ادعاء النص لم يرد في كلمات أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و ذريته

     لم يأت أبدا في أقوال أولئك الذين عرفوا بالتقوى و العلم و الفضل من بين أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أبناء أعمامه و أحفاده وذريته، مثل هذا الادعاء بأن عليا عليه السلام قد نُصِبَ إماما على الأمة من قِبَلِ الله تعالى ورسوله، فقد مر معنا  قول الحسن المثنى بن الحسن المجتبى عليه السلام: [ لو كان النبي أراد خلافته لقال: أيها الناس هذا ولي أمري والقائم عليكم بعدي فاسمعوا له وأطيعوا، ( ثم أضاف): أقسم بالله سبحانه أن الله تعالى لو آثر عليا لأجل هذا الأمر و لم يُقْـدِم عليٌّ كرَّم الله وجهه لكان أعظم الناس خطأ ].

      و مر أيضا قول أمير المؤمنين نفسه، حسبما أورده المسعودي في كتابه "إثبات الوصية"، أنه ، لما سمع أن الناس بايعوا أبا بكر رضي الله عنه قال: [ إن تكن الإمامة في قريش فأنا أحق قريش و إن لم تكن في قريش فالأنصار على دعواهم و اعتزل الناس دون أن يذكر أي بيان أو احتجاج آخر!  فهل وظيفة المنصوص عليه من قبل الله تعالى و رسوله هي أن يذهب و يعتزل في بيته دون أن يقوم بأي دعوة أو مطالبة؟!  و كما ذكرنا في رواية قيس بن عباد أن حضرة علي قال: [ والذي فلق الحبة و برأ النسمة لو عهد إلي رسول الله عهدا لجاهدت عليه و لم أترك ابن أبي قحافة يرقى رجة واحدة من منبره! ].  

      و أورد الكشي في رجاله  ( ص 164 من طبعة النجف) قصة نقاشٍ وقع بين مؤمن الطاق و زيد بن علي يدل على أنه لم يكن في أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علم بشيء اسمه الإمامة المنصوص عليها من الله، قال: [ إن مؤمن الطاق قيل له: ما جرى بينك و بين زيد بن علي في محضر أبي عبد الله ؟ قال: قال زيد بن علي: يا محمد بن علي!  بلغني أنك تزعم أن في آل محمد إماما مـفترض الطاعة!  قال: قلت نعم، و كان أبوك علي بن الحسين أحدهم. قال (أي زيد): و كيف و قد كان يؤتى بلقمة و هي حارة فيبرِّدها بيده ثم يلقمنيها، أفترى يشفق علي من حر اللقمة و لا يشفق علي من حر النار ؟؟ ][1][1] ، أي أن زيدا رضي الله عنه يؤكد أن والده لم يخبره بموضوع وجود إمام مفترض الطاعة من الله! مما يفيد أن زيدا كان يرى في علي إماما في الحلال و الحرام فحسب، أي أنه إذا قضى بشيء من أحكام الشرع كان ذلك حجة يجب على المؤمنين العمل بها باعتباره كان أعلم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأحكام الحلال و الحرام.

