتمع عليه المسلمون" ، حيث قدم الشيخ  له فروض البيعة بشرط النصرة ، و وعده بملك نجد او الجزيرة العربية ، وقدم له الدعم و أضفى صفة (الشرعية الدينية) على  نظام حكمه  القائم بالفعل .

   وقد وافق الشيخ بالتعاون مع أي أمير مستعد لنصرته بغض النظر عن طريقته في الوصول الى السلطة .إذ كان يؤمن أساساً بشرعية إمامة المتغلب ، حيث يقول :"إن الأئمة مجمعون في كل مذهب على أن من تغلب على بلد أو بلدان ، له حكم الامام في جميع الأشياء . و لولا هذا لما استقامت الدنيا ، لأن الناس من زمن طويل قبل الامام أحمد (بن حنبل) الى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد".[13]

 

   ومع أن رواية ابن غنام كانت واضحة في بيعة الشيخ للأمير ، الا أن المؤرخ المتأخر عثمان بن بشر يضفي نوعاً من الغموض على حقيقة الاتفاق بينهما عندما يقول :" إن الحل و العقد و الأخذ و العطاء و التقديم و التأخير كان بيد الشيخ ، و لا يركب جيش و لا يصدر رأي من  محمد (ابن سعود) و عبد العزيز ، الا عن قوله و رأيه . فلما فتح الله الرياض عليهم و اتسعت لهم الناحية و أمنت السبل و انقاد كل صعب من باد وحاضر ، جعل الشيخ الأمر بيد عبد العزيز و فوّض أمور المسلمين و بيت المال إليه ، و انسلخ منها بالكلية و لزم العبادة و تعليم العلم ، و لكن ما يقطع عبد العزيز أمراً دونه و لا ينفذ إلا بإذنه".[14] و هو ما يلقي بعض الغموض حول : من الذي بايع من؟ ومن أصبح الامام الأعلى؟ هل هو الأمير الفعلي ابن سعود؟ أم الامام الجديد ابن عبد الوهاب؟

 

   ولكن على أية حال يمكن أن يقال : إن الشيخ قد احتل موقعاً توجيهياً أكبر ، مشابها لموقع (الولي الفقيه)  الذي احتله الامام الخميني في الجمهورية الاسلامية الإيرانية كمرشد أعلى من رئيس الجمهورية. أما الإمام الفعلي فقد ظل هو الأمير محمد بن سعود . بدليل ان ابن بشر يقول : إن الشيخ اعترف بالأمير ابن سعود "إماما يجتمع عليه المسلمون".  و يؤكد هذا المعنى قدوم أمير (العيينة) عثمان بن معمر ، بُعيد الاتفاق بين الشيخ والأمير ، الى (الدرعية) و محاولته استعادة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الى قريته ، وتعهده بالنصر و التأييد له. ولو كان (الشيخ) قد أعلن نفسه إماماً رسمياً لخضع ابن معمر  له و هو في قريته ، ولما كانت ثمة حاجة لنقل الشيخ الى (العيينة).

    و هناك رواية أخرى يذكرها صاحب (لمع الشهاب) ، وهو كاتب مجهول الاسم غير وهابي، تتحدث عن عقد الشيخ صفقة صريحة مع الأمير محمد بن سعود ، حول تقاسم السلطتين الدينية و السياسية و الاتفاق على توارثهما معا في عائلتي الشيخ و الأمير. و ان الشيخ قال لابن سعود:" أريد منك عهداً على انك تجاهد في هذا الدين ، و الرياسة و الامامة فيك و في ذريتك ، و ان المشيخة و الخلافة في الدين فيّ و في آلي من بعدي أبداً ، بحيث لا ينعقد أمر و لا يقع صلح أو حرب الا ما نراه كذلك ، فان قبلت هذا  فأخبرك : ان الله يطلعك على أمور لم يدركها أحد من عظماء الملوك و السلاطين "  فقال الأمير ابن سعود : قبلت وبايعتك على ذلك.[15]  

   ويضيف صاحب (لمع الشهاب) بان الشيخ قد هيمن على آل سعود ، ويقول:"صارت الامامة الكبرى و هي إمامة الدين لمحمد بن عبد الوهاب ، و كذا ما يتبعها من مصالح الدنيا كتدبير الحروب و المصالحة و العداوة و ما يرجع الى آلة الحرب.. و الحاصل انه صار الأمر كله بيد محمد بن عبد الوهاب بحيث كل شيء أراده محمد بن سعود أو أولاده رجعوا به الى محمد بن عبد الوهاب ، فان ارتضاه ارتضوه و ان أباه أبَوه بلا كلام.

