الحوزة العلمية في كربلاء
كان قرار الشيرازي بالتصدي للمرجعية واعلان الاجتهاد الذي اتخذه بعد وفاة والده مباشرة ، قد تم بصورة شخصية ومن دون استشارة العلماء الكبار في كربلاء او ترشيح منهم ،
ولكن السيد الشيرازي تجاوزهم جميعا ، وبنى مرجعيته على علاقاته الواسعة مع
اهالي كربلاء وخاصة الشباب منهم بفضل نشاطاته وحركيته التي كانت تفوق العلماء
الآخرين ، وبفضل مكانته التي ورثها من والده الميرزا مهدي الشيرازي ووصيته اليه
بادارة شؤونه العامة.
وفي ذلك الوقت كانت
المرجعية الدينية الشيعية تتوزع بين
قم والنجف ، حيث كان السيد حسين البروجردي الساكن في قم يعتبر المرجع الأعلى
لإيران ، اما في العراق فكانت المرجعية تتوزع منذ وفاة السيد أبو الحسن الأصفهاني
في أواخر الأربعينات بين السيد عبد الهادي الشيرازي والسيد محسن الحكيم والسيد
الخوئي (في النجف) والميرزا مهدي ، وقد توفي البروجردي بعد الشيرازي بقليل في نفس
العام ، فوجه شاه إيران محمد رضا بهلوي ، الذي يفترض حسب الدستور الإيراني ان يحظى
بمباركة أحد (مراجع التقليد الكبار)، برقية تعزية إلى السيد محسن الحكيم في النجف
لإبعاد المرجعية عن ايران ، واعتبرت تلك البرقية بمثابة اعتراف بمرجعية الحكيم
العليا ، ومع ذلك فقد احتفظ السيد
عبد الهادي الشيرازي ، الذي كان بصيرا ، بموقع أعلى من الحكيم ، وقام بإعطاء السيد
محمد الشيرازي وكالة لإدارة الحوزة العلمية في كربلاء ، بما يؤهله لجمع الأخماس والزكوات والتصرف فيها وتوزيعها على
طلبة العلوم الدينية والفقراء والمحتاجين والنشاطات الثقافية الإسلامية الاخرى .[1]
وعندما توفي السيد عبد الهادي
الشيرازي بعد سنتين في 1382/1962 وانتهى مفعول وكالته ، قام السيد محسن الحكيم
بإعطاء السيد محمد وكالة جديدة بنفس الموضوع.[2]
ولكن السيد محمد الشيرازي
كان في ذلك الوقت قد رتب أوضاعه المالية وحصل على بعض المقلدين والمؤيدين من
التجار الشيعة في بغداد وكربلاء بما يساعده على تلبية احتياجاته المالية ، ولم يكن
بحاجة ماسة للوكالة من قبل الحكيم ، خاصة وانه بدأ ينأى بنفسه عنه ويميل إلى
الاستقلال في المرجعية ، حيث كان قد أعلن نفسه مرجعا (وليس وكيلا للحكيم) ونشر
آراءه الفقهية الخاصة في تعليقة له على (الوجيزة) رسالة والده الفقهية ، بما سمح
له وللناس بـ:"تقليده" وأخذ بعض
أهالي كر بلاء الذين كانوا يلتفون حول والده بالانتقال إليه ومراجعته في
أمور الدين .
