الفصل الثاني:
ولادة الدولة السعودية الوهابية الأولى
الهجرة والقتال و الخروج
بعد
اعتبار الشيخ محمد بن عبد الوهاب عامة المسلمين كفاراً و مشركين و مرتدين الى
الجاهلية الأولى ، كان لا بد ان يأمر أتباعه بالانفصال نفسياً و جسدياً عن
"المجتمع الجاهلي" و الهجرة اليه من أجل البدء في تأسيس "المجتمع
الاسلامي الموحد" من جديد ، و الدعوة
الى "دين الاسلام والتوحيد".
و لذلك فعندما حل ّ الشيخ في
(الدرعية) أعلنها (دارَ هجرة
وإسلام) ، و طلب من أنصاره الهجرة
اليها .[1]
و بدأ هؤلاء يتهافتون عليه و
يهاجرون اليه من كل مكان .[2]
و حسبما يقول الشيخ حسين بن غنام فان الهجرة حدثت كنتيجة لتوتر العلاقة بينهم و بين الآخرين . و " ان
الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقى في الدرعية سنتين يدعو الناس بالحجة و الموعظة
الحسنة ، و يكاتب أهل البلدان و رؤساءهم و مدعي العلم فيهم فمنهم من قبل الحق و اتبعه و منهم من
اتخذه سخرياً واستهزأ به ، و لم يبادر أحداً بالتكفير و لم يبدأ أحداً بالعدوان ،
الى أن نهضوا عليه جميعهم بالعدوان و صاحوا في جميع البلاد بتكفيره هو وجماعته و
أباحوا دماءهم ، وما اتبعوه من وسائل لإجلائه و جماعته عن البلاد ، و مطاردتهم بالتعذيب والاضطهاد. و لم
يأمر رحمه الله بسفك دم و لا قتال على أكثر أهل الضلال والأهواء ، حتى بدأوه
بالحكم عليه و أصحابه بالقتل و التكفير ، فأمر الشيخ حينئذ جماعته بالجهاد ،
فامتثلوا لأمره".[3]
وسواء كان الشيخ عبد الوهاب هو
المبادر الى تكفير عامة المسلمين ، كما لاحظنا في الفصل السابق ، أم كانوا هم المبادرين لتكفيره مع أتباعه
، فان القول بارتداد المجتمع الاسلامي الى الجاهلية الأولى كان يقسم الناس الى
فريقين و دارين ، يضع في احداهما "الموحدين" الجدد ، بينما يضع في
الأخرى "المشركين". ويجعل من الأولى (دار اسلام) ، في الوقت الذي يجعل
من الأخرى (دار حرب).[4] وقد ذكر ابن غنام نفسه ان الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد بايع
الأمير محمد بن سعود على الجهاد ، في أول مجيئه الى الدرعية. وإنه وعده بالنصرة و
الجهاد.[5]
و بناء على ذلك فقد أعلن الشيخ
محمد جميعَ بلاد "المشركين" داراً للحرب ، و أمر أتباعه بالانحياز الى
جانبه ، و إعلان الولاء له ، و
البراءة من أعدائه . و اعتبر الولاء و البراء شرطاً من شروط الإيمان ، و تركهما
ناقضا من نواقض الإيمان العشرة. وأعلن الحرب على "الكفار"
وخاصة "الذين بان لهم ان (التوحيد) هو دين الله و رسوله ، ثم ابغضوه و نفّروا
الناس عنه ، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله". [6]
و رغم ما كان يبدو في عملية
التكفير و الالتزام بمبدأ الهجرة و القتال ، من ميل الى الخروج عن الدولة
"الكافرة" و محاربة "المجتمع الجاهلي" ، فان الوهابيين كانوا
يصرون على نفي تهمة (الخروج) عن أنفسهم ، ويتبرءون منها أشد التبرؤ . و ذلك
خوفا من انطباق أحاديث الخوارج عليهم ، و هم ملعونون على لسان رسول الله (ص) في
التراث السني ، و محكوم عليهم بالرفض و الهجران. إضافة الى ما كان يعنيه الخروج من
تحدٍ للدولة العثمانية ودعوةٍ لها لمعاقبتهم. و لذا كان الوهابيون يفرقون بين
انفسهم و بين (الخوارج) بأن هؤلاء كانوا يكفّرون الناس على الكبائر ، بينما هم يكفّرون على ما يدعو الى التكفير و هو
الشرك بالله ، و لا يكفّرون على الكبائر. وسواء أعلن الوهابيون الخروج واعترفوا
به.. أم لم يعلنوا ذلك ، فان نظريتهم كانت تنطوي على مبرر كبير للخروج و تشكيل
دولة مستقلة ، وخاصة في الوقت المناسب و مع توفر القوة الكافية لهم.
