كانت سقيفة
بني ساعدة مكانا
يجتمع فيه أهل
المدينة ليتخذوا
قراراتهم في شؤونهم
المهمة من خلال
الشورى بين رؤسائهم. و بعد وفاة
رسول الله (صلّىاللّه
عليه وآله وسلّم) مباشرة
اجتمع أهل المدينة،
الذين كانوا قد
أسلموا دون إكراه
ولا إجبار و دعوا
رسول الله (صلّىاللّه
عليه وآله وسلّم) قبل هجـرته
أن يأتي إليهم
وكثيرون منهم أعانوه
و نصروه و عرفوا
بالأنصار، في هذه
السقيفة، ورشَّحوا
" سعد بن عبادة
"[1][3]
زعيم
قبيلة الخزرج
( إحدى أهم قبيلتين
في المدينة)، و الذي
كان مريضا، لمنصب
الإمامة و الخلافة،
و لفوه في حصير
أو بساط و أتوا
به إلى السقيفة
لكي يأخذوا له
البيعة من المسلمين.
وسننقل هنا باختصار
أحداث هذا الاجتماع
من كتب التاريخ
الموثقة دون أن
نحذف باختصارنا
النقاط التاريخية
لهذه القصة. و نلفت
أنظار القرَّاء
في البداية، إلى
أن الكتب التاريخية
التي ذكرت هذه
القصة هي مؤلفات
خلفها علماء المسلمين
الكبار للأمة الإسلامية.
و قد دُوِّنت هذه
المؤلفات بشكل
عام بعد القرن
الثاني الهجـري
و غالبا في القرن
الثالث و ما بعده،
و نذكِّر أيضا
أنه في ذلك الزمن
لم تكن مسألة السنة
و الشيعة أبدا
بالصورة التي هي
عليها اليوم، و لم
يكن أحد يأخذ القلم
ليكتب في تأييد
عمر أو علي، و لا
كان المؤلفون في
مسألة الولاية
و الإمامة قد تحولوا
إلى صفين متقابلين
تماما في مواجهة
بعضهم البعض يقومون
بالخصام و الجدال.
و السبب في ذلك
أن فرقة الشيعة،
التي أصبحت اليوم
تختص لنفسها عددا
كبيرا من المسلمين
وأصبح لها دولة
ونظام و مؤلفات
و تصانيف، إنما
كانت في ذلك العهد
فئة قليلة و طائفة
ضئيلة تعيش في
التكتُّم و السرِّيَّة،
و بتعبير العصر
بشكل غير قانوني،
كحزب معارض للحكومة،
فلم يكن لجماعتهم
من الكثرة و الأهمية
ما يثير اهتمام
علماء ذلك الزمن
و يدعوهم لتأليف
كتب و مصنفات ضدها
من باب العناد
والخصومة و كتمان
الحقيقة، و يختلقون
مثل هذه القصة
التي لم يوافَقُ
فيها على حق لهم!
و أيا كان الأمر
فليس بين أيدينا
اليوم لدرك الحقائق
إلا الكتب و المؤلفات
التي بقيت لنا
منذ ذلك العهد،
و لا يوجد لدينا
أي شيء يجعلنا
نتشكك أو نرتاب
في صحة هذه الكتب
و التواريخ، اللهم
إلا الاكتفاء بالحدس
و الظن و التخمين
بالإضافة إلى أننا
سنرجع إلى المؤلفات
والآثار التي وثَّقها
و صوَّبها علماء
الشيعة الكبار،
لننقل منها أحداث
تلك الواقعة بأمانة
تامة، واضعينها
أمام طالبي الحقيقة.
