الشيرازي وأصول الاجتهاد

 

 

    بنى السيد محمد الشيرازي فكره  الثقافي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي ومشروعه العملي على نظرية (ولاية الفقيه ونيابته العامة عن الامام المهدي  الغائب) وان هذه النظرية قديمة وتشكل امتدادا لنظرية الامامة منذ القرن الرابع الهجري (بداية الغيبة الكبرى) ، وحصر الحق في عملية التشريع والتنفيذ والقضاء بالفقهاء العدول ، ثم اعتبر نفسه مجتهدا يحق له التصدي للمرجعية الدينية او الدخول في شورى الفقهاء. فكيف آمن الشيرازي بنظرية ولاية الفقيه؟  وهل تأكد من وجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري)؟ وهل درس الفكر السياسي الشيعي الامامي؟  وهل كان يتصف شخصيا بملكة الاجتهاد؟ ومن الذي اعطاه تلك الرتبة ؟ وهل كان يحظى باعتراف الفقهاء الآخرين في حوزة كربلاء والنجف؟ أم كان ينطوي على ضعف في ملكة الاجتهاد كما يقول بعض خصومه ، وخاصة الامام أبو القاسم الخوئي الذي أصدر في بداية السبعينات بيانا بذلك؟ واذا كان الشيرازي فعلا ضعيفا في عملية الاستنباط ، فأين يكمن الخلل؟ وما هو مستوى الاجتهاد لديه؟

    ان الاجابة عن هذه الأسئلة المهمة تعطينا مفتاح فهم المشروع المرجعي للشيرازي وتفتح أمامنا آفاق التطور ، ليس عند الشيرازي فقط ، وانما في عموم المشروع المرجعي القائم على نظرية (النيابة العامة وولاية الفقيه) والمستمد جذوره من الفكر الامامي الاثني عشري ، واذا كنا نتحدث عن السيد محمد الشيرازي فانما لأنه يشكل نموذجا بارزا لهذا الفكر وذلك المشروع .

   لا بد ان نعرف أولا ، ان الاجتهاد يمارس في الأوساط العلمية الشيعية المعاصرة ، على درجات ، في الفقه والأصول والدراية والرجال واللغة العربية والكلام والعقيدة والتاريخ ، وفي الوقت الذي يكثر فيه الاجتهاد – مثلا - في الفقه ، بمعنى تطبيق القواعد الكلية على الجزئيات ، يقل في مجال التاريخ والكلام والعقيدة ، باعتبار هذه الامور مفروغا منها وثابتة وضرورية وبديهية لا تحتاج الى بحث او دراسة معمقة ، ويكاد يكون معظم "المجتهدين" المعاصرين مقلدا  في هذه الجوانب. واذا كان الشيرازي يعاني من نقاط ضعف في عملية الاجتهاد ، كما يتهمه خصومه ، فان تلك النقاط موجودة  ، في الحقيقة ، لدى بقية (الفقهاء المراجع) بصورة أو بأخرى .

 

   وينقسم الفقهاء الشيعة بعد ذلك الى قسمين رئيسين هما : الأخباريون ، اي الذين يقبلون الاخبار الواردة في الكتب الروائية الشيعية الأربعة والتراث الشيعي القديم كما هي ، بدون نقد او تمحيص ويحرمون الاجتهاد والاعتماد على القواعد الأصولية ، و الاصوليون الذين يمارسون  الاجتهاد ويقبلون بالأصول العملية. [1]

 وبالرغم من حسم العلماء الأصوليين للمعركة نظريا لصالحهم في القرن التاسع عشر على يدي الشيخ مرتضى الأنصاري ، الا ان كثيرا من العلماء الأصوليين ظلوا يمارسون عمليا نهجا قريبا من الاخباريين في تقبل كثير من الروايات والحكايات التاريخية بدون تمحيص او اجتهاد.

