نظرا لطبيعة الحركة الوهابية الجماهيرية ، كان لا بد أن نتوقع
حدوث تيارات عديدة فيها وعدم اقتصارها أو جمودها على تيار واحد ، هو تيار الولاء
للسلطة. وحتى في داخل المؤسسة الدينية الرسمية لم يمكن استبعاد وجهات النظر
المختلفة ، خاصة مع غياب الشورى في داخلها ، وإملاء النظام السياسي للمواقف
المختلفة على التيار العام. ومن هنا كان من الطبيعي بروز حركات معارضة للنظام
السعودي من داخل الحركة الوهابية ، في مقابل موقف المؤسسة الدينية الرسمية التابعة
والمؤيدة والمساندة للنظام .
وقد اختلفت تلك المعارضة الى فرق وتيارات عديدة ، وانقسمت الى
ثلاثة أقسام رئيسية:
1-
المعارضة الاصلاحية
(الموالية للنظام)
2-
المعارضة الخارجية (الرافضة للنظام)
3-
المعارضة الراديكالية (المكفرة للنظام الحاكم)
ويجمع بين هذه الأقسام الثلاثة عدم
الاختلاف البنيوي عن الفكر السياسي الوهابي والانبثاق من داخل العقل السياسي
للنظام ، وعدم تبني الشورى و الانتخاب أو المشاركة الشعبية في السلطة أو الدعوة
الى تغيير النظام دستوريا أو تغيير العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، حيث اقتصرت
معارضتها جميعا على نقد الحاكم ( وربما الدعوة لإسقاطه) وتوجيه صفة الظلم أو الفسق
أو الكفر اليه ، أو نقد بعض ممارساته المخالفة للشريعة الاسلامية و عقيدة التوحيد
، حسب الفهم الوهابي . ولكن من دون تقديم بديل جذري أو ملامسة لجذور الأزمة
السياسية ، وهي طبيعة النظام الديكتاتورية و الاستبدادية المطلقة. وذلك لأن
المعارضة الوهابية تحاول اصلاح النظام أو تغيير بعض مواقفه ، أو استبدال الحكام
بآخرين، ولكنها ترفض إحداث تغييرات جذرية باتجاه إقامة الشورى وإعادة السلطة الى
الأمة والقبول بالاحتكام الى صناديق الاقتراع.
1-
المعارضة الاصلاحية الموالية
وربما كان أبرز نموذج لهذا النوع من المعارضة هو
التيار الاصلاحي الذي ولد داخل المؤسسة الدينية الوهابية في التسعينات من القرن العشرين
، والذي عرف بتيار (مذكرة النصيحة)
التي قدمها عدد من كبار رجال الدين الى الملك فهد عام 1993 . وقد ابتدأ ذلك التيار
نشاطه أثناء حرب الخليج الثانية ، احتجاجا على قرار الحكومة السعودية الاستعانة
بالأمريكيين والاجانب (الكفار) في محاربة الرئيس العراقي صدام حسين عام 1991 ،
واحتجاجا على مواقف كبار العلماء الذين
أصدروا الفتوى التي تجيز وصول جنود غير مسلمين الى المملكة العربية السعودية خلال
عمليات "عاصفة الصحراء".[1]
حيث قام ذلك التيار بتوزيع الأشرطة والمناشير التي تندد بالوجود العسكري الامريكي في
المملكة العربية السعودية "مهد الاسلام" .
وقد انضم الى هذا التيار عدد
من أعضاء هيئة كبار العلماء [2].
وعندما انتهت الحرب سارع هذا التيار الى تقديم مذكرة الى الملك فهد وقع عليها أكثر
من أربعمائة شخص يطالبون الملك فيها بالاسراع في عملية الاصلاح ، وتغيير القوانين
الوضعية وتقوية الجيش السعودي.[3]
وقد شجعهم على ذلك إعلان الملك فهد عام 1990 عن نيته للقيام بإصلاحات سياسية من
بينها إنشاء مجلس للشورى. فقام الشيخ سليمان العودة والشيخ سفر الحوالي والشيخ عبد
الله بن جبرين في صيف عام 1992 بتنظيم
لجنة للاصلاح والمشورة ، وكتابة
مذكرة مفصلة بالمظالم وتسليمها الى الشيخ ابن باز ، ولكنها لم تجد ترحابا لديه ،
حيث رأى فيها تجاوزا لدور كبار العلماء الذين يحتكرون النصيحة والمشورة للملك وخرقا
لتقليد وهابي عريق بتوجيه النصيحة سريا للحكام .