و اذا عدنا الى مرجع الشيخ
محمد بن عبد الوهاب ، و هو ابن تيمية فسوف نجد انه يفتح نافذة واسعة على الثورة و
الخروج والتمرد على الامام أي امام ، و يعطي لصاحب كل قوة ان يتمرد على الامام ،
لأنه أساساًً يعقد الامامة لمن غلب ، بغض النظر عن توفر الشرط الشرعية فيه او
اختياره عبر أهل الحل و العقد ،
خاصة اذا التزم الخارجي المتغلب بالشريعة
الاسلامية أو أخذ على الامام القائم عدم التزامه بالشريعة ، و ذلك لأن ابن تيمية اعتبر
الخروج الحقيقي هو الخروج على الشريعة لا
على الامام ، وبذل قصارى جهده لتحويل الانظار من شخص (الامام) الى
(الشريعة) . ولم يكن (الامام) في نظره يشكل مركز الشرعية ، و انما الشريعة هي
المعيار لشرعية أي نظام. وقد اختلف
بذلك مع عامة الفقهاء السنة السابقين الذين كانوا يضفون على الحاكم نوعا من
القدسية و الشرعية و يحرّمون الخروج عليه . و قد كان ابن تيمية يرفض قتال الخوارج (أو الثوار إذا ثاروا
) ، و ذلك بسبب احتمال اعتماد
الخوارج على التأويل . و ينفي وجود أي حديث صحيح يأمر بقتال الخارجين على
الامام ، ويقول: إن الحديث الوحيد الذي يذكره القائلون بذلك ، هو حديث كوثر بن
حكيم عن نافع ، و هو حديث موضوع ، و أما الأحاديث الصحيحة التي جاءت في قتال
الخارجين فهي تنص على قتال الخارجين عن الشريعة لا على الامام . ويقول : " أما القتال لمن لم يخرج
الا عن طاعة امام معين فليس في النصوص أمر بذلك ، فارتكب الأولون ثلاثة محاذير :
الأول:قتال من خرج عن طاعة
ملك معين و ان كان قريبا منه و مثله في السنة و الشريعة ، لوجود الافتراق ، و الافتراق
هو الفتنة.
و الثاني: التسوية بين هؤلاء و بين
المرتدين عن بعض شرائع الاسلام.
و الثالث: التسوية بين هؤلاء و بين
قتال الخوارج المارقين من الاسلام ، و لهذا تجد تلك الطائفة يدخلون في كثير من
أهواء الملوك و ولاة الأمور و يأمرون بالقتال معهم لأعدائهم بناء على انهم هل
العدل و أولئك البغاة ".[9]
وبناء على ذلك
فقد كان ابن تيمية يعترف أيضا بواقع التعددية السياسية في عصر الملك ، ولا يؤمن
بضرورة وحدة
الخلافة ، كما يعتقد غالبية أهل السنة ، و يقول بجواز الخروج على الامام العادل
نظرا لشبهة أو تأويل كما خرج معاوية بن أبي سفيان على الامام علي بن أبي طالب ،
فضلا عن وجوب الخروج على كل من يرفض
تطبيق الشريعة الاسلامية و قتاله.[10]
و اذا كان ابن تيمية قد توصل الى جواز الخروج و وجوب الثورة و
استعمال القوة ضد من يمتنع عن الالتزام بالشريعة الاسلامية ، رغم عدم قوله بكفر
الأمة ، فقد كان من الأولى بمحمد بن عبد الوهاب الذي قال بارتداد الأمة جمعاء ، أن
يرفض أي التزام بوحدتها القائمة او الخضوع لإمام (الأمة الكافرة) ، و ان يقوم بالخروج
على الدولة الاسلامية ، وأن لا يجد بالطبع في أحاديث وجوب الطاعة للامام ، أي
معنى . ولذلك لم يعد لديه أي التزام بالطاعة للدولة العثمانية ، أو المحافظة على الجماعة ، إذ أن الجماعة
في مفهومه هي (جماعة التوحيد) الوهابية فقط ، وهم وحدهم: ( أهل الحق و المسلمون) ،
الذين يجب ان يدخل الآخرون في طاعتهم و جماعتهم.
