إذن فان الحركات الوهابية الموالية للنظام السعودي
والمعارضة له ، تشترك في بنية فكرية سياسية واحدة ، وتتخذ موقفا متشابها تجاه
الشورى والانتخابات والمشاركة الشعبية في الحكم . ولئن كانت تلك الحركات المعارضة تنتقد
النظام السعودي أو بعض ممارسات الحاكم وتدعو لإصلاحه أو تغييره ، فانها لا تدعو الى
تغيير العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، أو استبدال النظام بصورة جذرية. واذا كان بعضها
قد أعلن كفر النظام ، وأعلن أو قد يعلن تبعا لذلك الحرب على النظام ، فانه في نفس
الوقت لا يجد أسلوبا للحكم غير الأسلوب الاستبدادي المطلق ، ولا يفكر باللجوء الى
الشورى والانتخاب ، أو قبول مبدأ تبادل السلطة بشكل سلمي ديموقراطي مع الأحزاب
الاخرى.
ولئن كانت الوهابية الرسمية وغير الرسمية قد
خففت من "وهابيتها" وخاصة فيما يتعلق بالتكفير والقتال ، فانها لا تزال
تعتقد أنها هي فقط "الفئة الناجية" من بين "الضالين
والمنحرفين". اذا لم تكن تعتقد أنها وحدها تمثل "المسلمين
والموحدين" في محيط "الكفار والمشركين". ولا تزال تنظر بسلبية الى طوائف عديدة وعامة من المسلمين كالشيعة
والصوفية والأشاعرة والمعتزلة وحتى الإخوان المسلمين ، فضلاً عن دعاة الديموقراطية
والعلمانية في العالم الاسلامي . ومن هنا فقد أصبح من العسير على الوهابيين القبول
بوجود أي حزب آخر يختلف عنهم ويعارضهم وينافسهم على السلطة ، أو الاحتكام الى
الرأي العام الذي يتهمونه دائما بالتخلف عن الشرع.. وغابت الشورى حتى عن شبكة علاقاتهم الداخلية و فيما بينهم
وبين رجال الدين ، وبين هؤلاء والحكام ، وبين هذين الطرفين والقواعد الوهابية.
وقامت العلاقة بدلا من ذلك على أساس القوة والقهر والغلبة. كما قامت العلاقة بينهم
وبين الآخرين، أحزابا وطوائف وتيارات ، على اساس الدعوة والجهاد وفرض الرأي بالقوة
.[1]
يقول أحمد الحصين في كتابه (دعوة الامام محمد بن عبد
الوهاب سلفية لا وهابية) :"أمر الشيخ أتباعه بالجهاد دفاعا عن النفس أمام
أولئك المعارضين من ناحية ، وكسر الطوق وإزاحة الحجر العثرة أمام نشر هذه الدعوة
من ناحية أخرى ، فانتقلت الدعوة بذلك الى مرحلة جديدة هي (مرحلة الجهاد لحمل الناس على الحق) وتهيئة الجو الصالح
لنشر الدعوة والعودة بالمسلمين الى منهج الله وشرعه...فوظيفة القوة تأمين الذين
اختاروا الاسلام على دمائهم وأموالهم حتى لا يفتنوا في دينهم ، ثم حماية طريق
الدعوة وسبيلها حتى لا يتوقف المد الاسلامي ، وكذلك تأديب الجبارين الذين يتخذون
لأنفسهم صفة الألوهية فيذلون البشر بما يزرعونه فيهم من ضغائن وأحقاد". [2]
وينظّر الحصين لمبدأ القتال
الداخلي الذي لا ينتهي ، فيقول:" ان التحرك لبدء الآخرين بالدعوة الى الاسلام
هو من خصائص هذا الدين ، لأنه من السذاجة بمكان أن يتصور الانسان بقوة عازمة على
إخراج البرية من الظلمات الى النور ، ثم يقف أمام عقبات الأعداء ليجاهد باللسان
والبيان فحسب ، وهذا ما لم يقل به أحد من سلف هذه الأمة".[3]
ويضيف:"لا بد من الجهاد لإماطة العقبات عن الطريق ، وهذه سنة الله تعالى... ولن
تتم مصلحة الناس قاطبة الا عندما يهيمن الاسلام على سلوكهم ومعاملاتهم ويلتقون على
العقيدة الصحيحة والدعوة الربانية...وان هذه الجزيرة كانت ولا تزال تدخر تلك العناصر
التي تتوثب بين الفينة والفينة لتؤدي رسالتها الخالدة وتستأنف دورها التاريخي
المتجدد على مر العصور".[4]
وهذا ما يدل على أن الوهابية تنظر الى (الجهاد) كسلاح في
صراعها الداخلي مع المسلمين الذين لا تعترف بإسلامهم ، وضد التيارات والطوائف
والأحزاب والشخصيات المخالفة لها ، مما لا يسمح لها بالقبول بأي فسحة ديموقراطية ،
أو احترام للطرف الآخر أو القبول باللجوء الى الشورى وتحكيم الرأي العام ومبدأ
الأكثرية ، وتبادل السلطة بشكل سلمي.
الانفتاح
على الديموقراطية
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل
ان النظام السعودي يلتزم بالوهابية حقاً ؟.. ألم يتخلَ عنها ويضربها؟ وهل تحول
الوهابية المخففة التي يلتزم بها دون التحول الديموقراطي؟ وهل كل من انتسب الى
الوهابية يلتزم بكل مقولاتها بالضرورة؟ ألا توجد نسخ معدلة من الوهابية تقبل بوجود
الآخر ، وتحترم المذاهب الأخرى ؟ ألا توجد حركات (وهابية) تؤمن بالشورى وتقبل
الحياة الديموقراطية أو تشارك فيها هنا وهناك؟
لا شك انه من مجافاة الحقيقة
والبحث العلمي النظر الى أية مجموعة انسانية أو حركة اجتماعية وثقافية نظرة واحدة
ثابتة وجامدة لا تتغير . إذ أنها يمكن أن تتغير بين يوم وآخر وتمر بظروف مختلفة ،
وتتعرض لقيادة رجال مختلفين ، وان أتباعها وقادتها يمكن ان يتغيروا بين عشية
وضحاها ، ويمكن تبعا لذلك أن يغيروا من مواقفهم ورؤاهم وأفكارهم ، ويتطوروا نحو الأفضل أو الأسوء . وان الحركة
الوهابية ليست بعيدة عن هذا الواقع ، ولا مغلقة أمام التطور. ومن هنا فقد حدث في
صفوفها أو بالأخرى في صفوف أتباعها مراجعات كثيرة وتطورات عديدة ، وتفاوتت مواقف
أفرادها بين الولاء للنظام السياسي والتبعية الكاملة وبين التمرد والنقد والخروج.
