رسالة رقم
1
دعوة
لإعادة النظر في موضوع وجود الامام الثاني عشر
بسم الله
الرحمن الرحيم
سماحة
المرجع الديني الكبير الامام السيد محمد الشيرازي دام ظله
السلام
عليكم ورحمة الله وبركاته وأبقاكم لنصرة دينه الحنيف
سيدي الكريم
لا شك أنكم تدركون أهمية
موضوع التاريخ ، والتاريخ الاسلامي الشيعي بالذات ، وتشكيله جزءا من عقيدتنا حول
أهل البيت (ع) وان هذه العقيدة التاريخية وما تحمله من نظرة الى أئمة أهل البيت تشكل
مقدمة او قاعدة أساسية للفقه ، وان الاجتهاد في الفقه لا يمكن ان يتم بصورة صحيحة
الا بعد الاجتهاد في العقيدة والتاريخ وخاصة فيما يتعلق بنظرية الامامة الالهية
لأهل البيت ووجود او عدم وجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري).
وكما تعرفون فقد
تربينا على أيديكم منذ الصغر وآمنا بالمذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري ، وقد قمنا
منذ عدة سنوات بقراءة التاريخ الشيعي
وأحاديث أهل البيت (ع) بدقة ووجدنا نوعا من الخلط بين تراثهم العظيم وبين أفكار الفلاسفة
والمتكلمين والغلاة الذين كانوا يدعون تأييد الأئمة لهم أو ينسبون أقوالهم الباطلة إليهم (عليهم
السلام) من خلال اصطناع الأحاديث الكاذبة ووضعها على لسانهم.
وبالرغم من سهولة التمييز بين
أحاديث أهل البيت (ع) وبين الأحاديث الموضوعة المنسوبة إليهم كذبا ، وذلك من خلال
عرضها على القرآن الكريم وعلى الأحاديث الصحيحة الثابتة ، والتأكد منها من خلال
دراسة سندها ومعرفة رجالها وامكانية التعرف على الكذابين والوضاعين والغلاة وإسقاط
رواياتهم.. وكذلك من خلال المقارنة التاريخية. بالرغم من ذلك فانه مع الأسف الشديد غلب التقليد
على بعض علمائنا الذين تأثروا بالمتكلمين وآمنوا بأفكارهم الباطلة ، فاستساغوا
الروايات الضعيفة الكاذبة ولم يأبهوا لضعف سندها وانحراف رواتها ، ولم يتعبوا
أنفسهم كثيرا في دراسة تلك الروايات من جوانبها المختلفة تحت حجة انها ضرورية
وبديهية ومسلمة، كما أغمضوا أعينهم عن قراءة التاريخ ، وراحوا يشيحون بوجوههم عن
الحقائق البارزة ويحاولون إنكارها او تأويلها او إهمالها.. وراحوا يصرون على
التشبث بنظرياتهم الفلسفية البعيدة عن أهل البيت.
ودأب بعض العلماء المجتهدين في
الفقه والأصول والمقلدين في موضوع العقيدة والتاريخ على ادعاء" الاجتهاد
المطلق" ومعرفة أسرار الدين ، فضلوا وأضلوا .
وكانت ثقتي بكم – ولا تزال - كبيرة في ان تولوا التاريخ الشيعي
العقائدي أهمية كبرى في مسيرتكم الاجتهادية وتقوموا بدراسة الروايات وتصفيتها
من الدخيلة والضعيفة والموضوعة ، ثم
تقارنوا بين الأحداث التاريخية وتفسروها تفسيرا علميا صحيحا ، بلا تأويل تعسفي ولا
إنكار أولي..
واعتقد ان المشكلة الكبرى التي
تحول دون التوصل الى اجتهاد سليم واستنتاجات دقيقة هو التشبث بالنظرية التقليدية
الموروثة منذ تكون الفرقة الاثني عشرية في القرن الرابع الهجري ، والتصديق
بالأحاديث التي وضعت ذلك الحين على لسان الرسول الأعظم والأئمة من أهل البيت في أن
الأئمة اثنا عشر وهم فلان وفلان ، كما ورد مثلا في: ( سليم بن قيس الهلالي)
الموضوع ، الذي ظهر في ذلك العصر.. ولو قمنا أولا بدراسة أحاديث " الاثني
عشرية" وتحققنا منها واحدا
واحدا ، وهي تبلغ حوالي مائتي رواية
، ذكرها الخزاز في (كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر ) لوجدنا
انها جميعا روايات ضعيفة ومكذوبة ولم يكن لها أثر قبل ذلك الحين ، ولأدركنا عدم صحة ذكر النبي للأئمة
القادمين من بعده بأسمائهم وصفاتهم واحدا بعد الآخر ..