   وكانت العادة جارية بأن يزوره محمد بن سعود كل يوم مرتين صباحا و مساءا ، هو وابنه عبد العزيز و بقية أولاده ، وكانوا يجلسون عنده متئدين صامتين لا ينطقون بشيء ما لم يحادثهم به أولاً ، و يدرسون على يده علم التوحيد".[16]

    وهذه الرواية تدل على تمتع الشيخ محمد بن عبد الوهاب بمكانة عالية جدا في ظل إمارة آل سعود. ومع امكانية حدوث ذلك ، الا أن  تلك الصفقة المزعومة بتقاسم السلطتين السياسية و الدينية ، ليست ثابتة تاريخيا ، و لا يبدو ان الشيخ الذي كان مطاردا لاجئا في (الدرعية) ، كان في موقف يسمح له بإملاء شروط على الأمير  محمد بن سعود ، و انما كان يريد اقتناص الفرصة لإقناع الأمير بالموافقة على وجوده في ظل إمارته ، أولاً ، ثم تقديم النصرة والعون له ، ثانياً. وقد تخلى الشيخ من أجل ذلك عن شرط (القرشية) في الامام ، الوارد في بعض الأحاديث النبوية ، و الذي دأب أهل السنة والحديث  ، و خصوصا الحنابلة ، على الالتزام به.

     بيد انه يمكن القول ان الشيخ أقام فعلاً نظاماً  ثنائياً  مزدوجا يجمع بين الامارة و المشيخة الدينية ، و اكتفى من النظام السعودي بدعم المباديء الوهابية ، مع المحافظة على احترام دور رجال الدين ، الذين سيسيطر عليهم ، لقرون قادمة ، أبناء الشيخ و أحفاده تقريباً ، بما يشبه التحالف القبلي.

 

  

الولادة السلمية

 

   وكما لاحظنا فان الولادة الأولى للدولة الوهابية لم تكن عسكرية عنيفة و انما كانت ثقافية سلمية ، وفي الحقيقة كان للظروف الجغرافية والسياسية و الاجتماعية و الديموغرافية المحيطة بنجد ، أبان انطلاقة الحركة الوهابية في منتصف القرن الثاني عشر الهجري ، دور كبير في طبيعة حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب و ولادتها السلمية ، حيث كانت نجد تقع في عمق الصحراء العربية وفقيرة تعيش على هامش الدولة العثمانية التي زهدت فيها ولم تهيمن عليها عسكريا و انما اكتفت بالسيطرة على الأقاليم المحيطة بها كالحجاز و اليمن و الأحساء و العراق و الشام ، و هذا ما أعطى نجداً فرصة قيام إمارات متعددة في كل قرية و مدينة و مضرب قبيلة في الصحراء. و عندما بدأ عبد الوهاب يبشر بأفكاره الاصلاحية في (حُريملا) ، استطاع أن يكسب عددا من الأنصار ، ولكنه تعرض أيضا الى مضايقات و محاولة للاغتيال ، مما اضطره لمغادرة القرية و اللجوء الى  قريته الأولى (العيينة) و أميرها عثمان بن معمر ، الذي سارع الى نصرته و تأييده ، فمكث في ظل حمايته بضع سنين ( من 1143 الى 1157) ، و استطاع خلالها ان يكتسب المزيد من الأنصار و المؤيدين ، بحيث قام بتنفيذ بعض ما كانو يدعو اليه كهدم عدد من القبور (كقبر زيد بن الخطاب) و قطع بعض الأشجار التي كان يلجأ اليها بعض الجهال لقضاء حوائجهم ، و اقامة الحد على امرأة زانية ، و ذلك بدعم قوي و مباشر من الأمير.

   و لكن اتساع المعارضة للشيخ محمد بن عبد الوهاب في داخل نجد وخارجها ، و خاصة في الأحساء ، أجبر الأمير عثمان بن معمر على وقف دعمه للشيخ و الطلب منه مغادرة (العيينة) بسلام ، فاتجه الشيخ الى قرية أخرى هي (الدرعية) التي كان عدد من  أخوة أميرها محمد بن سعود قد تاثروا بأفكاره و مالوا اليه. و نجح بسرعة في كسب الأمير الى جانبه و الانطلاق لتأسيس الدولة الوهابية الأولى.

   و لو كانت هنالك وحدة سياسية في نجد ، شاملة و واسعة ، لما استطاع الشيخ عبد الوهاب ان يتنقل من إمارة الى أخرى ، و ربما اضطر الى اللجوء الى العمل السري او الهرب في الصحاري و الجبال ، الا أن تعدد الإمارات في نجد و اختلافها ، و ربما تنافسها فيما بينها ، دفع الشيخ الى اعتماد سياسة التعاون و التحالف مع الأمراء بدل الثورة عليهم و الخروج ضدهم. ولم تمض سنوات قليلة حتى نجح الشيخ في ضم عدد من القرى المجاورة للدرعية اليها ، كمنفوحة و حريملا و ضرما و ثرمدا و العيينة التي عاد أميرها ابن معمر فندم على طرده للشيخ منها و أعلن انضمامه الى الكيان الوهابي الوليد.