وليس ولادة الحركات المعارضة المعتدلة والثورية والمتطرفة الا دليل على ذلك. وفي
هذا السياق كان من المتوقع أيضا ان نشهد ولادة أشخاص أو قيادات أو حركات تقوم بمراجعة
أسس الحركة الوهابية وتحاول التخلص من التراث السلبي المتطرف ، وخاصة موضوع
التكفير والقتال واعتماد مبدأ القوة والقهر في فرض الرأي وإقامة النظام السياسي وتمكين الحاكم المعين. وليس غريبا
أن يحدث لدى البعض تطور نحو الشورى والديموقراطية الاسلامية. وهذا ما حصل بالفعل
لدى بعض العلماء والسياسيين الموالين والمعارضين الذين قاموا بنقد الفكر السياسي
الوهابي ، والاعتراف بإسلام الأمة الاسلامية بجميع طوائفها وتياراتها ، واعتماد
السلم والعدل والشورى في انتخاب الحاكم والنظام السياسي.
وهو ما نجده مثلا ، في الحركة الاصلاحية التي قامت بها مجموعة
من الأكاديميين والكتاب والشعراء والصحفيين وأساتذة الجامعات والمثـقفين والتجار
والوزراء السابقين، الذين وجهوا في تشرين الأول من عام 1990 م ، عريضة إلى الملك
فهد ، وطالبوه فيها بالنظر في أوضاع النظام الأساسي وتحقيق اصلاح شامل ، واصدار
دستور يحدد واجبات وحقوق المواطنين السعوديين، وإنشاء مجلس للشورى ذي صلاحيات
واسعة، وتكريس المساواة بين المواطنين دون تمييز عرقي أو طائفي. ثم وجهوا ، بعد شهرين
من ذلك التاريخ ، الى الملك فهد ، مذكرة أخرى تطالبه بـ :"ضرورة الإسراع بوضع
نظام للحكم، ودستور البلاد الدائم، ونشره على الناس لينقحوه ويوافقوا عليه في
استفتاء عام" و "ضرورة استكمال مشروع مجلس تأسيسي منتخب من جميع مناطق
المملكة، لكي يكون هيئة تشريعية و رقابية لتنفيذ مواد الدستور ".[5]
وهو ما يعبر عن نضج النخبة
الثقافية والسياسية السعودية ديموقراطيا ،
وابتعادها عن روح الحركة الوهابية المتعصبة والمغلقة.
ولعل من المفيد التوقف عند ثلاثة
نماذج بارزة في المشهد الثقافي والسياسي ، ومتطورة عن الحركة الوهابية ، وهم
الدكتور محمد المسعري والشيخ حسن المالكي والشيخ عبد الرحمن عبد الخالق.
1- المسعري.. ثورة على الوهابية
ولعل الدكتور
محمد بن الشيخ عبد الله المسعري ، يشكل أبرز نموذج على التطور الديموقراطي في صفوف
الحركة الوهابية ، حيث يقدم في كتابه (مشروعية محاسبة الحكام) نظرية متكاملة عن
نظام الشورى ، تختلف كليا وجذريا عن الفكر السياسي الوهابي الحاكم والمعارض ، و
يتحدث عن حق الأمة في السلطان وقيمومتها على الحكام وحقها في محاسبتهم ومراقبتهم
وعزلهم ونصبهم ، ويرفض بصراحة نظرية الحكم بالقوة والقهر والغلبة ، ويطالب بانتخاب
الحاكم وبالتعددية الحزبية ، وبإقامة مجالس للشورى.
إعادة
تعريف (الامة الاسلامية)
ولعل أهم ما جاء في أطروحة المسعري
واختلف به اختلافا جوهريا عن الحركة الوهابية الأولى ، هو انتقاده لعملية تكفير
جماهير المسلمين أو ادعاء امتلاك الحق دون الغير ، وتوسيع مفهوم (الأمة) لكي يشمل
جميع الفرق الاسلامية المتمسكة بالكتاب والسنة الصحيحة بما فيها الجعفرية والزيدية
والإباضية ، خلافا للفكر الوهابي الذي كان يقتصر في تعريف الامة على الوهابيين
"الموحدين" فقط.
إذ يقول: " أما جماهير المسلمين اليوم فهم الفرقة التي بقيت، في
الجملة، على ما كان عليه الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه، وهذه هي
الفرقة الناجية ـ إن شاء الله ـ تنتسب إليها مذاهب فقهية كالمذهب الحنفي والمالكي
والشافعي والحنبلي والظاهري والزيدي والجعفري والأباضي ومذاهب فقهية أخرى منقرضة
كمذهب الإمام الأوزاعي، ومذهب الإمام إسحاق بن راهوية وغيرهم، كما تضم مدارس
كلامية مختلفة مثل مدرسة أهل الحديث، ومدرسة الإمام بن تيمية، ومدرسة الإمام ابن
حزم، والأشاعرة ، والماتريدية، والكلابية، والزيدية، والأباضية، وغيرهم من أهل
القبلة، كما تتكون من طرق ومسالك صوفية كالطريقة الشاذلية، والطريقة النقشبندية،
والقادرية، والجشتية، والسهروردية، والحصافية، وغيرها".[6] و يقول :" لا يحل لجماعة من هذه الجماعات أن تدعي
لنفسها أنها هي "جماعة المسلمين" التي جاءت النصوص بلزومها وتوعدت
الخارج عليها، وأن ما سواها فهو من الفرق الضالة الهالكة...فإذا جاء من يزعم لنفسه
أنه هو (جماعة المسلمين) دون غيره من بقية الناس فهذا مفرق للأمة، داخل في الفرقة
والضلالة، لأن هذه المقولة تقتضي تبديع المخالف أو تقتضي تكفيره، ونصب مقولات
جماعة بعينها وامتحان الناس بها، وتكفير أو تبديع كل من خالفها، مجازفة حمقاء ،
واندفاعة هوجاء ، وتعصب أرعن".[7]
ويقول أيضا:" من ادعى
من الجماعات المعاصرة.. أن جماعته هي جماعة المسلمين .. لإنها هي وحدها "الفرقة
الناجية" أو "الجماعة المنصورة"، أو لإنها هي صاحبة "العقيدة
الصحيحة" المحتكرة لها .. فقد أبعد النجعة، وسلك طريق الهلكى من الخوارج،
وأهل الغلو..".[8]
ان هذه الخطوة التي قام بها
الدكتور محمد المسعري ، في إعادة تعريف (الامة الاسلامية) تعتبر مهمة جدا في عملية
البناء الديموقراطي الاسلامي في المجتمع السعودي ، وذلك لأنها تفتح الطريق أمام
مشاركة أوسع الجماهير في العملية السياسية ، وضرب احتكار السلطة من قبل العائلة
المالكة والمؤسسة الدينية الوهابية وأنصارهما في نجد ، وإعادة جماهير الطوائف
الاسلامية المتعددة المعزولة والمهمشة الى الحياة السياسية في المملكة العربية
السعودية. وهي توفر الأجواء الطبيعية للانتقال من نظام القهر والقوة والغلبة الى
نظام الشورى الذي يقوم على احترام كلمة الأمة والتعبير عن إرادتها. ولذا فان هذه الخطوة تشكل ثورة في الفكر الوهابي تفتح الطريق
أمام قيام علاقات سياسية طبيعية و سلمية في المجتمع .
