الفكر السياسي للشيرازي

 

أ - دولة المرجعية الدينية

 

    رفض السيد محمد الشيرازي  في بداية انطلاقته في الخمسينات والستينات مختلف أنظمة الحكم الملكية والعسكرية والديموقراطية ، باعتبارها أنظمة من صنع الغرب أو القوانين الوضعية ، و آمن بالمرجعية الدينية كنظام سياسي - ديني  ، يحتل (المرجع الفقيه ) فيه منصب (نائب الإمام المهدي العام) ويتمتع بالولاية على الناس في عهد (الغيبة الكبرى) بالنص والتعيين من قبل الإمام المهدي .

     وكان نظام المرجعية الدينية قد تطور وتبلور عبر العصور ، من  دور الإفتاء في المسائل الحادثة في القرون الأولى ، إلى القيام بمهمة القضاء وتنفيذ بعض الأحكام الشرعية كإقامة الحدود أو جمع الأخماس والزكوات في العصور المتأخرة ، إلى التصدي للقيادة العسكرية والسياسية في القرن الأخير ،

وقام الشيخ أحمد النراقي في بداية القرن الثامن عشر بكتابة بحث في (عوائد الأيام) حول شرعية قيام الفقهاء بممارسة الولاية العامة بأنفسهم ، ولكن معظم الفقهاء الشيعة السابقين رفضوا نظريته ، الا ان السيد محمد الشيرازي توصل من خلال بحثه لمسألة (الاجتهاد والتقليد) الى الايمان بها والاعتقاد بأن رئاسة الدولة الاسلامية بيد الفقهاء العدول المطلعين على مجاري الامور الدنيوية ، وان الفقهاء معينون من قبل النبي الأكرم والأئمة المعصومين كخلفاء ونواب في أمور الدين والدنيا.[1]  وان نظام المرجعية الدينية هو نظام مجعول لقيادة الشيعة وملأ الفراغ الذي تركه "الإمام المهدي" بغيبته الكبرى الطويلة الممتدة منذ أكثر من ألف عام . وأخذ يدعو إلى تمكين هذا النظام في العراق والبلاد الإسلامية وإحلاله محل الأنظمة القائمة "اللاشرعية" . [2]

      وكان الشيرازي يعتقد بأن الحكم لله  وان الحاكم في الاسلام هو الله تعالى و ان حكم غير الله سواء كان الحاكم الفرد أو الشعب أو جماعة من الشعب ضلال وباطل ، ويرفض الديموقراطية  والديكتاتورية ، لأنهما يعنيان حكم الإنسان ، والإسلام لا يعترف بحكم الإنسان .[3]  ويرى بدلا من ذلك ان الحاكم الشرعي هو من اجتمعت فيه شروط العدالة والفقاهة في أمور الدين والدنيا والكفاءة،[4]  وان الفقهاء هم الحكام الشرعيون في (عصر غيبة الامام المهدي)  وهم وحدهم لهم صلاحية الحكم بعد  النبي والأئمة  الذين عينهم الله . " فاذا عينت الأمة من فيه تلك المواصفات والمؤهلات فقد اقتنع الإمام (ع) ويكون ذلك رئيسا من قبل الإمام". [5]

   وكان يشترط في الرئيس الأعلى" ان يستمد صلاحيته عن الله تعالى بواسطة الإمام الذي يستمد صلاحيته بدوره عن النبي الذي يستمد صلاحيته مباشرة من الله ، وذلك لأن الإسلام يرى ان الكون كله لله تعالى فلا يجوز أي تصرف في أي شأن من الشؤون إلا بإجازة الله إذن فالسلطة التي هي من أهم الأمور لا بد وان تكون بإذن الله تعالى ، وطريق الإذن الإمام المأذون من الرسول المأذون من الله تعالى.

    أما ان يستولي أحد بدون مؤهلات (فقهية) على الناس ، سواء كان بإذنهم - كما في الحكومات الديموقراطية - أم بغير إذنهم - كما في الحكومات الأرستقراطية والبيروقراطية - فان ذلك مما لم يؤذن به ، فيكون خلاف الشريعة". [6]   ويقول : ان الولاية هي لله أولا ، وللرسول ثانيا ، وللإمام ثالثا ثم للفقيه العادل  . [7]

 

المهدي المنتظر

 

  وقد بني الشيرازي نظريته في (ولاية الفقيه) بالطبع على الايمان بوجود (الامام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري) وولادته وغيبته منذ أواسط القرن الثالث الهجري ، كما هو معروف ، رغم الخلاف التاريخي الذي حدث بين الشيعة الامامية في ذلك الوقت حول الموضوع ، واعتبر هذه المسألة حقيقة ثابتة يجب ان يؤمن بها الشيعة بالرغم من تفنيد البعض لها او استهزاء البعض بالشيعة بسبب الايمان بها .[8]  ولكن الشيرازي لم يقم في اي من كتبه ببحث الموضوع بحثا تاريخيا علميا دقيقا. واكتفى بالتسليم بصحة الترات المنقول.

