الشيعة والمرجعية في العراق

 

 

الفكر السياسي الشيعي قبل  الشيرازي

 

    كان العراق في القرن الاسلامي الأول مهد التشيع لأهل البيت وقاعدة الثورات ضد الحكم الأموي وقد احتضن تراب العراق قبور عدد من ائمة أهل البيت (عليهم السلام) بدءا من الامام علي بن ابي طالب ومرورا بالامام الحسين شهيد كربلاء والامام موسى بن جعفر وحفيده الامام محمد الجواد وكذلك الامام علي بن محمد الهادي وابنه الامام الحسن العسكري ، وكانت بغداد ، لقرون عاصمة الثقافة الشيعية ، ولم يكن (العباسيون) الذين سيطروا على الخلافة قرونا طويلة الا جناحا من أجنحة الشيعة .

   كان ذلك قبل ان تتبلور الأحزاب الاسلامية كطوائف ، وقبل ان تطغى الفرقة (الاثنا عشرية) على التيار الشيعي العام. وعندما ورثت هذه الفرقة تراث فصيل من تيار (الشيعة الامامية) هو (الموسوية القطعية) بعد وفاة الامام الحسن العسكري ، كانت قد فقدت رمزها السياسي من أهل البيت في ظل "غيبة" الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) ولذلك فقد فشلت في القضاء على العباسيين بالرغم من سيطرة المؤيدين لها من (آل بويه) على مقاليد السلطة في القرنين الرابع والخامس الهجريين. ومع التزام الفرقة (الاثني عشرية) بنظرية الانتظار للامام الغائب كان عليها ان تنزوي عن الحياة السياسية وتصبح مجرد نظرية تاريخية ، وبالتالي تفقد جماهيرها الواسعة. بيد ان قيام الحكم الصفوي في بلاد فارس واعتناقه للعقيدة الاثني عشرية واستيلائه على العراق عدة مرات ،  أعاد الأمل والحيوية الى الفرقة الاثني عشرية وساعدها على الانتشار في العراق في وقت لاحق ، وخاصة  بعد سقوط الدولة الصفوية في ايران عام 1722 وهجرة أعداد كبيرة  من العلماء  والمواطنين الايرانيين الشيعة الى العراق وخصوصا الى كربلاء ، حيث بدأوا بتشييع القبائل العربية خاصة في الفرات الأوسط والجنوب.

   في تلك الأثناء كان الفكر السياسي الشيعي يتطور ويتقدم خطوة كبيرة الى الأمام بقبول علماء الشيعة منذ أيام الشيخ علي عبد العالي الكركي(940هجرية) بنظرية (النيابة العامة عن الامام المهدي)، ثم تطور المرجعية الدينية على يدي الشيخ جعفر كاشف الغطاء  بعد قوله بوجوب اخراج الخمس وتسليمه الى (مراجع الدين) . وشهد الفكر السياسي لمراجع الدين حالات من  التعاون والتنسيق بين المراجع وسلاطين الشيعة الصفويين والقاجاريين في ايران ، ولكنه لم يرتق الى مستوى استلام السلطة في (عصر الغيبة) حيث ظل فكر الانتظار للامام المهدي يهيمن بدرجة كبيرة على الفكر السياسي الشيعي العام ويعتبر اقامة اي شكل من الحكومة نوعا من اغتصاب السلطة الشرعية المحصورة بالامام المعصوم الغائب ، وقد فشلت محاولة أحد المجتهدين (الشيخ أحمد النراقي) في بداية القرن التاسع عشر للتنظير لشرعية حكومة الفقهاء ، حيث ردها كبار العلماء في النجف كالشيخ محمد حسن النجفي والشيخ مرتضى الانصاري ، حيث ظل الفكر السياسي الشيعي العام يقوم على تصدي الفقهاء  لبعض الامور الحسبية في ظل الدولة القائمة الشيعية او السنية.

    الا ان التطورات السياسية في ايران والاحتكاك مع الغرب فتح الطريق أمام الفقهاء الشيعة في العراق وايران لتحجيم السلطة "المغتصبة" باقامة مجلس شورى تحت اشراف الفقهاء ، وهذا ما ظهر في الحركة الدستورية التي انتصرت عام 1906م

 

   وبالرغم من تشكيل القبائل الشيعية في جنوب العراق (كاتحادات الخزاعل والمنتفق وبني لام والزبيد وآل بومحمد) ، في القرن التاسع عشر ، نوعا من الحكم الذاتي في ظل الحكم العثماني ،  الا انهم كانوا يفتقرون ، من بين أمور عديدة ، الى الفكر السياسي الذي يؤهلهم لتشكيل دولة شيعية خاصة.[1]

 

   وبالرغم من وجود مؤشرات كثيرة على استطاعة الشيعة تأسيس دولة اسلامية خاصة بهم في العراق منذ أواسط القرن التاسع عشر ، وخصوصا بعد سقوط الدولة العثمانية ، الا ان الفكر السياسي الشيعي لدى المراجع لم يكن متبلورا بما فيه الكفاية للدعوة الى تكوين دولة شيعية أيديولوجية على أساس نظرية ولاية الفقيه .  ولم يكن المراجع  يطرحون أنفسهم بديلا عن السلطات القائمة ، إذ ان أقصى ما كان يدعون اليه هو تشكيل مجالس برلمانية تحد من سلطات الملوك المطلقة ،  