   وقد تمت ولادة ذلك الكيان الأول بصورة سلمية ، لأنها كانت عبارة عن تحول ثقافي لدى أمراء بعض القرى و البلدات النجدية في اقليم (العارض) و انضمام بعضها الى بعض تحت قيادة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. ولم تشكل الولادة الأولى عملية خروج سافرة على الدولة العثمانية ، لأن هذه الأخيرة – كما قلنا - لم تكن تهيمن عسكريا على نجد ، التي كانت  تخضع لسلطة الأمراء المحليين المنتخبين من قبائلها او المسيطرين عليها بالقوة. ولم يكن يوجد فيها والٍ عثماني أو حامية عسكرية ، و انما كانت تخضع لنفوذ أمراء الحجاز أو الاحساء الذين كانوا بدورهم تابعين للخلافة العثمانية ، و لذلك كان أئمة المساجد يكتفون بالدعاء للسلطان العثماني في خطب الجمعة. وعندما  قام الشيخ عبد الوهاب بحركته منع أئمة المساجد من الدعاء للسلاطين بحجة أن ذلك من الأمور البدعية.[17]  أو " ان السلطان فاسق لا يجوز تمجيده".[18] ومع ذلك فان المنع لم يشكل علامة كبيرة على الخروج ، حيث ظل الشيخ يحرص على إقامة علاقات طيبة مع  شريف مكة و من ورائه الدولة العثمانية.[19]

 



[1]  - و لما كان الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه و آله وسلم) قد ألغى الهجرة بعد فتح مكة ، فان الشيخ وجد نفسه مضطراً للتنظير اليها بصورة جديدة ، فقال:" ان الهجرة هي الانتقال من بلد الشرك الى بلد الاسلام ، و هي باقية الى أن تقوم الساعة. و الدليل على الهجرة من السنة قوله (ص): لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ، و لا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها". الدرر السنية ، ج1 ص 134

[2]  - ابن بشر: عنوان المجد ، ص43

[3]  - ابن غنام: تاريخ نجد ، ص 88 و89

[4]  - و من هنا فقد قال الشيخ :" إن مسألة التعبد بإشراك الصالحين ، هي المسألة التي تَفرق الناس لأجلها بين مسلم وكافر، و عندها وقعت العداوة، و لأجلها شرع الله الجهاد كما قال تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة و يكون الدين كله لله)". محمد بن عبد الوهاب: رسالة 128 مسألة من مسائل الجاهلية

[5]  - ابن غنام: تاريخ نجد ، ص 87

[6]  - ابن غنام: تاريخ نجد ، ص 264

[7]  -  محمد بن عبد الوهاب: تطهير الاعتقاد ، ص 35

[8]  -  محمد بن عبد الوهاب: كتاب التوحيد ، باب تفسير التوحيد وشهادة ان لا اله الا الله

 

 

[9]  - ابن تيمية: مجموع الفتاوى ، ج4 ص 450 – 452

 

[10]  - " قال شيخ الاسلام أبو العباس أحمد بن تيمية: كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الاسلام الظاهرة المتواترة فانه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه ، وان كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه". أبو بطين ، عبد الله بن عبد الرحمن: (مجموع الرسائل والمسائل النجدية) ج2 ص 169 

[11]  - ووضع ابن سعود شرطين لنصرته هما: عدم مغادرة الشيخ للدرعية بعد الانتصار ، وقبوله  بقانون ابن سعود على ثمار الدرعية كل عام. راجع. ابن غنام:تاريخ نجد ، ص 87 ، وعنوان المجد لابن بشر

[12]  - -  عثمان بن عبد الله بن بشر: عنوان المجد في تاريخ نجد ، ج1 ، ص 42

[13]  - وقد قال ذلك عندما  أحتج البعض عليه بعد ان قام برجم زانية عندما كان قاضيا في (العيينة) في ظل إمارة ابن معمر ، بأنه لا يمتلك تفويضا من الامام الأعظم لتنفيذ العقوبة. ابن غنام : تاريخ نجد ، ص 454

[14]  -  عثمان بن عبد الله بن بشر: عنوان المجد في تاريخ نجد ، ج1 ، ص 46

[15]  -  لمع الشهاب ص 30 –31

[16]  -  لمع الشهاب ص 35

 

[17]  - ابن عثيمين: تاريخ المملكة العربية السعودية ص 37

[18]  - ابن غنام: تاريخ نجد ،ج1  ص 272

[19]  - ابن غنام: تاريخ نجد ، ص 136