و في الوقت الذي كان يفترض
ان يتصدى الشيخ محمد بن عبد الوهاب بنفسه لقيادة الحركة أو الدولة الوهابية أو
(الأمة الاسلامية الجديدة) التي كان يبنيها بيديه ، كما يفعل أي ثائر يجمع أنصاره
ويقود الثورة ليؤسس النظام الجديد الذي يريد ، و يجعل نفسه قائدا لذلك النظام
الثوري.. لكن الشيخ لسبب أو لآخر ، فضل الاتفاق مع بعض الأمراء المحليين في نجد ،
و مبايعتهم بشرط النصرة .
وقد كان هذا الاتفاق
واضحا في علاقة الشيخ الأولى بأمير العيينة (عثمان بن معمر) كما كان واضحا في
اتفاق الشيخ مع أمير الدرعية محمد بن سعود ، الذي بايعه بمفرده فبنى بذلك أساس
الدولة السعودية الوهابية.
إذ تقول الرواية التاريخية: إن
الشيخ بعد ما طُرد من العيينة لجأ
الى دار أحد أنصاره في الدرعية ، و هو الشيخ عبد الله بن سويلم ، على غير علم و لا
رضا من أميرها (محمد بن سعود) ، ولكن اخوة الأمير : ثنيان و مشاري ، و زوجته
(موضى) و ابنه عبد العزيز ، أقنعوا الأمير بالذهاب الى الشيخ في بيته ، ليرحب به
ويعلن تأييده له ويقول له:"إن هذا دين الله ورسوله الذي لا شك فيه ، فأبشر
بالنصرة لك و لما أمرت به والجهاد
لمن خالف التوحيد" . [11]
فقال له الشيخ:" وأنا أبشرك
بالعز و التمكين و النصر ، وهذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم . فمن
تمسك بها و عمل بها و نصرها ، ملك البلاد و العباد ، وأنت ترى نجداً كلها و
أقطارها أطبقت على الشرك و الجهل و الفرقة و الاختلاف و القتال لبعضهم بعضاً ،
فأرجو أن تكون إماماً يجتمع عليه
المسلمون و ذريتك من بعدك".
فطلب ابن سعود من الشيخ المبايعة ،
فبايع الشيخ على ذلك ، و على أن الدم بالدم و الهدم بالهدم ، و على أن الشيخ لا
يرغب عنه إن أظهره الله.[12]
ويكاد هذا النص يكون واضحاً في بيعة الشيخ للأمير و بقاء
الأمير على إمارته "إماماً يجتمع عليه المسلمون" ، حيث قدم الشيخ له فروض البيعة بشرط النصرة ، و وعده بملك
نجد او الجزيرة العربية ، وقدم له الدعم و أضفى صفة (الشرعية الدينية) على نظام حكمه القائم بالفعل .
وقد وافق الشيخ بالتعاون مع أي
أمير مستعد لنصرته بغض النظر عن طريقته في الوصول الى السلطة .إذ كان يؤمن أساساً
بشرعية إمامة المتغلب ، حيث يقول :"إن الأئمة مجمعون في كل مذهب على أن من
تغلب على بلد أو بلدان ، له حكم الامام في جميع الأشياء . و لولا هذا لما استقامت
الدنيا ، لأن الناس من زمن طويل قبل الامام أحمد (بن حنبل) الى يومنا هذا ما
اجتمعوا على إمام واحد".[13]
ومع أن رواية ابن غنام كانت واضحة
في بيعة الشيخ للأمير ، الا أن المؤرخ المتأخر عثمان بن بشر يضفي نوعاً من الغموض
على حقيقة الاتفاق بينهما عندما يقول :" إن الحل و العقد و الأخذ و العطاء و
التقديم و التأخير كان بيد الشيخ ، و لا يركب جيش و لا يصدر رأي من محمد (ابن سعود) و عبد العزيز ، الا عن
قوله و رأيه . فلما فتح الله الرياض عليهم و اتسعت لهم الناحية و أمنت السبل و
انقاد كل صعب من باد وحاضر ، جعل الشيخ الأمر بيد عبد العزيز و فوّض أمور المسلمين
و بيت المال إليه ، و انسلخ منها بالكلية و لزم العبادة و تعليم العلم ، و لكن ما
يقطع عبد العزيز أمراً دونه و لا ينفذ إلا بإذنه".[14]
و هو ما يلقي بعض الغموض حول : من الذي بايع من؟ ومن أصبح الامام الأعلى؟ هل هو
الأمير الفعلي ابن سعود؟ أم الامام الجديد ابن عبد الوهاب؟
ولكن على أية حال يمكن أن يقال :
إن الشيخ قد احتل موقعاً توجيهياً أكبر ، مشابها لموقع (الولي الفقيه) الذي احتله الامام الخميني في الجمهورية
الاسلامية الإيرانية كمرشد أعلى من رئيس الجمهورية. أما الإمام الفعلي فقد ظل هو
الأمير محمد بن سعود . بدليل ان ابن بشر يقول : إن الشيخ اعترف بالأمير ابن سعود
"إماما يجتمع عليه المسلمون".