   وعندما استفتى الحاكم البريطاني السير ويلسون الشعب العراقي  عما يريده ، وخيره بين  الاستقلال او التبعية ،  دعا علماء الشيعة الشعب العراقي الى التصويت على الاستقلال وتكوين دولة وطنية ،  وعندما حاول ويلسن  ان يزوّر الانتخابات و أن يفرض على الشعب العراقي القبول بالانتداب ،  أصدر المرجع الديني الشيخ محمد تقي الشيرازي فتوى كفر فيها كل من يرغب في حكم غير إسلامي في العراق ، وقد استجاب الشعب العراقي بصورة عامة الى تلك الفتوى ، و اجتمع أعيان كر بلاء ووقعوا على مضبطة جاء فيها:" انهم يحبذون قيام حكم عربي إسلامي يرأسه أحد أبناء السيد الشريف ، وإنشاء مجلس تمثيلي وطني يمثل شعب العراق" .[2] وأصدروا  بتاريخ 15 شوال 1337 بيانا يؤكد قرارهم بالاستظلال براية عربية اسلامية وانتخاب أحد أنجال اشريف كأمير مقيد بمجلس متخب من أهالي العراق. [3]

    وكذلك اجتمع أهالي الكاظمية وفوضوا إلى ستة من علمائهم ان يضعوا عريضة يطالبون فيها بإقامة حكومة عربية إسلامية دستورية يرأسها أحد أبناء الشريف[4]. كما أصدروا بيانا جاء فيه:" اننا باعتبارنا من الأمة العراقية العربية نختار حكومة عربية مسلمة يرأسها ملك مسلم هو أحد أنجال سيدنا الشريف تكون مقيدة بمجلس محلي". [5]

   أما في بغداد فقد اصدر المندوبون السنة والشيعة بيانا في 22 كانون الثاني 1919 طالبوا فيه بأن تكون البلاد دولة عربية واحدة على رأسها ملك مسلم أحد أبناء الشريف حسين مقيد بمجلس تشريعي تمثيلي ، وأنشأ السنة والشيعة بعد ذلك بشهر حزبا أسموه : (حزب الاستقلال) برئاسة السيد محمد الصدر ، وكان يطالب بترشيح أحد أبناء الشريف حسين ملكا على العراق. [6]

   وفي الشامية قدم عشرة من شيوخ القبائل عريضة للحاكم البريطاني يطالبون فيها بعراق متحد من البصرة إلى الموصل برئاسة أمير عربي يفضل ان يكون من أنجال شريف مكة [7].

    وقرر الشيرازي بعد استشارة علماء كر بلاء وأعيانها ان يرسل إلى الشريف فيصل رسالة ينبؤه فيها عن الحالة في العراق ، ووقع الخيار على الشيخ محمد رضا الشبيبي ان يكون الرسول الشخصي الذي سيحمل الرسالة ، التي جاء فيها :" إلى حضرة صاحب السمو الأمير فيصل ، بعد الدعاء…اننا لا زلنا نسمع أنباء تفاديكم العظيم في سبيل إحياء الجامعة العربية التي هي عنوان المجد الإسلامي ، وأدامكم الله ملكا تقر به العيون الإسلامية وتفخر به أئمة الدين.

7 رمضان 1338 محمد تقي الحائري الشيرازي"

 

  وأرسل ابنه الشيخ محمد رضا الشيرازي رسالة إلى الأمير علي ولي عهد الحجاز ، جاء فيها:" ان القطر العراقي كسائر الأقطار العربية التي بايعت جلالة الملك أبيكم ، و أزيدكم أنه لأكثر تحمسا في سبيل الاستقلال وأشد نعرة قومية وأقرب إلى الوحدة العربية ، وذلك لأنه مسكون بشعب عربي بحت ليس فيه دخيل يخشى شره".

 

    وهكذا لم يطرح العلماء الشيعة فكرة اقامة دولة شيعية خاصة بهم  بعد سقوط الدولة العثمانية ، بالرغم من   انهم أصبحوا أكثرية في العراق الجديد وبالرغم من الدور القيادي الكبير الذي لعبه مراجع الشيعة في مقاومة الاحتلال البريطاني والثورة عليه سنة 1920 ، حيث لم يكن الفكر السياسي لدى الفقهاء يميل الى كفة تسلمهم للسلطة ، ولم تكن علاقة المراجع الدينيين الذين كان يغلب عليهم العنصر الفارسي بالقبائل العربية ، على درجة قوية  تسمح لهم بتولي الحكم في العراق.

  

    يقول الشيخ مهدي بن محمد الخالصي ان جده الشيخ مهدي الخالصي طرح على السيد علي بن الميرزا محمد حسن الشيرازي في مجلس خاص فكرة ان يكون ملكا على العراق ، ولكنه رفض ذلك بشدة.[8]  ويقول السيد محمد الشيرازي ان الميرزا محمد تقي الشيرازي قائد ثورة العشرين اقترح على شيوخ القبائل العربية الشيعية في الفرات الأوسط فكرة انتخاب أحدهم ملكا على العراق ولكنهم اختلفوا ورفضوا هذه الفكرة .[9]

   وفي الحقيقة لم يكن أحد من رؤساء القبائل مؤهلا للملك ، فيما عدا شيخ المحمرة خزعل الذي كان يطمح الى تولي ملك العراق وعمل من أجل ذلك خلال الثورة العراقية الكبرى عام 1920 ولكنه لم يحض بشعبية كبيرة في العراق ولا بموافقة من الانجليز.

    ومن هنا  يمكن القول ان الشيعة في ثورة العشرين لم يكونوا يمتلكون مشروعا سياسيا شيعيا خاصا ، وانما كانوا جزءا من مشروع  وطني عراقي ، وان كان مراجعهم الدينيون المتأثرون بالحركة الدستورية يدعون الى اقامة حكم عراقي يقوم على دستور ويتمتع بمجلس برلمان . وقد  كانوا يدعون الى انتخاب أحد أنجال الشريف حسين ملكا على العراق على ان يكون مقيدا بدستور ومجلس برلمان .  

    وعندما لم يتحقق ذلك الهدف  دعا علماء الشيعة الى الثورة على الاحتلال الانجليزي الذي حاول الغاء ارادة الشعب العراقي وحكمه حكما مباشرا ، والتضحية من أجل الاستقلال.