    وقام الشيرازي بتعزيز نظرية وجود (الامام المهدي) بعدد من القصص الشعبية المتداولة حول اللقاء به ، وخاصة بينه وبين  عدد من المراجع ، ونقل عن المرجع السابق  الميرزا محمد حسن الشيرازي انه ذهب إلى سرداب الغيبة واستجاز (الإمام الحجة) في إصدار فتوى تحريم التنباك الشهيرة في نهاية القرن التاسع عشر ، و التي كانت تقول : " ان استعمال الدخانيات بأي شكل هو محاربة للإمام المهدي".[9]

  كما تحدث عن والده الميرزا مهدي الشيرازي فقال  انه  كان يلتقي الإمام الحجة  في سرداب الغيبة.[10] ونقل قصة الشيخ محمد الكوفي ، التي اشتهرت في النجف أيام المرجع الديني السيد أبو الحسن الاصفهاني ، و الذي ادعى انه التقى بالامام المهدي وطلب منه ان يأمر الأصفهاني  بالجلوس في الدهليز وقضاء حوائج  الناس [11]،  وتحدث الشيرازي كذلك عن اغاثة الامام المهدي لبعض الناس وانقاذهم من المعتقلات والضياع في الصحاري والأزمات .  [12]  وكان يدعو رجال الدين الى تذكر "الإمام المهدي  الإمام الحي الحاضر " والتوجه اليه والاستمداد منه ،  و تجنيد الشباب ليدخلوا في سلك أهل العلم ويكونوا من جنود الإمام المهدي . خاصة وانهم يعملون باسمه و تحت لوائه ويتصرفون في سهمه من الخمس (سهم الإمام). [13]

  

 

ضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية

  

  وبناء على نظرية (ولاية الفقيه) يحدد الشيرازي العلاقة بين الناس والمرجع فيقول : " ان وظيفة الأمة تجاه المراجع  جملة من الأمور :

   1 - تقليدهم في الأحكام الشرعية وامتثال أوامرهم وإيصال الحقوق إليهم ، ومعاضدتهم في الأمور ، والالتفاف حولهم ، ومراجعتهم في القضاء ، وطلب الوكلاء منهم ، وإعلامهم بما يقع في المجتمع ، والدفاع عنهم وتهيئة الجو لهم ، فالمرجع بمنزلة القائد والأمة بمنزلة الجيش ، فإذا أمر بشيء أو نهى عن شيء على الأمة الاتباع وإطاعة أوامره.

   وعلى الأمة إيصال الحقوق إليه لئلا تقف في طريقه مشكلة المال ويتجمد نشاطه وتخمد جذوة الإسلام.

   ويجب على الناس مراجعة المراجع بشأن مشاكلهم حتى يحكموا بما أنزل الله ، لأن الرجوع إلى من يحكم بغير ما أنزل الله حرام ، معاقب فاعله ، قال سبحانه: ( ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون).

    ونسبة الوكيل إلى المرجع نسبة المتصرف إلى الرئيس الأعلى ، فإذا خلت منطقة عن الوكيل لزم على أهل تلك المنطقة طلب الوكيل من المرجع ومساعدته بالإيواء والمشاهرة والمعاضدة والالتفاف ليتمكن من نشر الإسلام وإقامة الدين وإدارة البلاد ". [14]

    ومن هنا فقد دعا الشيرازي في بداية انطلاقته إلى تشكيل الحكومة الإسلامية ، كأمر شرعي واجب وجوبا عينيا ضروريا ، وذلك " لأن قوانين الإسلام شاملة لقوانين الحكم ، ولو لم يرد الإسلام الحكم لم يكن وجه لجعل هذه القوانين " . [15]وقال عام 1959:" علينا نحن المسلمين ان نعمل لإعادة الحكم الإسلامي  بكل قوانا ولا علاج لقطع جذور الفساد إلا بكون الحكومة إسلامية  ، بالمعنى الصحيح لا بالاسم فقط ، فما دام الحكام غربيين أو شرقيين لا صلاح لفاسد ولا فائدة لصلاح جزئي فانه (بالراعي تصلح الرعية) وقد قال رسول الله (ص): (طائفتان من أمتي إذا صلحتا صلحت أمتي وإذا فسدتا فسدت أمتي: العلماء والأمراء) فان هذين بيدهما القوة والعلم ، وهما موضع الحل والشد والأسوة والاتباع ، فما دامت حكومة بلدة إسلامية فاسدة لا يرجى صلاح أوضاعها.

   ان القيادة المنحرفة هي التي بعثت في الأمة الرذائل ، والقيادة الصالحة هي التي تتمكن من إرجاع الأمور إلى نصابها". [16]    وحض علماء الدين على العمل من   أجل إبعاد الحكام الظلمة عن الساحة الإسلامية ليقبض  العلماء الراشدون زمام الامور  . [17]

   وكانت دعوة الشيرازي هذه تطورا كبيرا في عقلية المرجعية الدينية التي كانت حتى ذلك الوقت تقتصر بصورة عامة على القضايا الفقهية ، ولا تتدخل في السياسة ، انطلاقا من نظرية الانتظار للامام المهدي الغائب ، وحرمة اقامة الدولة الاسلامية في (عصر الغيبة). وقد جاءت دعوة الشيرازي سابقة لدعوة الامام الخميني الذي سوف يأتي الى النجف الأشرف ويلقي محاضرات مهمة في نهاية الستينات ، في الدعوة الى اقامة الحكومة الاسلامية تحت قيادة ولاية الفقيه.