نظرية الشورى
النقطة الثانية المهمة جدا التي يختلف فيها
الدكتور محمد المسعري عن الفكر السياسي الوهابي ، هي إيمانه بنظرية الشورى وحق
الامة في السلطان ، خلافا لنظرية القوة والقهر والغلبة التي ورثها الفكر الوهابي
عن ابن تيمية ، وبالتالي فان المسعري يعتقد :" أن للأمة حق تولية الحاكم
وعزله، فلا يصبح الحاكم صاحب السلطان بواسطته يمارس صلاحيات الحكم إلاّ ببيعة
الأمة له ، بيعة رضا واختيار، وإن انتقال السلطان من الأمة إلى الخليفة، لا يجعل
الأمة بلا سلطان، وإنما السلطان قائم بيدها لتحاسب الحكام ، وتقوّم اعوجاجهم،
وتمنعهم من الطغيان، إلى حد العزل"..[9]
ويقوم المسعري بتحديد المهمة الأساسية للحاكم ، فيقول عنها:" إنها رعاية
شؤون الأمة، لأنه ما نصب إلاّ لذلك" . ثم ينتقل لكي يحدد مسؤولية الأمة في محاسبة الحاكم إذا ما قصّر
في هذه الرعاية، "لأن الأمة قوّامة عليه" ويتساءل: كيف تكون الأمة شهيدة على الناس إذا لم تكن قوامة
بالقسط شاهدة على نفسها.
ولا يفرق المسعري في وجوب محاسبة الحاكم بين حالات نصبه من قبل المسلمين أو
نصب الأعداء له أو نصب نفسه حاكما عليهم بالقوة ، ويقول ان وجوب المحاسبة يصبح من باب أولى، فيما إذا كان قد أخذ الحكم عنوة
، دون أن ينصبه المسلمون .
ويقول: إن محاسبة الحاكم من قبل المسلمين، ركيزة
من ركائز سلطان الأمة، كي يتقيد الحاكم بالشرع وهو يتولى رعاية شؤونها بالأحكام الشرعية. وللأمة مطلق الحق في
محاسبة الحاكم بأية وسيلة تحقق ذلك، سواء بالنصح مشافهة، سراً وعلناً، ام في نقد
أعماله كلاماً يقال على منابر المساجد، وقد تكون المحاسبة منظمة بحيث تأخذ شكل
إصدار الجرائد السياسية، أو في صورة تكوين أحزاب سياسية تكون مهمتها محاسبة
الحكام، داخل المجالس المنتخبة، وفي مقدمتها مجلس الأمة، أي مجلس الشورى، أو خارجة
في الاجتماعات الجماهيرية.[11]
ثم ينتقل الدكتور المسعري لمناقشة مقولة أخرى من مقولات
الفكر الوهابي السلطاني ، وهي (سرية النصيحة) التي يؤكد عليها علماء الدولة السعودية ، استنادا الى
حديث واحد أخرجه الامام أحمد عن عياض بن غنم عن رسول الله (ص) أنه قال: "من
أراد أن ينصح لذي سلطان بأمرٍ، فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده، فيخلو به، فإن
قبل منه، فذاك، والا، كان قد أدى الذي عليه له" ، فيرفض تلك المقولة ويضعف
ذلك الحديث.[12]
2 – المالكي.. يرفض التكفير
وقد دعم الشيخ حسن بن فرحان المالكي هذه الثورة
التصحيحية ، بما طرحه من كتب تنتقد الشيخ
محمد بن عبد الوهاب في تكفيره لعموم المسلمين ، وتطالب بالاعتدال .
إذ قام الشيخ حسن المالكي بمراجعة شاملة لقراءة
الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتأويلاته لعدد من آيات القرآن الكريم ، ومفهوم الشرك
والتوحيد فيها ، وخاصة موضوع الغلو في الصالحين والاستغاثة بهم وطلب الشفاعة منهم
، فنفي أن يكون ذلك شركا ، فضلا عن كونه شركا أكبر مخرجا من الملة ، وفرق في
كتابه: ( محمد بن عبد الوهاب داعية وإصلاحي وليس نبيا) بين عبادة الأصنام التي كان
يقوم بها المشركون ، وبين الغلو في الصالحين الذي قد يقع فيه بعض المسلمين ، ونفي
أن يكون الله تعالى قد أرسل الأنبياء الى أقوام كانوا يغلون في الصالحين ، كما يقول الشيخ عبد الوهاب ، ورفض
بالتالي عملية تكفير المسلمين على العموم ، التي قامت بها الوهابية على هذا الأساس
. وقال: "ان الغلو
والتبرك بالصالحين قد يعتبر غلواً… لكن هذا
ونحوه يعد من الأخطاء أو البدع وليست شركاً، وإن تجوزنا في إطلاق الشرك على هذه
الأفعال فهو شرك أصغر؛ وليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة". وقال: ان " إنكاري لهذه البدع والخرافات وربما الشركيات في بعضها لا
يجعلني أحكم على مرتكبها بالشرك والخروج من ملة الإسلام سواءً كان جاهلاً أو
عالماً لأن الجاهل يمنعنا جهله من تكفيره، والعالم يمنعنا تأويله من تكفيره أيضاً.
