تكفير النظام السعودي و المؤسسة الدينية

 

     وربما كان كتاب (الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية)[1] لمؤلفه القريب من تنظيم القاعدة ، يشكل بيانا لحقيقة أفكار الحركة الوهابية المعارضة (الثورية والتكفيرية) ، ضد آل سعود وأتباعهم "الوهابيين" . حيث يقول مؤلفه (النجدي) مستعيدا التراث الوهابي:" ليس كل من ادعى التوحيد او انتسب اليه ولو اسما يحرم ماله ودمه ويكون من الموحدين ، بل لا يكون كذلك حتى يكفر بكل ما يعبد من دون الله ويبرأ منه سواء عبادة سجود او ذبح أو دعاء أم عبادة تشريع واستسلام وتحاكم ، فالإشراك بالله في حكمه من الاشراك به في عبادته. وقد قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب معلقا على حديث مسلم ( من قال لا اله الا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله):" وهذا من أعظم ما يبين معنى (لا اله الا الله) فانه لم يجعل التلفظ بها عاصما للمال والدم بل ولا معرفة معناها مع لفظها بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو الا الله وحده حتى يضيف الى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله ، فان شك أو تردد لم يحرم ماله ودمه".[2]

 

   ويقول:- "اننا مأمورون بالدخول في الاسلام كافة فننظر في الكتاب فترى قوله تعالى: ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) والفتنة هي الشرك كل أنواع الشرك لا فرق بين شرك القبور وشرك الدستور".[3] و إن هذه " الحكومة (السعودية) الخبيثة الكافرة خرجت من دين الاسلام ومن ملة التوحيد من أبواب شتى :

 الاول: التشريع وتحكيم القوانين والتحاكم اليها

الثاني: موالاة أعداء الله من الكفار الشرقيين والغربيين الخليجيين والعرب ، وتوثيق روابط الأخوة والمودة والحب والصداقة وتوليهم بالتأييد والنصرة".[4]

   وقد أخذ النجدي على الحكومة السعودية دخولها في الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي ، لأنها في نظره بلاد كفار ، ولأن دخولها في تلك المنظمات العربية والدولية يقوم على تعزيز التضامن بين الدول الأعضاء ، ودعم التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي ، وإيجاد المناخ لتعزيز التعاون والتفاهم بين الدول الأعضاء والدول الاخرى. ولأنه يقوم أيضا  على مباديء هي:

1-              المساواة التامة بين الدول الأعضاء.

2-              احترام حق تقرير المصير وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

3-              احترام سيادة واستقلال ووحدة أراضي كل دولة عضو.

4-              حل ما ينشأ من منازعات بحلول سلمية.

5-              الامتناع عن استخدام القوة والتهديد باستعمالها.[5]

وهذه أمور يعتبرها المؤلف مخالفة لعقيدة التوحيد (الوهابية) ومساواة لـ: "الموحدين والمسلمين" مع  "المشركين" – ويعني بهم غير الوهابيين - .

    ويتهم المؤلف الحكومة السعودية بالصد عن سبيل الله والكفر به وفتنة "المسلمين" عن دينهم واضطهاد "الموحدين  الحقيقيين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر المتبرئين من كل الطواغيت" و سجنهم وقتلهم وطردهم  وملاحقتهم . وموالاة أعداء الدين ونصرتهم ومودتهم ومحبتهم .[6]

   ويأخذ على حكام السعودية " تشريعهم مع الله ما لم يأذن  به الله واتباعهم لأقوال المشرعين من الكفرة أعداء الدين ودخولهم في دين الطواغيت المختلفة اقليمية كانت أم عالمية دولية" .[7]    وينتقدهم على "إدخال مشركي الطواغيت العربية الى بيت الله الحرام أثناء عقد مؤتمر القمة في مكة ، وإدخال كل من  يشاءون من إخوانهم الذين قال الله تعالى فيهم: ( انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)".[8]