وعلى أثر ذلك
عقد مجلس هيئة كبار العلماء جلسة بتاريخ 19/11/1411هـ وأصدر بيانا جاء فيه:
-
ان مجلس هيئة كبار العلماء يستنكر الطريقة التي سلكت في نشر
وتوزيع ما كتب في ذلك ويحذر من مغبة
تكرار مثل ذلك مستقبلا ، و يرى ان الطريقة التي استخدمت في نشر وتوزيع ذلك لا يخدم
المصلحة ولا يحقق التعاون على البر والتقوى .. ان النصح لأئمة المسلمين يكمن في
ارشادهم سراً بينهم وبين ناصحهم.[4]
ورد هذا التيار على بيان هيئة كبار
العلماء ، رافضا وصايتهم على عملية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو الالتزام
بالسرية ، ومؤكدا على قدرته على إيصال صوته الى ولي الأمر مباشرة وعدم الحاجة
للمرور بهيئة كبار العلماء.[5]
وقام هذا التيار الاصلاحي ، بعد
إعلان الملك فهد عن الأنظمة الثلاثة، بتوجيه (مذكرة النصيحة) الشهيرة الى الملك ،
والإعلان عن تأسيس (لجنة للدفاع عن الحقوق الشرعية) في أيار من عام 1993 ، وتضمنت المذكرة أهم أفكار التيار
الاصلاحية في المجالات الإدارية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والقضائية
والاجتماعية ، ولكنها خلت من الدعوة الى اسقاط النظام ، حيث حافظت على حركتها ضمن
إطار الفكر السياسي الرسمي العام.[6]
وقد استندت المذكرة الى
الفقرة الثالثة والعشرين من النظام الأساسي الذي أقره الملك ، والتي تقول:" إن
الدولة تحمي عقيدة الاسلام وتطبيق شريعته وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتقوم
بواجب الدعوة الى الله" لكي تطالب
بتصحيح دور رجال الدين في الدولة السعودية من تبعيتهم للسلطة الى تبعية
السلطة لهم " وأن يكون للعلماء
والدعاة مكانة لا تعدلها مكانة ،
وأن يكونوا في مقدمة أهل الحل والعقد والأمر والنهي ، واليهم ترجع الأمة حكاما
ومحكومين لبيان الحكم الشرعي لسائر أمور دينهم ودنياهم".[7]
وانتقدت المذكرة واقع حال رجال الدين الذي يتمثل في:
1-
ضعف دور العلماء في الحياة العامة ، وهامشية هذا الدور في قطاعات
بالغة الأهمية في حياة الامة مثل سن الأنظمة (أي القوانين بالمصطلح السعودي)
والاعلام وأنشطة المرافق الثقافية والاقتصادية حيث لا يطلب رأي العلماء الشرعي في
كثير من الأعمال التي تقوم بها قطاعات الدولة ، ويندر أن يستشاروا في قرارات
داخلية أو خارجية هامة تحتاج الى أحكام الشريعة وقواعد الاسلام التفصيلية .. وقد
لا يستجاب لفتاويهم اذا تعارضت مع توجهات قائمة لهذه القطاعات والأجهزة ، بل قد لا
يسمح بنشرها. وكل ذلك ينبيء وقد يؤدي الى فصل الدين عن واقع حياة الناس وعزله عن
التأثير في أمر معاشهم وما قد يترتب على ذلك أثر خطير يهدم الأصل الذي انما قامت
الدولة له من الدعوة للاسلام وتطبيق أحكامه.
2-
عدم استقلالية العلماء وارتباطهم بمؤسسات ودوائر حكومية متعددة
، مما أدى الى تقييد العلماء في فتاويهم ، وابتعادهم عن واقع الحياة اليومي واعتبارهم
جهة تابعة لا متبوعة ، مقودة لا قائدة.