و يؤكد هذا المعنى قدوم أمير (العيينة) عثمان بن معمر ، بُعيد الاتفاق بين
الشيخ والأمير ، الى (الدرعية) و محاولته استعادة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الى
قريته ، وتعهده بالنصر و التأييد له. ولو كان (الشيخ) قد أعلن نفسه إماماً رسمياً
لخضع ابن معمر له و هو في قريته ،
ولما كانت ثمة حاجة لنقل الشيخ الى (العيينة).
و هناك رواية أخرى يذكرها
صاحب (لمع الشهاب) ، وهو كاتب مجهول الاسم غير وهابي، تتحدث عن عقد الشيخ صفقة صريحة
مع الأمير محمد بن سعود ، حول تقاسم السلطتين الدينية و السياسية و الاتفاق على
توارثهما معا في عائلتي الشيخ و الأمير. و ان الشيخ قال لابن سعود:" أريد منك
عهداً على انك تجاهد في هذا الدين ، و الرياسة و الامامة فيك و في ذريتك ، و ان
المشيخة و الخلافة في الدين فيّ و في آلي من بعدي أبداً ، بحيث لا ينعقد أمر و لا
يقع صلح أو حرب الا ما نراه كذلك ، فان قبلت هذا فأخبرك : ان الله يطلعك على أمور لم يدركها أحد من عظماء
الملوك و السلاطين " فقال الأمير
ابن سعود : قبلت وبايعتك على ذلك.[15]
ويضيف صاحب (لمع الشهاب) بان الشيخ
قد هيمن على آل سعود ، ويقول:"صارت الامامة الكبرى و هي إمامة الدين لمحمد بن
عبد الوهاب ، و كذا ما يتبعها من مصالح الدنيا كتدبير الحروب و المصالحة و العداوة
و ما يرجع الى آلة الحرب.. و الحاصل انه صار الأمر كله بيد محمد بن عبد الوهاب
بحيث كل شيء أراده محمد بن سعود أو أولاده رجعوا به الى محمد بن عبد الوهاب ، فان
ارتضاه ارتضوه و ان أباه أبَوه بلا كلام.
وكانت العادة جارية بأن يزوره محمد بن سعود كل يوم مرتين
صباحا و مساءا ، هو وابنه عبد العزيز و بقية أولاده ، وكانوا يجلسون عنده متئدين
صامتين لا ينطقون بشيء ما لم يحادثهم به أولاً ، و يدرسون على يده علم
التوحيد".[16]
وهذه الرواية تدل
على تمتع الشيخ محمد بن عبد الوهاب بمكانة عالية جدا في ظل إمارة آل سعود. ومع
امكانية حدوث ذلك ، الا أن تلك الصفقة
المزعومة بتقاسم السلطتين السياسية و الدينية ، ليست ثابتة تاريخيا ، و لا يبدو ان
الشيخ الذي كان مطاردا لاجئا في (الدرعية) ، كان في موقف يسمح له بإملاء شروط على
الأمير محمد بن سعود ، و انما كان
يريد اقتناص الفرصة لإقناع الأمير بالموافقة على وجوده في ظل إمارته ، أولاً ، ثم
تقديم النصرة والعون له ، ثانياً. وقد تخلى الشيخ من أجل ذلك عن شرط (القرشية) في
الامام ، الوارد في بعض الأحاديث النبوية ، و الذي دأب أهل السنة والحديث ، و خصوصا الحنابلة ، على الالتزام به.