   وحاول الشيخ محمد مهدي الخالصي والسيد محمد الصدر والشيخ أحمد الداود ، بعد انتهاء ثورة العشرين ، ان يتم انتخاب فيصل ملكا من خلال مجلس تأسيسي منتخب [10]. ولكن فشل ثورة العشرين عسكريا وسيطرة بريطانيا مرة ثانية بصورة أقوى سمح بتتويج فيصل ملكا على عرش العراق من دون انتخاب.

    وفي الوقت الذي كان الشعب العراقي الثائر يأمل ان يحقق الملك فيصل آماله في الحرية والاستقلال ، أيد الملك معاهدة الانتداب الظالمة ، وأمر بإجراء انتخابات لإقرارها ، فتصدى له العلماء ، وأصدر السيد أبو الحسن الأصفهاني المرجع الأعلى في ذلك الوقت ، فتوى بتحريم الانتخابات جاء فيها:" ان هذا الانتخاب يميت الأمة الإسلامية ، فمن انتخب بعد علم بحرمة الانتخاب حرمت عليه زوجته وزيارته ولا يجوز رد السلام عليه ولا يدخل حمام المسلمين". [11]  وأصدر الشيخ مهدي الخالصي فتوى يصر فيها على التحرر من كل قيد خارجي أو تدخل أجنبي رافضا الوجود الإنجليزي في العراق أو عقد أي اتفاقية للانتداب .[12]

    وأعلن كل من السيد أبو الحسن الأصفهاني والشيخ حسين النائيني والشيخ مهدي الخالصي ضرورة مقاطعة الانتخابات ما لم تتحقق المطالب الشعبية التالية:

1 - إلغاء الإدارة العرفية

2 -إطلاق حرية المطبوعات والاجتماعات

3 - سحب المستشارين من الألوية

4 -إعادة المنفيين السياسيين

5 - السماح بتأليف الجمعيات

وسحب العلماء تأييدهم من الملك فيصل حيث قام الشيخ الخالصي بعد سنة من مبايعة الملك بشرط العمل على تعزيز الاستقلال ، بسحب البيعة منه علنا ومعارضته بقوة. وقام العلماء بتحريم الدخول في مدارس الدولة ووظائفها وجيشها، وأصدر الشيخ الخالصي في عام 1921 فتوى حرم فيها قبول أي منصب حكومي معتبرا ذلك عملا من أعمال التعاون مع الكفار.

    يقول السيد محمد الشيرازي:"نادى العلماء أول دخول الإنكليز في العراق بأن الوظيفة الحكومية المفسدة غير شرعية ، وذلك لما رأوا الوظيفة خدمة للأجنبي المستعمر ، ولو كانت الحكومة متسترة باسم (الاسلامية العربية) فانهم رأوا خطوط المستعمر من تحت الستار ، ولذا قالوا: كل وظيفة مفسدة معناها تقوية الاستعمار وعملائه". [13]

   وأصر الوطنيون على تشكيل الأحزاب والسماح لها للعمل بحرية قبل عقد المجلس والتوقيع على الاتفاقية ، ولكن الحكومة كانت تفضل - بوحي من السير برسي كوكس - إجراء الانتخابات دون أحزاب ليسهل التلاعب بها ، وعندما شكل محمد جعفر أبو التمن الحزب الوطني ، ومحمد أمين الجرجفجي حزب النهضة ، وأخذا يقاومان الانتداب ، قام كوكس باعتقالهما مع مجموعة من السياسيين وسفرهم إلى جزيرة هنجام في الخليج ليقيم الانتخابات بحرية ودون معارضة.[14]

   اتضح ان الانتخابات ستزور وان الهدف منها هو تمرير المعاهدة الاستعمارية بأية صورة وضد إرادة الشعب ، ولذلك أصدر الشيخ مهدي الخالصي وعلماء النجف وكربلاء بتاريخ 8 تشرين الثاني 1922 البيان التالي:" لقد أقيمت الانتخابات بأساليب غير مرغوب فيها بقوة السلاح البريطاني بعد فرض الحظر بالقوة على الحزبين السياسيين اللذين كانا يعبران عن مطاليب الأمة (الحزب الوطني وحزب النهضة) وإبعاد الزعماء الوطنيين ... ان المساهمة في الانتخابات أو أية عملية تماثلها مما قد يعرض ازدهار العراق في المستقبل للخطر فحكمه حرام بموجب الشرع الإسلامي والقرار الإجماعي للمسلمين".[15]

 

وأكد العلماء الكبار الثلاثة الأصفهاني والخالصي والنائيني موقفهم في بيان آخر:" نعم قد صدر منا تحريم الانتخاب في الوقت الحاضر لما هو غير خفي على كل باد وحاضر ، فمن دخل فيه أو ساعد عليه فهو كمن حارب الله ورسوله وأولياءه".[16]

 

    وهنا شعر المَلك فيصل بالغيرة والخوف من وجود مراجع الدين الذين يشكلون قيادة شعبية روحية قوية منافسة له ، ولم يستطع ان يمرر اتفاقية الانتداب الا بعد ان ضرب المراجع ، وخصوصا الشيخ مهدي الخالصي ، وسفرهم الى خارج العراق.

  وبما ان الكثير من مراجع الشيعة كان ينتمي الى أصول فارسية فقد سهل على النظام العراقي الحديث الذي رفع راية القومية العربية ان يعزلهم عن المجتمع العراقي ويمنعهم من التدخل في الشؤون السياسية العراقية ، ولم يسمح لأثنين من كبار المراجع وهما الشيخ محمد حسين النائيني والسيد أبو الحسن الاصفهاني بالعودة الى العراق الا بعد ان اخذ منهما تعهدا بعدم التدخل في السياسة.  

 

 

ملامح النظام الجديد

 

 بالرغم من مظاهر الاستقلال التي تلفع بها الحكم الوطني العراقي بقيادة الملك فيصل الأول ، الا ان السلطة الحقيقية بقيت بيد المحتلين الانجليز الذين صاغوا النظام العراقي كما يشتهون وقاموا بتوجيه السياسات المختلفة للدولة ، وخاصة تجاه المرجعية الدينية الشيعية التي قاومت احتلالهم للعراق وقادت ثورة العشرين ورفضت معاهدة الانتداب ، حيث عملوا على صياغة نظام جديد علماني طائفي مستبد.