   ثم ينتقل مؤلف الكتاب (النجدي) من التكفير الى الهجرة والجهاد ، فيقول: "نص العلماء على ان الحاكم اذا أظهر الكفر البواح يجب القيام عليه وعزله وتبديله وتغييره لإقامة شرع الله وتحقيق توحيده كاملا ، ومن داهن فعليه الإثم والعقوبة. ومن ضعف عنه وجبت عليه الهجرة وعدم الركون للكفر وحكوماته ، بل تحديث النفس بجهادهم دوما وتربية الذراري على ذلك وغرسه في نفوسهم.. واعلم ان من أعظم أنواع الهجرة الواجبة في كل زمان هجرة كل وظيفة وعمل فيه نصرة وإعانة لهؤلاء الطواغيت وقوانينهم ". [9]

  ويقول ايضا: " انه لا يصلح لمسلم شم رائحة التوحيد وعرف الشرك أن يكون معينا لهذه الدولة وأمثالها من الدول المرتدة الكافرة ... فلا يجوز له بحال ان يعمل في عساكرها ولا حرسها الوطني ولا جيشها أو شرطتها ولا مخابراتها أو أمنها وجواسيسها. فان هذا كله من توليها ونصرتها على المؤمنين الموحدين المتبرئين منها الكافرين بها ، فهو بذلك لا يقف عند حدود المعصية بل يتعداه الى الكفر والردة".[10] ويتساءل: ما الموقف من هذه الدولة الخبيثة وأمثالها من الحكومات المرتدة؟..  ويجيب : انه الهجرة والجهاد. وغاية هذا القتال تحقيق توحيد الله ، إذ (لا اله الا الله) تعني البراءة من  كل دين وطاغوت ومنهج وقانون ومعبود غير الله ، وعداوة أهل الشرك وموالاة أهل الإيمان.[11]ومن أراد طريقة السلف فليتأمل فرارهم من أبواب السلاطين وأمراء الجور في أزمنة الخلافة فكيف في أزمنة الكفر والقانون وتولي أعداء الله".[12]ويقول: "ما أشد انطباق ما قاله جدهم عبد العزيز بن سعود عليهم في رسالة بعث بها الى بلاد العجم والروم: ( نحن لا نكفر الا من عرف التوحيد وسبّه وسماه دين الخوارج ، وعرف الشرك وأحبه وأهله ودعا اليه وحض الناس عليه بعدما قامت عليه الحجة ، وان لم يفعل الشرك أو فعله وسماه بغير اسمه بعدما عرف أن الله حرمه). الدرر السنية 1/145".

 

الموقف من علماء السلاطين

 

  وبعد تكفير الدولة السعودية ، يشن النجدي هجوما عنيفا ضد رجال الدين الوهابيين المتحالفين مع الحكومة ، ويتهمهم بتولي أعداء الله ومحاربة أوليائه ، وفتنة الأمة والتلبيس عليها ، وممارسة شرك العصر الصريح باسم الاسلام والتوحيد. ويطالب بوعظ العلماء وهجرهم حتى يرتدعوا ويقلعوا عن مداهنة السلاطين والركون اليهم والجدال عنهم.[13]ويقول: " أذكّر الموحد وأنبهه الى عدم الاغترار بعلماء الحكومات ، هؤلاء الذين يتجاهلون ما يدور حولهم من كفريات وفضائح آل سعود وحكومتهم ، ولا هَمَّ لهم الا الهجوم على الموحدين المتبرئين من طواغيتهم الكافرين بحكومتهم.  أي والله لا تغتروا بشهاداتهم ولا بألقابهم أو لحاهم وعمائمهم.( لا تلق مبتدعا ولا متزندقا  الا بعبسة مالك الغضبان).. أنا أدعو هؤلاء المشايخ الى ان يجلسوا من جديد ليتعلموا التوحيد الحق ويتعلموا معنى لا إله الا الله من كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأولاده الذين طالما تمسحت دولتهم هذه بطريقتهم وهم منها براء".[14]

 

