في مواجهة الغزو الثقافي

 

 

 

في ظل ذلك الصراع المحتدم بين المرجعية الدينية الشيعية والدولة العراقية الحديثة ، وفي ظل تلك التحولات الثقافية والاجتماعية ولد السيد محمد الشيرازي في النجف الأشرف عام  1928 في عائلة علمية معروفة حيث كان والده الميرزا مهدي الشيرازي [1] أحد مساعدي قائد ثورة العشرين الشيخ محمد تقي الشيرازي ، وكانت أمه السيدة حليمة بنت عبد الصاحب بن الميرزا محمد حسن الشيرازي صاحب (فتوى تحريم التنباك) الشهيرة. 

    وعندما كان في التاسعة من عمره هاجر  والده إلى كر بلاء [2] عام 1937بصحبة السيد حسين القمي الذي كان قد هاجر من ايران فرارا من ضغط الشاه رضا بهلوي ، الذي كان قد استولى على السلطة بعد عزل الشاه القاجاري أحمد وعين نفسه ملكا على بلاد فارس.  [3] 

 

    وعندما كان في الثالثة عشرة  من عمره (عام 1941) ، حدثت حركة رشيد عالي الكيلاني ، رئيس الوزراء العراقي الذي حاول الوقوف على الحياد في الحرب العالمية الثانية ، ومقاومة الإنجليز الذين كانوا يريدون اتخاذ العراق قاعدة عسكرية لهم في صراعهم مع دول المحور ، وقد ساند مراجع الدين الشيعة المقهورون تلك الحركة ، ووجدوا فيها فرصتهم للانتقام من بريطانيا ، فأفتوا بوجوب الجهاد ومقاومة الإنجليز ، وهذا ما أعاد القوة والعزة والاعتبار للمرجعية الدينية المضروبة.[4]

  وبعد ذلك مباشرة شهد الشيرازي حركة أخرى ، قادها المرجع الديني الإيراني المعارض والمقيم في كربلاء ، السيد حسين القمي ، وشارك فيها والده الميرزا مهدي الشيرازي ، وذلك من أجل تصحيح الإجراءات العلمانية التي اتخذها الشاه رضا البهلوي في إيران .[5]

و قد ساهمت تلك الحركة أيضا في تعزيز موقع المرجعية الدينية في العراق وإيران ، وخاصة موقع والده الميرزا مهدي ، الذي ورث القمي بعد وفاته في أعقاب الحرب العالمية الثانية ، فأصبح هو تقريبا مرجع كر بلاء ذات المركز الاستراتيجي الديني الكبير في العالم الشيعي ، بسبب زيارة  مئات الألوف من الشيعة لها من مختلف أنحاء العالم كل عام في عدة مناسبات (كالعاشر من محرم والعشرين من صفر والخامس عشر من شعبان وليالي القدر والعيدين ويوم عرفة) .

   ولذا فلم يكن غريبا ان يتجه الشيرازي لكي يصبح مرجعا دينيا أو يحلم بالمرجعية العليا للشيعة في العالم  منذ صغره ، وربما كان والده يعده لذلك ، فهو قد أنشأه نشأة دينية علمية ، صحيح انه هاجر من النجف ، حيث الحوزة العلمية الرئيسية ، إلى كربلاء ، ولولده من العمر تسع سنين ، إلا انه أخذ يعتني به  ويدرسه الفقه والأصول ويلقنه التراث الشيعي ، كما كانت هنالك فرصة للشيرازي لأن يتتلمذ في اللغة العربية والمنطق على يد الشيخ جعفر الرشتي  والشيخ محمد الكلباسي ، وفي الفلسفة على يد الشيخ محمد رضا الأصفهاني وفي علوم القرآن علي يدي السيد محمد هادي الميلاني ، وفي الفقه والأصول على يد والده والشيخ يوسف الخراساني. والشيخ زين العابدين.

  وحفظ القرآن الكريم ، وألف أول كتاب له في الفقه الاستدلالي سنة 1374/1955 وله من العمر سبعة وعشرون عاما ، وكان يدور حول : (الاجتهاد والتقليد) .

وقد ارتعب الشيرازي في مطلع شبابه في الخمسينات من الحالة الثقافية التي وصلت اليها الأمة وخاصة جيل الشباب والمثقفين الذين تركوا الدين وانخرطوا في الاحزاب اليسارية المختلفة ، ووصف الجو المخيم في تلك الأيام بقوله :" انه جو مكفهر بالظلام وقد جرفت التيارات المنحرفة الهائلة كل قوي وشديد ، ولا يوجد إلا بصيص ضعيف  من نور الإسلام ".[6]

   ولاحظ بأسى حالة الانهيار النفسي و مدى الانهزامية التي أصابت المسلمين امام  الغرب والشرق ، بسبب التقدم الصناعي  فتركوا الاسلام جملة وتفصيلا ليلحقوا بركب الحضارة المادية .[7]

  مما أدى الى حدوث أزمة اخلاقية غريبة وصدمة كبرى  أصابت كل فرد من افراد المسلمين ، واستبدال المؤسسات الاسلامية بمؤسسات غربية وطغيان التشريع العلماني على التشريع الاسلامي وانتهاك حرمة الدين وحرمات المسلمين. [8]

   ورأى ان " الاستعمار الثقافي الشرقي والغربي "  بات يهدد جذور الاسلام بما ينطوي عليه من الحاد وفساد وانحراف ، ويشكل سيلا جارفا ليس له مثيل في التاريخ .[9]    ورأى الشيرازي ان سبب نجاح الاستعمار الثقافي والانهيار النفسي للمسلمين يعود الى  تفوق الغرب العلمي  الذي أدى الى تشويه معالم الاسلام ووصمه بكل عيب.[10]

 

وان الاستعمار الفكري اعتمد على جانبين هما :     

    1 – تمجيد الحضارة الغربية التي قدمت  المكتشفات والمخترعات والنظم الادارية المدنية الحديثة.

