مقدمة الطبعة الثالثة [1]

 

    هل يوجد مبرر واقعي وجدي للتمايز بين المسلمين اليوم؟

    وهل يوجد معنى حيوي للفرق بين الشيعة والسنة؟

    وهل يوجد مفهوم  حقيقي ومعاصر لمصطلحي:"الشيعة" و "السنة"؟

    أم إن هذه مفاهيم ومصطلحات تاريخية قديمة وجوفاء؟ وان الأمة الإسلامية اليوم قد تجاوزت الخلاف التاريخي القديم الذي حدث بين المسلمين في القرون الأولى حول شروط الخلافة ومواصفات الخليفة ومن هو أحق بها. وذلك بعد مضي أربعة عشر قرنا على ذلك الخلاف ، وعدم وجود مصاديق خارجية لأهل البيت أو الأئمة المعصومين الذين قال الشيعة الامامية بانحصار الحق الشرعي في الخلافة بهم، من جهة، وكذلك انقراض الخلفاء العباسيين أو العثمانيين الذين قال السنة بحقهم في الخلافة ، من جهة أخرى.

   وإذا كان ثمة في التاريخ السحيق معنى معقول للخلاف الذي حدث بين المسلمين الأوائل حول الخلافة، فان ذلك الخلاف، لاشك ، قد انطوى مع الزمن ، ولم يعد له أي معنى جدي أو حيوي معاصر، ولم يعد يتمثل اليوم سوى في بعض المخلفات والقشور والعادات والطقوس والرواسب التاريخية.

   ومن هنا فان الأمة الإسلامية – شيعة وسنة – بأمس الحاجة اليوم لمراجعة ذلك الخلاف التاريخي ودراسته بدقة من اجل التخلص من رواسبه السلبية، والتحرر من مخلفاته التي قد لا تزال تشدخ الوحدة النفسية للمسلمين.. أو تؤجج بعض المعارك الوهمية بينهم.

   وفي الحقيقة ان كلا من الشيعة والسنة بحاجة الى دراسة الأسس والعناصر التي كونت كلا من المذهبين السياسيين التاريخيين "التشيع" و "التسنن" وملاحظة التطورات الجذرية التي طرأت على المذهبين عبر التاريخ، ومعرفة العناصر المنقرضة والمظاهر المتبقية.. لعلهم يدركون أنهم لا يتمسكون اليوم سوى بأسماء وهمية وشعارات فارغة.. وأن الخلاف الجوهري بينهما قد ذهب مع التاريخ.

   ان المشكلة تكمن في رؤية كل فريق للفريق الآخر بعيون تاريخية واعتمادا على التراث القديم، بدلا من النظر الى واقع الطرف الآخر اليوم ومدى وعيه والتزامه بالنظريات القديمة التي كونت المذهب. وتشتد هذه النظرة التاريخية الخاطئة المخالفة للواقع ، خصوصا لدى الجماعات السلفية من الشيعة والسنة التي تعيش في التاريخ وترفض الحياة في العصر الراهن. وإذا ما تسنى لهذه الجماعات ترجمة نظراتها السلبية الى مواقف متشنجة مع الآخر، فإنها قد تنجح في إثارة وتعزيز العصبية المضادة.

   وبعيدا عن الجدل الطائفي العقيم الذي لم يستطع ولن يستطيع إعادة عقارب الساعة الى الوراء، فان من الأجدى القيام بالنقد الذاتي ومراجعة الفكر السياسي الموروث وتصحيحه، من أجل بناء نظام سياسي جديد أكثر عدلا وحرية واستقرارا. إذ لا يستطيع أحد ان يدعي أن الأمة الإسلامية اليوم بكل فرقها وطوائفها تعيش حياة سياسية أفضل وأرقى من الآخرين.

