مستقبل المرجعية الدينية في العراق
لئن كان مراجع الشيعة في العراق في
بداية القرن العشرين قد قادوا العمل الوطني والمقاومة ضد الاحتلال البريطاني فانهم
قد وضعوا اللبنات الأولى للدولة العراقية الحديثة القائمة على الملكية والبرلمان ،
ولم توجد اية اشارة الى انهم كانوا يعتزمون بناء دولة شيعية خاصة لهم في العراق ،
صحيح انهم اظهروا مقاومتهم لمشروع الدولة التابعة للاستعمار وطالبوا بالاستقلال
التام واستطاعوا ان يعرقلوا الى حد ما خطط الحكومة لعقد اتفاقية الانتداب مع
بريطانيا ، الا انهم انزووا بعد ذلك عقودا من الزمن وابتعدوا عن التدخل في الشؤون
الداخلية العراقية ، وبرز منهم بعض المراجع العراقيين الذين حاولوا ان يخففوا من
طغيان الحكام الطائفيين ويحققوا قدرا من العدالة لجماهيرهم الشيعية المحرومة في العهد الملكي.
وفي الوقت الذي كان المراجع
يخوضون صراعا مع السلطة من أجل تحقيق العدالة والمساواة للشيعة وعموم الشعب العراقي ، أرعبتهم الموجة الشيوعية
والثقافية الغربية ودفعتهم للمقاومة والعمل ، حيث برز السيد محمد الشيرازي حاملا
مشروعا راديكاليا رافضا للحداثة الغربية ووجود النظام العراقي ككل وداعيا الى تغييره وبناء دولة (المرجعية الدينية).
واذا كان الشيرازي قد ابعد عن
العراق في بداية السبعينات فقد حمل لواء المرجعية في تلك الفترة السيد محمد باقر
الصدر الذي قتل عام 1980 قبل ان ينجح في اقامة دولة اسلامية شيعية .
ولكن مشروع (الدولة
المرجعية) لم يجهض بوفاته وانما خبا تحت الرماد وظهر مرة اخرى في التسعينات على
يدي المرجع السيد محمد محمد صادق الصدر
الذي تولى المرجعية بعد وفاة الخوئي في التسعينات ، واستطاع ان يعيد انتاج النظرية
تحت شعار (الولي الفقيه) ويجمع حوله قطاعات كبيرة من المواطنين. وان كان الصدر
الثاني قتل في عام 1999 قبل ان يبلور نظريته الى مشروع سياسي متكامل ، الا ان
نظرية ( القيادة المرجعية) لا تزال تحتل مكانة كبيرة في قلوب شرائح واسعة من
الجماهير الشيعية في العراق ، ومن الممكن ان تولد مرة أخرى في أي يوم في المستقبل
بعد تفجر ثورة شعبية عارمة.
ولئن ذهبت حظوظ السيد محمد الشيرازي في
قيادة الساحة العراقية مع وفاته في
مدينة قم في اليوم الثاني من شهوال 1422هـ المصادف 17 كانون الثاني 2001، الا ان
نظرية (ولاية الفقيه) لا تزال حية و يمكن ان تلعب دورا كبيرا في
العراق في المستقبل كما لعبت دورا عظيما في اقامة الجمهورية الاسلامية في
ايران ، واذا لم يكن من المرجح في المدى المنظور، وفي ظل الحكم العسكري ، ان تنجح
في اقامة نظام سياسي في العراق الا انها يمكن ان تلعب على يدي أي مرجع في المستقبل
، وفي ظل حكومات ديموقراطية ، دورا موازيا للسلطة المركزية في بغداد ، ومن الممكن
ان تؤثر على العملية التشريعية او تهيمن عليها أو تشكل قوة ضغط رئيسية في العراق.
ومن هنا يتخوف البعض من اقامة
المرجعية دولة في داخل الدولة العراقية او فوقها ، وهذا صحيح عندما تكون الدولة
العراقية مغتصبة من قبل العسكر او حزب معين او طائفة خاصة . اذ يبدو ان الشيعة بقيادة المرجعية يمارسون حقهم الطبيعي في
التمرد على السلطة الظالمة اللاشرعية ، ولكن المخاوف قد تستمر مع قيام نظام
ديموقراطي قد لا تعترف به المرجعية ، بل قد تلتهم المرجعية أي نظام ديموقراطي يمكن
ان يقوم في العراق ، وذلك لهيمنتها على الغالبية الشيعية هيمنة روحية وسياسية ،
كما هو الحال في الجمهورية الايرانية التي هيمن المرشد فيها على جميع المؤسسات
الدستورية من رئاسة جمهورية ومجلس شورى وهيئة قضاء .
وهذا ما قد يفسر من
جهة أخرى اعتصام الأقلية السنية الخائفة ، بقوة العسكر ، ورفضها لأجراء اية
انتخابات ديموقراطية تكون فيها هي الخاسر الأكبر.