 و قامت الادارة البريطانية بتكليف المحامي ( السير بونهام أدوارد كارتر ) بوضع دستور علماني للدولة العراقية  مقتبس من الدستور البلجيكي ، ويتجه أساسا لحماية وتعزيز المصالح البريطانية ، وهو الدستور الذي صدر في 21/3/ 1925  وعدل في تموز من نفس العام   ، وفيما عدا النص في المادة الثالثة عشرة على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي ، لم يرد فيه أي ذكر للإسلام .

 و كان هذا الدستور نتيجة من نتائج معاهدة الانتداب العراقية البريطانية ، ولذلك لم يضمن الحريات العامة ضمانة كاملة ولم يحقق الديموقراطية والحرية. وذلك لأنه لم يحفظ توازن القوى والسلطات توازنا معقولا ، حيث أعطى الحكومة قوة  أكبر من الشعب ، وأعطى (السلطة التنفيذية) صلاحيات أوسع من (السلطة التشريعية) وأعطى (مجلس الأعيان) المعين ، سلطة أكبر من (مجلس النواب) المنتخب ، ووضع طريقة للانتخاب لا تسمح للشعب العراقي باختيار ممثليه الحقيقيين الى المجلس النيابي.

    وضمن الدستور لرئيس الدولة الأعلى (الملك) صلاحية التوقيع على قرارات مجلس الوزراء ، واقالة هيئة الوزارة الحائزة على ثقة مجلس الأمة ، بحجة مقتضيات المصلحة العامة [17]

   وكانت السلطة االتنفيذية  تملك صلاحية حل مجلس النواب دون ضابط [18] وكانت أيضا تستطيع ان تشرع بمراسيم أثناء عطلة المجلس أو فضه أو حله .[19]

 

   وهكذا أصبحت المجالس النيابية في العهد الملكي آلة طيعة بيد الحكومة، وتتألف بصورة تشبه التعيين ، وأصبحت الوزارات تتدخل بصورة حاسمة في الانتخابات وتشل المجالس النيابية عن القيام بواجباتها في محاسبة المسئولين . [20]

   وكان من المتوقع ان تحذف الحكومة الموالية للانجليز أي دور لمراجع الدين الشيعة  ، في الحياة السياسية التشريعية أو التنفيذية فضلا عن ان تعترف لهم بدور قيادي في البلاد ، وتحاول بدلا من ذلك ان تفصل السياسة عن الدين وتبعد رجاله عن أجوائها ، وقد شنت الحكومة في البداية حملة دعائية ضدهم تتركز على كونهم من أصول إيرانية ولا يحق لهم التدخل في السياسة العراقية ، وليس سرا ان النظام العراقي الجديد الذي كان قد انسلخ توا من الدولة العثمانية ذات الرابطة الإسلامية ، سار في طريق قومي عربي ، كنتيجة طبيعية للحركة القومية العربية التي حاربت الدولة الثمانية وتحالفت مع الانجليز على أمل تأسيس دولة عربية واحدة . ومع ان قادة ثورة العشرين من رجال الدين وزعماء العشائر كانوا ينادون أثناء الثورة  بالعروبة والجامعة العربية ، إلا ان مفهومهم للعروبة كان حضاريا إسلاميا يضم جميع العناصر القومية التي تؤلف الشعب العراقي ، ولم يكن مراجع الدين الفرس الذين دافعوا عن أرض العراق في وجه الاحتلال يعتقدون انهم يدافعون عن أرض أجنبية ، ولكن  سياسة الحكومة المضادة للثورة سلكت طريقا عنصريا معاديا لرجال الدين ، و وصفهم عبد المحسن السعدون رئيس الوزراء ، بأنهم دخلاء لا علاقة لهم بالقومية العربية . [21] وقد  أخذ النظام العراقي يتبع سياسة قومية ، في محاولة لضرب الوحدة الداخلية وتفتيت الحركة الوطنية المعارضة والتشهير بالأغلبية (الشيعية) وطعن أصولها القومية لتبرير عملية إقصائها عن السلطة ومنعها من ممارسة حقوقها الأساسية .

  وفي هذا السياق أوعز ياسين الهاشمي سنة 1933 إلى موظف في وزارة المعارف (هو عبد الرزاق الحصان)  بتأليف كتاب ضد الشيعة تحت عنوان : ( العروبة في الميزان) يتهمهم فيه بأنهم شعوبيون فرس  من بقايا الساسانيين ولا حق لهم في سلطة أو في تمثيل في السلطة. و أصدر معلم سوري في بغداد (هو: أنيس النصولي) كتابا بعنوان (الدولة الأموية في الشام)  وأثار الكتابان غضبا واسعا في اوساط الشيعة.[22]

   وفي السنوات اللاحقة استمرت الحكومات العراقية في تشجيع  الدعوة الى العروبة والنيل من دعوات المجتهدين الشيعة الى الوحدة الاسلامية وتصوير هذا النشاط على انه خطر على القومية العربية. [23]

  ولم تكتف الحكومة بالهجوم الإعلامي على الشيعة ، بل ترجمت سياستها القومية إلى قانون صدر في 9 تشرين الأول 1924/ وتم تعديله في عام 1927   يصنف المواطنين العراقيين إلى درجات أصلية وتبعية ،  ويطال عامة الشيعة من ذوي الأصول الايرانية القاطنين في مدن العتبات المقدسة وسائر أنحاء العراق.