و تركزت مرجعية الشيرازي ، عندما
كان في العراق في الستينات ، في
كربلاء ولم تمتد الى سائر الأنحاء الا قليلا بعد
وفاة السيد محسن الحكيم.[3]
كانت الحوزة الدينية في كربلاء [4]
، كالحوزة الدينية في النجف في تلك الأيام ، تعيش - بصورة عامة - في جو من العزلة
السياسية والاجتماعية ، ولأن معظم أعضائها كانوا من غير العراقيين وغير العرب ، أي
من الفرس والهنود والأفغان ، فقد كانت ضعيفة الصلة بالمجتمع العراقي ومنعزلة في
أروقة المدارس أو مهتمة ببلادها ،
ويغلب عليها الالتزام بنظرية (الانتظار للإمام المهدي الغائب المنتظر) إضافة إلى
الالتزام بالتحريم السياسي الذي فرضته الدولة العراقية على رجال الدين وخاصة
الإيرانيين ، ولذا فقد كان السيد محمد الشيرازي ، الشاب الطامح النشط ، يجد صعوبة
كبيرة في تحويل حوزة كربلاء الدينية المنعزلة إلى ملتزمة سياسية عاملة من أجل
التغيير في العراق ، ومن هنا فقد توجه بخطابه الى رجال الحوزة يحثهم على العمل
السياسي ويطالبهم بترك العزلة ،
ويذكرهم بأن هذا مطلب استعماري قديم
يجب ان يرفضوه بقوة لأن الاسلام نظام شامل للحياة السياسية .[5]
وبما ان المشكلة الانعزالية في
الحوزة كانت أعمق من التحريم السياسي الحكومي وتضرب بجذورها في عمق التراث
الامامي الذي كان يؤمن بنظرية
الانتظار للامام المهدي الغائب وحرمة اقامة الدولة في (عصر الغيبة) فقد كان على
السيد الشيرازي ان يتخلص من نظرية
الانتظار بطرح نظرية النيابة العامة للفقهاء عن الامام المهدي ، وقد نجح الشيرازي
في كسب ثلة من العلماء والخطباء الذين هبوا للعمل معه في تلك الأيام من أجل وقف
المد الشيوعي والإلحادي والقومي الذي كان يغزو العراق .
و كان يوجد في ذلك الوقت في كربلاء عدد من العلماء الآخرين كالشيخ يوسف الخراساني والشيخ محمد رضا الأصفهاني والسيد محمد طاهر البحراني وغيرهم من
أكابر العلماء الذين كانوا يقيمون صلاة الجماعة في المساجد الكبرى
في كربلاء ، ولهم بعض الأتباع ويقومون ببعض النشاطات الثقافية ولكنهم لم يكونوا يتفقون مع الشيرازي في
طموحاته السياسية . كما كان يستقر في كربلاء زعيم الفرقة الشيخية الشيخ علي
الاحسائي الاحقاقي الاسكوئي . وكان عدد من أولئك على خلاف ظاهر معه. إلا ان
الشيرازي نجح في تكوين مجلس من كبار علماء كربلاء وعقد اجتماع أسبوعي معهم لمناقشة مختلف الأمور ، وكان ذلك المجلس
يتكون من: الشيخ محمد رضا الأصفهاني و الشيخ يوسف الخراساني والشيخ محمد علي
سيبويه والشيخ محمد الكلباسي والشيخ جعفر الرشتي والسيد محمد صادق القزويني والسيد
محمد علي الطباطبائي .
وكذلك نجح أيضا في عقد مجلس آخر أسبوعي
يضم الخطباء الحسينيين ( الأقل درجة علمية من العلماء) ويتكون من : الشيخ عبد
الزهراء الكعبي والسيد مرتضى القزويني والسيد محمد كاظم القزويني والشيخ هادي
الخفاجي (الكربلائي) والشيخ حمزة الزبيدي إضافة إلى الشيخ محمد الكلباسي .
ولكن تلك المجالس لم
تسفر عن تنسيق كبير أو تعاون قوي بين العلماء ، ولم تستطع ان تخفي ظاهرة التنافس
والصراع التي كانت موجودة بين
العلماء في كربلاء كما في النجف ، وهذا ما كان يلاحظه الناس الذين كانوا يطالبون باتحاد العلماء كشرط مسبق
للالتفاف حولهم ، وليكونوا قوة قادرة على خوض الصراع السياسي مع الحكومة. وكان للسيد الشيرازي حينئذ رأي آخر يتمثل
في استحالة توحيد صفوف العلماء لاختلافهم في الآراء والأفكار الاجتماعية و المسائل
الفقهية المشتقة من كتاب واحد وسنة واحدة ، وعدم قدرتهم على الاصلاح والوصول الى
أهدافهم في حالة تفرق الناس عنهم . [6]
حسب مصادر مقربة من السيد
الشيرازي[7] فان ميزانية السيد كانت حوالي ثلاثة آلاف
دينار شهريا في الستينات ، وكانت تتوزع كالتالي: ألف دينار رواتب للطلبة الذين
أزداد عددهم في عهد الشيرازي إلى حوالي الثلاثمائة ، وكانت تعطى دينارا واحدا
للطالب الأعزب وديناران للطالب المتزوج وتوزع البقية على الأساتذة ، وألف دينار
للمشاريع الثقافية المختلفة التي كان يديرها ، وألف دينار للأمور المتفرقة كمساعدة
الفقراء والمحتاجين وما شابه .