     و هذا المعنى جاء أيضا في رواية طويلة أوردها فرات بن ابراهيم الكوفي في تفسيره (ص 181 طبع النجف) فيما يلي نصها: [ قال: حدثنا أحمد بن القاسم معنعنا: عن أبي خالد الواسطي قال:  قال أبو هاشم الرماني ـ و هو قاسم بن كثير! [2] ـ لزيد بن علي: يا أبا الحسين بأبي أنت و أمي هل كان علي صلوات الله عليه مفترض الطاعة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: فضرب رأسه ورقَّ لذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ثم رفع رأسه فقال: يا أبا هاشم كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نبيا مرسلا فلم يكن أحد من الخلائق بمنزلته في شيء من الأشياء إلا أنه كان من الله للنبي قال: { ما أتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا } و قال: { من يطع الرسول فقد أطاع الله}  (النساء / 80)، وكان في علي أشياء من رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم كان علي صلوات الله عليه من بعده إمام المسلمين في حلالهم وحرامهم و في السنة عن نبي الله و في كتاب الله، فما جاء به عليٌّ من الحلال والحرام أو من سنة أو من كتاب فرد الراد على علي و زعم أنه ليس من الله ولا رسوله كان الراد على عليٍّ كافرا، فلم يزل كذلك حتى قبضه الله على ذلك شهيدا، ثم كان الحسن و الحسين فوالله ما ادعيا منزلة رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم و لا كان القول من رسول الله فيهما ما قال في علي غير أنه قال: " سيدي شباب أهل الجنة "  فهما كما سمى رسول الله كانا إمامي المسلمين أيهما أخذت منه حلالك و حرامك و بيعتك فلم يزالا كذلك حتى قُبِضا شهيدين، ثم كنا ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم من بعدهما ولدهما ولد الحسن والحسين، فوالله ما ادعى أحد منا منزلتهما من رسول الله و لا كان القول من رسول الله فينا ما قال في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسن و الحسين عليهم السلام، غير أنا ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يحق مودتنا وموالاتنا و نصرتنا على كل مسلم، غير أنا أئمتكم في حلالكم و حرامكم يحق علينا أن نجتهد لكم و يحق عليكم أن لا تدعوا أمرنا من دوننا، فوالله ما ادعاها أحد منا لا من ولد الحسن و لا من ولد الحسين أن فينا إمام مفترض الطاعة علينا و على جميع المسلمين. فوالله ما ادعاها أبي علي بن الحسين في طول ما صحبته حتى قبضه الله إليه و ما ادعاها محمد بن علي فيما صحبته من الدنيا حتى قبضه الله إليه فما ادعاها ابن أخي من بعده لا والله ولكنكم قوم تكذبون.

     فالإمام يا أبا هاشم منا المفترض الطاعة علينا و على جميع المسلمين: الخارج بسيفه، الداعي إلى كتاب الله و سنة نبيه، الظاهر على ذلك، الجارية أحكامه، فأما أن يكون إمام مفترض الطاعة علينا و على جميع المسلمين متكئ فراشه مرجئ على حجته مغلق عنه أبوابه يجري عليه أحكام الظلمة فإنا لا نعرف هذا يا أبا هاشم.] [3][3] .

     هذا هو الكلام المتين و البرهان المبين الذي تفضل به جناب زيد بن علي بن الحسين عليه السلام الذي يرى أن عليا إنما هو إمام المسلمين في بيان أحكام الإسلام من الحلال و الحرام، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علمه ذلك كله (بالإضافة لما اختصه الله تعالى به من فهم متميز خاص للقرآن و فقهه) فما بينه من أحكام الشريعة وجب على المسلمين الأخذ به، و نجد هذا واضحا في تاريخ الخلفاء الراشدين سيما أبي بكر رضي الله عنه و عمر رضي الله عنه اللذان كانا يرجعان إليه ويستفسران رأيه في كل مسألة عويصة تعرض عليهما فلا يعدلان عن رأيه أبدا فكانا يعتبرانه إماما لهما في العلم و الدين إلى الحد الذي اشتهر عن عمر رضي الله عنه أنه قال في أكثر من سبعين موردا: [ لولا علي لهلك عمر ] و كان كثيرا ما يقول: [ لا أبـقانـي الله بعـدك يا أبا الحسن!] [4][4] ، و في نظر جناب زيد أن الحسن والحسين أيضا كانا إمامين طوال مدة حياتهما بمعنى كون كل منهما قدوة ومرجع للناس في بيان الحلال و الحرام، و كذلك كان كل واحد من علماء أهل البيت: سواء علي بن الحسين (زين العابدين) أم الحسن بن الحسن أم محمد بن علي (الباقر) أم عبد الله بن الحسن بن الحسن (الكامل) أم زيد بن علي أم محمد بن عبد الله (النفس الزكية)، إماما و مرجعا للناس في عصره في الإرشاد و بيان الأحكام، وهذا هو المعنى الصحيح لحديث الثقلين: [ إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي ]، و بهذا المنطق فقط يمكن حل جميع الاختلافات الدينية بين المسلمين وإعادة المياه إلى مجاريها و تحويل العداوة و البغضاء إلى الأخوَّة و الاتفاق، لا بسبِّ أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله) وسلم لخلفاء أو سب و اتهام سائر الفرق الإسلامية!   لأنني لا أتصور أنه يوجد بين المسلمين أحد ممن يرجو النجاة لنفسه من عقبات يوم القيامة  مّنْ يرفض هذا المنطق ـ إلا من كان في قلبه مرض أو غرض ـ، فمَن مِن المسلمين يمكنه أن ينكر فضائل علي عليه السلام مع كل تلك الأحاديث النبوية التي صدرت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) طوال مدة حياته في حقه ؟ من الذي يمكنه أن ينكر جهاد ذلك الإمام الهمام و سيرته التي كلها تضحيات في سبيل نصرة الإسلام و اعلاء كلمته ؟ في حين أنه لا توجد مرحلة من مراحل الدعوة الإسلامية إلا و كان لعلي دور مؤثر في تقدمها و علو شأنها، و إن سيرته العطرة مليئة بالمواقف البطولية الخالدة و الأعمال العظيمة المحيرة، والقطرات التي بقيت من بحر علمه في عرضه لحقائق تعاليم الإسلام للناس، تعتبر لوحدها محيطات لا حد لها يمكن ليس لأمة الإسلام فحسب بل للمجتمع البشري أن يفخر بها و يتخذها نبراسا لحياته يسير على ضوئها لأجل تحقيق سعادة الدنيا و الآخرة، فإذا رأينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يثني عليه و يبين رفيع مقامه في كل مناسبة ومقام و يعرِّفه للمسلمين كرمز للعلم و التقوى والصلاح و الفلاح و الأخلاق الإسلامية، و يعتبره أهلا للإمامة و قيادة المسلمين، فإن هذا لا يعني أنه (صلى الله عليه وآله) نصبه بنص تعييني و أمر إلهي للخلافة و حكم المسلمين بعد رسول الله أو نَصَبَ أولاده حكاما على المسلمين إلى يوم القيامة، بحيث لو رجع المسلمون إلى غيره في أمر الحكومة و السياسـة و اعتبروه أهلا لقيادتهم السياسية و أطاعوه مادام ملتزما بتطبيق أحكام القرآن و السنة  كانوا من أهل النار أجمعين، إماما ومأمومين!! 