     ولأن الحكومات العراقية في ظل العهد الملكي لم تكن في جوهرها  ديموقراطية أو منتخبة من الشعب ، فقد كانت تسخر من الرأي العام ولا تبالي باتجاهاته الثقافية ، وكانت تحاول فرض رؤيتها عليه وتطبيق ما يحلو لها من سياسات ، مما دفع الملك فيصل بعد اضراب حدث في البلاد الى تحذير الحكومة ورجال الدولة من مغبة الاستهتار بآراء الشعب واعتبار ذلك خطيئة لا تغتفر ، وذلك في مذكرة سرية رفعها اليهم.  [24]  ولكن الحكام العراقيين لم يأخذوا بنصائح الملك فيصل الأول ،  وواصلوا سياستهم الديكتاتورية  والطائفية المضادة للشيعة ولعلمائهم ومراجعهم.

 

التجنيد الإجباري

 

وبما ان الدولة العراقية الحديثة كانت تخوض معركة مع المرجعية الدينية وغالبية الشعب العراقي ، فقد اصبح موضوع التجنيد الاجباري الذي طرحته عام 1927 مادة ساخنة للجدال  ، حيث نظر مراجع الدين الى قانون التجنيد كمحاولة من قبل الحكومة للاستقواء على حسابهم وتجريدهم من قوتهم الشعبية المسلحة. اذ كانت نواة الجيش العراقي (فوج الامام موسى الكاظم)  قد تشكلت على يدي القوات البريطانية  في  6 كانون الثاني 1921   تحت قيادة  المعتمد السامي البريطاني ،  وبهدف قمع الهياج المحلي وضرب اية حركة ثورية شعبية .  [25]

   ولكن تلك القوة الطوعية التي كانت تتألف من 2000 رجل ، لم تكن كافية للوقوف أمام تفجر اية انتفاضة في المستقبل ، او حماية الحكومة وقوات الاحتلال ، ولذلك  قامت الحكومة العراقية بسن قانون التجنيد الإجباري في محاولة من أجل تكوين جيش قوي قادر على إخماد انتفاضتين في وقت واحد ،  وقدمت  قانون الخدمة الالزامية في الجيش  الى البرلمان  لمناقشته ، فاعترض شيوخ العشائر على القانون وتضامن معهم علماء الدين  الشيعة ، و ذلك لأن الجيش  كان في نظرهم جيشا تابعا لنظام عميل معاد للثورة ولرجال الدين ، وأداة من أدوات السيطرة الطائفية ، وان القرار العسكري فيه تابع لشخص وليس لنظام ديموقراطي ، ومعدا للقمع الداخلي وليس للدفاع الوطني . واشترط بعض قادة الشيعة  للموافقة على قانون التجنيد الاجباري التخلص من معاهدة 1922 او على الأقل تعديل الاتفاقية العسكرية التي جعلت الجيش العراقي مجرد حامية خاضعة لأوامر المندوب السامي .[26]

 

  وكان مراجع الشيعة  (الاصفهاني والنائيني والخالصي) قد دعوا  من قبل في مؤتمر عقد في كربلاء  عام 1922 ، الى تأليف قوة عشائرية تحت قيادة الملك فيصل ، ولكن المسؤولين  البريطانيين رفضوا الفكرة  خوفا من استخدام المراجع لها فيما بعد لمقاومة القوات المحتلة والتحريض على ثورة جديدة داخل العراق. [27]

 وأدت معارضة الشيعة لقانون التجنيد الاجباري الى قيام الملك فيصل بتعطيل المجلس النيابي  . ولم تتمكن الحكومة من اصدار قانون الخدمة الوطنية الا في عام 1934. وفي حين أخذت الحكومة تقوم  بتجنيد شباب الشيعة  بالاجبار كانت تحول دون انتمائهم للكلية العسكرية خوفا من تأثيرهم على القرار العسكري.

 وصدقت مخاوف الشيعة من ان الجيش سيستخدم ضدهم ، حيث قام مباشرة بعد تشكيله ، بقمع التمرد العشائري الذي حدث في الفرات الأوسط  سنة 1935 وكذلك سنة 1936 عندما استباح الجيش الرميثة وسوق الشيوخ وهاجمها بالطائرات . [28]

 

ضرب المرجعية  اقتصاديا

 

 في مقابل امتلاك الدولة العراقية الحديثة للمال والثروة والأرض واستغلالها في تثبيت دعائمها ،  سعت الحكومة لإضعاف السلطة المالية للمرجعية الدينية الشيعية المنافسة لها ، وضرب الموقع الاقتصادي للحوزة ومدن العتبات المقدسة التي تحتضن المرجعية وخاصة مدينتي النجف وكربلاء ، من أجل اضعاف موقع العلماء وقدرتهم على تعبئة الشعب العراقي وقيادته ، حيث سعى النظام العراقي الى تسديد ضربة قاصمة الى المرجعية واجتثاث الكثير من السلطات التي مارستها تقليديا ، وتقويض  موقع كربلاء والنجف بوصفهما مدينتي سوق صحراويتين وتقليص دخل رجال الدين وعرقلة  دور الحوزة ، و شق النخبة الشيعية وإبعاد الفرس عن التدخل في الشؤون الداخلية العراقية.[29]

وفي سبيل ذلك شددت الحكومة العراقية في عام 1929  من سيطرتها على الاوقاف الشيعية ، حيث ضربت عصفورين بحجر واحد ، فمن ناحية جردت المرجعية الدينية من مصادر دخلها ومن ناحية اخرى استفادت هي من الأموال والعائدات.

وتعاونت الحكومتان  العراقية والايرانية في تحديد زيارة الايرانيين الى النجف وكربلاء  ، من أجل قطع خط الامدادات المالية الى المراجع فيهما ، وتجفيف المنابع الايرانية التي تمون الحوزة ، مما ساعد على نمو حوزة قم ومشهد وصعود مرجعية السيد حسين البروجردي . وقد تزامن ذلك مع قيام السلطات الايرانية البهلوية خلال 1925-1941  في تقليص سلطة المرجعية الشيعية في ايران وقطع الدعم المالي عن المرجعية في العراق.