نعم قد يقال فلان ضال، فلان مبتدع، فلان منحرف...فهذه التهمة خطرها يسير، إنما أن
نقول: فلان كافر كفراً أكبر خارج عن ملة الإسلام! فهذه عظيمة من العظائم يترتب
عليها أحكام ومظالم؛ فلا يجوز أن نتهم أحداً بالكفر إلا بدليل ظاهر لنا فيه من
الله برهان؛ خاصة وأن الشيخ يريد بإطلاق الكفر الكفر الأكبر المخرج من الملة!
".
ويطالب الشيخ المالكي الوهابيين
باحترام أدلة وتأويلات المعارضين لهم من الذين يستجيزون التوسل والاستشفاع
والاستغاثة بالصالحين ولا يعتقدون بتناقض ذلك مع شهادة التوحيد ، وعدم التشكيك
بنوايا الآخرين.
وبناء على ذلك يدعو
الشيخ المالكي الى إعادة تعريف كلمة (المسلم) و(الموحد) من أجل تجنب تضييق دائرة
الاسلام والمسلمين لتقتصر على أتباع الوهابية فقط. ويقول: "ان الشيخ محمد
رحمه الله ربما لو لم يقاتل المسلمين، واكتفى بمراسلة العلماء يحثهم على الدعوة
إلى الله ؛ ربما لو فعل هذا لتجنبنا مآسي التكفير من ذلك الزمن إلى عصرنا هذا الذي
يعتمد فيه المكفرون على فتاوى الشيخ وعلماء الدعوة في تكفير المسلمين".
ويضيف:"ان بيان أخطاء الشيخ محمد في هذا الجانب (جانب التكفير) مفيد وضروري،
لأن المجتمع السعودي علماؤه وطلاب العلم فيه تربوا على فتاوى الشيخ وعلماء الدعوة
الذين كانوا يميلون لتكفير المسلمين، ولابد أن يتأثر بعضهم بهذا الجانب، وقد رأينا
فتاوى لبعضهم في الحكم بردة بعض الناس!. ومن قرأ كتاب (الدرر السنية) عرف هذا
تماماً، بل في هذا الكتاب مجلدان كبيران بعنوان (الجهاد)، كلهما في جهاد المسلمين،
وليس فيه حرف واحد في جهاد الكفار الأصليين من اليهود والنصارى، مع أن بلاد
المسلمين المجاورة في الخليج والعراق والشام كان فيها كفار أصليون محتلون...وتبادل
التكفير حصل بين علماء الدعوة أنفسهم عندما اختلف أولاد الأمير فيصل بن تركي (عبد
الله وسعود) رحمهم الله، فكان مع كل أمير علماء يكفرون الطائفة الأخرى. فهذه
(الفوضى التكفيرية) هي نتيجة طبيعية وحتمية من نتائج منهج الشيخ محمد بن عبد
الوهاب رحمه الله الذي توسع في التكفير؛ حتى وجدت كل طائفة في كلامه ما يؤيد وجهة
نظرها.بل حركة الحرم وأصحاب التفجير في (العليا) ما هم إلا نتيجة لمنهج الشيخ في
التكفير".
وينتقد الشيخ حسن المالكي
منهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب في التكفير فيقول: "يظهر من كلام الشيخ محمد
أنه إن علم بحادثة في الحجاز أو عسير أو سدير عممها على أهل تلك الجهة كلها
فيكفرهم ويقاتلهم. فإن علم عدة حالات معدودة في منطقة ما ألزم أهلها كلهم الردة
واستحل دماءهم وأموالهم، بحجة أن تلك المنطقة بين ساكت ومرتد! فالمرتكب مرتد
والساكت مرتد! وهذا يختلف تماماً عما ذكره الفقهاء تحت باب (حكم المرتد)، فإنهم لا
يحكمون على المجموع بفعل البعض، بل بعضهم لا يقول هذا إلا من باب الترهيب والتحذير
من الشيء، لكنه عند وجود الحالة يعذر بالجهل ويبين له ما يرفع هذا الجهل.
وكذلك لم يراع الشيخ الجهل فالجهل
بالشيء يمنع من إطلاق الكفر على الجاهل. وعلى منهج الشيخ يمكن للعلماء المختلفين
أن يكفر بعضهم بعضاً بدعوى كل عالم أن الآخر أنكر شيئاً مما جاء به الرسول (صلى
الله عليه وآله وسلم)! وأنه بهذا كمن كذّب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) جملة!
وهكذا... بينما الصواب غير هذا فالطرف الآخر لا يقر لك بأنه ينكر شيئاً مما جاء به
الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وإنما يقول لك: هذا لم يثبت عندي أو يقول: إنما
معناه كذا أو يعارضه كذا... الخ".
ولا يتوقف الشيخ المالكي عند نقد التطرف الوهابي وإنما يغوص عميقا في
التاريخ لينتقد ظاهرة التكفير والتبديع عند المسلمين بصورة عامة ، وعند الحنابلة
بصورة خاصة ، فيقول: إن أصحاب النزاعات العقائدية نسوا المبادئ الاسلامية عند
تخاصمهم ولم يسلم أهل السنة ممثلين في الحنابلة والأشاعرة وغيرهم ، من ولوج باب
التكفير والتبديع وأشباههما حتى وصل الأمر لتكفير كبار أئمة وفقهاء السنة فضلاً عن
غيرهم ، كتكفير الحنابلة للإمام أبي حنيفة والحنفية وذمهم وتبديعهم. ويقول: ان هذا الفكر عند غلاة الحنابلة
هو الذي فرخ لنا اليوم هؤلاء الغوغاء من التيار التبديعى، الذي يصم الناس بالبدعة والضلالة.
وقد كفرَّ غلاة الحنابلة معظم فرق المسلمين كالمعتزلة والشيعة والقدرية والمرجئة
والجهمية وغيرهم.
ويستنكر المالكي قيام أبي الحسن البربهاري
، إمام الحنابلة في عصره (توفي سنة 329هـ) ، بتكفير المسلمين ، وقوله: (اعلموا أن الإسلام هو السنة والسنة
هي الإسلام) وهذا يلزم منه أن من لم يكن سنياً فليس بمسلم!! ويستنكر كذلك قيام ابن
تيمية بالمبالغة بالتفريق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية ، وقوله: (أن الله
لم يبعث الرسل إلا من أجل توحيد الألوهية أما توحيد الربوبية فقد أقر به الكفار!!)