2       - مهاجمة الإسلام  ،  و وصمه بالجمود والرجعية[11].

 

    واعتبر الشيرازي ظاهرة ترك الصلاة  والافطار في شهر رمضان ، وحلق اللحى وانتشار السفور في العراق في الخمسينات ، وخاصة بعد انقلاب عبد الكريم قاسم ، دليلا على فقدان الثقة بالنفس و الانهزام الفكري أمام الغرب . [12]

كما اعتبر المدارس الحديثة والجامعة العراقية وخصوصا كلية التربية وكلية الحقوق قناة الغزو الثقافي الغربي  . [13]و ان منطق كلية التربية منهج مستورد من وراء البحار ومنطق الغزاة المستعمرين.[14]

 

  وقد هب الشيرازي للدفاع عن الاسلام والوقوف في وجه الحضارة الغربية ، ودعا الى التمييز بين التكنولوجيا وانظمة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، و انتقد  بشدة بعض المثقفين الذين دعوا الى أخذ الحضارة الغربية ككل ، أو تركها ككل والعودة الى الخيل والبغال والحمير والشموع ومياه القرب ، ووصف كلامهم بأنه مغالطة صريحة.[15]   و ركز في خطابه الثقافي على محاربة الشيوعية والقومية والديموقراطية والوجودية والعلمانية  والحزبية وكل مظاهر الحياة الغربية والحداثة حتى في العادات والتقاليد  .

 وفي هذا السياق  ذهب السيد محمد الشيرازي عام 1957 الى لقاء رئيس الوزراء عبد الوهاب المرجان الذي شكى  له انتشار الشيوعية وعجز الحكومة عن الوقوف أمامها فاقترح عليه الشيرازي  العمل بالاسلام. [16]

وكانت قد نشأت في تلك الفترة عدة حركات اسلامية سنية وشيعية للتصدي للمد الثقافي الغربي والشرقي. حيث قام الشيخ محمود الصواف في تأسيس فرع للأخوان المسلمين  بعد عودته من مصر عام 1948. وأنشأ حزب التحرير الاسلامي فرعا له في العراق كان يضم سنة وشيعة كان منهم الشيخ عارف البصري ومحمد هادي السبيتي اللذين سينفصلان عنه ويشكلان نواة حزب الدعوة الاسلامية ، كما قام الشيخ عز الدين الجزائري في النجف بتأسيس حركة المسلمين العقائديين او ما عرف لاحقا باسم "الفاطميين".

   

 

 

 

 

 

 

 

 



[1] ولد الميرزا الميرزا مهدي بن حبيب الله بن محمود الحسيني الشيرازي في كربلاء سنة 1304هـ من أب تاجر هاجر الى العراق من شيراز في أواسط القرن التاسع عشر ،  ودرس على يدي الشيخ محمد تقي الشيرازي ورافقه بعد الحرب العالمية الاولى الى كربلاء حيث كان الى جانبه في الثورة العراقية الكبرى ثورة العشرين.  / الشجرة الطيبة ص 94/

[2] كانت مدينة كربلاء تسمى سابقا (مشهد الحسين) وبلغ  عدد سكانها  83301، حسب احصاء عام 1967 / سلمان هادي آل طعمة :  ومضات من تاريخ كربلاء ص 9 /

[3] / الشيرازي ، محمد: حياتنا قبل نصف قرن ، ص52/

[4] // يقول الشيرازي:" رأيت أنا في الحرب العالمية الثانية كيف ان مئات الألوف من العشائر وغيرهم يأتون إلى النجف وكربلاء لأجل التصدي لإخراج البريطانيين من العراق لما أفتى بذلك المراجع ، وبالفعل قد أخرجوهم من الحبانية"/ الشيرازي ، محمد: الحرية الإسلامية ص 46//

[5] // يقول السيد محمد:" كما رأيت كيف ان السادة الوالد والقمي والميلاني ضغطوا على البهلوي الإبن في إلغاء القوانين المضادة للإسلام في إيران من إرجاع الأوقاف واختيارية الحجاب وإلغاء بطاقات الأرزاق وإخراج المدارس والمعاهد والمسابح وما أشبه من الاختلاط إلى غير ذلك" / الشيرازي ، محمد: الحرية الإسلامية ص 46/

[6] /الشيرازي: محمد : المرض والعلاج  ص 80  و وقفة مع الوجوديين ص 65/

[7] / الشيرازي ، محمد : حوار حول تطبيق الاسلام ص  و إرشادات إسلامية ص 93/

[8] / الشيرازي ، محمد : ممارسة التغيير لانقاذ المسلمين ص27/

[9]  /الشيرازي ، محمد: الى ابنائنا في البلاد الاجنبية ص 10/

[10] /الشيرازي: إرشادات إسلامية ص 83/

[11] /  الشيرازي: إرشادات إسلامية ص 59 و67/

[12] / الشيرازي: إلى حكم الإسلام ص 130 و 39-102 حياتنا قبل نصف قرن ص 39 و102/

[13] / الشيرازي: الى حكم الاسلام ص 305/

[14] / الشيرازي: الى حكم الاسلام ص 309/

[15]   / الشيرازي ، محمد: الى حكم الاسلام ص 158/

 

[16] / الشيرازي:  حوار حول تطبيق الاسلام ص 105-115/