 

   وفي هذا الوقت قام النظام العراقي بتقديم حوافز اقتصادية وسياسية كثيرة لشيوخ العشائر الشيعة الموالين له كتمليكهم للأراضي و إعفائهم من الضرائب وتعيينهم اعضاء في مجالس الأعيان  والنواب (بلغ عدد الشيوخ في البرلمان عام 1954:حوالي 38 في المئة) ، من اجل إبعادهم عن المرجعية وتحويلهم الى طبقة ارستقراطية بعيدة عن الهوية الطائفية ، وأقام النظام الملكي تحالفا معهم  حتى سقوطه  في عام 1958 [30]

    ونجح النظام العراقي الى حد بعيد في إلغاء تمثيل المرجعية الدينية للمواطنين الشيعة على أساس طائفي ، وذلك بما استخدمه من لغة قومية عربية مضادة للمراجع الذين كان معظمهم ينتمي الى اصول ايرانية ، واستطاع ان  يحدث شرخا في صفوف النخبة الشيعية من رؤساء العشائر والسياسيين والمجتهدين . الا ان ممارسة النظام للسياسة الطائفية دفعت جماهير الشيعة الى الشعور بالحرمان واللجوء مرة اخرى الى المرجعية ،من اجل المطالبة بحصص عادلة في مختلف وظائف الدولة ومرافقها السياسية.

 ففي ايلول 1927 عقدت مجموعة من رؤساء العشائر وبعض السياسيين الشيعة اجتماعات مع المجتهدين العرب في النجف رفضوا فيها فكرة التمييز الطائفي ودعوا الى الغاء الحظر على توظيف الشيعة في المناصب الحكومية ، وقاموا بحركة احتجاجية عام 1933 من اجل المطالبة بحقوقهم .

 

الانتفاضات الشيعية

 

و ردا على السياسة الحكومية التي تقضي بعزل المراجع الفرس عن التدخل في السياسة العراقية حاولت  مجموعة من المجتهدين العراقيين كالشيخ محمد حسين كاشف الغطاء  و السيد محمد الصدر وعلي الشرقي وهادي كاشف الغطاء ومحمد علي بحر العلوم  والشيخ جواد الجزائري ومحمد جواد الجزائري وعبد الكريم الجزائري ، التصدي لقيادة الشيعة في العراق ولكنهم واجهوا صعوبات لعدم قدرة أي واحد منهم على اكتساب اعتراف الطائفة به كقائد سياسي ، في ظل سيطرة الايرانيين على المرجعية العليا في النجف ، وذلك بسبب عجز المجتهدين العراقيين عن توفير  مصادر كافية لتمويل مرجعياتهم.

وقد فشل الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء  في اقناع الحكومة العراقية  عام 1927بفتح كلية خاصة للدراسات الاسلامية في النجف وتمويلها من أموال الوقف الشيعي في العراق . [31]

وعندما اشتد الضغط على الشيعة وخاصة على القبائل العربية في الفرات الأوسط ، طلب الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء  من الزعماء السياسيين الشيعة في السلطة ان يستقيلوا من المجالس النيابية والكراسي المزيفة  ، و انذر الزعماء الشيعة من التمادي والانقسام وتحولهم إلى أدوات يحركها الساسة المنحرفون في بغداد ، ودعاهم للعمل من أجل الاصلاح وطالبهم بالالتزام بالقيادة المرجعية (المتمثلة فيه) وان يكون قول المجتهد هو القول الفصل في كل خلاف.

     وقد استجاب له عدد كبير من رؤساء العشائر وزعماء الشيعة واجتمع مائة منهم ومن علماء الدين والمثقفين ، في النجف ، فاتفقوا على برنامج إصلاح عام لمواجهة مشكلة الاستبداد والتمييز المذهبي ، وأرسل الشيخ مذكرة إلى الملك غازي في آذار سنة 1935 [32]  غير ان الحكومة العراقية في ذلك الوقت (حكومة ياسين الهاشمي) استطاعت ان تشق النخبة الشيعية وتكسب الى جانبها عددا من شيوخ العشائر كالشيخ عبد الواحد الحاج سكر ومحسن أبو طبيخ وعلوان الياسري وعددا آخر من سياسيي المدن ووجهائها  ، مما سمح لها بضرب الانتفاضة التي حدثت عام 1936 في الفرات الأوسط. [33]

وقد رفض رئيس الوزراء (الهاشمي)  ان يعترف بقيادة الشيخ كاشف الغطاء او تمثيل المجتهدين للطائفة الشيعية في الامور السياسية.  [34] 

وفي النهاية نجح النظام العراقي في  عزل المرجعية عن الشعب ومحاصرة الحوزة العلمية في النجف وتخفيض عدد طلبة الحوزات الدينية من حوالي عشرة آلاف طالب في بداية القرن العشرين الى حوالي ألفي طالب في 1957  [35]

 

محاربة  الشعائر الحسينية

 

وفي اطار محاولة النظام العراقي لضرب القيادة المرجعية الدينية ، وتحجيم الشيعة ، سعى  رئيس الوزراء ياسين الهاشمي عام 1935  الى حظر المواكب الحسينية التي كانت قد اصبحت أداة سياسية للمعارضة ووسيلة للتعبير عن الغضب الشيعي .

    و  كان المرجع الشيعي الأعلى السيد ابو الحسن الاصفهاني  قد أفتى بحرمة  الممارسات العنيفة والدموية في أيام عاشوراء  كما أصدر السيد محسن الامين في سنة 1928 كتابا تحت عنوان: ( التنزيه لأعمال الشبيه) يستنكر فيه تلك الممارسات ، وأيدهما  عدد من العلماء في النجف ، ولكن الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء  وقف في مواجهة قرار الحكومة العراقية بحظر الشعائر الحسينية ، ودافع عنها قائلا: إنها اعظم رموز المذهب الشيعي وانها ضرورية لوجوده ، وحذر من ان تقييدها سيؤدي الى اختفاء  التشيع كله. [36]

  وكانت الشعائر الحسنية قد لعبت دورا كبيرا في انتشار المذهب الشيعي في العراق في القرن التاسع عشر.

