تعـقيب و تلخيص و حسن الختام

     1 ـ نأمل أن يكون قد صار مسلما و واضحا للباحثين عن الحقيقة وطلاب الحق المتجردين، أن قضية "الإمامة" على النحو الذي تبلور وشاع  عندنا، ليس له سند صحيح و لم يفد أمة الإسلام إلا الاختلاف و النزاع و العداوة والتفرق والحروب، في حين أننا لو رجعنا إلى العقل والشرع و استرشدناهما بتجرد في هذا الموضوع، لوجدناه على غير تلك الصورة التي راجت و شاعت فيما بيننا، و أن لو طبقت كما شرعه الشارع المقدس و وضع أسسه، لكان موجبا للفوز والنجاح و الفلاح للمسلمين.

     2 ـ لا أساس و لا صحة لقضية نص الله تعالى و رسوله  (صلىالله عليه وآله) على أحد معين لأمر الخلافة و الحكم سواء كان أبا بكر أو علي، لأن العقل و الشرع يتنافيان مع النص، و لأن الوجدان و التاريخ لا يشهدان بوجوده كما مر مفصلا.

     3 ـ أفضلية الإمام علي عليه السلام و أحقيته و أولويته بالخلافة بعد رسول الله r  أمر لا يخفى على أي مطلع منصف، و لحسن الحظ أن كثيرا من غير الشيعة أيضا يقرون بذلك، و نحن نعتقد أنه لو كان لعلي نفسه إربة شديدة فيها و إصرار على توليها بنفسه و حضر في سقيفة بني ساعدة و طالب بها لما خالفه أحد من أصحاب رسول الله بل لوافقوه عليها من كل قلبهم، و لكنه عليه السلام لم يكن مصرا عليها و كان يقول، كما أثر عنه في مناجاته: [ اللهم إنك لتعلم أنه لم يكن الذي كان منَّا منافسة في سلطان و لا التماس شيء من فضول الحطام و لكن لنردَّ المعالم من دينك و نظهر الإصلاح في بلادك فيأمن المظلومون من عبادك و تُقَام المعطلة من حدودك..]، لذا لما رأى و شاهد أن هذا الهدف يتحقق بواسطة الخليفتين أبي بكر و عمر (رضي الله عنهما) بايعهما بكل رغبة و صدق و دون أي إجبار أو إكراه و أعانهما في تنفيذ أحكام شرع الله، و إن كان هو أولى بمقامهما منهما.

     4 ـ الأحاديث الكثيرة الصحيحة الواردة عن رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) في فضائل و مناقب علي عليه السلام إنما تدل على إمامته الروحية و العلمية للمسلمين و أنه أفضل من يبين حقائق الدين و أحكام الإسلام و هذا أمر تتفق عليه و لله الحمد جميع فرق المسلمين و لا ينازع أو يجادل فيه أحد، فعليٌّ عند الجميع إمام المسلمين و نبراس المتقين بحق.

     5 ـ لا يجوز الطعن في أصحاب رسول الله ـ الذين مدحهم الله تعالى في أكثر من مائة آية من آيات ذكره الحكيم ـ  أو الحط عليهم لانتخابهم أبي بكر وعدم توليتهم علي مباشرة بعد النبي (صلىالله عليه وآله وسلم)، و الاعتقاد بأحاديث مثل ارتد الناس بعد النبي إلا ثلاثة يعتبر تكذيباً للقرآن و رداً لآياته يجعل صاحبه على حافة الكفر و العياذ بالله.