   انطلاقا من هذه الرؤية قمت قبل أكثر من عشر سنوات بمراجعة الفكر السياسي الشيعي، الذي كنت أؤمن به وأدعو اليه، وقد اكتشفت بعد عملية المراجعة التي استغرقت مني عدة أعوام، أن كثيرا من الأفكار الشائعة والتي كنت أؤمن بها ما هي إلا أفكار دخيلة وطارئة لا تمت بصلة الى مذهب أهل البيت. وان فكر أهل البيت أو الشيعة الأوائل هو أقرب الى الفكر الإسلامي العام الذي كان يدور حول مبدأ الشورى. وفي دراسة أخرى قمت بها لاحقا، اكتشفت ان الفكر السياسي السني هو الآخر فكر مستحدث، وانه لا يمت الى السلف الأول بصلة. واكتشفت في نفس الوقت ان المسلمين جميعا سنة وشيعة قد تخلوا عمليا عن كثير من الأفكار الخاطئة التي تسربت إليهم عبر القرون، وانهم قد يشتركون في تبني نظريات سياسية جديدة ومعاصرة مشتركة ، بحيث لم يعد يجوز ان نطلق عليهم التسميات الطائفية القديمة التي كانت نتاج ظروف خاصة بائدة.

   وسوف أقوم هنا باستعراض الفكر الشيعي الامامي الاثني عشري، الذي ولد في القرن الثاني الهجري، وتطور مع الزمن، ثم وصل الى طريق مسدود في منتصف القرن الثالث الهجري، ليسلك بعد ذلك طريقا طويلا من الانحدار والنهوض امتد حوالي ألف عام، وليصل بعد ذلك الى مستوى عال من التقدم ويختلف جذريا مع الفكر القديم. وما يهمنا جدا الآن هو تعزيز الإنجازات الديموقراطية التي حققها هذا الفكر، وإزالة العقبات والشوائب والمخلفات التي لا تزال تلعب أدوارا سلبية في تقدمه نحو الأمام.

النظرية الامامية

من المعروف ان مصطلح "الشيعة" أطلق في القرن الأول الهجري على أتباع الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في مقابل شيعة معاوية أو آل أبي سفيان. وربما أريد منه: الذين يفضلون علياً على غيره من الصحابة. أما مصطلح "الإمامية" فقد أطلق في القرن الثاني على الشيعة الذين قالوا باشتراط العصمة والنص في الإمام، وان أئمة أهل البيت أحق من غيرهم بالإمامة. وأما مصطلح "الإثني عشرية" فقد أطلق في القرن الرابع الهجري على الشيعة الذين قالوا بولادة ووجود الإمام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) واستمرار حياته الى يوم الظهور.

   وقد كان موضوع النظرية الامامية سياسي بالدرجة الأولى ، ويدور حول شروط الإمامة بمعنى الرئاسة والحكم والخلافة، وطبيعتها وانحصارها في البيت العلوي الحسيني، في مقابل النظريات الشيعية والسنية الأخرى التي كانت تختلف مع الامامية  حول اشتراط العصمة والنص، أو اشتراك سائر البيوت العلوية أو الفاطمية أو الهاشمية أو القرشية في الحق في الخلافة، وقيامها على أساس الشورى والاختيار.

   وبغض النظر عن صحة أو عدم صحة النظرية الامامية، وفيما إذا كانت تمثل رأي عامة الشيعة أو رأي فريق خاص وصغير منهم، فان تلك النظرية وصلت الى طريق مسدود بوفاة الإمام الحسن العسكري دون خلف، أو غيبة الإمام الثاني عشر- على القول بولادته- حيث لم يعد هؤلاء الشيعة يمتلكون إماما ظاهرا يقود حركتهم الاجتماعية أو يؤسس لقيام دولتهم، في حين ظل العباسيون مستمرين  في السلطة، وكذلك الشيعة الإسماعيلية الذين نجحوا في إقامة الدولة الفاطمية في شمالي أفريقيا، أو الشيعة الزيدية الذين أسسوا عدة دول لهم في اليمن وطبرستان. ولذلك دخل الشيعة الامامية الاثني عشرية منذ ذلك الحين في مرحلة أسموها (الانتظار) ويعنون به : انتظار الإمام الغائب (الثاني عشر). وقد اتسمت تلك المرحلة بالسلبية السياسية المطلقة حيث حرموا الثورة واقامة الدولة إلا بعد ظهور الإمام المعصوم المنصوص عليه من  الله، وعطلوا كل ما يتعلق بالدولة من أمور، كجباية الخمس والزكاة وإقامة الحدود ، وصلاة الجمعة، ورفضوا حتى نظرية ولاية الفقيه باعتبارها تفتقد الى شروط الإمامة من  العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية.[2]

