|
ماهي العلاقة السليمة بين الأمة والمرجعية
الدينية؟ تدور في الأوساط الشيعية عدة أسئلة حول الصفات
الضرورية التي يجب ان يتحلى بها المرشح للمرجعية الدينية ،وضرورة إصلاح المؤسسة
الدينية وتطوير المرجعية من النظام الفردي الى النظام الجماعي المؤسسي الذي يضمن
انتقال الخبرة الى المراجع القادمين ويديم حبل الوصل بينهم ولا يضطرهم بعد وفاة كل
مرجع الى البدء من نقطة الصفر.
من الواضح ان تقدم اية أمة مرهون بتمتعها بقيادات
كفوءة حيوية وفاعلة ، وان الامة الاسلامية ، والشيعية بالخصوص تعيش اليوم في عالم
متصارع تتنافس فيه أمم كثيرة للتقدم والسيطرة على الآخرين ، وتتعرض فيه الامة
الاسلامية لخطر السحق والإبادة وطمس الهوية واستلاب الحقوق والحريات العامة
واخراجها من حلبة التاريخ ، ولا يمكن للشيعة ولا للمسلمين من المحافظة على الذات
وحماية المحرمات الا بوجود قيادات قوية كفوءة وفاعلة. وان تسليم زمام الأمور بيد
قيادات ضعيفة وعاجزة ومشلولة او منعزلة عن الحياة هو حكم بإضعاف الأمة وشلها
وإصابتها بالعجز ، وهو ما يشكل افضل خدمة نقدمها للأمم المنافسة والمعادية للفوز في
معترك الحياة. ومن هنا فقد أدرك كثير من طلائع الأمة الثورية وعلمائها ومثقفيها: ان
أزمة الطائفة تكمن في أزمة المرجعية والنظام الفردي الشامل والمطلق ، وقالوا: ان
عملية الإصلاح الحضاري لا يمكن ان تتم الا باصلاح المرجعية الدينية والتوصل الى
افضل الطرق لانتخاب افضل القيادات الكفوءة الحيوية
والفاعلة.
وقد طرح بعض المصلحين كالإمام الشهيد السيد محمد باقر
الصدر (رحمه الله) نظرية المرجعية الرشيدة القائمة على التخصص العلمي والإداري ،
وطرح آخرون كالامام الشيرازي نظرية شورى الفقهاء ، وهناك نظريات إصلاحية اخرى تدور
حول النسبية في التقليد والتعددية في المراجع. ولا زال همَ إصلاح الطريقة المرجعية
يؤرق كثيرا من أبناء الامة المخلصين والعاملين في سبيل اقامة حكم الله في الأرض
وتعزيز مكانة الامة الاسلامية بين أمم الأرض. وذلك بالرغم من المواقف السلبية التي
اعتاد بعض المنتفعين والمتطفلين على موائد المراجع في التشكيك بأية دعوة مخلصة
للإصلاح والتغيير واتهامها جزافا بالتآمر ومحاولة إضعاف
المرجعية.
وانطلاقا من إيماننا بضرورة الإصلاح وارتباط ذلك بمصالح الأمة الحيوية
ووجودها ومستقبلها ، وضرورة الحوار والاجتهاد الشعبي العام من أجل التوصل الى افضل
الصيغ القيادية ، نرى ان الواجب يحتم
علينا تقديم بعض الأفكار لعامة المؤمنين أملا بأن تكون مادة أولية للنقاش والبحث ،
من أجل الاهتداء لما فيه الخير والصواب.
وفي
البدء لا بد ان نشير ، باختصار ، الى ان الصيغة الموروثة الراهنة من المرجعية
الدينية لم تنبثق فجأة ، وانما تطورت
عبر الزمان والمكان ، ومن يراجع كتب مشايخ الطائفة الشيعية السابقين كالشيخ المفيد
والسيد المرتضى والشيخ الطوسي وسلار وابن إدريس والمحقق الحلي والعلامة الحلي لا
يجد لها أثرا ، وقد ابتدأت الصيغة المرجعية من مرحلة رواية الأحاديث بشكل بسيط في
القرون الهجرية الاولى ثم انتقلت في القرن الخامس الهجري على يدي الشيخ الطوسي الى
مرحلة بسيطة من الاجتهاد ، ثم تطورت بعد ذلك في القرن السابع الهجري على أيدي علماء
الحلة الى مرحلة متقدمة أكثر هي نظرية النيابة المحدودة والجزئية في بعض أبواب
الفقه والحياة ، ثم تطورت بعد ذلك الى نظرية النيابة العامة وولاية الفقيه في العهد
الصفوي والعهد القاجاري في ايران ووصلت الى صيغتها الحالية حيث استجمعت في أيديها
القيادة الفقهية والسياسية والمالية
في القرن الأخير ، وهذا ما يدل بقوة
على ان الصيغة الحالية للمرجعية هي صيغة حديثة نابعة من الأعراف والتقاليد والظروف
، وليست إطارا مقدسا ثابتا منصوصا عليه من الله عز وجل لا يمكن تغييره او تطويره
واستبداله بشكل آخر افضل ، وقد شاهدنا كيف طورت الثورة الاسلامية الإيرانية نظرية
المرجعية الى نظرية الدولة والجمهورية الاسلامية.