ولو راجعنا كتب الكلام الشيعية
المؤلفة في القرنين الثاني والثالث الهجريين لوجدنا انها لم تكن تعرف نظرية تحديد
الامامة في اثني عشر اماما فقط ، بل كانت تعتقد باستمرار الامامة الى يوم القيامة
،وكذلك لو راجعنا الروايات الكثيرة السابقة المروية عن الشيعة الامامية في القرون
الثلاثة الأولى لوجدنا انها ايضا تؤكد استمرار الامامة في الأعقاب واعقاب الأعقاب
الى يوم القيامة ، و هذا ما يتنافى مع تحديدهم من قبل في اثني عشر واحدا فقط..
وان ما يؤكد هذه الحقيقة: ( حقيقة عدم
تحديد أسماء الأئمة من قبل ) وتكوين النظرية الاثني عشرية في القرن الرابع ، هو
عدم معرفة الأئمة بالضبط لأسماء خلفائهم ، كما حدث مع الامام الصادق (ع) الذي أوصى
في البداية الى ابنه إسماعيل ، ثم أحجم عن الوصية بالإمامة الى أي أحد من أولاده
وترك الأمر غامضا ولحين الوفاة ،
مما أدى الى تفرق الشيعة الامامية وقول معظمهم – ما عدا الإسماعيلية والناووسية – بإمامة ابنه الأكبر عبد
الله الأفطح ، وربما لو كان يكتب لعبد الله الحياة الطويلة من بعد الصادق او كان
له أولاد ، لسارت النظرية الامامية في أعقابه وأعقاب أعقابه الى يوم القيامة بعيدا
عن الامام موسى بن جعفر ، كما سارت في إسماعيل وابنائه .
وقد أدى عدم معرفة الأئمة
لخلفائهم من قبل ، الى ظهور نظرية
(البداء) – حتى على حسب التفسير القائل : بالظهور من الله – وذلك لتفسير ظاهرة الوصية
لرجل ثم العدول عنه بعد موته ، وقد تكررت الظاهرة مع الامام الهادي (ع) الذي أوصى
الى ابنه السيد محمد ، ثم عدل عنه الى ابنه الحسن العسكري ، بعد وفاة أخيه مبكر ،
ولو كان ثمة قائمة مسبقة بأسماء الأئمة
معروفة من قبل ومنذ أيام الرسول
الأعظم (ص) لصعب جدا على أبناء الأئمة وإخوانهم ادعاء الامامة دون المعينين
المعروفين ، ولبعد جدا اختلاف الشيعة يمينا وشمالا ، ووقوعهم في حيرة وغموض.. ولما
كان هناك أي داع للسؤال من أي إمام عن الخليفة من بعده والإلحاح عليه بشدة في طلب
الجواب ، ورفض الأئمة الجواب عادة
الا بالعلامات والإشارات والمواصفات
كقولهم: انها في الأكبر ، مثلا ،
ولما مات تلامذة عظام للأئمة كزرارة بن أعين ، وهم لا يعلمون من هو إمام الزمان.
ولا يمكن ان نفسر ادعاء محمد بن
الحنفية وزيد ومحمد بن عبد الله بن الحسن ،
وأحمد بن موسى بن جعفر ، وجميع أبناء الأئمة وإخوانهم وأبناء عمومتهم
للإمامة في القرون الثلاثة الأولى ،
بالعناد واتباع الهوى والشهوات ومخالفة أوامر الله والرسول وإهمال القائمة
المحددة من قبل بأسماء الأئمة الاثني عشر .. وهم كانوا على درجة كبيرة من التقوى
والورع والصلاح والجهاد في سبيل الله.
واخيرا فان عدم ظهور الامام الثاني عشر وعدم وجود أدلة
كافية وقوية وصحيحة عليه ينسف حكاية "الاثني عشرية" ويعيدنا الى الوراء للتساؤل
في ما اذا كانت نظرية الامامة الالهية
هي حقا نظرية الأئمة من أهل البيت عليهم السلام؟ أم هي من صنع الفلاسفة والغلاة
والمتكلمين؟
ومن المعروف ان نظرية الامامة الالهية
ترتكز على فلسفة (العصمة) وضرورة اشتراطها في الامام ، أي الحاكم والرئيس والمنفذ
للشريعة الاسلامية ، وذلك بناء على القول في الإطلاق لولاة الأمر في الخير والشر
والحق والباطل ، حسبما يقول المتكلمون ، وخاصة هشام بن الحكم الذي ابتدأ القول
بالعصمة .