 

    فقد قال الشيخ محمد بن أبى زينب النعماني (توفي سنة 340هـ ) :" ان أمر الوصية والإمامة بعهد من الله تعالى وباختياره ، لا من خلقه ولا باختيارهم ، فمن اختار غير مختار الله وخالف أمر الله سبحانه ، وَرَدَ مورد الظالمين والمنافقين الحالّين في ناره" . وأورد سبع عشرة  رواية حول وجوب التقية والانتظار وتحريم الخروج في (عصر الغيبة ).[3]

   وقال الشيخ الصدوق (توفي سنة 381 هـ ) :" التقية فريضة واجبة علينا في دولة الظالمين ، فمن تركها فقد خالف دين الامامية وفارقه .. والتقية واجبة لا يجوز تركها الى ان يخرج القائم ، فمن تركها فقد دخل في نهي الله عز وجل ونهي رسوله والأئمة (ع) ويجب الاعتقاد ان حجة الله في أرضه وخليفته على عباده في زماننا هذا هو القائم المنتظر ابن الحسن.. ويجب ان يعتقد انه لا يجوز ان يكون القائم غيره بقي في غيبته ما بقي ، ولو بقي عمر الدنيا لم يكن القائم غيره ".[4]

   و من هنا فقد رفض المتكلمون الاماميون الأوائل دعوة المعتزلة والشيعة الزيدية، الى تبني نظرية (ولاية الفقيه) في ظل (الغيبة الكبرى) ، استنادا الى فقدان الفقيه للعصمة والتعيين من الله ، وتعارض نظرية (ولاية الفقيه) مع نظرية (الإمامة الإلهية).[5]  

 

   وعلى رغم أن الشيعة الامامية الاثني عشرية كانوا يعيشون في القرنين الرابع والخامس، في ظل الدولة البويهية الشيعية، إلا انهم لم يستطيعوا إنتاج نظرية عصرية سياسية تلبي متطلبات الحياة ، وأصروا على تكريس نظرية (الانتظار) السلبية وترديدها في مختلف كتبهم الفكرية والفقهية. وحتى عندما قامت الدولة الصفوية في القرن العاشر الهجري ، فان قسما من الشيعة ظل يتمسك بموقف الانتظار السلبي للإمام الغائب المنتظر، كلازمة من لوازم نظرية (الإمامة الإلهية)، ويرفض الانخراط في الدولة الصفوية، بالرغم من تأييد الشيخ علي الكر كي بناء على نظرية (نيابة الفقهاء العامة عن الإمام الغائب) والتي أجاز لنفسه على ضوئها إضفاء نوع من الشرعية على الدولة الصفوية. حيث كان ذلك القسم يرى في المحاولة الصفوية - الكركية انقلابا على أهم أسس النظرية الامامية ، من حيث اشتراط العصمة والنص في الإمام (الرئيس) واستلابا واغتصابا لدور الإمام المعصوم (المهدي المنتظر الغائب).[6]

   وتجلى ذلك الموقف السلبي من إقامة الدولة في (عصر الغيبة) في القرن الثالث عشر الهجري أيضا في موقف الشيخ محمد حسن النجفي صاحب (جواهر الكلام)، والذي عاصر الأيام الأخيرة للدولة العثمانية، ولكنه لم يفكر في الثورة عليها وإقامة دولة شيعية خاصة في العراق، رغم إيمانه بنظرية ولاية الفقيه الى درجة كبيرة، نظرا لأنه كان يؤمن بعدم إمكانية إقامة الدولة في عصر (الغيبة) وإلا لظهرت دولة الحق وخرج الإمام المهدي، الذي لم يختف إلا بسبب الخوف على نفسه. ولذلك توصل النجفي الى ضرورة الانتظار ، وعدم جواز إقامة الدولة الإسلامية في عصر الغيبة، بل عدم إمكانيتها. [7]