3-
الحساسية
المفرطة تجاه النصح والتوجيه والنقد الهادف البناء المقدم من العلماء والدعاة للمسؤولين في هذه الدولة وأجهزتها المختلفة ، مما ادى الى
التضييق على الدعوة والدعاة وظهور أساليب لم تكن معروفة في سلف هذه الدولة من فصل
الدعاة أو عزلهم أو منعهم من القيام بواجبهم في كثير من الأحيان.
4-
قصر وسائل الإعلام للموضوعات التي تذاع أو تكتب أو تبث من العلماء
والدعاة على المواعظ العامة والقضايا الجزئية ، وإحكام الرقابة على كل ما يذاع أو
ينشر بهذا الصدد.
5-
قصر رسالة المسجد ومواضيع خطب الجمع على الوعظ العام ، ومنعها
من التعرض للقضايا العامة في واقع المسلمين وبيان الرأي الشرعي. وكذلك تحجيم
الندوات والمحاضرات العامة التي تعالج قضايا الساعة ، ومراقبة كل ما يقال أو ينشر
فيها.[8]
وبناء على ذلك فقد طالبت المذكرة بإصلاح أحوال العلماء وتعزيز دورهم
وتمكينهم من القيام بواجبهم ، وذلك برفع كافة القيود والتعليمات التي تحد من نشاط
الدعاة والسماح لهم بالتأليف والنشر والإفتاء والخطابة والمحاضرات وعقد الندوات
والحلقات العلمية ، دون حاجة الى ترخيص أو إذن رسمي من وزارة الاعلام أو الأوقاف
أو غيرها من أجهزة الدولة ، وأن يجعل القضاء الشرعي هي الجهة الوحيدة التي يناط
بها النظر في أي مخالفة تنسب الى الدعاة والعلماء أو غيرهم. واقترحت المذكرة تعزيز
دور هيئة كبار العلماء بتعيين ذوي الفضل والمشهورين بالقدرة والاجتهاد المقبولين
من أفراد الامة ، وذلك بناء على ترشيحهم من الجهات الشرعية كالقضاة وأعضاء الإفتاء
والإرشاد ومجلس القضاء الأعلى وأساتذة الشريعة ، كما طالبت بعرض جميع
الأنظمة(القوانين) والمعاهدات المراد سنها قبل إقرارها على هيئة كبار العلماء
للتأكد من مطابقتها لقواعد الشريعة وأحكامها.[9]
ويمكننا اعتبار طلب المذكرة هذا ، نوعا من المطالبة بولاية الفقهاء على الدولة
السعودية. ومع ان المذكرة اقترحت ترشيح العلماء الى ما يشبه (المجلس التشريعي) الا
انها لم تصل الى حد المطالبة بانتخاب ذلك المجلس من الأمة عبر الانتخاب العام ، وانما
اقتصرت بالمطالبة بترشيحهم من ذوي الاختصاص وليس من قبل الحكومة.
وخلافا لما اعتاد عليه الفكر السياسي الوهابي الرسمي من الطاعة المطلقة
للامام ، انتقدت المذكرة مصادرة الحريات العامة ، وقالت:" شاع بين الناس بأنه
يجوز للدولة المنع و الالزام
بالمباح لما يسمى بالمصلحة العامة ، استنادا الى كون الشرع قد خيّر المكلف بين
الفعل والترك. ولقد نجم عن هذا الظن الفاسد تحريم ما أحل الله ورسوله وإيجاب ما لم
يوجب تعالى ، وإلزام الرعية بذلك وعقابهم على مخالفته دون قيد شرعي منضبط أو اذن
من الشارع الاسلامي بذلك... وقد نهت الشريعة أن يلزم الانسان نفسه عن فعل مباح حتى
لو كان بقصد التعبد.. فكيف يحل للدولة أن تحرم بعض المباح عموما أو تعلق فعله على
إذنها وترخيصها؟...فان الأصل أن المباح ليس للدولة تحريمه والمنع منه أو إيجابه ،
أو قصر فعله على من حصل على ترخيص منها ، لأن الاباحة حكم من خالق العباد و ربهم
تعالى ، ومتى ثبت بالدليل الشرعي إباحة الفعل فليس لمخلوق المنع أو الإلزام به على
وجه الإطلاق وليس للدولة ذلك الا وفق الأحوال المبنية بالشرع".[10]
واستنادا الى ذلك انتقدت المذكرة كثيرا من الأنظمة
(القوانين) التي تقدم بها الملك فهد واعتبرتها منافية للحريات العامة أو مستوردة
من القوانين الأجنبية الكافرة ، مثل قانون المواطنة السعودية الذي يتضمن" التفرقة
والتمييز بين المسلمين وتسمية المسلم أجنبيا في مواد أنظمة لا تحصى باعتبار الموطن