والملاحظة الرئيسية التي تعاني منها الصيغة الحالية للمرجعية هي انها تركز
كافة الصلاحيات التشريعية والمالية والسياسية والإدارية بيد رجل واحد وتلغي دور
الأمة وحقها في إدارة شؤونها بأيديها ، وتعزلها عن تحمل مسؤولياتها وممارسة
واجباتها ضمن إطار الشورى ،وكثيرا ما يكون المراجع فوق السن الطبيعية او على فراش
المرض والموت مما يؤدي الى استيلاء الأبناء والحواشي على كافة الأموال والأمور باسم
المرجع والمرجعية(يقال ان أحد المراجع ترك ملايين الدولارات إرثا خاصا لأبنائه).
وقد أدت المبالغة في تركيز الصلاحيات بيد المراجع الى حدوث نوع من الشلل في الساحة
الاسلامية وتكبيل النشاطات الإيجابية المختلفة ،و أصبحت الشرعية السياسية من حق
المراجع فقط ، واصبحوا هم الوحيدين الذين يمنحون الشرعية لهذا الزعيم او ذاك ،
ويشترطون على الحركات الاسلامية والعاملين في سبيل الله ان يكونوا تحت ولايتهم.
واصبحت الإدارة المالية للأموال والأخماس والزكوات وتوزيعها من مهماتهم فقط ، وأخذ
العلماء المتأخر ون يفتون بعدم جواز صرف المالك لأخماس ماله وزكواته الا عبر
القنوات المرجعية الخاصة ، بعد ان كان ذلك مفتوحا في العصور الأولى. واصبح
(التقليد) منحصرا في رجل واحد طوال العمر وفي جميع المسائل بعد ان كان مفتوحا لكل
الفقهاء وفي كل المسائل ، ومحصورا فقط في المسائل الفقهية الغامضة والحادثة وبشرط
عدم الإفتاء بما يخالف القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وسيرة أهل البيت (ع)
وكان الشيعة أحرارا في الاجتهاد بأنفسهم او الرجوع الى أي واحد من الفقهاء كما
يراجعون أي طبيب.
ان كل ذلك حصل في الصيغة الراهنة للمرجعية في العصور المتأخرة بعد ان لم يكن
موجودا في السابق ونتيجة لظروف معينة وحاجات خاصة ، وقد نمت المرجعية كقيادة للأمة
وتضخمت من طرف واحد ومن دون مراعاة لحقوق الأمة الدستورية كحق المراقبة والمحاسبة
والنقد والنصب والعزل ، ومن دون تحمل المرجعية لواجباتها في الرعاية والدفاع
والقيادة والتأمين الاجتماعي بصورة كاملة ، ومع الأسف الشديد أدت العلاقة غير
الطبيعية وغير المتوازنة بين الأمة والمرجعية الى قطع كثير من الناس لعلاقتهم
بالمراجع والامتناع عن أداء الحقوق الشرعية والى حدوث ردة فعل عن الدين بصورة عامة
، واذا كان هذا الموقف السلبي مرفوضا من قبل المؤمنين فان إصلاح العلاقة بين الامة
والقيادة كفيل بإبقاء العلاقة الطيبة وتمتينها من جهة ، والحؤول دون نشوء الديكتاتورية باسم
الدين من جهة اخرى.
ويتمثل الإصلاح في نظرنا بقيام العلاقة بين الأمة والعلماء على أساس العقد
الاجتماعي المتبادل : الاستشارة والاحترام والدعم من الامة مقابل التصدي وتحمل
المسؤولية والرعاية والأمانة من قبل العلماء ، ولا بد ان يكون ذلك العقد واضحا
ودقيقا في تحديد الصلاحيات والمسؤوليات ، كأن يتم الفصل بين عملية التقليد في
المسائل الفقهية وبين عملية القيادة السياسية التي تحتاج الى كفاءات وطاقات غير
العلم في مسائل الحلال والحرام ، والتي تقوم على اساس الانتخاب الجماهيري العام
للقائد الرئيس ، كما حدث في الجمهورية الاسلامية الإيرانية التي فصلت بين منصب
الفقيه ومنصب رئيس الجمهورية ، مما يعطي الامة الحرية في انتخاب أية قيادة سياسية
في أي مكان ، واذا كان من الصعب او المستحيل توزيع منصب الرئاسة السياسية العامة
بين عدد من الأشخاص فان العملية الفقهية ليست كذلك بل هي قابلة للتعددية ويمكن
اعتماد النسبية فيها من دون حدوث مشاكل كبيرة ، وذلك بالرجوع الى عدد من الفقهاء في
وقت واحد حسب الاختصاصات المختلفة لكل منهم ، بل ان الحاجة المتطورة تقتضي وتفرض
الرجوع اللجوء الى عدد كبير من العلماء المختصين ، وعدم الجمود والاقتصار على شخص
واحد مدى الحياة والرجوع اليه في جميع المسائل.