      نعم لو وجد من أهل بيت النبي و عترته من كان أفضل أهل زمانه في العلم و الفضل و التقوى و الشجاعة و الدراية فمن البديهي أنه يكون أولى و أحق من أي أحد سواه بإمامة المسلمين و سياستهم، و على الناس أن ينتخبوه، طواعية من أنفسهم، لهذا المقام، و في الغالب ما يحصل هذا فعلا لأن طبيعة و نفس و روح الناس تتجه لاحترام رسول دينها و نبي شريعتها وأهل بيته و ذريته، و إذا شاهدنا عدول الناس لحد ما عن عترة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في صدر الإسلام فلهذا علل سبقت الإشارة لبعضها يضاف إليها جهل كثير من الناس بحقائق تعاليم الدين و عداء مخالفي الإسلام الذين رأوا في هذا الدين الجديد تهديدا يزلزل أركان أديانهم و شرائعهم الموروثة كاليهودية و النصرانية و المجوسية فسعوا في إضعاف الإسلام وتخريبه بأنواع المكائد و الحيل التي منها الاندساس في هذا الدين و تخريبه من داخله بإحياء سنن الجاهلية و آداب و رسوم المجوسية أو اليهودية أو المسيحية تحت غطاء إسلامي، يريدون بهذا أن يجتثوا حقائق الإسلام من جذورها، لكن مع ذلك نجد في تاريخ الإسلام أنه كلما قام رجل من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و عترته يدعو لإقامة الحق و العدل والقضاء على الجور الظلم والحكم بالكتاب و السنة، التف معه المسلمون من كل حدب و صوب و جاهدوا معه حكام الوقت، كقيام العشرات من آل علي و آل جعفر ضد خلفاء بني أمية وبني العباس مما تكفل كتاب "مقاتل الطالبيين" ببيان قصة جهادهم و إمامتهم، وحتى هذا اليوم عندما يقوم رجل من المنتسبين للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من أحفاد علي و فاطمة عليهم السلام لعزل الظلمة و إقامة حكم القرآن و يكون أهلا للإمامة و الحكم والقيادة، فإن أكثر المسلمين يؤيدونه و يقومون معه وينصرونه رغم أن أكثرهم يجهل كثيرا من تعاليم الإسلام، حيث أصبح القليل من المسلمين في يومنا هذا مَنْ له معرفة صحيحة بأحكام الدين، حيث دخلت في هذا الدين ـ خلال السنين الطويلة التي مرَّت على الإسلام منذ ظهوره و حتى اليوم ـ  أغراض و أمراض من الصديق و العدو و تراكمت طبقات كثيفة من غبار الأوهام و الخرافات و البدع على الوجه النوراني للإسلام فغطته، فلم يعد يدرك حقائقه النقية الناصعة إلا القليل ممن هداهم الله: " ذلك هدى الله يهدي به من يشاء " "ومن يهدي الله فهو المهتدي".