و أقدم الكتب
في هذا الباب [ سـيرة ابن
هشـام ] المعتمدة
من قبل عامة المسلمين
و التي ليس لقضية
الشيعة و السنة
فيها دخل، و مؤلفها
"عبد الملك
بن هشام المعافري"، و قد استخرج
سيرته و رواها
عن "محمد
ابن اسـحق المطلبي"
وهو من مؤرخي القرن
الهجـري الأول
و الثاني حيث كانت
وفاته في أوائل
القرن الهجـري
الثاني، و ابن
هشام نفسه كانت
وفاته سنة 213 هـ. و رجعنا
بعد ذلك لكتاب
[تاريخ الإمامة
و السياسة] لابن
قـُتَيْبة وهو "عبد
الله بن مسلم بن
قتيبة الدينوري"
المتوفى سنة 270 هـ.،
ثم [تاريخ
اليعقوبي] و مؤلفه "أحمد
ابن يعقوب بن جعفر
بن وهب الكاتب"،
مؤرخ شيعي المذهب
توفي سنة 292 هـ.، ثم [مروج
الذهب و معادن
الجـوهر] و[التنبيه
و الإشراف ] و هما
"لعلي بن الحسين
المسعودي"،
المعروف بالتشيُّع
و المتوفى سنة345
هـ. و ليس لأي ممن
ذكر مصلحة خاصة
في روايته لحديث
سقيفة بني ساعدة.
و لن نتجاوز في
عرضنا لهذه القصة،
إن شاء الله، ما
اتفقت عليه تلك
الكتب الخمسة المذكورة،
و التي عرفنا أن
ثلاثة منها هي
من تأليف مؤلِّـفَيْن
شيعيين.
جاء في سيرة
ابن هشام: [
قال ابن اسحق: قال
الزهري: و حدثني
"عبد الله بن كعب
بن مالك" عن "عبد الله
بن عباس" قال: خرج
يومئذ علي بن أبي
طالب عليه
السلام على الناس
من عند رسول الله
فقال له الناس:
يا أبا حسن، كيف
أصبح رسول الله
صلى الله عليه
وآله وسلم ؟ قال:
أصبح بحمد الله
بارئا، قال: فأخذ
العباس بيده ثم
قال: يا علي، أنت
والله عبد العصا
بعد ثلاث، أحلف
بالله لقد عرفت
الموت في وجه رسول
الله صلى الله
عليه وآله
وسلم كما كنتُ
أعرفه في وجوه
بني عبد المطلب،
فانطلق بنا إلى
رسول الله صلى
الله عليه
وآله وسلم فإن كان هذا
الأمر فينا عرفناه،
وإن كان في غيرنا،
أمرناه فأوصى بنا
الناس. قال: فقال
له علي: إني والله
لا أفعل، و الله
لئن مُنِعْناه،
لا يؤتيناه أحدٌ
بعده ][2][4]
هذه
الرواية ذكرتها
أيضا عدة مصادر
تاريخية أخرى[3][5].
ما اتفق
عليه جميع المؤرخين
و كتَّاب السيرة
هو أنه لما ارتحل
رسول الله صلىالله
عليه وآله، شُغِل
أهل بيته بأمر
تجهيزه و تكفينه
و كان في مقدمتهم
حضرة علي بن أبي
طالب و العباس
عم الرسول صلىالله
عليه وآله و أولاد
العباس، كما كان
حاضرا معهم في
بيت رسول الله
(صلىالله عليه
وآله وسلم) الزبير
بن العوام و طلحة
بن عبيد الله،
و قد أغلق باب البيت
أمام الآخرين.