وهو ما جرأ مقلديه على تكفير المسلمين الذين حصل لهم خطأ في الاعتقاد. وقد زل بهذا
التقسيم عوالم أصبحوا يكفرون المسلمين لوجود أخطاء عقدية فقرنوا بينهم وبين الكفار
ولم يحفظوا لهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
ثم يتوقف المالكي عند ابن
القيم وتكفيره للمعطلة الذين يؤولون الصفات ، وهم جمهور المسلمين غير الحنابلة ،
من المعتزلة والأشاعرة و الشيعة والصوفية. ويتحدث أخيرا عن تبادل التكفير داخل
الحركة السلفية.[13]
ان
الشيخ حسن المالكي ، وان لم يتحدث حتى الآن عن الشورى والديموقراطية ، الا ان رفضه
لظاهرة التكفير وإطلاقه لصرخة التغيير والتخلي عن الوهابية ، في داخل السعودية تشكل
القاعدة الأساسية لبناء علاقة سليمة بين الحاكم والمحكوم ، وتوطيد أسس الشورى في
المجتمع .
3-
الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق يؤمن بالشورى
وهو زعيم (الحركة السلفية في
الكويت) وقد درس على يدي الشيخ عبد العزيز بن باز في الجامعة الاسلامية في المدينة
المنورة. ولكن حدث لديه تطور كبير باتجاه الشورى ، بعد أن تحرر من المعالم الرئيسية
للوهابية (كالتكفير والهجرة والجهاد) مما سمح للحركة السلفية بالمشاركة في العملية
الديموقراطية في الكويت.
وكان الشيخ عبد الخالق قد
أعلن عن إيمانه الراسخ بمبدأ الشورى الاسلامي الأصيل ، وقال:" الشورى هي
النظام الإسلامي الوحيد الذي يأتي عن طريقه الإمام أو الحاكم أو الأمير أو الخليفة
كما يحلو لنا أن نسميه. وليس هناك من طريق سليم شرعي للوصول الى هذا المنصب الخطير
العظيم، الإمامة العامة للمسلمين إلا
طريق الشورى . وان المبدأ الأساسي في الظروف الطبيعية الآمنة لاختيار الحاكم هو
الشورى، وليس هناك طريق غير ذلك ". [14] واستعان الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق وهو ينظر
لمشروعية الدخول في الحياة الديموقراطية والمجالس التشريعية ، بفتوى للشيخ عبد
العزيز بن باز ، يقول فيها: "لا حرج في الالتحاق بمجلس الشعب إذا كان
المقصود من ذلك تأييد الحق، وعدم الموافقة على الباطل، لما في ذلك من نصر الحق،
والانضمام إلى الدُعاة إلى الله. كما إنه لا حَرَجَ كذلك في استخراج البطاقة التي
يستعان بها على انتخاب الدُعاة الصالحين، وتأييد الحق وأهله، والله الموفق".[15]
ورفض اسلوب التغلب بالقوة وحيازة الشوكة طريقا
للتوصل الى الحكم ، وقال ان قبول علماء السياسة من المسلمين لهذا الأسلوب عبر
التاريخ لا يشكل إقرارا لهذا المبدأ ولكن رضوخا له في ظروف استثنائية من باب
(ارتكاب أخف الضررين) وخوفا من الوقوع في أضرار الخروج على الحاكم القاهر والمتغلب
أكثر من ضرر الرضوخ له. وأكد أن
التسلط وفرض السلطان بالقوة مرفوض شرعاً . وأنه لا يجوز جعل الواقع التاريخي دليلا
شرعيا على جواز حكومة المتغلب.[16]
وقال : ان الامام في الاسلام
مسؤول أمام الله والأمة أيضا ، وهو ليس حاكما مطلقا لا يُسأل عما يفعل ، بل يُسأل
ويُراجع ويُناقش.[17] واعتبر مهمة رقابة الحاكم أهم عمل لأهل الشورى.
وأشار زعيم الحركة السلفية في
الكويت الى مسألة مهمة جدا وهي اعتبار الحاكم نائبا عن الأمة وليس عن الله في
تنفيذ حكم الله ، وان الأمة هي التي تختاره وهي التي تملك عزله ، وهي التي يوكل
إليها تقويمه إذا حاد، وتسديده إذا أخطأ.[18]
وانتقد الشيخ عبد الرحمن عبد
الخالق أكبر انحراف سياسي حدث في تاريخ المسلمين أدى الى مصادرة حق الأمة في
الشورى ، وهو تعيين معاوية بن أبي سفيان لابنه يزيد خليفة من بعده ، وقال:" إن موضوع الشورى في الإسلام
من أخطر الموضوعات وأجلها لأنه أهم الأمور في تسيير شئون المسلمين، ورسم سياستهم
ولقد كان أيضاً هو أول الأركان هدياً وإقصاء من نظام الحكم الإسلامي كما قال الحسن
البصري رحمه الله: "أفسد أمر هذه الأمة اثنان: عمرو بن العاص يوم أشار على معاوية
برفع المصاحف، والمغيرة بن شعبة حين أشار على معاوية بالبيعة ليزيد، ولولا ذلك
لكانت شورى إلى يوم القيامة" (تاريخ الخلفاء للسيوطي ص79)، ولذلك بقي هذا الحكم
معطلاً في ظل الأنظمة الإسلامية التي تلت ذلك اللهم إلا لمحات قليلة كانت الشورى
تطبق تطبيقاً جزئياً تافهاً. ولذلك فقد فسدت أنظمة الحكم، وسارت وفق الهوى والاستبداد
أزماناً طويلة حتى ألف المسلمون هذا الفساد والاستبداد، وظنوا مع مرور الزمن أن
هذا جزءا من النظام الإسلامي نفسه، ومن تشريع رب العالمين".[19]
ورغم أنه اعتبر الديموقراطية نظاما غربيا مفروضا
على المسلمين من قبل المستعمرين [20]،
و أنه نظام غير
اسلامي يناقض الإسلام في أخص خصوصياته، وفي أُسِّ أساسه وهو السيادة ، لأنه يجعل الحكم للشعب ويجعل الشعب
مصدر السلطات جميعا .[21].
وهو ما يناقض مناقضة أساسية نظام الإسلام الذي يجعل السيادة لله، والحكم له سبحانه
وتعالى .[22] وان الخلط
بين الديموقراطية والاسلام يعتبر نوعا من الشرك [23].