وقد انعكست نظرية الانتظار السلبي للإمام الغائب (الثاني عشر) على موقف الشيعة الامامية الاثني عشرية من :(قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) مما أدى إلى نشوء ظاهرة الانسحاب السياسي عند قطاع واسع من الشيعة الامامية ، وضعف المشاركة الشعبية في التغيير الاجتماعي ، وقد تمثل ذلك بصورة جلية في إحجام عدد من الفقهاء الذين تسلموا زمام المرجعية الشيعية العامة عن خوض العمل السياسي أو التصدي للظلمة والطواغيت .[8]

   كما انعكست نظرية (الانتظار) التي التزم بها أولئك العلماء ، أيضا ، على مسألة إقامة الحدود في (عصر الغيبة) ،حيث اشترطوا إقامتها بظهور الإمام المهدي الغائب.[9]

  

    وكاد إجماع الشيعة الامامية الاثني عشرية ينعقد عبر التاريخ على حرمة الجهاد الابتدائي في (عصر الغيبة). فقد اشترط الشيخ الطوسي في :(المبسوط) في وجوب الجهاد : ظهور الإمام العادل الذي لا يجوز لهم القتال إلا بأمره ، ولا يسوغ لهم الجهاد دونه ، أو حضور من نصبه الإمام للقيام بأمر المسلمين ، وقال بعدم جواز مجاهدة العدو متى لم يكن الإمام ظاهرا ولا من نصبه الإمام حاضرا ، وقال: "ان الجهاد مع أئمة الجور أو من غير إمام خطأ يستحق فاعله به الإثم ، وان أصاب لم يؤجر وان أصيب كان مأثوما". واستثنى من ذلك حالة الدفاع عن النفس وعن حوزة الإسلام وجميع المؤمنين إذا دهم المسلمين عدو يخاف منه على بيضة الإسلام.[10]

   وإضافة الى تلك الجوانب السياسية التي علقها الفقهاء الذين آمنوا بنظرية (الانتظار) في عصر الغيبة ، فقد علقوا أيضا الجوانب الاقتصادية التي ترتبط بالدولة ، كالزكاة والخمس والأنفال والخراج وما شابه.. إلا انهم لم يعطلوا قانون الزكاة بالمرة ، ولكنهم عطلوا بعض موارد صرفها ، وهي الموارد التي تتعلق بشؤون الدولة و (الإمام) فقد أجازوا لمن وجبت عليه الزكاة ان يتولى إخراجها من ماله وتوزيعها بنفسه ، وذلك عند فقد الإمام والنائبين عنه ، وتعذر إيصالها اليه . واسقطوا سهم المؤلفة قلوبهم وسهم (سبيل الله) والعاملين عليها من مصارف الزكاة .[11]

   ومع سقوط نظرية الدولة في الفكر السياسي الشيعي الاثني عشري ، وتحريم إقامتها في (عصر الغيبة) تعامل الفقهاء مع موضوع الزكاة من ثلاثة جوانب ، فأوجبوا الزكاة من ناحية ، وأمروا المكلفين بإخراجها وتوزيعها بأنفسهم لعدم وجود الإمام الشرعي ، من ناحية ثانية ، واسقطوا حصص العاملين عليها والمؤلفة قلوبهم والجهاد ، من ناحية أخرى .

   هكذا فعل ابن حمزة في (الوسيلة الى نيل الفضيلة )، وهكذا قال ابن إدريس في (السرائر)  وهكذا أفتى المحقق الحلي نجم الدين جعفر بن الحسن في (شرائع الإسلام ) و (المختصر النافع)  والمقداد بن عبد الله السيوري الحلي في :(كنز العرفان في فقه القرآن).

  وبالرغم من رعاية المحقق الكركي للدولة الصفوية الشيعية ، وإعطاء الشاه (طهماسب) الإجازة في الحكم نيابة عنه باعتباره نائبا عن الإمام المهدي ، إلا انه التزم بنظرية :(التقية والانتظار) واسقط في (جامع المقاصد) سهم المؤلفة قلوبهم والساعي والغازي حال الغيبة ، إلا مع الحاجة الى الجهاد.   