   وربما كان السيد محمد الشيرازي واحدا من هؤلاء (الفقهاء) الذين اجتهدوا في (الفقه) ولم يجتهدوا في (الأصول) او (الرجال) او (العقيدة) وخاصة  (نظرية الامامة او وجود الامام الثاني عشر).  وهو يبرر ذلك بقوله : " ليس الفقهاء الذين اجتهدوا في الأصول ممن توفر فيهم الاجتهاد في جميع مقدمات الاستنباط من اللغة والنحو والصرف والمنطق والبلاغة والرجال وغيرها ، بل الغالب الذي يشذ خلافه: انهم يأخذون في المسائل النحوية ومعاني الكلمات اللغوية وغيرهما بآراء المجتهدين في تلك العلوم ، ولو احتاج الفقه إلى الاجتهاد في جميع ذلك حتى يكون الفقيه مجتهدا في اللغة والنحو والمنطق وغيرها لم  يتسن التفقه في مائة عام… وعليه فإذا اخذ الشخص نتائج مسائل الأصول عن الأصولي ، كأخذه نتائج الإعراب  والبناء عن النحوي، ثم اجتهد بتطبيق الكبريات على الصغريات لم يكن بأس في ان يعمل باجتهاده وان يعمل الغير بفتاواه على مقتضى القاعدة".  [2]

   وربما كان الشيرازي مصيبا في رأيه باستحالة الاجتهاد الشامل في وقت قصير ، اذا كان المطلوب من المجتهد ان يجتهد في جميع أبواب الفقه ، كما هو الحال لدى المجتهدين المعاصرين الذين يغطون جميع أبواب الفقه من الطهارة والنجاسة الى الصلاة والصوم وسائر العبادات الى المعاملات المالية والاحكام الشخصية ، بحيث لا يمكنهم التعمق او التخصص في اي باب من الأبواب ، ولذا فانهم يضطرون الى (التقليد) في كثير من أصول الاجتهاد كالعقيدة والتاريخ واللغة والأصول والدراية ويكتفون بالاجتهاد في تطبيق القواعد الفقهية الكلية على الصغريات ، ومع ذلك قد يبتعدون عن الصواب او عن الرأي السديد في مجال الفقه السطحي ايضا. الا ان لهاث (الفقهاء) للإجابة عن كل سؤال فقهي والتمتع بالصفة الموسوعية الشاملة لجميع أبواب الفقه بما يؤهلهم للحصول على لقب (المجتهد المطلق والأعلم) الذي يعطي المجتهد حق (التقليد) من العوام ، لا يسمح لهم بالتخصص والاجتهاد العميق في جميع المراحل الضرورية. ولكن  (الاجتهاد) السطحي في الفقه اعتمادا على التقليد في قضايا العقيدة والتاريخ والأصول والرجال لا يجعل من (المجتهد) مجتهدا حقيقيا.

 وربما كان تسامح الشيرازي في بعض المراحل الأساسية للاجتهاد ، سببا لعدم اعتراف السيد ابو القاسم الخوئي (زعيم الحوزة العلمية في النجف والمرجع الأعلى في السبعينات والثمانينات) باجتهاد  الشيرازي ، بالرغم من تأليفه لكتاب: (الاجتهاد والتقليد) في الفقه الاستدلالي سنة 1374/1955 ، وتأليفه لموسوعة ضخمة في الفقه تجاوزت المائة والثلاثين مجلدا [3] . مع انه لا يمكن اغفال العامل السياسي (التنافسي) في تحمس الخوئي لإصدار بيان ضد الشيرازي عام 1971 ، وعدم وجود مؤشرات على ممارسة الخوئي للاجتهاد في العقيدة والتاريخ وخاصة موضوع الامامة و وجود (الامام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري).

   وعلي أي حال فقد أجاب الشيرازي على من شكك في اجتهاده  بأن الاجازة ليست طريقا منحصرا ، والفقه الاستدلالي كاف لاثبات الاجتهاد. [4]

     و لكن من المهم هنا التعرف على نظرية الشيرازي الأصولية وموقفه من  المدرسة الاخبارية ، لنعرف مدى اجتهاده وعمقه وطبيعته.