أما بقية المهاجرين
و بعض الأنصار
مثل أُسَيْد بن
حُضَيْر فقد اجتمعوا
حول أبي بكر في
مسجد رسول الله
(صلىالله عليه
وآله وسلم)، إذ
جاءهم رجل، على
غير انتظار، يخبرهم
أن طائفة من الأنصار
على رأسهم "سعد
بن عبادة" قد اجتمعوا
في سقيفة بني ساعدة،
و أنهم في صدد تعيين
خليفة لإمامة و حكومة
المسلمين فإن كان
لكم بأمر الناس
(أي بأمر الرئاسة
و الحكم) حاجة فأدرِكوا
الناس قبل أن يتفاقم
أمر الأنصار[4]
، عند
ذاك ترك عمر و أبو بكر (رضي
الله عنهما) حضور
مراسم الدفن و أوكلوه
لمن له الكفاية
لذلك من أهل بيته
صلىالله عليه وآله
ـ إذ لم يكن بعد
قد فُرِغَ من تجهيزه
و دفنه صلىالله
عليه وآله و كان
أهل بيته قد أغلقوا
باب بيته صلىالله
عليه وآله دون الناس
ـ و هرعا مسرعين
إلى سقيفة بني
ساعدة إثر وقوفهما
على خبر اجتماع
جماعة الأنصار
فيها، و سرعان
ما وصلا إلى السقيفة
ليجدوا الأنصار
قد عصَّبوا "سعد
بن عبادة " رضي
الله عنه بعصابة
وأجلسوه في وسط
السقيفة، و كان
يخطب فيهم، إلا
أن صوته كان ضعيفا
لشدة مرضه، فكان
ابنه قيس بن سعد،
ينقل كلامه جملة
جملة بصوت مرتفع
للمجتمعين[5][7].
و قبل أن
ننقل خطبة سعد
بن عبادة، لا بد
أن نشير إلى أن
بعض الروايات تذكر
أن أبا بكر كان
ـ غداة ارتحال
رسول الله (صلىالله
عليه وآله وسلم)
ـ في قرية من القرى
المجاورة للمدينة
تدعى "السنح" و لم
يكن قد اطلع بعد
على خبر وفاة النبي
صلىالله عليه وآله،
و أن عمر و أبوعبيدة
(رضي الله عنهما)
ذهبا أولا لوحدهما
للسقيفة لإدراك
ما يجري فيها و لكنهما
لما وجدا نفسيهما
وحيدين أمام جماعة
الأنصار و احتجاجهم،
و تحيرا ما يكون
ردهما المناسب
للحيلولة دون تمام
البيعة بالخلافة
لسعد بن عبادة
رضي الله عنه،
سأل عمر رضي
الله عنه: ما الخطب
؟ و بمجرد أن أجابوه
بأن رسول الله
(صلىالله عليه
وآله وسلم) قد قُبِضَ
و أن الأنصار في
صدد تعيين خليفة
له أمتشق سيفه
وصاح: بل إن رسول
الله لم يمت و كل
من زعم ذلك أدبته
بسيفي هذا بل قد
ذهب إلى ربه كما
ذهب موسى و ليرجعن
ثانية ليكمل دينه!،
ثم أرسل إلى أبي
بكر رضي الله
عنه من يطلعه على
ما وقع فخرج أبو بكر
رضي الله عنه فورا
من "السنح" إلى
المدينة قاصدا
بيت رسول الله
(صلّىاللّه
عليه وآله وسلّم) فلما رأى
جسده و تأكد من
وفاته، لحق بالسقيفة
وسأل عمر رضي
الله عنه لماذا
هذا الاجتماع ؟
فما أن أجابه عمر
رضي الله عنه بأن
السبب إرادة الأنصار
نصب خليفة لرسول
الله (صلّىاللّه
عليه وآله وسلّم) لشيوع نبأ
وفاته و أنه أنكر
ذلك النبأ الإنكار،
إلا وصاح أبو بكر
قائلا: [ أيها الناس
من كان يعبد محمدا
فإن محمدا قد مات،
و من كان يعبد الله
فإن الله حي لا
يموت ] ثم أخذ زمام
الكلام في هذا
الاجتماع و بدأ
بكلمته.
ولكن هذه الرواية
لا تخلو من الإشكال[6][8] و الرواية
الأصح و التي نقلتها
أكثر التواريخ
هي ما ذكرناه أولا،
من خروج أبي بكر
و عمر مجتمعين
من البداية من
مسجد رسول الله
إلى السقيفة، و يؤكد
أرجحية هذه الرواية
أن إمامة الصلاة
في فترة مرضه (صلىالله
عليه وآله وسلم)
كانت موكولة لأبي
بكر رضي الله
عنه، وهذا ينفي
كونه في "السنح".