     فإمامة علي بمعنى كونه خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بعد رحلته، في بيان أحكام الحلال و الحرام و في كونه مرجع الخاص و العام في الإرشاد و الهداية و معرفة أحكام الشرع، لا يمكن أن ينكرها أي مسلم منصف ومؤمن بالله و رسوله و مطلع على تاريخ الإسلام و سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، و مثل هذا المقام و المنصب لا يمكن الاستيلاء عليه واغتصابه من صاحبه الأصلي بالقوة! لأن العلم و المعرفة و الفضل والتقوى أمور لا يمكن غصبها والاستيلاء عليها، فهذه الإمامة لم يغصبها أحد من علي و آله، و هكذا كان الذين فاقوا أقرانهم في العلم و الفضل و التقوى من أولاد و أحفاد علي، أئمةَ الناس في عصرهم و مرجع الخاص و العام في بيان أحكام الدين و معرفة حلال شرع الله وحرامه.

     و إذا رأينا رجالا من أمثال فقهاء المدينة السبعة في عهد حضرة الإمام السجاد عليه السلام، أو أمثال مالك بن أنس و أبي حنيفة النعمان بن ثابت و محمد ابن إدريس الشافعي و ابن أبي ليلى (رحمهم الله تعالى جميعا)، في زمن حضرات الباقر والصادق و الكاظم عليهم السلام، قد اشتهروا بالعلم و الفقه و صاروا مراجع جمهور المسلمين في أحكام الشرع و الدين، فإن علة ذلك أولاً: فضلهم و علمهم و تقواهم بلا شك، فكل واحد منهم كان حقيقة ذا علم و فضل و تقوى، و كل من كان كذلك لا بد أن يحوز توجه الناس و اقبالهم و محبتهم، فيشتهر و يـُقَلَّد.

      و علة ذلك ثانيا: سياسة خلفاء بني العباس الذين كانوا يشعرون بالخطر من شخصيات أولاد علي التي تشكل، في الواقع و في أنظار المسلمين، خير منافس لهم، أكثر من أي شخصية إسلامية أخرى، مثل حضرات الباقر و الصادق و عبد الله بن الحسن و محمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية) و الحسين بن علي شهيد الفخ و محمد بن جعفر، حيث كان كل واحد من أولئك الأعلام من أفضل أهل عصره في العلم و الفقه و التقوى مع الشجاعة و القوة في الحق واللياقة بمنصب إمامة المسلمين أكثر من أي أحد، مما كان يجعل قلوب الكثيرين تميل لإمارتهم و خلافتهم، بل بعضهم بويع فعلا بالإمامة من الخاص و العام، و قام ونهض (لإحياء حكم القرآن و إقامة عدل الإسلام)، لذا كان الخلفاء العباسيون يضيقون عليهم و يضطهدونهم و لا يسمحون لهم بالحرية التي تجعل الناس يلتفون حولهم، و يسعون بشتى الوسائل في إخمال ذكرهم و التعتيم عليهم، في حين أعطوا  الآخرين الحرية و مجال الشهرة بل روجوا لهم و عهدوا لهم أو لتلاميذهم بالمناصب، لأمنهم من عدم طمعهم في الحكم و الزعامة، و حتى لو طمح منهم طامح فإنه لن يجد من يلتف حوله وينصره في طلبه الإمامة، لأن شهرة حديث [الأئمة من قريش] لم تترك مجالا لأبي حنيفة  و مالك و أحمد بن حنبل و غيرهم من الأئمة الفقهاء ممن لم يكن بقرشي [5][5] .

      و من هذا المنطلق أيضا قرر الخلفاء العباسيون ( أو أيدوا ) مبدأ العول والتعصيب في فقه المواريث[6][6] ليثبتوا أن العباس كان وارث النبي فيثبتوا بهذا أنهم الخلفاء الشرعيون لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)!