الاقليمي وعلى أساس المولد ، مخالفة بذلك أحكام دار الاسلام المعلومة من
الدين".[11]
وأشادت المذكرة بتنويه (النظام الأساسي) الذي تقدم به الملك : باستقلال القضاء
. وطالبت بترجمة ذلك الى الواقع و رفع المنع للمحاكم الشرعية من نظر الدعاوى المقامة
على جهات حكومية الا بعد الإذن بذلك ، ومنع النظر في قضايا ترفع لدى المحاكم أو
ديوان المظالم بحجة أنها من قضايا السيادة ، كالدعاوى التي تقدم ضد أجهزة الجوازات
والمباحث وغيرها. والتأخير الملحوظ في إنفاذ الاحكام القضائية الصادرة من ديوان
المظالم ضد بعض أجهزة الدولة ووزاراتها ، وكذلك الصادرة من المحاكم بإعادة الحقوق
لأهلها اذا ما تعلقت هذه الأحكام بأجهزة الدولة أو بعض كبار المتنفذين فيها.[12]
واقترحت ، في سبيل إصلاح واقع القضاء ، العمل من أجل رفع جميع القيود التي تحول
دون تقديم كافة أنواع القضايا والدعاوى الى المحاكم الشرعية مباشرة دون وساطة أو
اشتراط إحالة أي جهة كانت ، وسواء كانت الدعوى خاصة أو دعوى حسبة وسواء كان موضوع
النزاع معروضا على أجهزة الحكومة او عدم ذلك. وحصر إصدار التعليمات الموجهة للقضاة
بمجلس القضاء الأعلى فقط ، وتوجيه أجهزة الدولة من إمارات و وزارات بالالتزام
بذلك. وأن تبسط هيمنة القضاء الشرعي على رجال الشرطة والأمن ونواب الهيئات ومن في
حكمهم.[13]
وتحت بند (واقع الكرامة والحقوق الانسانية) انتقدت المذكرة قيام الأجهزة الامنية
بالتجسس والتصنت وتفتيش المنازل وفتح الرسائل والتعدي بالضرب والعدوان وتعذيب
المتهمين ، ومعاقبة الذين يقومون بأداء واجباتهم الشرعية كالدعوة والنصيحة والتعبير
المشروع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والمنع من تكوين الجمعيات الدعوية أو
التأليف والخطابة الا بترخيص.[14]
وانتقدت المذكرة غياب الجيش السعودي منذ توحيد البلاد ، عن أداء أي دور جهادي
لنشر دعوة التوحيد ونصرة المظلومين من المسلمين ، وطالبت بإلغاء كافة الارتباطات
والمعاهدات العسكرية المخلة بسيادة الدولة واستقلالها ، وعدم الاعتماد على أية قوة
عسكرية خارجية مهما كانت في الدفاع عن البلاد وحماية أمنها.[15]
وانتقدت المذكرة ما أسمته سياسة الفتور والتجاهل والخذلان والتشويه الإعلامي
، التي تتبعها المملكة في علاقاتها مع التوجهات الاسلامية ، دولاً وحركات وأفرادا
،[16] وكذلك الحرص الشديد على
عدم التعارض مع مصالح الأنظمة الغربية التي تقود العداء للاسلام ، ومجاراة الولايات
المتحدة الامريكية في غالب المواقف والعلاقات والقرارات مثل الاندفاع نحو عملية
السلام مع اليهود. وطالبت بتبني سياسة الوحدة الاسلامية والعمل من أجلها ، ودعم
قضايا المسلمين في جميع المحافل الدولية ، والتعامل بحكمة مع الدول والتكتلات والتوجهات
المعادية للاسلام وعلى رأسها الأنظمة الغربية ، وتجنب أي نوع من الأحلاف أو أشكال
التعاون التي تخدم الأهداف الاستعمارية وتؤثر على القرار السياسي للبلد.[17]
ورغم كل تلك النقاط المثيرة التي
طرحتها المذكرة ، الا انها ظلت في إطار (النصيحة) ولم تتقدم خطوة عملية الى الأمام
لكي تضع آلية لتنفيذ مطالبها ، بطرح موضوع الشورى والانتخابات ، أو الضغط على
الحكومة بالتظاهر والإضراب العام ( ماعدا بعض المظاهرات المحدودة التي وقعت في
بريدة) فضلا عن استخدام العنف أو
الدعوة الى إسقاط النظام السياسي. فقد ظل الاصلاحيون يعارضون ويقترحون وينتقدون
ضمن دائرة المسموح في الفكر السياسي الوهابي وفي إطار الولاء التام للنظام السعودي. وبالرغم من ذلك فقد
اعتقل العودة والحوالي وتم تجميد عضوية ابن قعود والشعيبي من هيئة كبار العلماء ،
وقيدت حركة الشيخ المسعري.