و الآن
نعود إلى السقيفة
لننقل نص خطبة
سعد بن عبادة كما
أوردها ابن قتيبة
في كتابه "الإمامة
و السياسة"،
قال: (( فكان
مما قاله رضي
الله عنه، بعد
أن حمد الله تعالى
و أثنى عليه: يا
معشر الأنصار إن
لكم سابقة في الدين
و فضيلة في الإسلام
ليست لقبيلة من
العرب، إن رسول
الله صلى الله
عليه وسلم لبث
في قومه بضع عشرة
سنة، يدعوهم إلى
عبادة الرحمن،
و خلع الأوثان،
فما آمن به من قومه
إلا قليل، والله
ما كانوا يقدرون
أن يمنعوا [7][9] رسول الله
(صلّىاللّه
عليه وآله وسلّم)، و لا يعرفوا
دينه، و لا
يدفعوا عن أنفسهم،
حتى أراد الله
تعالى لكم الفضيلة،
و ساق إليكم الكرام، و خصَّكم
بالنعمة، و رزقكم
الإيمان به و برسوله
(صلّىاللّه
عليه وآله وسلّم) و المنع
له ولأصحابه و الإعزاز
لدينه، و الجهاد
لأعدائه، فكنتم
أشد الناس على
من تخلف عنه منكم،
و أثقله على عدوكم
من غيركم، حتى
استقاموا لأمر
الله تعالى طوعا
و كرها، و أعطى
البعيد المقادة
[8][10] صاغرا داحرا،
حتى أثخن الله
تعالى لنبيه بكم
الأرض، و دانت
بأسيافكم له العرب،
و توفَّاه الله
تعالى و هو راض
عنكم قرير العين،
فشدوا أيديكم بهذا
الأمر، فإنكم أحق
الناس وأولاكم
به. قال: فأجابوه
جميعا: أن قد وُفِّقْتَ
في الرأي، و أصبت
في القول، ولـن
نعدو، ما رأيت،
توليَتَكَ هذا
الأمر،
فأنت مَـقْـنَع
و لِصَالِح المؤمنين
رضا )) [9][11].
و بعد أن
أكمل سعد كلمته
و سكت، أراد عمر
رضي الله عنه أن
يتكلم، كما يروى
ذلك عنه ابن هشام
في سيرته، فقال
عمر رضي الله
عنه: ((...فلما
سكت ( أي سعد) أردتُ
أن أتكلم و قد زَوَّرْتُ
في نفسي مقالة
قد أعجبتني، أريد
أن أقدمها بين
يدي أبي بكر رضي
الله عنه و كنت
أداري منه بعض
الحد[10][12]، فقال أبو بكر:
على رسلك يا عمر،
فكرهت أن أغضبه،
فتكلَّمَ، وكان
أعلم مني و أوقر،
فوالله ما ترك
من كلمة أعجبتني
من تزويري إلا
قالها في بديهته،
أو مثلها أو أفضل،
حتى سكتَ. قال: أما
ما ذكرتم فيكم
من خير، فأنتم
له أهل، و لن تعرف
العرب هذا الأمر
إلا لهذا الحيّ
من قريش، هو أوسط
العرب نسبا [11][13] ودارا [12][14] قد رضيت لكم
أحد هذين الرجلين،
فبايعوا أيهما
شئتم، و أخذ بيدي
و بيد أبي عبيدة
الجراح، قال( عمر):
و هو جالس بيننا،
و لم أكره شيئا
مما قاله ( أي أبو بكر
) غيرها، كان و الله
أن أُقَدَّمَ فتُضْرَبَ
عنقي، لا يُقَرِّبني
ذلك إلى إثم، أحب
إليَّ من أن أتأمَّرَ
على قوم فيهم أبو بكر )) [13][15].