  أما في موضوع الأنفال التي ينص القرآن الكريم على أنها لله وللرسول، فيعتقد الشيعة الامامية أنها للإمام القائم مقامه من بعده، خالصة له كما كانت خالصة للرسول (ص) في حياته ، ولا يحق لأحد ان يعمل في شيء من الأنفال إلا بأذن الإمام العادل ، فمن عمل فيها بأذنه فله أربعة أخماس المستفاد منها وللإمام الخمس. ولما كان (الإمام العادل) في المصطلح الامامي يعني : (الإمام المعصوم المعين من قبل الله تعالى ) وانه منذ وفاة الإمام الحسن العسكري سنة 260 هـ هو (الإمام الثاني عشر المهدي محمد بن الحسن العسكري ) الذي ولد سنة 255 هـ وغاب بعد ذلك الى اليوم ، فانه يصبح : المالك الحقيقي للأنفال ، وكذلك المالك الحقيقي للخمس، وهو قانون خاص غير الزكاة يفرضه الشيعة على المغانم والأرباح أيضا، ويعتقدون ان عليهم تقديمه لله وللرسول وللإمام ولليتامى والمساكين وأبناء السبيل من بني هاشم ، وان سهم الله والرسول وذي القربى يجب تقديمه للإمام (الذي يمثل ذوي القربى ) والذي هو اليوم (الإمام المهدي المنتظر ) كما يجب إعطاؤه الأسهم الثلاثة الأخرى: اسهم اليتامى والمساكين وأبناء السبيل ، لكي يوزعها على الأصناف الثلاثة من بني هاشم . [12]

  وقد أدى الالتزام بنظرية (الانتظار) الى الوقوع في أزمة حادة في موضوع الخمس والأنفال في (عصر الغيبة) ، فمن جهة : ان الإمام المهدي هو الشخص الوحيد صاحب الخمس والأنفال ، والذي يحق له استلامها وتوزيعها ، ومن جهة أخرى : لا سبيل الى الوصول اليه لأداء حقوقه ، كما لا توجد أية نصوص منه في مسالة توزيعها والتصرف فيها في ظل الغيبة.  ومن هنا فقد احتار الفقهاء في حكم الخمس والأنفال ، وقال الشيخ المفيد في :(المقنعة):" قد اختلف قوم من أصحابنا في ذلك عند الغيبة ، وذهب كل فريق منهم الى مقال: فمنهم من يسقط فرض إخراجه ، لغيبة الإمام ، وما تقدم من الرخص فيه من الأخبار . و بعضهم يوجب كنزه ، ويتأول خبرا ورد :( ان الأرض تظهر كنوزها عند ظهور الإمام ، وانه (ع) إذا قام دلّه الله على الكنوز فيأخذها من كل مكان). وبعضهم يرى صلة الذرية وفقراء الشيعة على طريق الاستصحاب. وبعضهم يرى عزله لصاحب الأمر ، فان خشي إدراك الموت قبل ظهوره وصّى به الى من يثق به في عقله وديانته حتى يسلم الى الإمام ، ثم ان أدرك قيامه .. وإلا وصّى به الى من يقوم مقامه في الثقة والديانة، ثم على هذا الشرط الى ان يظهر إمام الزمان . وهذا القول عندي أوضح من جميع ما تقدم ، لأن الخمس حق لغائب لم يرسم فيه قبل غيبته رسما يجب الانتهاء اليه فوجب حفظه الى وقت إيابه ، والتمكن من إيصاله اليه أو وجود من انتقل بالحق اليه ، ويجري ذلك مجرى الزكاة التي يعدم عند حلولها مستحقها فلا يجب عند ذلك سقوطها ، ولا يحل التصرف فيها على حسب التصرف في الأملاك ، ويجب حفظها بالنفس أو الوصية الى من يقوم بإيصالها الى مستحقها من أهل الزكاة من الأصناف". وأضاف:"إنما اختلف أصحابنا في هذا الباب لعدم ما يلجأ اليه من صريح الألفاظ ". [13]

