الاعتزال السياسي

 

   ولم يكن علماء المؤسسة الدينية الوهابية يتدخلون في الحياة السياسية العامة الا عندما يطلب النظام منهم ذلك لحمايته أو الدفاع عنه ، وقد جرت العادة أن يمنحهم الحاكم دوراً بارزاً في الظروف الحرجة عندما يحتاج الى الشرعية الدينية ، و يدفعهم الى الهامش  عندما يستغني عنهم أو يتعارض موقفهم مع موقفه. ولذلك كان يغلب عليهم طابع التبعية والتسليم ، والانسحاب السياسي وترك الامور للحاكم يفعل ما يشاء ، انطلاقا  من مقولة:( من السياسة ترك السياسة) و (أنه ما دام الشرع مطبقاً والملك محافظاً على الأركان الخمسة للاسلام والعلماء قائمين بأمور الدين كما ينبغي دون مضايقات او تهاون فلا تجوز محاسبة امام المسلمين لئلا تكون فتنة) .[1]

      وعلى رغم احتلال رجال الدين الوهابيين مكانة واسعة في صفوف الشعب من خلال إمامة الجمعة و الجماعة في أحد عشر ألف مسجد في المملكة العربية السعودية ،  ودوائر القضاء والتعليم الديني ، وقدرتهم على حشد الجماهير ضد سلطة آل سعود أو سياساتهم الاستبدادية و المنحرفة ، إذا ما أرادوا ، الا انهم ظلوا دائما محافظين على ولائهم للنظام . وقد مرت على السعودية فترات كان يمكنهم فيها ان يلعبوا دورا كبيرا في إصلاح النظام أو تغييره وإحداث ثورة جذرية فيه ، ولكنهم اصطفوا الى جانب النظام ودافعوا عنه بقوة ، بدءا من حادثة تمرد (الإخوان) في العشرينات من القرن الماضي ، ومرورا بحادثة احتلال الحرم المكي في نهاية السبعينات[2] ، وحرب الخليج الثانية في بداية التسعينات ، وانتهاء بقضية ابن لادن والهجوم الأمريكي على أفغانستان و حركة طالبان عام 2001، حيث كان للقاعدة الوهابية في كل تلك القضايا مواقف تختلف كثيرا عن مواقف النظام السعودي ، وكان يمكن للعلماء ان يقودوا الجماهير في مواجهة النظام أو يجبروه على اتخاذ مواقف مسايرة لهم ، ولكنهم آثروا دعم المواقف الرسمية والتنديد بمخالفيها ، مما قلص مهمة العلماء الدينية الى القيام بدور الحاضن و الخادم للنظام والمخدر للأمة. [3]

    وفي مقابل ذلك كان  النظام السعودي يضخ الى المؤسسة الدينية أموالا طائلة لبناء  المدارس والمساجد والمشاريع بهدف إغنائها ماليا وإفقارها فكريا والقضاء على روحها الاستقلالية . وعندما كان أحدهم  يبادر الى الخروج عن إرادة الحاكم فانه يُفصل بسرعة أو يتم تجميد عضويته في هيئة كبار العلماء .[4]

 



[1]  - وقد برر الشيخ ابن باز استعانة المملكة العربية السعودية بالقوات الاجنبية (الامريكية والبريطانية وغيرها) لمحاربة العراق قائلا :" أما ماحصل من الحكومة السعودية لأسباب الحوادث المترتبة على الظلم الصادر من رئيس دولة العراق لدولة الكويت ومن استعانتها بجملة من الجيوش التي حصلت من أناس متعددة من المسلمين وغيرهم لصد العدوان والدفاع عن البلاد فذلك جائز بل تحكمه الضرورة  ، فهي معذورة في ذلك ومشكورة على مبادرتها".( مجلة إقرأ ، العدد 779 بتاريخ 23/8/1990 ) وكذلك أصدر  مجلس هيئة كبار العلماء بيانا يؤيد ما اتخذه "ولي الأمر" من استخدام قوات أجنبية.( عبد الله، أنور ، العلماء والعرش ، ص 392 )

     ووقف كبار رجال الدين في السعودية موقفا صامتا من ضرب حركة طالبان في أفغانستان ، بواسطة قوات التحالف الدولي عام 2001 ، بعد لجوء أسامة بن لادن اليها ومباركته لعملية الهجوم على مبنى التجارة الامريكي ووزارة الدفاع الامريكية في 11 أيلول من ذلك العام ، بينما  لم يعارض ذلك سوى  الشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي الذي أدان الهجوم على أفغانستان وطالب بنصرتها واعتبر تأييد الهجوم الأمريكي عليها ردة وكفرا بالله ،  مما دفع الحكومة السعودية  الى إخراجه من هيئة  كبار العلماء ومطالبته بالكف عن الإفتاء.