و قد أورد
اليعقوبي في تاريخه
نص ما قاله أبو بكر
في ثنائه وتزكيته
لعمر ولأبي عبيدة
رضي الله عنه فقال: [... و هذا عمر
بن الخطاب الذي
قال رسول الله:
اللهم أعز الدين
به! و هذا أبو عبيدة
الجراح الذي قال
رسول الله: أمين
هذه الأمة، فبايعوا
أيهما شئتم. فأبيا
( أي عمر و أبو عبيدة
) عليه و قالا:
والله ما كنا لنتقدمك،
و أنت صاحب رسول
الله و ثاني اثنين.
فضرب أبو عبيدة
على يدي أبي بكر،
و ثنَّى عمر، ثم
بايع من كان معهم
من قريش ] [14][16].
أما ابن
قتيبة فقد أورد
ـ في الإمامة و السياسة"
ـ خطبة أبي بكر
رضي الله عنه بشكل
أكثر تفصيلا على النحو التالي
[... فتشهد أبو بكر
رضي الله عنه و انتصب
له الناس، فقال:
إن الله جل ثناؤه
بعث محمدا صلى
الله عليه
وسلم بالهدى و دين
الحق، فدعا إلى
الإسلام، فأخذ
الله تعالى بنواصينا
و قلوبنا إلى ما
دعا إليه، فكنا
معشر المهاجرين
أول الناس إسلاما
والناس لنا فيه
تبع. و نحن عشيرة
رسول الله صلى
الله عليه
وآله وسلم ، و نحن
مع ذلك أوسط العرب
أنسابا، ليست قبيلة
من قبائل العرب
إلا ولقريش فيها
ولادة. وأنتم أيضا
والله، الذين آوَوْا
و نصروا. و أنتم
وزراء رسول الله
صلى الله عليه
وآله وسلم ، وأنتم
أيضا إخواننا في
كتاب الله تعالى
و شركاؤنا في دين
الله سبحانه
وتعالى و فيما
كنا فيه من سرّاء
و ضرّاء، و الله
ما كنا في خير قط
إلا كنتم معنا
فيه، فأنتم أحب
الناس إلينا وأكرمهم
علينا، و أحق الناس
بالرِّضا بقضاء
الله تعالى والتسليم
لأمر الله عز
وجل و لما ساق لكم
و لإخوانكم المهاجرين
رضي الله عنهم،
و هم أحق الناس
فلا تحسدوهم و أنتم
المؤثرون على أنفسهم
حين الخصاصة، والله
ما زلتم مؤثرين
إخوانكم من المهاجرين
و أنتم أحق الناس
أن لا يكون هذا
الأمر و اختلافه
على أيديكم و أبعد
ألا تحسدوا إخوانكم
على خير ساقه الله
تعالى إليهم و إنما
أدعوكم إلى أبي
عبيدة أو عمر و كلاهما
قد رضيت لكم ولهذا
الأمر وكلاهما
له أهل. فقال عمر
و أبو عبيدة رضي
الله عنهما: ما
ينبغي لأحد الناس
أن يكون فوقك يا
أبا بكر رضي
الله عنه، أنت
صاحب الغار و ثاني
اثنين وأمَرَكَ
رسول الله صلى
الله عليه
وآله وسلم بالصلاة
فأنت أحق الناس
بهذا الأمر ][15][17].