أما مصدر تلك الأموال
فكان : الأخماس والزكوات والأثلاث ( الموصى بها من قبل الموتى) والصدقات
والهبات والتبرعات و" رد المظالم " وهي عادة شيعية مستحدثة لتصفية الأموال الحلال المختلطة
بالحرام ، والكفارات والنذور
والأوقاف . [8]
ولم تكن ميزانية الشيرازي
كافية للطلبة الذين كانوا يعيشون على الكفاف ، ولذا فقد كان يشكو من مصادرة
الاوقاف الشيعية ، ومحاصرة الحوزة اقتصاديا
[9].
ولم يجد بدا من الاقتراح على العلماء امتهان الخطابة (الحسينية) أو العمل في الزراعة والتجارة وحيازة
المباحات.[10] ومن أجل حل
مشكلة طلبة العلوم الدينية اقترح الشيرازي توفير مساكن مجانية لهم أسوة بطلبة
الجامعات ، عن طريق الوقف ، أو جعل مؤسسة مرجعية مستقلة . [11]
[1] / نص الوكالة:"…
السيد محمد الشيرازي مجاز من قبلنا في التصدي للأمور الحسبية والجهات الشرعية التي
لا يجوز التصدي والتعرض لها الا للحاكم الشرعي او المأذون من قبله ، وكذلك مجاز
ومأذون عنا في أخذ الوجوه الشرعية والحقوق الالهية كالأخماس والزكوات والنذورات
المطلقة والمظالم وغيرها ، وصرفها في مواردها المقررة الشرعية.
وايضا مجاز من قبلنا ووكيل عنا في
أخذ سهم الامام (روحي وأرواح العالمين له الفداء) وصرفه في موارده الشرعية وشؤون
الحوزة العلمية في كربلاء المقدسة…
5 رمضان 1380 السيد عبد الهادي الشيرازي"/
[2] / الوكالة باللغة
الفارسية وفيها:"… السيد محمد الشيرازي ، وكيل من قبلي لكافة الأمور الحسبية
في زمان غيبة ولي العصر ارواحنا له الفداء ، المنوطة بإذن الحاكم الشرعي والفقيه الجامع للشرائط.
وهو
وكيلنا في أخذ الحقوق الشرعية من الزكوات والمظالم ومجهول المالك وأمثالها وصرفها
في الموارد المقررة ، وكذلك هو مجاز في قبض سهم الامام المبارك وصرفه في موارده
اللازمة ، وحفظ الحوزة العلمية المقدسة في كربلاء… واوصي اخوانه باحترامه…
1382هـ"/
[3] / وقد أجاب في تلك
الفترة عن مسائل فقهية سألها احد مقلديه (عبد المنعم المالكي) من قلعة صالح في
جنوب العراق ، وطبعها في كتاب باسم ( اجوبة المسائل المالكية) سنة 1418/1997/
[4] / كانت تضم في تلك الأيام حوالي 150 طالبا
واستاذا يتوزعون في اثنتي عشرة
مدرسة ، وتشكل حوزة كربلاء نسبة 10% من حوزة النجف تقريبا/
[5] / الشيرازي ، محمد: إرشادات إسلامية
ص 133/
[6] /الشيرازي ، محمد: المرض والعلاج ص 62-64/
[7] / رفضت الافصاح عن
نفسها /
[8] / الشيرازي ، محمد: أنفقوا لكي تتقدموا ص82/
[9] / الشيرازي ، محمد: الحرية الإسلامية ص 40-44 و إلى وكلائنا في البلاد ص 114/
[10] / الشيرازي ، محمد: أنفقوا لكي تتقدموا ص 121/
[11] / الشيرازي ، محمد: الحرية الإسلامية ص 44/ و أنفقوا لكي تتقدموا ص82 /