   وقد أدت هذه الحيرة والغموض في موضوع الخمس في (عصر الغيبة) الى ظهور عدد من الأقوال الغريبة المنافية للعقل والقرآن من قبيل إسقاط الخمس أو دفنه في الأرض أو إلقائه في البحر أو عزله والوصية به الى يوم ظهور المهدي ، وهو الرأي الذي اختاره المفيد وفقهاء آخرون عبر التاريخ، بينما ذهب فقهاء آخرون الى تحليل الخمس وإباحته للشيعة في (زمان الغيبة)..[14]

 وكانت صلاة الجمعة هي المعقل الأخير الذي تأثر بنظرية (الانتظار) وذلك في أعقاب سقوط الدولة البويهية في أواسط القرن الخامس الهجري. ولم يكن ليحدث في أمر هذه الصلاة العظيمة من جديد لولا التفسير الذي راج عند بعض الفقهاء الامامية، حول كلمة:"الإمام" أو "الإمام العادل" حيث حصروا معناها بـ :"الإمام المعصوم" . ولما كانوا يقولون : ان الإمام المعصوم غائب في هذا العصر ، وان من شروط إقامة صلاة الجمعة حضور الإمام أو إذنه ، فقد قال أولئك الفقهاء بافتقاد أحد شروط صلاة الجمعة ، وهو إذن الإمام المعصوم المهدي المنتظر. ونتيجة لذلك قالوا بحرمة أو بعدم وجوب صلاة الجمعة في (عصر الغيبة) . [15]

   وقد سار كثير من الفقهاء اللاحقين بعد ذلك ، والى يومنا هذا ، على خطى أولئك العلماء الذين اشترطوا العدالة في الإمام وفسروا كلمة (الأمام العادل) بالإمام المعصوم (المهدي المنتظر) ، وانتهوا الى تعطيل صلاة الجمعة في عصر الغيبة ، انسجاما مع نظرية (الانتظار) التي تحرم إقامة الدولة الإسلامية لغير الأئمة المعصومين المعينين من قبل الله تعالى.

  إذن فقد أدت نظرية (الانتظار للإمام المهدي الغائب) - كما رأينا في الصفحات السابقة - الى غيبة الشيعة الامامية أنفسهم عن مسرح الحياة السياسية ، وذلك بتحريم العمل السياسي وإقامة الدولة في (عصر الغيبة) ، مما أدى بكثير من العلماء الى التراجع عن الفكر الامامي المتصلب والتخلي عن نظرية الانتظار المتشددة ، وكانت أول خطوة في هذا الطريق هي فتح باب الاجتهاد.

    وكان الاجتهاد محرما في الفكر الامامي الذي كان يحصر العمليات التشريعية الجديدة في (الأئمة المعصومين ) . ولذلك فقد كانت المدرسة الامامية القديمة اخبارية تحرم الاجتهاد خارج النصوص ، وظلت هكذا الى فترة طويلة بعد (الغيبة) ، وكان منتهى العمل (الاجتهادي) يدور داخل النصوص والترجيح فيما بينها ومعرفة العام والخاص والمطلق والمقيد وما شابه ، وكانت فتاوى العلماء ، كعلي بن بابويه الصدوق ، مجرد نصوص روايات معتبرة لديهم .

    ولكن بعد القول بغيبة (الأمام الثاني عشر) ومرور مدة طويلة على انقطاع الاتصال بـ :"مصدر العلم الإلهي" وحدوث مسائل جديدة تستوجب الإجابة عليها ، بدأ موقف الامامية من (الاجتهاد) يتطور .. ويتغير ، واضطروا لفتح باب الاجتهاد والقول بجواز القياس. وكان أول من قال بذلك في أواسط القرن الرابع هو الحسن بن عقيل العماني ، المعاصر للكليني . ثم جاء الشيخ المفيد في بداية القرن الخامس الهجري ليمارس (الاجتهاد) مع تلميذيه السيد المرتضى والشيخ الطوسي ويؤسسوا بذلك المدرسة الأصولية التي شقت طريقها في الحياة منذ ذلك الحين.[16]