أما
الخمس والزكاة والحقوق الشرعية فقد اعتاد الفقهاء على أخذها في القرون الأخيرة في
مرحلة ما قبل اقامة الدولة الاسلامية لادارة شؤون الحوزة العلمية ، ومع قيام الدولة
الاسلامية أخذت هي تجبي الضرائب الشرعية وتقوم بواجباتها إزاء المجتمع ، واذا كان
بعض الفقهاء خارج إطار الدولة الاسلامية يصر على جباية الأخماس والزكوات من الأتباع
والمقلدين فلا بد ان يتحمل مسؤوليته إزاء هؤلاء الناس المنفقين ، على الأقل ، وان يرد لهم الجميل عند
العوز والفاقة ويضمن لهم تأمين حياتهم ماليا ، فلا يجوز للفقيه ان يأخذ من الناس
دون ان يعطيهم ، فان الحاكم الاسلامي الذي يتصدى لأخذ الحقوق عليه واجبات لا بد ان
يؤديها اذا احتاج المجتمع وخاصة الأفراد الذين دأبوا طوال حياتهم على أداء حقوقهم
الشرعية ، فان الاسلام يكفل للمؤمنين سد حاجاتهم وأداء دينهم ، واذا عجز المراجع عن
أداء واجباتهم ، أو حصل الشك في كيفية صرفهم للأموال فان ذلك يفتح الباب واسعا أمام
الأمة لكي تقوم هي بمهمة الجباية والتوزيع وتأمين الفقراء والمحتاجين بنفسها ، علما
بأنه لا يوجد نص شرعي يحتم تسليم الأخماس والزكوات الى الفقهاء او يحرم قيام
الأفراد بصرفها بأنفسهم ، وقد ذكر ذلك بوضوح كل من الشيخ المفيد في (المقنعة)
والشيخ الطوسي في (النهاية) وابن إدريس في (السرائر) والقاضي ابن براج في 0المهذب)
وأبو الصلاح الحلبي في (الكافي في الفقه) والمحقق الحلي في 0شرائع
الاسلام).
واخيرا فان عملية الإصلاح في نظام المرجعية الدينية
لا بد ان تمتد الى الأسس والمقاييس التي يتم التعرف من خلالها على الفقيه الصالح
والأفقه بعيدا عن التأثر بأجواء الدعاية المصلحية والإعلام الحزبي والتنافس السلبي
بين الأجهزة المرجعية والحواشي الذين يعقدون الصفقات ويبالغون في الدعوة لهذا
العالم والتهجم على ذاك ، ويتفننون في إخراج "العلماء" فجأة من غياهب المجهول
ويرشحونهم للمرجعية والتقليد ، دون ان يكون لهم حضور سابق او قدرة على التفاعل مع
الحياة ، هذا وان العلم والأعلمية التي يتشبثون بها ومعرفتها ليست طلسما غامضا لا
يستطيع إدراكه الا مجموعة صغيرة ممن يطلقون على أنفسهم (اهل الخبرة) إذ يستطيع أي
انسان ان يتعرف على نظريات العالم المرشح للمرجعية – اذا كان يمتلك ذلك حقا – والتأكد من هوية العلم وطبيعة الإنجازات العلمية
التي حققها ومدى التفاضل بينه وبين سائر العلماء ، كما يستطيع أي فرد عادي ان يتعرف
على نظريات المرشحين لمنصب الرئاسة الذين يستعرضون أفكارهم ورؤاهم وطرقهم لحل مشاكل
البلاد أمام وسائل الإعلام العامة.
ان الطائفة الشيعية والامة الاسلامية تحتاج اليوم الى
علماء دين يعيشون ويشعرون بمشاكلها ويعانون آلامها ويتصدون للعمل من أجل إصلاحها ،
وهي بأمس الحاجة الى قيادات كفوءة وفاعلة تقود مسيرة الامة في معترك الحياة ،
وتحترم الامة وتؤمن بالشورى وتمارسها في كل مجال ، ومن البديهي ان الفوز بهكذا
قيادة يتوقف على اختيار الأمة الناجح
ووعيها وحضورها وممارسة دورها الفاعل الى جنب الفقهاء.
|