     و لهذا نال فقه الآخرين و آراؤهم من الشهرة و الرواج بين المسلمين ما لم ينله فقه أئمة العترة عليهم السلام، و مع ذلك قيض الله تعالى لهم في كل عصر أتباعا محبين و تلاميذ أذكياء من الباحثين عن الحقيقة غير الآبهين في سبيلها بالأخطار، ممن كان يرجع في فهم دينه و أخذ أحكام شرعه إلى أولاد علي لا يعدل عنهم إلى غيرهم، فحفظوا من فقههم و بياناتهم آلاف الأحاديث و ملؤوا آلاف الدفاتر، التي لا تزال توجد إلى اليوم في متناول المسلمين و تحوز انتباه العام والخاص، مما جعل الغلاة و أعداء الإسلام يستغلون شهرة و مرجعية أولئك الأئمة و يروون عنهم كذبا آلاف الروايات مما شوه صورتهم في أنظار الناس، الأمر الذي حان الوقت للبدء بسرعة في إصلاحه.

     و الحاصل أن أئمة العترة كانوا أئمة الناس في الفقه و الدين و في بيان الحلال و الحرام (و في قيادة الأرواح إلى الله عز وجل)، و الرد عليهم، من هذه الزاوية، رد على الله و رسوله، و حتى الفقهاء الأربعة وغيرهم رجعوا إليهم وأخذوا عنهم العلم.

 

دراسة و تمحيص أحاديث النص على اثني عشر إمام

     توجد في كتب الشيعة، علاوة على الأحاديث التي تبين نص رسول الله (صلى الله عليه وآله) على إمامة و خلافة عليِّ عليه السلام  بشكل خاص، أحاديث فيها نصه (صلى الله عليه وآله)، بأمر ربه تعالى، على اثني عشر إماما واحدا واحدا ببيان أسمائهم و علاماتهم، بحيث لا يبقى عذر لأحد! و سنقوم فيما يلي بتمحيص هذه الأحاديث من حيث السند و المتن، إن شاء الله، لنرى ما هي الحقيقة في هذا الأمر؟

     الحديث الأول: أهم حديث جاء في كتب الشيعة في التعريف بالأئمة الاثني عشر الحديث المشهور بحديث لوح جابر، و قد ورد هذا الحديث بعدة طرق مختلفة سنعرضها جميعا على أنظار القراء:

     أخرج الصدوق الحديث في كتابه " إكمال الدين و إتمام النعمة " وكتابه " عيون أخبار الرضا " بالسند التالي: قال:

     [ حدثنا محمد بن ابراهيم بن اسحق الطالقاني قال: حدثنا الحسن بن اسماعيل قال حدثنا أبو عمرو سعيد بن محمد بن نصر القطان قال حدثنا عبيد الله بن محمد السلمي قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن قال حدثنا محمد بن سعيد قال حدثنا العباس أبي عمرو عن صدقة بن أبي موسى عن أبي نصرة قال: لما احتضر أبو جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام عند الوفاة، دعا بابنه الصادق فعهد إليه عهدا، فقال له أخوه زيد بن علي: لو امتثلت فيَ بمثال الحسن والحسين عليهما السلام لرجوت أن لا تكون أتيت منكرا، فقال: يا أبا الحسين إن الأمانات ليست بالمثال و لا العهود بالرسوم، و إنما هي أمور سابقة عن حجج الله تبارك و تعالى، ثم دعا بجابر بن عبد الله فقال له: يا جابر حدثنا بما عاينت في الصحيفة، فقال له جابر: نعم يا أبا جعفر، دخلت على مولاتي فاطمة عليها السلام لأهنئها بمولود الحسن عليه السلام فإذا هي بصحيفة بيدها من درة بيضاء فقلت يا سيدة النسوان ما هذه الصحيفة التي أراها معك ؟ قالت: فيها أسماء الأئمة من ولدي. فقلت لها: ناوليني لأنظر فيها، قالت: يا جابر لولا النهي لكنت أفعل، لكنه نهى أن يمسها إلا نبي أو وصي أو أهل بيت نبي و لكنه مأذون لك أن تنظر إلى باطنها من ظاهرها! [7]