  و وقف الى جانب الشيخ محمد حسين  ، الشيخ عبد الرضا كاشف الغطاء الذي اعتبر الشعائر الحسينية  من اكثر اعمال الطائفة الشيعية واسرارها قدسية وانها وسيلة لاحياء ذكرى الحسين وتعزيز التضامن الديني ،  والوقوف في مواجهة التحديات  الوهابية ،  وان  الطقوس الحسينية هي الوسيلة الأشد فاعلية لنشر المذهب الشيعي بين العشائر . [37]

   وأصدر الشيخ حسين الحلي كتابا ضد الأمين تحت عنوان : (سيماء الصلحاء في إثبات جواز إقامة العزاء لسيد الشهداء) .[38]

  وقد أدى حضر المواكب الحسينية من قبل حكومة الهاشمي الى توتر الاجواء مع الشيعة ، وكان ذلك سببا من أسباب اندلاع انتفاضة  في 1936 في الفرات الأوسط.

 

 

التعليم والغزو الثقافي

 

      قامت  الحكومات العراقية المتعاقبة بانتهاج نظام تعليمي  علماني بعيد عن الثقافة الاسلامية يقوم على فصل الدين عن الدولة ، وقامت بفتح مدارس حديثة من أجل تكوين جيل جديد  ذي ثقافة جديدة .

 

وقد رأى علماء الشيعة في تلك المدارس محاولة لابعاد الشعب العراقي عن نفوذهم ،و تحطيم الحوزات العلمية. و اتخذوا موقفا سلبيا منها ودعوا أتباعهم الى مقاطعتها.[39]

 يقول السيد محمد الشيرازي :" ان علماء الإسلام كانوا ينظرون إلى المدارس من يوم فتحت إلى هذا اليوم نظر الريبة والشك ، وكان فيهم من يحرمها تحريما باتا ، بالرغم من انها في ابتداء فتحها لم يظهر منها ما ينافي الإسلام صراحة ، وكان سبب هذا الارتياب والشك ما أدركه العلماء بثاقب نظرهم من انها لم تؤسس للثقافة فحسب وإنما أسست لتزود المسلمين إلى جانب الثقافة بالفكر ة الاستعمارية التي تقصد تحطيم بلاد الإسلام وتقديمها لقمة سائغة للمستعمرين فكريا ، كما أخذها الكافر المستعمر عسكريا بالحديد والنار ، وهذه الفكرة كانت صحيحة مائة في المائة ، فقد أتت المدارس ثمارها البشعة ، بعد ربع قرن من الزمان ، وتبين صحة تنبؤ العلماء ، فقد كانت المدارس بذرة الاستعمار التي بذرها في أرض الإسلام ليتفيأ المستعمر تحت ظلها في أمن من بطش الإسلام".[40]

 

التحدي الشيوعي

 

   أدت سياسات الحكومات العراقية المتعاقبة الخاطئة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية  والطائفية إلى تنامي مشاعر الغبن والاحباط واليأس في صفوف الجماهير  (الشيعية) وكان لموجات الهجرة من القرى والأرياف الى بغداد ، وبخاصة من جنوب العراق (بسبب استبداد الشيوخ الذين تحولوا في فترة قصيرة الى ملاك أراض كبار وانخراطهم في خدمة النظام الاجتماعي القائم حينذاك) دور لا يستهان به في اثارة مشاعر القلق والاحباط ،والتطلع  الى العيش في حياة مدينية كريمة. فانجذب كثير من الشباب الشيعة الى الحزب الشيوعي تعبيرا عن تمردهم على الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المجحفة من جهة وعلى سلطة شيوخ العشائر والحكومة الداعمة لها من جهة ثانية وثورة غير معلنة على علماء الدين من جهة ثالثة.

  وكان التيار الاشتراكي يدافع عن حقوق العمال والفلاحين وباقي الفئات الشعبية ويحظى بفاعلية وجاذبية ويعبر عن حقيقة الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية السياسية المزرية ، ويؤكد على مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة ويقدم حلولا لتغيير الأوضاع الفاسدة في البلاد . مما وفر للحزب الشيوعي أرضية خصبة للنمو والانتشار في الخمسينات بشكل كبير ، في غياب القيادة المرجعية الفاعلة .

    وامتلك الحزب الشيوعي العراقي شعبية هائلة بعد حوادث 1952 وقيام نوري السعيد عام 1954 بحل البرلمان ومصادرة الحريات وممارسة العنف ،  وسد الباب أمام أي احتمال للتغيير السلمي او امكانية مشاركة الجماهيرالشعبية (الشيعية) في السلطة.

    ولم يمض وقت طويل بعد ذلك حتى قام الزعيم عبد الكريم قاسم  بالقضاء على النظام الملكي في 14 تموز 1958 ، فانطلق المارد الشيوعي من قمقمه وسيطر على الشارع العراقي  ، وبالخصوص على اللجان التنفيذية لاتحادات الطلبة واتحادات الشباب ورابطة المرأة ونقابات المحامين والمهندسين والمعلمين وانصار السلام  ونقابات العمال واتحادات الفلاحين .[41] وأخذت منظمات الحزب الشيوعي تنمو بشكل مذهل وتوفر  له تأييدا شعبيا حقيقيا ، بحيث أصبح قادرا على اخراج مظاهرات من مئات الالوف في بغداد .

