الشيرازي و الحكيم

 

    في الوقت الذي بدأ  السيد محمد الشيرازي ينشط في كربلاء في الخمسينات كان هناك مرجع أكبر منه ينشط في النجف هو السيد محسن الطباطبائي الحكيم (ولد 1309هـ/ 1892م وتوفي 1390هـ / 1970م) الذي سوف يصبح المرجع الأعلى للشيعة في العالم في الستينات من القرن العشرين . 

  ومع ان الحكيم  لم  يكن  يحمل برنامجا سياسيا واضحا  ولم  يكن يؤمن بالنظام الديموقراطي ولا بنظرية  ولاية الفقيه ، الا انه كان يعتقد بإمكانية قيام الفقيه الشيعي بدور الزعامة الدينية ، و لعب دور ما في الحياة السياسية .

       و كانت حاشية الحكيم  منقسمة بشأن العمل السياسي إلى فريقين : فريق يؤمن بضرورة العمل والتنظيم والدخول بقوة في الحياة السياسية  ، كابنيه السيد مهدي وأخيه السيد محمد باقر الحكيم والسيد محمد باقر الصدر ، وفريق آخر يؤمن بنظرية الانتظار وتجنب السياسة ، والاقتصار على الشؤون الدينية ، كالشيخ حسين الحلي والسيد يوسف الحكيم والشيخ محي الدين الممغاني والشيخ محمد الرشتي (مدير مكتبة الحكيم العامة) . [1]

 وقد أثر ذلك الموقف الضعيف من التدخل في الشؤون السياسية العراقية ، على دور الشيرازي في كربلاء والعراق ، من حيث تحجيم مرجعيته الدينية ، ومن حيث قدرته على التصدي ضد الحكومة العراقية ، حيث لم يكن الشيرازي يتمتع بخلفية مرجعية قوية تسانده في حركته السياسية.

     وكان السيد محسن الحكيم قد أيد في البداية ثورة 14 تموز 1958 ثم سحب تأييده لها بعد إقرار قانون الاحوال المدنية وقانون الاصلاح الزراعي ، وأفتى بكفر الشيوعية ، وقام بتأييد انقلاب 14 رمضان  ، ثم سحب تأييده  للنظام الجديد بعد ارتكاب البعثيين لعمليات قتل وتعذيب عام 1963 وأكد للمسئولين في بغداد : ( ان الشعب العراقي شعب مسلم متدين لا يرضى بغير الإسلام شريعة  ونظاما)  . [2]

  وقد انصب اهتمام الحكيم في عهد عارف على تشكيل لجنة مشتركة (سنية شيعية)  تكون مسؤولة عن التشريع ووضع قانون جديد للأحوال الشخصية ينسجم مع الشريعة الاسلامية ، وأبلغ الحكومة العراقية : انه يترك الحرية للسلطات السياسية ان تقرر ما تشاء من قوانين. [3]

   وفي سبيل ذلك شكل السيد محسن الحكيم عام 1964 (جماعة علماء بغداد والكاظمية )  وطلب منها تقديم مذكرة إلى الرئيس عبد السلام عارف ، من أجل :
   1 – إلغاء قانون الأحوال الشخصية ، وإعادة المحاكم الشرعية

   2 - مراعاة شعور الأمة في وضع الدستور ، وتشريع مادة تنص على عدم جواز وضع قانون يخالف الأحكام الإسلامية

   3 - إشاعة العدل والمساواة بين أبناء الأمة وعدم التمييز بينهم في مختلف المجالات

   4 - مكافحة التفسخ الخلقي

   5 - تعديل مناهج التعليم ووسائل التربية والتوجيه. [4]

    وأضاف اليها الحكيم مطلبا مهما وهو إلغاء التأميم والقوانين الاشتراكية التي صدرت في عهد عارف ، ولكن الرئيس رفض الاستجابة لمطالب جماعة العلماء ، فاتخذ الحكيم موقفا سلبيا ضد عارف ورفض استقباله لدى زيارته النجف في عام 1966، مما تسبب في تصاعد حدة التوتر بين الحكومة والمرجعية الشيعية واعتقال وكيل المرجع الأعلى في بغداد السيد هادي الحكيم  وإبعاد وكيله الآخر السيد إسماعيل الصدر من الكاظمية . [5]

   كما رفض الحكيم تأييد عارف في حربه ضد الأكراد ،  لعدم شرعية الحكومة في نظره ، وطالب بحل القضية بشكل سلمي وعدم اللجوء الى العنف. [6]

   وفيما عدا ذلك لم يطالب الحكيم بشكل واضح بإجراء انتخابات  أو بناء المؤسسات الدستورية للدولة [7] بالرغم من ان السيد مهدي الحكيم يتحدث في مذكراته عن رغبة والده بإقامة حكم مدني وطلبه من البزاز بعد مقتل عارف تشكيل مجلس قيادة ، والعمل من أجل حكم برلماني.