   من المعروف ان الفقهاء الاصوليين يميلون الى عدم حجية الظن عقلا ، ويعتبرون النهي الوارد في القرآن الكريم: (وان الظن لا يغني من الحق شيئا) النجم 28، نهيا إرشاديا وليس مولويا ، ولكن الشيرازي يخالف المشهور لدى الأصوليين ويقول بحجية الظن استنادا الى عمل العقلاء في كافة أمورهم بالظن الا ما خرج.[5]  كما ان من المعروف عدم التزام الأصوليين بحجية الخبر الواحد ، ولكن الشيرازي يلتزم بذلك ، ويقبل حتى الخبر الضعيف اذا كان مشهورا .[6]  وهو أساسا يعتمد على الشهرة في الروايات والفتاوى ، ويرى انها تجبر الروايات الضعيفة وتكسر الروايات الصحيحة ، و ذلك اعتمادا على روايات مثل : ( لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا ) و  ( خذ بما اشتهر بين أصحابك) والمرسلة: ( فخذ بما اجتمعت عليه شيعتنا)  . ويعتقد : ان المشهور ، وان كان ضعيف الطريق ، أولى بالعمل لدى العقلاء من غير المشهور القوي الطريق  الضعيف العمل به ، مما يصطلح عليه بانكسار الرواية بسبب الشهرة .[7]  وان " الشهرة بمعنى كثرة نقل الرواية في قبال أخرى شاذة أو نادرة ، جابرة كاسرة ، للدليل فيهما ، على المشهور المنصور ، المؤيد من قبلنا".[8]                                  وبناء على ذلك يفتح الشيرازي بابا واسعا على التراث الروائي والمحافظة على التقاليد ، ويأخذ بالروايات الضعيفة التي تلقاها الأصحاب بالقبول بناء على رواية المشايخ الثلاثة (الكليني والصدوق والطوسي) لها مما يجعلها في نظره في أعلى الروايات " لأن الكليني والصدوق قد ضمنا حجية ما في كتابيهما "  . [9]

    واضافة الى ذلك  يقبل الشيرازي خبر الثقة  ، وهو خبر الصادق غير العادل ، خلافا لمن اشترط العدالة بدليل آية (يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) ، أو لأن خبر الثقة لا يورث إلا الظن و (الظن لا يغني من الحق شيئا)  . إذ يرى الشيرازي ان بناء العقلاء يقوم على قبول خبر الثقة  من غير ردع ، وانهم لا يلومون  من اعتمد على الثقة لو حصلت المخالفة فرضا، واعتمادا على المشهور وبناء على جملة من الآيات والروايات . [10]

  وعلى رغم وجود مناقشة حادة بين فقهاء الشيعة حول وجود الاجماع ، وحجيته وكذلك الاجماع المنقول بخبر واحد ، فان الشيرازي يعتبر  الإجماع المحصل والمنقول حجة ، حتى اذا كان منقولا  بخبر الواحد ، لأنه  إخبار عن قول المعصوم ، سواء كانت الدعوى مبنية على علم او حدس برؤية الناقل للاجماع ، للامام المهدي  . [11]

   وهكذا يقبل دعوى التواتر ، من دون حاجة للتأكد من الأمر ، وذلك "لأ الأخبار به إخبار بالإجمال عن موجب القطع". [12]

    و يعتقد الشيرازي ، ككثير من الفقهاء ، بالتسامح في أدلة السنن ، حسب المشهور ،  اعتمادا على بعض  الروايات  التي تقول : (من بلغه عن النبي (ص) شيء من الثواب فعمله كان له أجر ذلك ، وان كان رسول الله لم يقله) ، ولا يستبعد شمول ذلك لفتوى الفقيه لأنه ينقل كلام أهل البيت . [13]

ومن هنا فانه يؤمن بحجية كتب الأدعية والزيارات والآداب ، المروية عن الثقاة ، ككتاب (حلية المتقين) و (مرآة الكمال) و ( مفاتيح الجنان) ونحوها مما أثبتت فيها الأخبار الواردة عن الأئمة (ع) ، بغض النظر عن ذكر السند ، اعتمادا على جريان السيرة على العمل بها  . [14]

و يؤمن أيضا بصحة رواية الطفل المميز  وجواز الاعتماد عليه ، خاصة اذا  روى بعد البلوغ ، وذلك اعتمادا على بناء العقلاء والسيرة .[15]

و عموما فان الشيرازي يعتقد بأن الحجية في الرواية قد تكون من جهة تمامية السند  ، وقد تكون من جهة قوة المتن مما تكون دليلا على الورود عنهم (ع) وان لم يكن قوي السند ، وقد تكون من جهة قوة المؤلف ، وان كانت خالية من السند ، وقد تكون من جهة القرائن الخارجية ، وقد تكون من جهة الشهرة المضمونية . وقد يتعامل مع الحديث المرسل كالتعامل مع الحجة من جهة التسامح في أدلة السنن.[16] 