بيد انه يمكن القول ان
الشيخ أقام فعلاً نظاماً ثنائياً مزدوجا يجمع بين الامارة و المشيخة
الدينية ، و اكتفى من النظام السعودي بدعم المباديء الوهابية ، مع المحافظة على
احترام دور رجال الدين ، الذين سيسيطر عليهم ، لقرون قادمة ، أبناء الشيخ و أحفاده
تقريباً ، بما يشبه التحالف القبلي.
وكما لاحظنا فان الولادة الأولى
للدولة الوهابية لم تكن عسكرية عنيفة و انما كانت ثقافية سلمية ، وفي الحقيقة كان
للظروف الجغرافية والسياسية و الاجتماعية و الديموغرافية المحيطة بنجد ، أبان
انطلاقة الحركة الوهابية في منتصف القرن الثاني عشر الهجري ، دور كبير في طبيعة
حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب و ولادتها السلمية ، حيث كانت نجد تقع في عمق
الصحراء العربية وفقيرة تعيش على هامش الدولة العثمانية التي زهدت فيها ولم تهيمن
عليها عسكريا و انما اكتفت بالسيطرة على الأقاليم المحيطة بها كالحجاز و اليمن و
الأحساء و العراق و الشام ، و هذا ما أعطى نجداً فرصة قيام إمارات متعددة في كل
قرية و مدينة و مضرب قبيلة في الصحراء. و عندما بدأ عبد الوهاب يبشر بأفكاره
الاصلاحية في (حُريملا) ، استطاع أن يكسب عددا من الأنصار ، ولكنه تعرض أيضا الى
مضايقات و محاولة للاغتيال ، مما اضطره لمغادرة القرية و اللجوء الى قريته الأولى (العيينة) و أميرها عثمان
بن معمر ، الذي سارع الى نصرته و تأييده ، فمكث في ظل حمايته بضع سنين ( من 1143
الى 1157) ، و استطاع خلالها ان يكتسب المزيد من الأنصار و المؤيدين ، بحيث قام
بتنفيذ بعض ما كانو يدعو اليه كهدم عدد من القبور (كقبر زيد بن الخطاب) و قطع بعض
الأشجار التي كان يلجأ اليها بعض الجهال لقضاء حوائجهم ، و اقامة الحد على امرأة
زانية ، و ذلك بدعم قوي و مباشر من الأمير.
و لكن اتساع المعارضة للشيخ محمد
بن عبد الوهاب في داخل نجد وخارجها ، و خاصة في الأحساء ، أجبر الأمير عثمان بن
معمر على وقف دعمه للشيخ و الطلب منه مغادرة (العيينة) بسلام ، فاتجه الشيخ الى
قرية أخرى هي (الدرعية) التي كان عدد من
أخوة أميرها محمد بن سعود قد تاثروا بأفكاره و مالوا اليه. و نجح بسرعة في
كسب الأمير الى جانبه و الانطلاق لتأسيس الدولة الوهابية الأولى.
و لو كانت هنالك وحدة سياسية في
نجد ، شاملة و واسعة ، لما استطاع الشيخ عبد الوهاب ان يتنقل من إمارة الى أخرى ،
و ربما اضطر الى اللجوء الى العمل السري او الهرب في الصحاري و الجبال ، الا أن
تعدد الإمارات في نجد و اختلافها ، و ربما تنافسها فيما بينها ، دفع الشيخ الى
اعتماد سياسة التعاون و التحالف مع الأمراء بدل الثورة عليهم و الخروج ضدهم. ولم
تمض سنوات قليلة حتى نجح الشيخ في ضم عدد من القرى المجاورة للدرعية اليها ،
كمنفوحة و حريملا و ضرما و ثرمدا و العيينة التي عاد أميرها ابن معمر فندم على
طرده للشيخ منها و أعلن انضمامه الى الكيان الوهابي الوليد.