الا ان الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق أجاز تولي المناصب التشريعية والتنفيذية في ظل
الأنظمة الديموقراطية ، ورفض مقاطعتها "أملا بتغيير الأنظمة الفاسدة من داخلها
وتبديلها والحد من شرورها وآثامها ،
وإزاحة من يتقلدون المناصب ويتولون إدارة شئون المسلمين من اللادينيين وأهل الشهوات والأهواء..
وعدم تخلية الساحة لهم ليزيفوا ارادة الأمة، ويتسلقوا إلى دفة الحكم ويستولوا على
مقدرات المسلمين، ويستبيحوا بعد ذلك دماءهم، واعراضهم ودينهم وكرامتهم".[24]
وكان لا بد للشيخ عبد الخالق وهو
ينغمس في الحياة الديموقراطية في الكويت ان يرفض مبدأ مهما من مباديء الغلاة – كما
يقول – وهو تكفير المجتمع الاسلامي وتكفير
الحكام جميعا ، ومن ثم تحريم الولايات العامة التنفيذية والتشريعية وغيرها.[25]
ووجد نفسه مضطرا لمواجهة الفكر
الوهابي القديم الذي كان يعتبر "الموحدين" فقط أنهم "جماعة
المسلمين" ، والذي تجسد في بعض الحركات المتطرفة الحديثة ، فقال:" اشتدت فتنة التكفير وشاعت القالة بأن كل
المجتمعات الآن كافرة ، وظنت كل مجموعة أنهم وحدهم جماعة المسلمين ، وان غيرهم إما
كفار او مجهولي الهوية والدين ، وان رأوهم يصلون ويصومون ويشهدون أن لا إله الا
الله ويدعون الى الاسلام ويجاهدون في سبيل الله ما داموا لم يبايعوا أميرهم
ويدخلوا في عقيدتهم ، وظن أولئك ان حقيقة الاسلام قد ضاعت منذ عصر الراشدين والى
يوم ظهورهم هم حيث ظنوا أنهم فهموا الاسلام وطبقوا منه ما لم يفهمه سلف الأمة ،
وقالوا : ان الزمان استدار كهيئته يوم بعث محمد (ص) مبشرا بهذا الدين ، فكما انه بعث
في أقوام من الكفار يدعون الى الهداية في الدين ، ولم يكونوا كذلك . فكذلك هم قد
خرجوا في كفار يدعون الاسلام وليسوا بمسلمين".[26]
وقال:" الحق الذي لا
مراء فيه أنه يجب الحكم على عوام الناس بأنهم مسلمون، ما لم يظهر من أحدهم ناقض من
نواقض الإيمان عالماً به، مكابراً فيه. وإن الواجب أن يعاملوا معاملة المسلمين
المؤمنين، وأن يعلموا حقيقة الإيمان، وحدود الإسلام. وأن لا ينقل فرد منهم عن هذه
الحقيقة إلا بفعل مناقض للإيمان بعد قيام الحجة عليه".[27]
ودعا الى التريث في تكفير الناس ، وعدم المسارعة
الى رمي المسلمين بالكفر بمجرد صدور فتاوى أو آراء تبدو على خلاف كلام الله تعالى
، وضرورة التثبت و التعرف الكامل على مراد المتكلمين.[28]وقال:" لا يجوز أن يُحكم بالكفر على مسلم إذا رأيناه يفعل مكفرا
من المكفرات إلا بالضوابط الآتية:
أ – أن لا يكون جاهلا، فإذا كان جاهلا بحكم ما يفعله فلا
يكفر حتى يتعلم وتُقام الحجة عليه.
ب - أن لا يكون متأولاً يرى أن ما يفعله من مخالفة شرعية
إنما هو لمصلحة أعظم أو درءا لمفسدة أعظم، كما ترك الرسول صلى الله عليه وسلم تنفيذ
بعض الحدود درءاً لمفسدة أعظم، ونحو ذلك.
ج - أن لا يكون مضطرا
ووفق هذه الضوابط يكون الحكم على معين ما أنه كافر، وأما
إلقاء الكلام على عواهنه، وتكفير الناس دون العلم بحقيقة حالهم، فهذا لا يقدم عليه
إلا رقيق الدين، قليل التقوى والخوف من الله.[29]
وحذر قائلا:" ان من أعظم الفتن التي تجابه المسلمين في العصر الحاضر فتنة التكفير، وأعني
بها القول والاعتقاد الذي يعتقده ويقول به كثير من أبناء الأمة الإسلامية في أن
المجتمع المعاصر مجتمع كافر (هكذا بإطلاق الكلمة) والرمي بالكفر لكل من فعل مكفرا
دون نظر إلى الشروط والموانع، أعني الشروط التي لابد من توفرها ليكون فاعل
المكفِّر كافرا، والموانع إن وجدت انتفى القول بالكفر.