وهذا ما يسميه المتكلمون : بالدليل
العقلي ، وهو في الحقيقة ليس دليلا عقليا بحتا وليس دليلا فطريا ، وانما يقوم على
تأويل نص معين ، والقول بالإطلاق ورفض النسبية في الطاعة الواردة في الآية الكريمة
( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) وعلى أية حال فقد قال المتكلمون الذين آمنوا
باشتراط العصمة في الامام بضرورة تعيينه من قبل الله بعد ان قالوا بعجز الأمة عن
اكتشاف الامام المعصوم وعدم إمكانية الشورى لأن تكون طريقا شرعيا لانتخاب الامام ،
وضرورة حصر الامامة في أهل البيت وانتقالها بالوراثة في ذرية علي والحسين الى يوم القيامة.
وقد أول المتكلمون واختلقوا روايات
تفيد النصب من الرسول للامام علي بن ابي طالب (ع) ثم حصروا الامامة في أولاد
الحسين دون أولاد الحسن ، بلا أي دليل مقنع.. ثم وقعوا في مشكلة التعرف على الامام
بعد الامام ، خاصة اذا لم يكن يوجد
عليه نص واضح ، كما لم يكن يوجد أي نص من الحسين على ابنه علي زين العابدين ،
فاخترعوا نظرية (المعجزة) كطريق
لاثبات إمامة هذا او ذاك ، وادعى الغلاة نزول الوحي والملائكة على الأئمة والتحدث
معهم ، وقالوا بنظرية (الجفر والنكت والنقر
وعمود النور والإلهام ) وما الى ذلك ، وبالرغم من تناقض ذلك مع القرآن
الكريم في أكثر من موضع ، من حيث ادعاء علم الغيب الذي لا يعلمه الله ولم يعلمه
الا بعض رسله ، وفي بعض الأمور فقط ( ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير).
واذا ابتعدنا عن نظريات الفلاسفة والمتكلمين والغلاة ، واستطعنا ان نكشف كذب رواياتهم وزيفها ، وعدنا الى أهل البيت
(ع) والى أحاديثهم المتواترة الثابتة في أمهات كتبنا ، والتي تنفي العصمة عنهم
وترفض الغلو وتحذر المتكلمين من
(الكلام) ولم نؤولها تعسفا وعنادا ، لوجدنا انهم أقرب الى نظرية الشورى القرآنية
العقلائية وانهم كانوا يؤكدون على ضرورة انتخاب الامام من قبل الأمة ويلعنون من
يقوم باغتصاب الامة أمرها ويتولونها من غير مشورة ..
ويكفي لترجيح نظرية الشورى
والايمان بوهمية نظرية النص مرور أكثر
من الف عام من تاريخ الأمة الاسلامية مع عدم وجود إمام ظاهر معين من قبل الله وعدم وجود حل آخر سوى نظرية الشورى ،
عمليا ، وربما ستمضي مئات او آلاف او
ملايين السنين الى يوم القيامة مع عدم ظهور مصداق واحد من مصاديق نظرية النص ..
وهذا ما يدعونا الى التفكير بجدية واعادة النظر مرة اخرى في عقائدنا الموروثة التقليدية ويدفعنا للاجتهاد في قراءة التاريخ والعقائد على أساس القرآن الكريم والعقل
والأحاديث الصحيحة الثابتة.
ومن هنا فاني اعتقد أنكم تتفقون
معي في الرأي على ضرورة إطلاق لقب ( المجتهد) على من يجتهد في العقائد والتاريخ ،
قبل ان يجتهد في اللغة والأصول والفقه ، دون من يقتصر على الاجتهاد في المراحل السطحية الأخيرة التي تتأثر
سلبا أو إيجابيا بالمراحل الاولى الأساسية ، وان إعادة بناء الحضارة الاسلامية من
جديد يتطلب القيام بعملية اجتهاد كبرى أساسية وجذرية في العقائد والأصول الأساسية.
كما أرى ان
سماحتكم الكريمة بما عرف عنكم من جد
واجتهاد وذكاء ، أقدر الناس على القيام بذلك.
وفقكم الله
ورعاكم وأسألكم الدعاء
والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته
ولدكم :
أحمد الكاتب
لندن في
3 رجب 1414 هـ
رسالة رقم
2
دعوة
لإعادة النظر في حكم صلاة الجمعة
سماحة
الامام السيد محمد الشيرازي حفظه الله
السلام
عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد فقد
تسنى لي خلال السنوات الماضية ان أقوم بإلقاء نظرة على معظم أمهات كتب الفقه
الشيعية خلال ألف عام ، وان أقارن بين آراء العلماء الأعلام فيما يتعلق بالجوانب
السياسية والاقتصادية .. وقد وجدت أثناء البحث سيادة نظرية " التقية
والانتظار" في القرون الأولى من (عصر الغيبة).. وان تلك النظرية كانت تحرم
وتعطل كل ما يتعلق بالدولة في (عصر الغيبة). كما وجدت كثيرا من العلماء المتقدمين
والمتأخرين يحاولون التملص من تلك
النظرية اللامعقولة والمخالفة للقرآن الكريم والفطرة والواقع . وقد توجت محاولاتهم
الجريئة بالقول في القرون الأخيرة.. بنظرية ولاية الفقيه ، واستطاعوا بذلك ان
يعيدوا الحياة للجوانب المجمدة من القوانين الاسلامية كقانون الثورة والدولة
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واقامة الحدود والخمس وما شابه.