والى جانب تلك المعارضة
الموالية ، وأمام انغلاق باب الإصلاح ، وبعد تفاقم الانحراف السياسي ، كان لا بد
ان تولد معارضة أكثر تطورا ، تمزق خيوط الولاء للنظام السعودي وتسحب اعترافها
بشرعيته وتدعو وتعمل من أجل إسقاطه "نظرا لافتقاده الشروط الشرعية الدينية
التي تؤهله للاستمرار في الحكم". ولعل أبرز من يمثل هذا النوع من المعارضة هي
حركة جهيمان بن سيف العتيبي الذي قام باحتلال الحرم المكي عام 1979 وأعلن فيه ظهور
المهدي (محمد بن عبد الله القحطاني)
.
وقد طرحت هذه الحركة التي انتقدت "انحراف
النظام السعودي عن الاسلام" : مسألة البيعة . وقالت ببطلان بيعة آل سعود لافتقادهم
الى شرط (القرشية) ، الوارد في بعض الاحاديث النبوية . ولكن تلك الحركة لم تصل في
معارضتها للنظام السعودي الى حد اتهامه بالكفر الصريح ، فقد كان قائد هذه الحركة
(جهيمان) يؤكد على اسلام الحكام ويقول:" ان آل سعود ليس لهم بيعة وان بيعتهم
غير شرعية. ولا يلزم من بطلانها تكفيرهم ، بل هم مسلمون بيعتهم باطلة شرعا بالأدلة
والكتاب والسنة".[18]
وأقصى ما كان جهيمان يقوله في حكام
آل سعود هو تشبيههم بالمنافقين ، حيث يقول: " ما أشبه هؤلاء الحكام
بالمنافقين فتراهم مع اظهارهم الاسلام يوالون الكفار والمشركين ، ولكن طائفة والت
وصالحت اليهود وطائفة والت الشيوعية وصالحت النصارى و آوت المشركين من الشيعة و الروافض.
فكل من هذه الدول الاسلامية له نصيب من اظهار الاسلام وله نصيب من موالاة الكفار .
وربما اختلفوا في اتجاهاتهم وكلهم متفقون على محاربة الحق وأهله اذا خالف سياستهم
وسياسة من يوالونهم من أعداء الاسلام".[19]
ورغم اعتقاد جهيمان بانحراف حكام آل سعود
، الا انه اعتبرهم في البداية أئمة جور أو ظلمة لم يخرجوا من دائرة الاسلام .