ولقد كان من آثار إلقاء القول بالكفر على عواهنه أن رتب بعض من لا علم عندهم
ولا فقه أن ديار الإسلام المعاصرة ديار حرب تستباح فيها الأموال والنساء، ولا تجوز
فيها الجمعة ولا الجماعة، ولا حرمة فيها إلا لمن عرف معتقده على الحقيقة، واستبان
أمره ظاهرا وباطنا.. وكذلك كان من آثار ذلك أن اعتقد وظن كل من يرى كفر المجتمع
أنه وحده أو من يدين بدينه هم أهل الإيمان والإسلام فقط فسمى نفسه "جماعة
المسلمين" وإن كان واحدا، وإن كانوا أكثر من ذلك، جعلوا أنفسهم جماعة
المسلمين دون غيرهم ولذلك بايعوا أحدهم وأعطوه ما يعطى الإمام العام من الطاعة
والنصح، ورأوا أن كل خارج عن بيعة أميرهم خارج عن الإسلام يستباح ماله وعرضه إذا
قدر على ذلك".[30]
وأضاف: " لقد كان من آثار هذه العقيدة أيضا أن نفي باب الاضطرار في الشريعة،
وجعل الجاهل في التكليف كالعالم، والمتأول كالمعاند، ونفيت المصالح الشرعية جملة
وتفصيلا، وجعلت الشريعة الإسلامية بلا حكمة ولا عقل ...ولقد كان أيضا من آثار
القول بالكفر بإطلاقه القول بحرمة التعامل مع المجتمع، ووجوب العزلة عنه، والبدء
في الدعوة إلى الإسلام من جديد كما بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل
الجاهلية الأولى، بل لقد كان من آثار هذه الفتنة العقائدية ظهور الفتن الدموية التي
تستباح فيها دماء كثير من المسلمين الغافلين".[31]
وأكد الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق موقفه
المميز بكل وضوح ، قائلا: " نحن
نعتقد أن البلاد الإسلامية وشعوبها ما زالت على الإسلام، ومازال سواد الناس
وجمهورهم يريدون تحكيم شريعة الله فيهم، وإنما يحول دون ذلك اللصوص المتغلبة،
والمنافقون من الحكام الذين يظهرون الإسلام، ويوالون أعداء الله في الحكم بغير ما
أنزل الله.. و أننا لا نقول بكفـر المجتمعات والشعوب الإسلامية ولا نقول إن الجهاد
يجب أن يبدأ من الصفر حتى تتميز الصفوف بين جيل إسلامي ومجتمع كافر كما يقول بعض
الدعاة. وقد بينا فساد هذا الإعتقاد في مواطن عديدة".[32]
ومن المعروف ان بعض الحركات الاسلامية ، وخاصة في مصر ، قد اتجه منذ منتصف
الستينات من القرن العشرين الى تكفير المجتمعات الاسلامية شعوبا وحكومات، لأنها
استبدلت القوانين الاسلامية بالوضعية. واستباح دماءها وأموالها وأعراضها ،
وقام بهجرها ومقاطعتها واعتزالها
، وأعلن الجهاد ضدها ، واعتبر بلاد
المسلمين دار حرب . [33] ولكن الشيخ عبد الخالق رفض كل ذلك وقال:"لاشك أن
القول بأن ديار الإسلام الآن وأوطانهم ديار حرب قول فاجر، ليس عليه دليل من كتاب أو
سنة أو فقه أو عقل". [34]
"ولا شك أن ديار المسلمين الآن وأوطانهم هي ديار إسلام مادام أهلها مسلمون، وإن
غلب بعض أنظمة الكفر عليهم، وهم مطالبون بطاعة الحق فقط، ومأمورون بمعصية أنظمة الكفر
وقوانينه لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ".[35]
" وإن
إقامة أحزاب أو جمعيات أو تجمعات في أي نظام "ديمقراطي" يسمح بتعدد
الآراء والاتجاهات لا يعني بالضرورة إقرار المخالفين، ولا الرضا بما هم عليه من الباطل
".[36]
وبعد أن رفض الشيخ عبد الخالق
تكفير المجتمع المسلم او إعلان الحرب عليه ، أعلن تمسكه بالمنهج السلمي في الدعوة
والاصلاح ، وقال:" إن الأصل في
الدعوة إلى الله - سبحانه وتعالى- هو السلم ، و أن الطريق السلمي للدعوة هو
الأساس، ولو أن الكفار لم يحاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حاربهم، ولو
سمحوا لدعوته أن تصل وتبلغ ما قام في وجوههم.. وهذا مع الكفار، فكيف مع
المسلمين؟!".[37]
وهكذا اقترب زعيم الحركة السلفية
في الكويت من النظام الديموقراطي حتى ولج فيه ، وقال:"إن النظام الذي يسمح
للرأي المخالف أن يعلن، ويسمح للمسلمين بأن يؤلفوا حزباً لدعوتهم، أو جمعية لتحقيق
بعض أهداف دينهم كنشر العلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنشاء الجامعات والمدارس
والمعاهد، والعناية باليتامى والمساكين.. الخ. أقول: النظام الذي يسمح بذلك يجب
التمسك به والحرص عليه، لأن بديل هذا النظام هو الحكم الاستبدادي عسكرياً كان أو
غيره وهذا يضطر المسلمين إلى الدعوة سراً، وفي هذا من العسر والمشقة ما فيه".[38]
وقال أيضا:"إن
الحزب السياسي، والجمعية الخيرية، والتجمع والنقابة والاتحاد، هذه المؤسسات التي
يسمح بها النظام الحر (الديمقراطي) يجب على المسلمين المبادرة إليها، واتخاذها
سبيلاً، وطريقاً لنشر دينهم وتمكين عقيدتهم، وتجميع قواهم، وتدريب وتعليم عناصرهم،
بل يجب على المسلمين أن يسعوا إلى مثل هذا التشريع الذي يسمح بذلك لو كان النظام
القائم لا يسمح له، لأن هذا حق من حقوقهم، بل واجب من واجباتهم، أن يتعاونوا على
البر والتقوى، وأن يكونوا جمعيات وجماعات، وأحزاب تدعو إلى الله وتنشر دينه، وتعلي
كلمته".[39]
[1]
- راجع رسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الى أهل المغرب ،
حيث يقول بصراحة:" من لم يجب الدعوة بالحجة والبيان قاتلناه بالسيف
والسنان". وقد أيد هذا الموقف المستشار
في الديوان الملكي السعودي الشيخ عبد العزيز بن محمد بن ابراهيم آل الشيخ ، في
مقدمته لكتاب (دعوة الامام سلفية لا وهابية).
[2] - الحصين : دعوة الامام سلفية لا وهابية ، ص 190
[3] - الحصين : دعوة الامام سلفية لا وهابية ص 179
[4] - الحصين : دعوة الامام سلفية لا وهابية ص 180
[5]
- وكان عدد من الامراء السعوديين في
الستينات من القرن العشرين قد طالبوا بإصلاح ديموقراطي ، وشكلوا تنظيم (الأمراء
الأحرار) بقيادة الأمير طلال بن عبد العزيز ، الذي انشق على أخيه الملك سعود ، ثم
الملك فيصل . ولا يزال ابنه الوليد يطرح بين الفينة والأخرى مطالب بالانتخابات
الحرة وتأسيس مجلس شورى منتخب ، حيث دعا في حديث الى صحيفة (نيويورك تايمز) بتاريخ
11/12/2001 الى تطبيق مبدأ الانتخابات في السعودية والى تحول ديموقراطي في النظام
الملكي.
[6]
- المسعري ، محمد :مشروعية محاسبة الحكام
، فصل: شبهات حول الجماعات الاسلامية وحكم الإنتماء
[7] - المسعري ، محمد :مشروعية محاسبة الحكام
، فصل: مفهوم جماعة المسلمين.
[8] - المسعري ، محمد :مشروعية محاسبة الحكام
، فصل: الشبهة الثالثة: البيعة لا تكون الا على الامامة العظمى.