    ويتحدث المؤلف (أبو البراء النجدي) عن (الأفغان السعوديين) والتكفير ، فيقول:"ها هم أفواج الشباب يعودون مدربين على القتال والسلاح والمتفجرات من أفغانستان ، وقد استفادوا بعدما خرجوا من أسوار الجزيرة الى السعودية بغير الوجه الذي خرجوا به أول الأمر .. فها هو فكر (تكفير وقتال الحكومة وكل من ناصرها وعاونها ووالاها) قد انتشر بين الشباب العائد من أفغانستان انتشار النار في الهشيم".[15] "وها هم الشباب يرجعون وقد فقدوا الثقة بكل من يمدح هؤلاء الطواغيت أو يثني عليهم أو يجادل عنهم او يقف بأبوابهم مهما طالت لحيته وكبر لقبه. فخرج علينا المشايخ في الآونة الأخيرة يركزون في خطبهم ومحاضراتهم على محاربة الآراء الشاذة والأفكار المتطرفة ، يقصدون تكفير حكومتهم و تكفير من تولاها والدعوة الى جهادها".[16]

 

    واذا قدر لهذه الحركة الوهابية الأصيلة ان تنتصر في "جهادها" ضد آل سعود ، فانها كما يبدو سوف تعيد تجربة الحكم السعودي الوهابي تماما ، ولن تغير شيئا في أسس النظام السياسي ، وذلك لأنها لا تملك فكرا نقديا جذريا ، ولا تضع إصبعها على مواطن الخلل والاستبداد ، ولا تعرف غير الدعوة الى إطاعة الحكام الجدد إطاعة مطلقة. وحتى ذلك اليوم ، فانها بالطبع لا يمكن ان تقبل بأي نظام ديموقراطي حديث يقوم على الشورى والمشاركة من قبل جميع الطوائف والأحزاب والفئات الاجتماعية ، في العملية السياسية ، سواء في ظل آل سعود أو في ظل غيرهم ، فانها تعتبر ذلك نوعا من الشرك والكفر بالله.

    يقول أبو محمد عاصم المقدسي (أحد زعماء الوهابية الجديدة ومن المقربين الى تنظيم القاعدة) في كتابه: (الديموقراطية دين):"ان الديموقراطية دين غير دين الله ، وملّة غير ملة التوحيد ، وان مجالسها النيابية ليست الا صروحا للشرك ومعاقل للوثنية ، يجب اجتنابها لتحقيق التوحيد الذي هو حق الله على العبيد ، بل السعي لهدمها ومعاداة أوليائها وبُغضهم وجهادهم. وان هذا ليس أمرا اجتهاديا كما يحلو لبعض الملبسين أن يجعلوه ، بل هو شرك واضح مستبين وكفر بواح صراح قد حذر الله تعالى منه في محكم تنزيله ، وحاربه المصطفى (ص) طيلة حياته".[17]

   ويقول:" الطاغوت الذي يجب عليك أن تكفر به وتتجنب عبادته لتستمسك بعروة النجاة الوثقى ، ليس فقط أحجارا وأصناما وأشجارا وقبورا تعبد بسجود أو دعاء أو نذر أو طواف وحسب.. بل هو أعم من ذلك...ان الطاعة في التشريع عبادة لا يجوز أن تصرف لغير الله ، فلو صرفها المرء لغير الله ولو في حكم واحد كان بذلك مشركا"[18] ويقول:" ان ترجمة الديموقراطية الحرفية هي: (حكم الشعب أوسلطة الشعب أو تشريع الشعب) وهذا من أخص خصائص الكفر والشرك والباطل الذي يناقض دين الاسلام وملة التوحيد أشد المناقضة ويعارضه أشد المعارضة... فالديموقراطية كفر بالله العظيم وشرك برب السماوات والأرضين ومناقضة لملة التوحيد ودين المرسلين".[19]