وقد لاحظت ان القول بولاية الفقيه تطور
تدريجيا مسألة مسألة ومن عالم الى عالم .ز وقد أثار انتباهي قولكم لأول مرة في
تاريخ الفقه الشيعي الجديد ، بقدرة
الفقيه الولي على إعلان الجهاد الابتدائي ، خلافا لإجماع العلماء الممتد منذ أكثر
من ألف عام ، والمبني على قاعدة نظرية "التقية والانتظار".
وقد عززتم بذلك نظرية "ولاية
الفقيه" وتقدمتم بها خطوة الى الامام.
واعتقد ان هناك خطوة مشابهة اخرى تحتاج
الى التنفيذ ، وهي صلاة الجمعة ، وهي كما قلتم في كتاب (الفقه ) ثابتة بصريح
القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة ، ولكن الذي أدى الى تحريمها او نفي الوجوب عنها
هو القول بنظرية (التقية والانتظار) واشتراط حضور الامام العادل ، أي الامام
المعصوم ، او إذن نائبه الخاص.
وقد ظهر هذا الشرط في القرن الخامس
الهجري أيام السيد المرتضى والطوسي ، واعتمد على الإجماع (اجماع المسلمين) في
اشتراط إذن الامام في صلاة الجمعة ،
وكان عامة المسلمين يقصدون بذلك الحاكم بصورة عامة.
وقد استورد أصحاب مدرسة التقية شرط
الإجماع هذا من (العامة) ثم أضافوا اليه شرط العدالة ثم فسروا العدالة و(الامام
العادل) بالإمام المعصوم ، ولما كان الامام العادل (المعصوم) غائبا ، حسب النظرية الاثني
عشرية ، فقد قالوا بتعطيل صلاة الجمعة في (عصر الغيبة).
وكان عملهم هذا جزءا من أعمالهم الأخرى
التي عطلوا فيها الجوانب السياسية المهمة لعدم وجود او ظهور الامام المعصوم
(المهدي المنتظر).
وبالرغم من ان نظرية (التقية
والانتظار) كانت نظرية اجتهادية ظنية وقائمة على تأويلات لأحاديث ضعيفة ، فان
أصحابها قد اعتمدوا عليها لكي يقوموا باجتهاد جديد في مقابل النص القرآني الصريح
والأحاديث الصحيحة ( كصحيحة زرارة )
ويقولوا بتحريم صلاة الجمعة او سقوط وجوبها.
ولكن نحمد الله الذي قيض من
المجتهدين العظام ، أمثالكم ، من الذين رفضوا نظرية (التقية والانتظار) وقالوا
بنظرية (ولاية الفقيه) وذلك من أجل إحياء الدين وتجديد ما طمس من معالمه. ، وحسبما
أعلم أنكم تقولون بولاية الفقيه المطلقة ، وهذا ما يعني أنكم تقولون بضرورة
الامامة في عصر الغيبة ولا تشترطون العصمة في الامام المعاصر ، ومن هنا فقد تخليتم عن الإجماع السابق
وقلتم بجواز تصدي الفقيه العادل لمهمة إعلان الجهاد الابتدائي ، فلماذا تترددون او
تتوقفون في ربط صلاة الجمعة بالفقيه (الامام العادل) ,لا تقولون بوجوبها بقوة؟
ألا تتفقون
معي في الرأي : بأن الموقف السلبي الموروث من صلاة الجمعة ناتج عن نظرية التقية والانتظار الخاطئة والمرفوضة
بقوة من قبلكم؟ وألا تعتقدون ان هذه المسالة بحاجة الى مراجعة جديدة؟ والى مراجعة
في أصول الاجتهاد فيها ، وذلك بالعودة للتمسك بالنصوص الصريحة والصحيحة ، ونبذ
القياس والاجتهاد بالرأي ، والاعتماد على الاحتمالات التعسفية والتأويلات الباطلة
، أسوة ببقية المسائل التي عطلتها نظرية التقية والانتظار السلبية ؟
احمد الكاتب
لندن 25
محرم الحرام 1414هـ