     6 ـ الأحاديث التي جاءت في كتب الشيعة أو كتب السنة حول نص النبي الصريح على أئمة معينين لولاية أمر المسلمين، كلها أحاديث موضوعة من وضع الغلاة و أصحاب الأهواء، و نابعة من التعصب المذهبي، و بالتالي فلا ينبغي الاعتناء بها و لا التعويل عليها، كما بينا ذلك بقدر المستطاع في هذا الكتاب، و لا شك في إمامة الأئمة من آل الرسول (صلىالله عليه وآله وسلم) للمسلمين، بمعنى مرجعيتهم الفقهية و الإرشادية و ينبغي على كل المسلمين أن يرجعوا إليهم وينهلوا من ذخائر علمهم و فقههم، قبل أي أحد آخر إذا أرادوا فهم معالم دينهم وأحكام شرعهم، فأهل البيت أدرى بما فيه.   و لا شك أن سائر أئمة المسلمين كمالك والشافعي و أبي حنيفة و غيرهم .. لم يأبوا أن ينهلوا من علوم الأئمة من آل الرسول و يتتلمذوا عليهم قليلا أو كثيرا و يستفيدوا من جواهر حديثهم.

     7 ـ المغالاة و الإغراق في تقديس و تعظيم الأئمة من آل الرسول أو أي أشخاص آخرين في أي مذهب، يتنافى مع حقيقة الدين القائمة على التوحيد الخالص، و كثير من الأعمال التي يقوم بها الناس باسم احترام وتعظيم أولئك الأشخاص، أعمالٌ تتنافى مع أحكام الشرع، و ذلك كالمبالغة في تعظيم قبورهم والطواف حولها و دعاء أصحابها و التوسل و الاستغاثة والاستنجاد بهم و نذر النذورات و الموقوفات لهم، و هذا كله مما يؤدي لشغل الناس عن كثير من الفرائض، كما قال أمير المؤمنين: [ ما أُحْدِثَت بدعة إلا تُرِكَت بها سنة! فاتقوا البدع و الزموا المهيع!] [1][3]، كما يشهد لذلك واقعنا الحالي.

     8 ـ صارت كثير من أحكام الإسلام و تعاليمه المقدسة مثل التوحيد الخالص و وحدة كلمة المسلمين و اجتماعهم و إقامة الجمعة و الجهاد والسعي لرفع راية الإسلام و إقامة حكمه و تطبيق حدود و أحكام الله ، متروكة منسية لدى الكثير من عوام المسلمين بل من بعض خواصهم، وأحد أسباب ذلك، الانشغال بالخرافات والعداوات المذهبية، التي حان وقت أن يقوم جماعة مخلصون مضحُّون بالقضاء عليها و العمل على نشر الأحكام الإلهية الحقة مما قمنا ببيان بعضه بفضل معونة الله تعالى في هذه الأوراق و في غيرها من كتبنا.

     9 ـ يجب تطهير و تنقية الكثير من كتب فرق المسلمين التي ملئت بالخرافات و الغلو المذهبي و الأمور التي تثير العداوة و البغضاء و تولد الحقد والشحناء في صدور المسلمين على بعضهم البعض، كما يجب نبذ علماء السوء الذين يروجون تلك الأقاويل و يلقنونها للناس.

     10 ـ و أخيرا فينبغي لطلاب الحقيقة و محبي الحق أن يقوموا بنشر و تكثير مثل هذه المؤلفات و الآثار التي وفقنا الله تعالى و وفق أمثالنا من إخواننا العلماء المحققين لكتابتها و طرحها، و أن يقوم آخرون كذلك من العلماء ذوي النظر البعيد و الهمة العالية بالتحقيق و نشر الحقائق كما فعلنا، لعل الله تعالى يعيد للإسلام مجده و للمسلمين عظمتهم و عزتهم و يعيد المياه بينهم إلى مجاريها و لا حول و لا قوة  إلا بالله العليّ  العظيم.

     بزودي نه دير آرد اين نخل بار      اكر يار باشد جهان كردكار

أي:

     عن قريب سيثمر هذا النخل لا بعيد        إذا أعان الله رب العالمين

                                                                                          

حيدرعلي قلمداران ( هيربد)

و كان الفراغ من ترجمته و تهذيبه، للمرة الثانية، في الثامن و العشرين من شهر رجب الحرام سنة 1421 هـ. و الحمد لله رب العالمين. كتبه الفقير إلى رحمة الله و عفوه: سـعـد  رستم .

 



[1][3] نهج البلاغة، الخطبة رقم 145.