وتزداد هذه المخاوف في ظل
الاستقطاب الطائفي بين الشيعة والسنة وميل الشيعة الى قيادة المرجعية الدينية
المغرقة في المذهبية. مع ان التاريخ الحديث أثبت قدرة القيادات السنية على شق
النخبة والجماهير الشيعية في ظل الحياة الديموقراطية ، وان كل الدلائل تشير الى
قدرتها ايضا على استقطاب قطاعات كبيرة من الجماهير الشيعية التي ترتبط بأحزاب
قومية ويسارية ويمينية مختلفة.
ومن الواضح ان السياسة
الديكتاتورية للحكومة العراقية لعبت وتلعب دورا غير مباشر في تقوية المرجعية ودفع
الجماهير الشيعية للالتفاف حولها كقطب سياسي ثوري مضاد للديكتاتورية . في حين ان من المعتقد ان
دور المرجعية يمكن ان يتقلص في أجواء الحرية والديموقراطية وقيام حركات سياسية حرة.
والسؤال الآن هو هل يمكن ان يتخلى
الشيعة عن مشروع الدولة المرجعية الدينية؟ ويقبلوا بمؤسسات دولة ديموقراطية حديثة؟
وهل يمكن ان يتجردوا من هويتهم الطائفية ؟ أو يبعدوها على الأقل عن المجال
السياسي؟ لكي لا نقول استعدادهم للخضوع الى قيادة سنية والذوبان في نظام حكم سني؟
ان المشكلة الطائفية تشكل عقدة حقيقية في السياسة العراقية ،
ومن دون حلها حلا جذريا يتفق عليه جميع المواطنين سوف تظل المشكلة السياسية قائمة
في العراق .. واعتقد ان حل العقدة يبدء بتطوير المرجعية والفكر المرجعي ، والتسليم
بأن نشوء المرجعية الدينية لدى الشيعة الامامية الاثني عشرية ، كان في ظل عقيدة
الانتظار للامام الثاني عشر الغائب وتحريم اقامة الدولة في (عصر الغيبة) وقد غلب
على المرجعية الطابع الفردي لمحدودية النشاطات التي كان يقوم بها المراجع سابقا،
أما وقد تطورت المرجعية الى شكل دولة ، كما هو الحال في الجمهورية الاسلامية الايرانية ، فلا بد من التخلي عن الأطار
القديم والتشبث بالجوهر ، وهو تكوين الدولة على أساس العلم والايمان ، وبناء
مؤسسات دستورية ترتكز على قاعدة الشورى والانتخاب الحر ، و إيكال عملية التشريع
الى مجلس شورى منتخب من الامة ، بينما توكل عملية التنفيذ الى قيادة منتخبة كذلك ،
وتجاوز المخلفات الطائفية القديمة بتكوين نظام سياسي يمثل الشعب العراقي ، وأي شعب
مسلم آخر ، بعيدا عن الانتماء الطائفي او العصبيات الضيقة.
تكمن العقبة الرئيسية للوصول
الى هذا النظام ، في فكر (النيابة العامة للفقهاء عن الامام المهدي ) والولاية
المطلقة التي يقول بها بعض الفقهاء لأنفسهم على الامة ، من دون الحاجة الى اخذ
رأيهم ، وهذه نظرية تبتني على مجموعة أقاويل يقف على رأسها القول بوجود الامام
الثاني عشر (المهدي المنتظر) ، وهي تحتاج الى مزيد من البحث والتحقيق واعادة
النظر. وقد حاول الشيرازي التحرر من هذه النظرية والتقدم خطوة الى الأمام وذلك بالجمع بين الشورى وولاية الفقيه
، ولكنه لم يصل الى ولاية الامة على نفسها او اقامة نظام الشورى بصورة مستقلة.
واذا أمكن فصل هذه الفكرة ( الامامة
والولاية) عن الفكر الشيعي الجعفري ، فان عقدة كبيرة في الخلاف الطائفي بين الشيعة
والسنة يمكن ان تتلاشى ، ويتم الاندماج الكامل بين الطائفتين ، عبر انتخاب قيادة
واحدة والتزام فكر سياسي واحد قائم على الشورى وحق الامة في انتخاب الامام.
وفي الحقيقة ان الفكر السياسي
الشيعي المعاصر تخلى عن أهم شروط نظرية الامامة القديمة كالعصمة والنص والوراثة
العمودية ، وآمن بنظرية الشورى والجمهورية الاسلامية ، ولكنه لا يزال يعاني من بعض
مخلفات نظرية الامامة كالايمان بوجود الامام الثاني عشر الغائب والنيابة العامة
للفقهاء عن ذلك الامام ، وهو ما يسبب بعض التعثر في المسيرة الديموقراطية ، وقد
عانى المرجع الكبير السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) من ديكتاتورية المرجعية الدينية
في ايران ، كثيرا وحاول جاهدا ان يبحث عن حل لتك الأزمة الديكتاتورية ، ولكنه لم
يضع اصبعه على جوهر المشكلة ، ولم يبحث نظرية الامامة ولا مسألة ولادة الامام
الثاني عشر وغيبته المزعومة. وقد وجهت له رسالة بهذا الشأن وطلبت منه ان يقوم
بمراجعة كتابي (تطورالفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه) ولكنه انتقل
الى العالم الآخر دون ان يجبيني بكلمة سلبية او ايجابية ، وحمل معه الى القبر سرا
كبيرا لا يعلمه الا الله تعالى.