[9]
- المسعري ، محمد ، مشروعية محاسبة الحكام
، فصل : مشروعية محاسبة الحكام
[10]
- المسعري ، محمد ، مشروعية محاسبة الحكام
، فصل: مراقبة الأمة للحكام ومحاسبتهم
[11]
- المسعري ، محمد ، مشروعية محاسبة الحكام
، فصل: مراقبة الأمة للحكام ومحاسبتها لهم
[12]
- المسعري، محمد ، مشروعية محاسبة الحكام
، فصل: سرية النصيحة
[13]
- المالكي ، حسن: قراءة في كتب العقائد ، المذهب
الحنبلي نموذجا ، فصل: التكفير والتبديع في كتب الحنابلة. عن موقع المالكي في
الانترنت على العنوان التالي: http://www.almalky.net/graa_fi_al3gaid.htm
[14]
- عبد الرحمن عبد الخالق ،الشورى في ظل
نظام الحكم الإسلامي ص23 – 24
[15] - عبد الرحمن عبد الخالق ، مشروعية الدخول إلى المجالس التشريعية
ص17
[16]
- عبد الرحمن عبد الخالق ،الشورى في ظل
نظام الحكم الإسلامي ص23 – 24
[17]
- عبد الرحمن عبد الخالق ،الشورى في ظل
نظام الحكم الإسلامي ص22
[18]
- عبد الرحمن عبد الخالق ،الشورى في ظل
نظام الحكم الإسلامي ص 34-35
[19]
- عبد الرحمن عبد الخالق ،الشورى في ظل
نظام الحكم الإسلامي ص1
[20]
- عبد الرحمن عبد الخالق ، مشروعية الدخول
إلى المجالس التشريعية ص1
[21]
- عبد الرحمن عبد الخالق ، مشروعية الدخول إلى المجالس التشريعية ص3
[22]
- عبد الرحمن عبد الخالق ، مشروعية الدخول
إلى المجالس التشريعية ص2
[23]
- عبد الرحمن عبد الخالق ، الحد الفاصل
بين الإيمان والكفر ص31
[24]
- عبد الرحمن عبد الخالق ، مشروعية الدخول
إلى المجالس التشريعية ص23
[25]
- يقول:"مما
يدل على فساد القول بتحريم تولي الولايات العامة (الوزارة ونحوها وكذلك النيابة
التشريعية) في ظل الأنظمة القائمة أن هذا هو قول أهل الغلو، وجماعات تكفير المجتمع
فلم يعرف هذا القول في بدايته إلا عنهم ومنهم انتشر في بعض من غرر بأقوالهم. فجماعة
شكري مصطفى كانت أول جماعة فيما أظن قالت بعدم جواز تولي أية ولاية عامة أو خاصة
في الحكومات المعاصرة بناء على عقيدتها في كفر المجتمع كله، وكفر الحكام جميعا،
وسواء عندهم أكانت الولاية وزارة أو إمامة صلاة أو غير ذلك. يقول أحدهم (كل
الأعمال حلالها وحرامهـا في هذا المجتمع الجاهلي لا بد أن تصب في النهاية في مصب
واحد هو خدمة وبناء هذا المجتمع الكافر). (ماهر بكري. الهجرة ص10 عن الغلو في
الدين لعبدالرحمن اللويحق 525). بل بالغ شكري مصطفى فقال بعد أن ذكر مجموعة من
الوظائف: (كل ذلك.. إنما هو سلطان الطاغوت ودائرة اختصاصه ومواد الوهيته،
والداخلون في نظامه هم عبيده وسدنة محرابه وانه لا شيء مما ذكرنا ولا قشة ترفع في
الطريق بأمر البلدية في بلد الطاغوت إلا وهي داخلة في إلاهيته). (شكري مصطفى
الخلافة 6/13 وعنه الغلو في الدين لعبدالرحمن اللويحق 526) وقد وافق هؤلاء الغلاة
بعض إخواننا السلفيين . وللأسف أنهم استدلوا على ذلك بقريب مما استدل به
الغلاة". عبد الرحمن عبد
الخالق ، مشروعية الدخول إلى المجالس التشريعية ص20
[26]
- عبد الرحمن عبد الخالق ، الحد الفاصل
بين الإيمان والكفر ص 3
[27]
- عبد الرحمن عبد الخالق ، الحد الفاصل
بين الإيمان والكفر ص32
[28]
- عبد الرحمن عبد الخالق ، الحد الفاصل
بين الإيمان والكفر ص 37
[29] - عبد الرحمن عبد الخالق ، فصول من السياسة الشرعية في الدعوة إلى الله ج2 ص 36
[30]
- عبد الرحمن عبد الخالق ، فصول
من السياسة الشرعية في الدعوة إلى الله ج1 ص1
[31] - عبد الرحمن عبد الخالق ، فصول من السياسة الشرعية في الدعوة إلى الله ج1 ص2
[32]
- عبد الرحمن عبد الخالق ، مشروعية الدخول
إلى المجالس التشريعية ص5
[33] - عبد الرحمن عبد الخالق ، فصول من السياسة الشرعية في الدعوة إلى الله ج2 ص 32-34
[34] - عبد الرحمن عبد الخالق ، فصول من السياسة الشرعية في الدعوة إلى الله ج2 ص37
[35] - عبد الرحمن عبد
الخالق ، فصول من السياسة
الشرعية في الدعوة إلى الله ج2 ص38
[36]
- عبد الرحمن عبد الخالق ،المسلمون والعمل السياسي ص14
[37]
- عبد الرحمن عبد الخالق ،المسلمون والعمل السياسي ص14
[38] - عبد الرحمن عبد
الخالق ،المسلمون والعمل السياسي ص 15 وقد استعان الشيخ عبد الخالق وهو ينظر لمشروعية
الدخول في الحياة الديموقراطية والمجالس التشريعية ، بفتوى للشيخ عبد العزيز بن
باز ، يقول فيها: "لا حرج في الالتحاق بمجلس الشعب إذا كان المقصود من
ذلك تأييد الحق، وعدم الموافقة على الباطل، لما في ذلك من نصر الحق، والانضمام إلى
الدُعاة إلى الله. كما إنه لا حَرَجَ كذلك في استخراج البطاقة التي يستعان بها على
انتخاب الدُعاة الصالحين، وتأييد الحق وأهله، والله الموفق". ( مشروعية الدخول إلى المجالس التشريعية ص17)
[39] - عبد الرحمن عبد الخالق ،المسلمون والعمل
السياسي ص16