   ويقول أيضا:"الشعب في دين الديموقراطية يُنيب عن نفسه النوابَ ، فتتخير كل طائفة أو جماعة أو قبيلة منهم رباً من هؤلاء الأرباب المتفرقين ، ليشرعوا لهم تبعا لأهوائهم ورغباتهم... فمنهم من يتخير معبوده ومشرعه تبعا للفكر والأيديولوجية ، فإما رب من الحزب الفلاني ، أو إله من الحزب العلاني ، ومنهم من يتخيره تبعا للقبيلة والعصبية ، فإما إله من القبيلة الفلانية أو وثن معبود من القبيلة العلانية ، ومنهم من يتخيره إلها سلفيا بزعمهم ، وآخر يجعله رباً إخوانيا أو معبودا ملتحيا وآخر حليقا.. وهكذا.. فهؤلاء النواب هم في الحقيقة أوثان منصوبة وأصنام معبودة وآلهة مزعومة منصوبة في معابدهم ومعاقلهم الوثنية (البرلمانات) يدينون هم وأتباعهم بدين الديموقراطية وشرع الدستور".[20]

     ان موقف الحركة الراديكالية (التكفيرية) السلبي من الشورى والديموقراطية ، هو الذي دفعها لاختيار الطريق العسكري في عملية التغيير السياسي ، كطريق  لا تجد دونه سبيلا ، ولما كانت منظمة (القاعدة) التي يقودها  أسامة بن لادن ، والتي تنتقد التعاون العسكري بين الرياض و واشنطن ، أو ما تسميه بالاحتلال العسكري الأمريكي لبلاد الحرمين ، لا تملك اسلوبا ديموقراطيا لفرض موقفها على الحكومة السعودية ودفعها الى طرد القوات الأمريكية بشكل سلمي ، وذلك لغياب النظام الديموقراطي في السعودية ، وبما أنها لم تكن ترغب في إشعال حرب داخلية مع النظام السعودي ، فانها فضلت توجيه ضرباتها الى تلك القوات الأمريكية ، وأعلن  ابن لادن ، كما رأينا في رسالته الشهيرة التي أصدرها عام 1997 ، أنه في حل من المعاهدات الحكومية وطالب الشعب السعودي بتوجيه أقسى الضربات للأمريكيين في داخل السعودية وخارجها لإجبارهم على الانسحاب من الجزيرة العربية. وبكلمة أخرى.. إن توجه ابن لادن ومنظمة (القاعدة) للاشتباك مع أمريكا هو نتيجة غياب الديموقراطية في النظام السعودي ، وفي فكر المعارضة الوهابية الراديكالية التي لا تؤمن بالديموقراطية. ولو كان ثمة أي نافذة ديموقراطية للتغيير والحل السياسي والمشاركة الشعبية في السلطة لما وجد ابن لادن نفسه مضطرا لحمل السلاح نيابة عن الحكومة ومطالبة أمريكا مباشرة بالخروج من الجزيرة العربية.

 

 

 

 



[1] - المنشور عام 1994 عن دار القصيم في لندن ، باسم مستعار هو: ( أبي البراء مرشد بن عبد العزيز بن سليمان النجدي) (واسمه الحقيقي: أبو محمد عاصم البرقاوي المقدسي) الأردني القريب من تنظيم القاعدة .

[2]  - النجدي: الكواشف الجلية 195

 

[3]  - النجدي: الكواشف الجلية 283

[4]  - النجدي: الكواشف الجلية 191

[5]  - النجدي: الكواشف الجلية 191

[6]  - النجدي: الكواشف الجلية 249

[7]  - النجدي: الكواشف الجلية 250

 

[8]  -النجدي: الكواشف الجلية 251

[9]  -النجدي: الكواشف الجلية 196

[10]  - النجدي: الكواشف الجلية 198

[11]  - النجدي: الكواشف الجلية 194

[12]  - النجدي: الكواشف الجلية 285

 

[13]  - النجدي: الكواشف الجلية 286

[14]  - النجدي: الكواشف الجلية 244

[15]  - النجدي: الكواشف الجلية 271

[16]  - النجدي: الكواشف الجلية 272

[17]  - المقدسي : الديموقراطية دين ، ص 2

[18]  - المقدسي: الديموقراطية دين ، ص 2 - 3

[19]  - المقدسي ، الديموقراطية دين ، ص 8

[20]  - المقدسي ، الديموقراطية دين ، ص 10