    وقد كان فتح باب الاجتهاد خطوة كبيرة للخروج من الأزمة ، وملأ الفراغ التشريعي الذي حدث للشيعة الامامية بعد وفاة الأمام الحسن العسكري وغيبة أو افتقاد الأمام الثاني عشر ، وذلك في ظل القول بحصر العمل التشريعي بالأئمة المعصومين الذين يرتبطون بمصادر العلم الإلهي الحقيقي ، وعدم جواز اللجوء آلي الطرق الظنية والإمارات كالقياس والاجتهاد وما شابه ، لمعرفة الأحكام الشرعية . وقد أدى فتح باب الاجتهاد بالشيعة الى التحرر من نظرية (التقية والانتظار) و إعادة النظر في كثير من أبواب الفقه المعطلة بسبب نظرية (الغيبة) ، و ملاحقة التطورات والإجابة على المسائل الحادثة ، كما أدى الى حدوث تطورات جذرية في الفكر الامامي والتخلي عن اشتراط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية في الأمام ، والقول بجواز الحكومة لغير المعصوم أو وجوبها ، واستنباط نظرية (ولاية الفقيه) وغيرها من النظريات التي أعادت الشيعة الى مسرح الحياة.

  والى جانب العمل العظيم الذي قام به الفقهاء الامامية في مطلع القرن الخامس الهجري ، وهو فتح باب الاجتهاد ، قاموا أيضا باستنباط نظرية أو فرضية كان لها دور كبير في مستقبل الفكر السياسي الامامي ، وهي:( فرضية النيابة الواقعية للفقهاء عن الأمام المهدي ). خاصة في مجال القضاء،  حيث فتحت هذه الفرضية نافذة تطورت مع مرور الزمان وأدت الى تخلي الامامية عن شرط العصمة والنص في الإمام ، وبالتالي التخلي عن الالتزام بنظرية (التقية والانتظار للامام الغائب) والقول بنظرية (ولاية الفقيه) .

    ومن المعلوم ان القضاء يعتبر من أهم أعمال الدولة ، ولما كان الشيعة الامامية يحصرون الدولة الشرعية في الدولة التي يقودها (الأمام المعصوم المعين من قبل الله) فانهم قد حرموا ممارسة القضاء لغير الإمام المعصوم ، ولكنهم رووا عدة روايات تجيز للفقهاء الشيعة ممارسة ذلك بالنيابة عن (الأئمة المعصومين). مثل:

 1 - مقبولة عمر بن حنظلة عن الأمام الصادق (ع) التي يقول فيها :"انظروا الى رجل منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فارضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما".  

2 - مشهورة أبى خديجة عن الأمام الصادق أيضا :"انظروا آلي رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم قاضيا فتحاكموا اليه" .  

    وقد تم استعارة هذه الأذونات العامة الصادرة في عهد حضور الأئمة ، والحكم بجواز ممارسة القضاء في عهد (الغيبة) للفقهاء من الشيعة ، وذلك للتشابه بين الحالتين وهو عدم سيطرة الأئمة وممارستهم للحكم ، وحل الشيعة الامامية بذلك مشكلة القضاء في عصر الغيبة.

    وقد استنبط الشيخ المفيد من تلك الروايات :( فرضية النيابة الواقعية عن الأمام المهدي). فقال في كتاب:(المقنعة ، كتاب الحدود) :"ان الأئمة قد فوضوا اليهم (الفقهاء) النظر في القضاء مع الإمكان " وأضاف:" ومن تأمر على الناس من أهل الحق بتمكين ظالم له وكان أميرا من قبله في ظاهر الحال ، فإنما هو أمير في الحقيقة من قبل (صاحب الأمر) الذي سوغه ذلك وأذن له فيه دون المتغلب من أهل الضلال" .[17]

  وهكذا قال فقهاء آخرون كالمقدس الاردبيلي ( - 993 هـ)  والشيخ جعفر كاشف الغطاء ( - 1227 هـ)  والشيخ محمد حسن النجفي ( - 1266 هـ)  بضرورة افتراض النيابة عن الإمام الثاني عشر الغائب لدى تولي القضاء، وكانت آراؤهم هذه في باب