و الآن لنر
ماذا كان موقف
الأنصار تجاه أبي
بكر رضي الله
عنه ؟ ذكرت جميع
كتب التواريخ و السير
أن جواب الأنصار
كان ـ كما يروي
ابن قتيبة ـ: [ فقال الأنصار:
والله ما نحسدكم
على خير ساقه إليكم
و إنا لكَمَا وصفتَ
يا أبا بكر والحمد
لله، و لا أحد من
خلق الله تعالى
أحبَّ إلينا منكم،
و لا أرضى عندنا
ولا أيمن ولكنا
نشفق مما بعد اليوم،
و نحذر أن يغلب
على هذا الأمر
من ليس منا و لا
منكم، فلو جعلتم
اليوم رجلا منا
و رجلا منكم بايعنا
و رضينا على أنه
إذا هلك اخترنا
آخر من الأنصار
فإذا هلك اخترنا
آخر من المهاجرين
أبدا ما بقيت هذه
الأمــة، كان ذلك
أجدر أن يُعْدَل
في أمة محمد
صلى الله عليه
وآله وسلم ، و أن
يكون بعضنا يتبع
بعضا فيشفق القرشي
أن يزيغ فيقبض
عليه الأنصاري
و يشفق الأنصاري
أن يزيغ فيقبض
عليه القرشي. عندئذ قام
أبو بكر فحمد الله
و أثنى عليه وقال:
إن الله تعالى
بعث محمدا صلى
الله عليه
وآله وسلم رسولا
إلى خلقه و شهيدا
على أمته ليعبدوا
الله و يوحدوه
و هم إذ ذاك يعبدون
آلهة شتى يزعمون
أنها شافعة لهم
وعليهم بالغة نافعة،
و إنما كانت حجارة
منحوتة، و خُشُبَاً
منجورة، فاقرؤوا
إن شئتم "إنكم و ما
تعبدون من دون
الله حصب جهنم
أنتم لها واردون
"، "ويعبدون من
دون الله ما لا
يضرهم و لا ينفعهم
و يقولون هؤلاء
شفعاؤنا عند الله
"، وقالوا: " ما
نعبدهم إلا ليقربونا
إلى الله زلفى"،
فعظم على العرب
أن يتركوا دين
آبائهم، فخص الله
تعالى المهاجرين
الأولين بتصديقه،
و الإيمان به،
والمواساة له،
و الصبر معه على
الشدة من قومهم،
و إذلالهم و تكذيبهم
إياهم، و كل الناس
مخالف عليهم، زارٍ[16][18] عليهم،
فهم أول من عبد
الله في الأرض،
وأول من آمن بالله
تعالى و رسوله
صلى الله عليه
وآله وسلم ، و هم
أولياؤه و عشيرته،
وأحق الناس بالأمر
من بعده، لا ينازعهم
فيها إلا ظالم،
و أنتم يا معشر
الأنصار، من لا
ينكر فضلهم ولا
النعمة العظيمة
لهم في الإسلام،
رضيكم الله تعالى
أنصاراً لِدِينه
ولرسوله وجعل إليكم
مهاجرته، فليس
بعد المهاجرين
الأولين أحد عندنا
بمنزلتكم، فنحن
الأمراء و أنتم
الوزراء، لا نفتات[17][19] دونكم بمشورة
و لا تنقضي دونكم
الأمور.
فقام الحباب
بن المنذر بن زيد
بن حرام رضي
الله عنه فقال:
يا معشر الأنصار
املكوا عليكم أيديكم،
فإنما الناس في
فيئكم و ظلالكم،
و لن يجترئ مجترئ
على خلافكم، و لن
يصدر الناس إلا
عن رأيكم، أنتم
أهل العز و الثروة،
و أولو العدد
والنجدة، و إنما
ينظر الناس ما
تصنعون، فلا تختلفوا
فيفسد عليكم رأيكم،
و تقطع أموركم،
أنتم أهل الإيواء
و النصرة و إليكم
كانت الهجرة ولكم
في السابقين الأولين
مثل ما لهم، و أنتم
أصحاب الدار و الإيمان
من قبلهم، و اللهِ
ما عبدوا الله
علانيةَ إلا في
بلادكم و لا جُمِعَت
الصلاة إلا في
مساجدكم و لا دانت
العرب للإسلام
إلا بأسيافكم،
فأنتم أعظم الناس
نصيبا في هذا الأمر،
و إن أبى القوم
فمنا أمير و منهم
أمير.
فقام عمر رضي الله عنه فقال: هيهات لا يجتمع سيفان في غمد واحد، إنه والله لا ترضى العرب أن تؤمركم و نبيها من غيركم، و لكن العرب لا ينبغي لها أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم و أولو الأمر منهم، لنا بذلك على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة و السلطان المبين، من ينازعنا سلطان محمد وميراثه و