    وربما يفسر الحوار الذي جرى بين الحكيم والخميني في النجف  بتاريخ 19-10-1965 بعض أسرار الموقف المتردد للحكيم من خوض الصراع بقوة مع النظام العراقي ، حيث كان يشكك في طاعة الناس له اذا أعلن الثورة أو سالت الدماء .  [8]

 

      ومع ان أنصار الحكيم من  جماعة العلماء في بغداد ، تمتعوا بشعبية واسعة تمثلت في قيامهم بعدد من الاضرابات العامة والمهرجانات الجماهيرية ، إلا انه لم يحدث من قبلهم أي تحرك جدي لاستلام السلطة أو فرض مطالب واضحة على الحكومة القائمة.ورغم علم جهاز الحكيم  المسبق بانقلاب 17 تموز 1968 الا انه لم يقم بفعل أي شيء لمقاومته نتيجة لشعوره  بعدم امكانية المقاومة.[9]

   وكان لأزمة شط العرب التي نشبت بين العراق وايران نتيجة إلغاء طهران لمعاهدة 1937 الحدودية ، في 27 نيسان 1969 دور كبير على الحوزة العلمية في النجف وعلاقة الشيرازي بالسلطة العراقية ، حيث طلبت الحكومة العراقية من الحكيم الدعم لها و التوسط لدى حكومة الشاه  من أجل تسوية الخلاف بين الدولتين ، ولكن الحكيم الذي كان يرى نفسه مرجعا أعلى للشيعة في العالم ، فضل البقاء على الحياد فوق الصراعات الاقليمية والقومية، و رفض التوسط او التورط في القضايا السياسية المتغيرة [10]، الا من أجل ايقاف إراقة دماء المسلمين.  فقامت الحكومة العراقية  بحملات لتهجير الايرانيين من مدن العتبات المقدسة في العراق  كعملية ضغط على الحوزة والمرجعية ، وهذا ما دفع بالسيد محسن الحكيم  ليقيم  مهرجان احتجاج كبير  في صحن الامام علي في النجف ، في ذكرى وفاة الرسول الأعظم في 28 صفر المصادف 14 أيار 1969  وينتقد بشدة النظام البعثي وحملات التهجير والتضييق على الحوزة او محاولة الزج بها  في الصراعات الاقليمية. [11]

    وقد انعكست تلك الأزمة على السيد محمد الشيرازي في كربلاء الذي كان يحاول اقامة علاقات ايجابية مع النظام الجديد ، فاعتقلت  السلطات البعثية أخاه السيد حسن الشيرازي وحاولت إجباره على الظهور في التلفزيون والاعتراف بأن الحكيم و300 شخصية دينية بارزة هم جواسيس وعملاء لجهات أجنبية ، إلا ان السيد حسن صمد أمام التعذيب الشديد و رفض الاعتراف او الظهور في التلفزيون . [12]

      وهنا صعـّد الحكيم من مجابهته للنظام وذلك بالسفر الى بغداد في محاولة للاحتجاج كما كان يفعل في هكذا ظروف ، حيث دأبت الوفود الشعبية بالتقاطر على محل إقامته واعلان تأييدها له ،  وحاولت السلطة التفاوض معه ولكنها فشلت في تليين موقفه ، وفي 9 حزيران 1969 ظهر على شاشة التلفزيون ضابط متقاعد هو (مدحت الحاج سري)  ليكشف عن مؤامرة للإطاحة بالنظام   ويتهم السيد مهدي الحكيم بالعمل لحساب إيران والبرزاني . [13]

    وفي أعقاب ذلك الاتهام اقتحمت قوات السلطة مقر إقامة السيد محسن الحكيم في بغداد ثم أخذته عنوة وأرسلته إلى بيته في الكوفة [14] فانتقل الى رحمة الله في الثاني من أيار سنة 1970

    ثم اطلقت السلطات العراقية السيد حسن الشيرازي من السجن ، ولكن علاقاتها مع أخيه السيد محمد ظلت متوترة ، الى ان غادر العراق عام 1971.

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



[1] / حسب مذكرات السيد مهدي الحكيم/

[2] /الحلفي، عدنان : تأسيس المجتمع المدني ص 82 ، عن مجلة الإيمان ، النجف آذار 1964/

[3] / سعيد ، علي كريم : مذكرات طالب شبيب ص310 /

[4] / المؤمن ، علي : سنوات الجمر ص 418 /

[5] / المؤمن ، علي :  سنوات الجمر ص 62 / والعراق بين الماضي والحاضر والمستقبل ص 522/

[6] / العراق بين الماضي والحاضر والمستقبل ص 555/

[7] / مثلما فعل الشيخ محمد رضا الشبيبي الذي قدم عام 1965مذكرة إلى رئيس الوزراء  عبد الرحمن البزاز ، و طالبه فيها بإجراء انتخابات حرة  ./الحلفي ، عدنان: تأسيس المجتمع المدني  ص 83/

[8] / روحاني ، حميد: نهضة الإمام الخميني ص 151 و المؤمن ، علي:  سنوات الجمر  ص80/

[9]   / يقول السيد مهدي الحكيم في مذكراته : (أننا لم نستطع ان نعمل شيئا لأننا لم نكن نملك إمكانية)./

[10] / سعيد ، علي كريم: مذكرات طالب شبيب  ص 313 /

[11] /المؤمن ، علي: سنوات الجمر ص 94/

[12] / علي المؤمن: سنوات الجمر  ص 95/

[13] / علي المؤمن: سنوات الجمر  ص 96/

[14] / علي المؤمن: سنوات الجمر  ص 100 /