   واضافة الى كل ذلك يؤمن بحجية قول الشعراء في حضور الأئمة (ع) اعتمادا على كونه نوعا من التقرير .[17]  كما يقبل الرواية عن الجن .[18] 

     ويختلف الشيرازي عن الأخباريين  في انه لا يقبل بحجية الرؤيا  ، والرواية عن الأئمة في المنام .[19]

     ومن هنا فقد اعتمد الشيرازي في بحثه الاجتهادي الأول عن (الاجتهاد والتقليد) على عشرات المصادر الضعيفة المشكوك في صحة نسبتها إلى مؤلفيها أو غير المسندة إليهم أو المليئة  بالروايات الموضوعة أو غير المعتمدة من قبل الفقهاء الأصوليين المحققين ، مثل:

1 - الاحتجاج للطبرسي

2 - الاختصاص للمفيد

3 - إرشاد القلوب للديلمي

4 - إقبال الأعمال لابن طاووس

5 - الأمالي للمفيد

6 - أمالي الصدوق

7 - إكمال الدين للصدوق

8 - الأنوار النعمانية للجزائري

9 - بحار الأنوار للمجلسي

10 - تحف العقول

11 - تفسير العسكري

12 - تفسير العياشي

13 - تفسير فرات الكوفي

14 - تفسير القمي

15 - تفسير البرهان للبحراني

16 - مجموعة ورام للاشتري

17 - روضة الواعظين للفتال النيسابوري

18 - كتاب سليم بن قيس الهلالي

19 - غوالي اللئاليء للأحسائي

20 - الغيبة للطوسي

21 - الغيبة للنعماني

22 - الفقه المنسوب إلى الرضا

23 - فلاح السائل لابن طاووس

24 - عيون أخبار الرضا للصدوق

25 - كامل الزيارات لابن قولويه

26 - كشف الغمة في معرفة الأئمة لابن أبى الفتح الإربلي

27 - مستدرك وسائل الشيعة للميرزا  حسين النوري

28 - مصباح المتهجد للطوسي

29 - مكارم الأخلاق للطبرسي

30 - نوادر الراوندي

31 - الوافي للفيض الكاشاني

32 - وسائل الشيعة للحر العاملي

33 - وقعة صفين للمنقري

34 - الوسيلة للطوسي

    وفي الوقت الذي اعتاد الفقهاء الاصوليون على التحقيق في روايات الكتب الأربعة (الكافي ومن لا يحضره الفقيه والتهذيب والاستبصار) التي تعتبر في قمة التراث الشيعي من حيث السند ، وإهمال وإسقاط أو  تضعيف الآلاف منها [20]، فان الشيرازي تعامل مع الروايات الواردة في تلك الكتب الأضعف بروح عالية من الثقة والاعتماد ، وقلما شكك في رواية توجد فيها إلا ما ندر، وسلك منهجا قريبا جدا من المنهج الإخباري القديم الذي هجره حتى الاخباريون الذين راحوا يتأكدون من الأخبار قبل العمل بها.

     الاستثناء الوحيد الذي مارسه السيد الشيرازي هو رفضه القاطع لروايات تحريف القرآن وروايات التقية التي تحرم الخروج قبل قيام القائم وقد وصفها بالضعف من دون نقاش كبير ، حيث يقول:" ان زهاء مائتين من أخبار التحريف عن (السياري) الكذاب الوضاع الغالي ، والبقية لا دلالة لها ، كما ألمع إليه الوالد في رسالة له".[21]  ويقول " ان جملة من الروايات الناهية عن الخروج في زمان الغيبة سندها غير صحيح ، مثلا في سند بعضها (الخليلي) و (الجيلاني) و (ابن نصر) وأمثالهم من الكذابين والغلاة وفاسدي المذهب ، كما في (الرجال)".[22]  وقد يلقي الشيرازي باللوم على الاستعمار الماكر ويحمله مسؤولية إيجاد هذه الأفكار في أدمغة المسلمين. [23]