    و أوشك الحزب الشيوعي على استلام السلطة بالطرق العسكرية او الديموقراطية التي كان يدعو لها ، ولكنه انقسم على نفسه بين تيارين : أحدهما يرفض استلام السلطة ، بقيادة بهاء الدين نوري الذي كان يقول (بأن دور الشيوعيين لم يحن بعد ) ويسمي تلك المرحلة بمرحلة البروجوازية الوطنية او الديموقراطية الوطنية ، وتيار آخر يدعو الى استلامها فورا ، بقيادة سكرتير الحزب  (سلام عادل) .[42]

 

   لم يطرح الحزب الشيوعي الاشتراكية كشعار مرحلي ، وانما ركز على قضايا مثل اصلاحات في ظروف الحياة والعمل وتوزيع اكثر عدلا للثروة وصحة افضل وخدمات تعليمية واجتماعية للجميع . الا انه قام بمحاربة المؤسسات الاجتماعية العريقة كالحوزة  الدينية والعشيرة والأسرة واصحاب الأملاك و وقف وراء قانون الاصلاح الزراعي وقانون الاحوال المدنية الذي يساوي بين المرأة والرجل في الإرث ، مما خلق احساسا عميقا بالذعر في صفوف المجتمع العراقي المسلم والمرجعية الدينية الشيعية.

 

 

 



[1] /الوردي ، علي ، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ص 119 و من ص 124 الى 157

[2]  /  النفيسي ، عبد الله : دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث ص122/

[3]  النفيسي ، عبد الله : دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث ص 209

[4]   المصدر ص 124

[5]  /العطية، غسان: العراق نشأة الدولة   ص 356 /

 

[6]  / النفيسي ، عبد الله : دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث ص 25-26 /

7/ النفيسي ، عبد الله : دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث ص 120 /

 

[7]  

[8]    /الدباغ، هاشم:الامام محمد الخالصي 137 ، عن حوار للاذاعة الايرانية مع الشيخ محمد مهدي الخالصي (الحفيد) بتاريخ 21 كانون الثاني 1989

 

[9]  /الشيرازي :إلى حكومة ألف مليون مسلم ص22

 

[10]  /التميمي، خالد: محمد جعفر أبو التمن ، ص 125 /

 

[11]  / الشامي، حسين: المرجعية الدينية ، ص 102 /

 

[12]  النفيسي ، عبد الله : دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث ص 181

[13]   /الشيرازي ، محمد: الى حكم الاسلام ص 313 /

 

[14]   /التميمي، خالد: محمد جعفر أبو التمن ، ص 163

[15]   /التميمي، خالد: محمد جعفر أبو التمن ، ص 188

[16]   / الشامي، حسين: المرجعية الدينية ، ص 102

[17] /  وذلك حسبما نص عليه الدستور في الفقرة السادسة من المادة 25 من القانون الأساسي العراقي المعدل.

[18] / كما نص على ذلك في الفقرة الثانية من المادة 56 من القانون الأساسي العراقي

[19] / كما نصت على ذلك الفقرة الثالثة من المادة 26  ، ص202-203 العراق من الاحتلال حتى الاستقلال- عبد الرحمن البزاز

[20] / شناوة ، علي عبد: الشيخ محمد رضا الشبيبي ص 99

[21] / الحسني ، عبد الرزاق: تاريخ الوزارات العراقية ج1 ص 167  

 

[22] /العلوي، حسن: التأثيرات التركية في المشروع القومي العربي ص 144 

[23] /نقاش ، اسحاق :شيعة العراق ص212  

 

[24] /البزاز ، عبد الرحمن: العراق من الاحتلال إلى الاستقلال ، ص 230- نقلا عن تاريخ الوزارات العراقية للحسني ج3 ص 286

[25] /العلوي ، حسن: الشيعة والدولة القومية ص 170

[26] /التميمي، خالد: جعفر ابو التمن ص204 

وشناوة ، علي عبد:  الشبيبي في شبابه السياسي ص 195

والعلوي ، حسن : الشيعة والدولة القومية ص 170

 والحلفي، عدنان: تأسيس المجتمع المدني ص55

 

[27] /نقاش، اسحاق: شيعة العراق ص 150

 

[28] / العلوي ، حسن :  الشيعة والدولة القومية في العراق ص176

 

[29] / كان الايرانيون يشكلون 5% من الشيعة في العراق عام 1919 أي حوالي 80000 شخصا  

وكانوا يشكلون ثلث سكان النجف الذين كانوا يقدرون  30,000

و يشكلون 75 % من سكان كربلاء البالغ عددهم 50000 

 /نقاش ، اسحاق :شيعة العراق ص31

[30] /نقاش ، اسحاق: شيعة العراق ص 164  و

العطية ، غسان: العراق نشأة الدولة  ص 485

[31] /نقاش، اسحاق: شيعة العراق ص454

 

[32] /العلوي ، حسن: الشيعة والدولة القومية ص 312

[33] /الحيدري، ابراهيم: تراجيديا كربلاء  ص 351

[34] /نقاش، اسحاق: شيعة العراق ص 225

 

[35] /نقاش ، اسحاق: شيعة العراق ص461

[36] /كاشف الغطاء ، محمد حسين : الايات البينات ص 5-6 و20-22

 

[37] / كاشف الغطاء ، عبد الرضا: الانوار الحسينية/

[38] /الشامي ، حسين : المرجعية الدينية ص337 و الحيدري ، ابراهيم : تراجيديا كربلاء ص 445-486

[39]   / الشيرازي:  ممارسة التغيير ص246 و إلى حكم الإسلام  ص 175 و  إلى حكم الإسلام ص 167

[40] /الشيرازي : إلى حكم الإسلام ص172 و  حوار حول تطبيق الاسلام ص 59

[41] /كان لدى الحزب الشيوعي  حوالي 25000 عضو ،  وشكل  في آب 58 قوة مسلحة من  (المقاومة الشعبية ) ضمت 11000 شخصا  ارتفعت في أيار 1959 الى حوالي 25000 ، وذلك الى جانب 500 ضابط بين ملازم وزعيم منتظم في الحزب الشيوعي من بين 5000 ضابط عراقي  ، اضافة الى 1200 صديق يدفع تبرعات للحزب و3000 جندي عضو في الحزب الشيوعي./

 

[42] /سلوجلت:  العراق الحديث من الثورة الى الديكتاتورية ص 110