 

 الموقف من الجيش العراقي

 

     وبناء على رفضه لأساس الدولة العراقية الحديثة ، اتخذ الشيرازي موقفا سلبيا من الجيش العراقي  والتجنيد الاجباري لأنه كان سيعطي الحكومة قوة في مقابل المرجعية الدينية . ودعا  الى رفض النظام العسكري الحديث باعتباره اسلوبا مستوردا من الغرب ، ولأنه يخالف قاعدة (الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم) ، وطالب بتشكيل جيش شعبي وتسليح الشعب العراقي برمته. [18]

    واعتبر الشيرازي قرار الزعيم  عبد الكريم قاسم  بجمع أسلحة العشائر العراقية بعد ثورة 14 تموز   ضربة قاصمة موجهة ضد الشيعة والمرجعية .[19]  وخطوة ساهمت في قيام الديكتاتورية و اختلال ميزان القوى بين المرجعية والحكومة ، بعد ان أصبح النظام العسكري القوة الوحيدة في العراق .[20] وقال: ان الشيعة فقدوا عزهم واحترامهم وكلمتهم عندما نجح الحكام الثوريون في تجريد العشائر الشيعية من السلاح. [21]

 



[1] / الشيرازي ، محمد: إلى وكلائنا في البلاد  ص 9 و المرجع والأمة ص1-12/

[2] / الشيرازي ، محمد: إرشادات إسلامية ص181/

[3] / الشيرازي ، محمد: حوار حول تطبيق الإسلام ص 12/

[4] /  الشيرازي ، محمد: حوار حول تطبيق الإسلام ص14/

[5] / الشيرازي ، محمد: حوار حول تطبيق الإسلام ص 15-16/

[6] / الشيرازي ، محمد: إلى حكم الإسلام  ص 81-83 ، عام 1962/

 

[7] / الشيرازي ، محمد: الحكم في الإسلام ، الفقه ص11-17و19-25 ج99/

/ يؤكد السيد حسن الشيرازي نفس المعاني في كتابه (كلمة الإسلام)  الصادر في بيروت سنة 1963 فيقول (ص 48 و139  ) :" لله وحده حق التصرف في العباد ... ولكنه خول هذه الصلاحية القيادية للنبي الأكرم  ثم توارثت هذه القيادة في الأئمة الطاهرين وبعد ما توارى المعصومون عن التفاعل المباشر مع الناس استنابوا عنهم في قيادة الأمة العلماء الجامعين لشرائط المرجعية .. فالنبي والأئمة والعلماء المراجع انحدرت إليهم الصلاحية القيادية بإرادة   خاصة ومباشرة من الله تعالى فحقت لهم القيادة البشرية".

   ويقول (147-159) :" الأمة في منطق الإسلام ليست مصدر السلطات ، بل الله سبحانه هو مصدر السلطات ، والمرجع وسيط بين الله والأمة لإيصال إرادته إليها ، والنصوص الشرعية تعين حركة الفقهاء المراجع لقيادة الأمة فترة غيبة الإمام المهدي المنتظر".

[8] / الشيرازي ، محمد: العقائد الإسلامية ص148  و واقع الشيعة  11/

[9] / الشيرازي ، محمد:  العلماء أسوة وقدوة ص42/

[10] / الشيرازي ، محمد:  العلماء أسوة وقدوة ص 27/

[11] / الشيرازي ، محمد:  رجال الدين بين الناس دائما ص 2/

[12] / الشيرازي ، محمد:  العلماء أسوة وقدوة ص 73 و : مراتب العدل الإلهي ص 20 - من محاضرة ألقيت بتاريخ 14 شعبان 1409 في قم/

[13] / الشيرازي ، محمد: مراتب العدل الإلهي  ص 20- من محاضرة ألقيت بتاريخ 14 شعبان 1409 في قم و: إلى وكلائنا في البلاد ص 20/

 

[14] / الشيرازي ، محمد: المرجع والأمة ص 55 - 62/

[15] / الشيرازي ، محمد: السياسة ص 266ج2 /

 

[16] / الشيرازي ، محمد: إرشادات إسلامية  ص 95-111 /

 

[17] / الشيرازي ، محمد: السياسة ص45 /

 

[18] / الشيرازي ، محمد: الى حكم الاسلام ص 117-119 و122 و الدولة الاسلامية ، الفقه ص 156  ج102/ وحوار حول تطبيق الاسلام ص 164-166  و : الاقتصاد ص 36 ج1/ 

 

[19] / الشيرازي ، محمد:  من بيان له في 7 نيسان 1980 و من بيان له في 13 رجب 1400/

[20] / الشيرازي ، محمد: بقايا حضارة الاسلام كما رايت ص 52/

[21] / الشيرازي ، محمد: الحكم في الاسلام ص 143/