وقد تمت ولادة ذلك الكيان الأول
بصورة سلمية ، لأنها كانت عبارة عن تحول ثقافي لدى أمراء بعض القرى و البلدات
النجدية في اقليم (العارض) و انضمام بعضها الى بعض تحت قيادة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
ولم تشكل الولادة الأولى عملية خروج سافرة على الدولة العثمانية ، لأن هذه الأخيرة
– كما قلنا - لم تكن تهيمن عسكريا على نجد ، التي كانت تخضع لسلطة الأمراء المحليين المنتخبين من قبائلها او
المسيطرين عليها بالقوة. ولم يكن يوجد فيها والٍ عثماني أو حامية عسكرية ، و انما
كانت تخضع لنفوذ أمراء الحجاز أو الاحساء الذين كانوا بدورهم تابعين للخلافة
العثمانية ، و لذلك كان أئمة المساجد يكتفون بالدعاء للسلطان العثماني في خطب
الجمعة. وعندما قام الشيخ عبد
الوهاب بحركته منع أئمة المساجد من الدعاء للسلاطين بحجة أن ذلك من الأمور
البدعية.[17] أو " ان السلطان فاسق لا يجوز
تمجيده".[18] ومع ذلك فان
المنع لم يشكل علامة كبيرة على الخروج ، حيث ظل الشيخ يحرص على إقامة علاقات طيبة
مع شريف مكة و من ورائه الدولة
العثمانية.[19]
[1] - و لما كان الرسول
الأعظم محمد (صلى الله عليه و آله وسلم) قد ألغى الهجرة بعد فتح مكة ، فان الشيخ
وجد نفسه مضطراً للتنظير اليها بصورة جديدة ، فقال:" ان الهجرة هي الانتقال
من بلد الشرك الى بلد الاسلام ، و هي باقية الى أن تقوم الساعة. و الدليل على
الهجرة من السنة قوله (ص): لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ، و لا تنقطع التوبة
حتى تطلع الشمس من مغربها". الدرر السنية ، ج1 ص 134
[2] - ابن بشر: عنوان
المجد ، ص43
[3] - ابن غنام: تاريخ
نجد ، ص 88 و89
[4] -
و من هنا فقد قال الشيخ :" إن مسألة التعبد بإشراك الصالحين ،
هي المسألة التي تَفرق الناس لأجلها بين مسلم وكافر، و عندها وقعت العداوة، و لأجلها
شرع الله الجهاد كما قال تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة و يكون الدين كله لله)".
محمد بن عبد الوهاب: رسالة 128 مسألة من مسائل الجاهلية
[5] - ابن غنام: تاريخ
نجد ، ص 87
[6] - ابن غنام: تاريخ
نجد ، ص 264
[7]
-
محمد بن عبد الوهاب: تطهير الاعتقاد ، ص 35
[9] - ابن تيمية: مجموع الفتاوى
، ج4 ص 450 – 452
[10]
- " قال شيخ الاسلام أبو العباس أحمد
بن تيمية: كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الاسلام الظاهرة المتواترة
فانه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه ، وان كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين
وملتزمين بعض شرائعه". أبو بطين ، عبد الله بن عبد الرحمن: (مجموع الرسائل
والمسائل النجدية) ج2 ص 169
[11] - ووضع ابن سعود
شرطين لنصرته هما: عدم مغادرة الشيخ للدرعية بعد الانتصار ، وقبوله بقانون ابن سعود على ثمار الدرعية كل
عام. راجع. ابن غنام:تاريخ نجد ، ص 87 ، وعنوان المجد لابن بشر
[12] - - عثمان بن عبد الله بن بشر: عنوان المجد
في تاريخ نجد ، ج1 ، ص 42
[13] - وقد قال ذلك
عندما أحتج البعض عليه بعد ان قام
برجم زانية عندما كان قاضيا في (العيينة) في ظل إمارة ابن معمر ، بأنه لا يمتلك
تفويضا من الامام الأعظم لتنفيذ العقوبة. ابن غنام : تاريخ نجد ، ص 454
[14] - عثمان بن عبد الله بن بشر: عنوان المجد
في تاريخ نجد ، ج1 ، ص 46
[15] - لمع الشهاب
ص 30 –31
[16] -
لمع
الشهاب ص 35
[17]
- ابن عثيمين: تاريخ المملكة العربية
السعودية ص 37
[18] - ابن غنام: تاريخ
نجد ،ج1 ص 272
[19] - ابن غنام: تاريخ
نجد ، ص 136