وأورد في رسالته (نصيحة الاخوان الى المسلمين والحكام) حديث (تسمع وتطع الامير وان
ضرب ظهرك وأخذ مالك...) واستدل به على وجوب الطاعة لهم على من يبايعهم
، ولكنه شكك في وقت لاحق في صحة هذا الحديث فتراجع عن ذلك الموقف في رسالة
(الإمارة) ، ومع ذلك لم يتطرف لكي يحكم على آل سعود بالكفر والردة. " فهو لا
يرى أنهم أظهروا كفرا بواحا ، والحكومة عنده حكومة مسلمة. وعلى هذا أكثر أتباعه الى اليوم". [20]
وبناء على ذلك لم يتخذ جهيمان موقفا عنيفا من المؤسسة الدينية
وزعيمها الشيخ عبد العزيز بن باز ، وانما اكتفى بتوجيه النقد الى العلماء الذين
باعوا أنفسهم للنظام الفاسد مقابل المال والمناصب والترقيات ، واعتبارهم موظفين
إداريين وجزءا من أركان الدولة.[21]
وبما أن العتيبي كان سلفيا ويؤمن
ببعض الاخبار التي تتحدث عن حتمية ظهور المهدي المنتظر بعد انحطاط السلطة السياسية
وانتقالها الى الملكيات الاستبدادية ، فقد انعكس ذلك على خطته في العمل والتغيير ،
فبحث بين أتباعه عمن يقوم بدور المهدي ، وأقنع واحداً منهم اسمه : (محمد بن عبد الله
القحطاني) بأنه فعلا المهدي المنتظر الذي سوف يخرج - كما في الأحاديث - من الكعبة ويحكم بالعدل والقسط ، فالتجأ
معه ومع ثلة من أصحابه الى الحرم المكي مطلع عام 1400 للهجرة ، وأعلن ظهور ذلك
المهدي (القحطاني) ودعا الناس الى بيعته .
ولم يتسنَّ للعتيبي
والقحطاني تبيان تصورهما السياسي لطريقة حكم البلاد في المستقبل ، غير أنه لا يوجد
في تراث الحركة ما يدل على إيمانهما بالشورى أو الانتخاب أو المشاركة الشعبية في
السلطة . وربما كان أقصى ما يحلمان به هو استبدال حكام آل سعود بحكام أكثر ورعا
وتقوى والتزاما بالدين. مما يعني عدم امتلاكهما لأي تصور سياسي يختلف بنيويا
وجذريا عن النظام السعودي الوهابي القائم.
ورغم أن هذه
الحركة احتلت الحرم المكي الشريف الا انها لم تستخدم العنف ولم تقتل أحدا ابتداء ،
غير ان احتلالها للحرم كان كافيا لمهاجمة السلطات السعودية لها . ونظرا لأن الحركة
كانت تنبثق من عمق الحركة الوهابية ومنطقة نجد فقد لاقت الحكومة السعودية صعوبة
كبيرة في إقناع جنودها الذين ينتمي غالبيتهم الى تلك المنطقة ، بمهاجمتهم في الحرم
وإخراجهم منه. ولذلك دعت رجال الدين لإصدار حكم شديد عليها وتأييد الحكومة ،
فاجتمع المجلس الأعلى للإفتاء برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز و أصدر فتوى تؤيد آل
سعود وتدين احتلال الحرم ، وعملية
الخروج باعتبارها خروجا على دولة اسلامية شرعية قائمة وشقا لعصا المسلمين . و وقَّع
على الفتوى ثلاثون عالما من كبار علماء السعودية.[22]
وجاء في فتوى الشيخ ابن باز :"كيف يجوز له
(لجهيمان العتيبي) الخروج على دولة قائمة قد اجتمعت على رجل واحد وأعطته البيعة الشرعية
، فيشق عصاها ويفرق جمعها؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: ( من أتاكم
وأمركم جميع يريد ان يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه كائنا من كان) خرجه
مسلم. ولما بايع النبي (ص) أصحابه بايعهم ( ان لا ينازعوا الأمر أهله ، الا ان
تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان) وهذه الدولة بحمد الله لم يصدر منها ما
يوجب الخروج عليها. ويُحتج في هذا المقام بحديث : ( من رأى من أميره شيئا من معصية
الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا عن طاعة ، فان من خرج عن الطاعة
وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية) وبذلك تدخل هذه الطائفة تحت قوله عز وجل: ( ومن
أظلم ممن منع مساجد الله ان يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ، أولئك ما كان لهم ان
يدخلوها الا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب أليم) ويُحتج بحديث: (
من حمل علينا السلاح فليس منا) لتحريم الاخوان لأجل اطلاقهم النار على رجال الأمن
الذين أرادوا حماية المسلمين من شرهم". [23]
وقد أعطت فتوى الشيخ ابن باز وكبار
العلماء الإذن للسلطات السعودية بالهجوم على الحرم واعتقال وقتل المعتصمين فيه ،
والقضاء على جهيمان وصاحبه : (المهدي القحطاني) ولكنها لم تستطع القضاء على أتباع الحركة المنتشرين في أعماق
الحركة الوهابية ، الذين يعرفون اليوم
بـ : (حزب القرآن) والذين يرفضون
الاعتراف بشرعية الدولة السعودية. وربما تطور بعضهم بعد القضاء على حركة الحرم
وقتل قياداتهم ، الى القول بالتكفير، كما ينقل عن العتيبي نفسه الذي يقال إنه عبر
عن سوء تقديره للنظام السعودي الذي كان يحسبه ظالما وجائرا فقط ولكنه أيقن بعد اقتحام الحرم: "أنه
كافر" .