[2]  - أصدر الشيخ ابن باز بيانا مهما حسم تردد الكثير من أفراد القوات المسلحة في التصدي لحركة جهيمان العتيبي الذي احتل المسجد الحرام  عام 1979 ، جاء فيه:"كيف يجوز له الخروج على دولة قائمة قد اجتمعت على رجل واحد وأعطته البيعة الشرعية ، فيشق عصاها ويفرق جمعها؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه:  ( من أتاكم وأمركم جميع يريد ان يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه كائنا من كان) خرجه مسلم. ولما بايع النبي (ص) أصحابه بايعهم ( ان لا ينازعوا الأمر أهله ، الا ان تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان) وهذه الدولة بحمد الله لم يصدر منها ما يوجب الخروج عليها. ويحتج في هذا المقام بحديث : ( من رأى من أميره شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا عن طاعة ، فان من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية) وبذلك تدخل هذه الطائفة تحت قوله عز وجل: ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله ان يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ، أولئك ما كان لهم ان يدخلوها الا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب أليم) ويحتج بحديث: ( من حمل علينا السلاح فليس منا) لتجريم (الاخوان) لأجل اطلاقهم النار على رجال الأمن الذين أرادوا حماية المسلمين من شرهم". مجلة البحوث الاسلامية ، السعودية (العدد الاول من المجلد الثاني ) بعنوان : (حادث المسجد الحرام وأمر المهدي المنتظر). 

[3]  -  دعا  المفتي العام الشيخ عبد العزيز بن باز ، في كلمة له ألقاها في الحفل الختامي للدورة الشرعية الخامسة للدعاة العاملين بمكاتب الدعوة بالمملكة ، والتي تشرف عليها وزارة الشؤون الاسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد الى قمع حركة المعارضة السعودية ، حتى على المستوى الإعلامي ، وسمى الذين ينتقدون النظام  بدعاة الهدم والضلالة ، وحذر منهم قائلا:" أوصي بالحذر من دعاة الهدم ، من دعاة الضلالة ، مثل  ( المسعري ) وأشباهه ومن يتعاون معه على التخريب والفساد وتضليل الناس ، هذا شر عظيم وفساد كبير ...فيجب القضاء على هذه النشرات ، والتحذير منها ، وإتلافها مهما كانت" وطالب بدلا من توجيه النقد لولاة الأمور ، التعاون معهم في الخير والدعاء لهم بالهداية والتوفيق وأن الله يعينهم على الخير وأن يهديهم ويصلح لهم البطانة وأن يوفقهم لإقامة الحق. وقال:"هكذا المصلح .. يدعو لهم بالخير ويشكرهم على الخير ، يشكرهم على ما بذلوه من الخير ، يدعوهم إلى الاستقامة ، وإلى صلاح البطانة والحذر من أهل السوء ، ويدعو إلى إزالة المنكرات ، يدعو إلى إزالتها ، بالكلام الطيب ، والأسلوب الحسن ، والنصيحة لولاة الأمور والعلماء ، مع الدعاء لهم بالتوفيق ، يقول لهم : تواصوا ، تناصحوا في ذلك ، أرشدوا الناس جزاكم الله خير ، وفقكم الله . هكذا تكون النصيحة ..بالكلام الطيب ، بالرفق ، والدعاء لهم بالتوفيق ، والدعاء لهم بحسن العاقبة ، والدعاء لهم بالفقه في الدين وصلاح البطانة".  وأكد توصياته ثانية:" من الواجب على الرعية مساعدة الدولة في الحق والشكر لها على ما تفعل من خير والثناء عليها بذلك . يجب عليهم معاونة الدولة في إصلاح الأوضاع فيما قد يقع فيه شيء من الخلل بالأسلوب الطيب وبالكلام الحسن لا بالتشهير وذكر العيوب في الصحف وعلى المنابر ولكن بالنصيحة وبالمكاتبة والتنبيه على ما قد يخفى حتى تزول المشاكل وحتى يحل محلها الخير والإصلاح وحتى تستقر النعم ويسلم الناس من حدوث النقم". (مجموع فتاوى ومقالات ابن باز – الجزء السابع)

  وحذر من الفاكسات والأشرطة "الخبيثة" التي تدعو الى الفرقة والاختلاف وسب ولاة الأمور والعلماء ، وقال: إنها من أعظم المنكرات . واتهم المعارضين " الذين أرسلوا الكثير من الأوراق الضارة المضلة ، والمفرقة للجماعة من جنس محمد المسعري ومن معه ، بأنهم حاقدون وجاهلون باعوا دينهم وباعوا أمانتهم على الشيطان" وأمر بإتلاف ما يأتي من هذه الأوراق ؛ لأنها شر وتدعو إلى الشر " وقال: ان النصيحة تكون بالثناء على ما فعل من الخير ، والحث على إصلاح الأوضاع ، والتحذير مما وقع من الشر. (مجلة  الدعوة  في عددها الصادر يوم الخميس 19 / 12 / 1415هـ  )

[4]  - كما حدث للشيخ عبد الله بن قعود والشيخ حمود بن عقلا الشعيبي  وغيرهما ممن احتج على الاستعانة بالأجانب للدفاع عن المملكة ، أثناء حرب الخليج الثانية عام 1991