وهناك جماعة يطلق
عليها (السرورية) نسبة الى (محمد بن سرور زين العابدين)[24]
وهم كما يقول الشيخ أحمد بن يحيى النجمي في كتابه: ( الفتاوى الجلية عن المناهج الدعوية)
:"قوم أو حزب عندهم شيء من السنة وشيء من البدعة ، يقدحون في الولاة ويتكلمون
فيهم بما ينتج عنه شر وفتنة وخطورة ، والظاهر أنهم يكفرون الولاة ، لكن هذا إنما
هو مأخوذ من لسان حالهم ولم يؤخذ من لسان مقالهم.. وقد تناولوا علماء هذا البلد
بالسب والشتم المقذع واتهامهم بالخيانة للدين ، ويزعمون أن العلماء في هذا البلد
لا يفقهون الواقع. وهذا أمر يدل على ما وراءه. وهم يدعون الى الجهاد وليس مرادهم
جهاد الكفار ، ولكن الظاهر أن مرادهم ضد الدولة".
وينقل عن هذه الحركة دعوتها
الى ولاية الفقهاء للدولة ، استنادا الى دور الشيخ محمد بن عبد الوهاب مع الأمير
محمد بن سعود وابنه عبد العزيز ، حيث كان يقوم بدور القيادة والإشراف والتوجيه. [25]
3 - المعارضة الثورية المسلحة (تنظيم القاعدة)
وقد انبثقت هذه المعارضة (الثورية) من صفوف المعارضة الموالية ،
بعد فشل الحوار مع النظام وعجزها عن تحقيق أهدافها بالطرق السلمية ، فتطورت نحو
التكفير والخروج المسلح ، وانتشرت بشكل رئيسي في صفوف القواعد الشعبية الوهابية
وخاصة "الأفغان السعوديين" الذين شاركوا في حرب تحرير أفغانستان من
الاحتلال السوفياتي وكان يبلغ عددهم حوالي خمسة عشر ألفا ، والذين عادوا الى
بلادهم ليجدوا الاحتلال الأمريكي قد جثم على بلاد الحرمين منذ حرب الخليج الثانية
عام 1991
وربما كانت الرسالة المفتوحة التي بعث
بها أسامة بن لادن الى عامة
المسلمين وأبناء جزيرة العرب بالخصوص ، عام 1997 تشرح حالة الإحباط التي كان يشعر
بها ذلك الفريق من المعارضة الوهابية ، بعد وصول طريق الإصلاح السلمي الى طريق
مسدود ، والتي شكلت المنطلق للحركة ، والتي
يقول فيها:
- "بذلت كل فئة جهدها للتحرك السريع لتدارك الموقف، وتلافي الخطر، فنصحوا سراً وجهراً، ونثراً وشعراً، زرافات ووحدانا، وأرسلوا العرائض تتلوها العرائض، والمذكرات تتبعها المذكرات، وما تركوا سبيلاً إلا ولجوه ولا رجلاً مؤثراً إلا وأدخلوه معهم في تحركهم الإصلاحي، وقد كانوا متوخين في كتاباتهم أسلوب الرفق واللين بالحكمة والموعظة الحسنة داعين إلى الإصلاح والتوبة من المنكرات العظام والمفاسد الجسام التي شمل فيها التجاوز مُحْكَمَات الدين القطعية وحقوق المواطنين الشرعية. ولكن - للأسف الشديد- لم يجدوا من النظام إلا الصدود والإعراض، بل والسخرية والاستهزاء، ولم يقف الأمر عند حد تسفيههم فقط، بل تعززت<