     فقد قبل كتاب (نهج البلاغة) الذي جمعه الشريف المرتضى ، بالرغم من عدم ذكر السند ،  اعتمادا على وثاقة الشريف الرضي ، التي تجعل مراسيله كالمسانيد ، تماما كمراسيل ابن ابي عمير ، ونظرا لاعتماد الفقهاء عليه قولا وتقريرا . وقبل (الصحيفة السجادية) بالرغم من انقطاع سندها ، او احتوائها على روايات غير مقبولة .[24]  وصحح (حديث الكساء) نقلا عن رواية والده له .[25] بالرغم من وجود مناقشة قوية في الراوي جابر بن يزيد الجعفي ، وصحح  أيضا  الخطبة المنسوبة إلى الزهراء في مسجد النبي والمروية عن ابنتها السيدة زينب التي كانت في حوالي الخامسة من عمرها وقت تحملها للرواية " لأن تلك الخطبة متلقاة بالقبول ، وقد كان الأئمة الأطهار (ع) والأعلام من الأخيار يتعاهدون هذه الخطبة ويتواصون بها ويعلمونها أولادهم جيلا بعد جيل ، فهي مقبولة سندا ، لتلقي الأصحاب والعلماء عصرا بعد عصر لها بالقبول ،وهو دليل الاعتبار عقلائيا وشهرتها الروائية كبيرة جدا ، إضافة إلى القرائن المقالية والمقامية الكثيرة الشاهدة لها كنقل المخالفين لها مع توفر الدواعي على عدم النقل ، وكقوة المضمون في الكثير من مقاطعها ، بل في كلها ، وكتطابق مضمونها مع الأصول والقواعد ". [26]

   و يستفيد من رواية زينب وهي صغيرة  صحة تحمل المميز للرواية ، وجواز الاعتماد عليه إذا رواها بعد البلوغ،  اضافة الى مقامها الخاص عند أهل البيت. [27]

      ويعتمد على كتاب تفسير القرآن   المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري ، لاعتماد ابن بابويه الصدوق عليه ، خلافا لمحققي الأصوليين الذين خدشوا فيه  لعدم وثاقة الرجلين الراويين للتفسير عن الإمام (ع) .[28]  وذلك " لأن ابن بابويه قصد في (من لا يحضره الفقيه) الإفتاء والحكم بصحة والاعتقاد فيما هو حجة بينه وبين ربه ، واستخراج الأحاديث من الكتب المشهورة المعول عليها والمرجع - كما يقول في مقدمته .. ولأن ( ابن بابويه) الصدوق كاف اعتماده في الحجية إذا لم تظهر لنا خدشة ، ولأنه عادل وخبر العادل حجة ، وان ابن الغضائري لم يخدش في هذا التفسير بل في تفسير آخر ، ولم نظفر بالمعارض القطعي لها ". [29]

   وبغض النظر عن المناقشة في المباديء الاصولية والمنهج الأخباري الذي يؤمن به السيد محمد الشيرازي ، فانه يجيز الالتزام بتلك المباديء التي تشكل مقدمة ضرورية لعملية الاجتهاد ، عن طريق التقليد ، ولا يوجب الاجتهاد فيها . [30]

 وهذه نقطة مهمة تكشف طبيعة الاجتهاد الذي مارسه السيد الشيرازي . ومع انه  يستظهر حرمة التقليد في اصول الدين  [31]، الا ان منهجه الأخباري يحول بينه وبين الاجتهاد الدقيق في المسائل الاصولية والعقائدية ويكاد يقربه من تقليد السابقين .

 

   سوف يكون لتلك النوافذ الواسعة - أو في الحقيقة : الأبواب الواسعة - التي فتحها الشيرازي على الأخبار أثر مهم على موقفه من:

   1 – الفكر الشيعي الامامي ، و الغلو في أهل البيت . 

    2 –  المشكلة الطائفية في العراق والعالم الاسلامي .

    3 – نظرية المرجعية الدينية و (ولاية الفقيه) وطبيعتها وحدودها .

   4 – طبيعة العمليات الاجتهادية ونتائجها المختلفة.

 

   ففي موضوع الامامة الالهية لأهل البيت و(الاثني عشرية) يتقبل الشيرازي جميع الروايات الواردة في التراث الامامي ويعتبرها من الضروريات التي لا تحتاج الى دليل. [32]

    وفي موضوع وجود الامام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري ، يتقبل كذلك كل الروايات والقصص الواردة حول الموضوع ، دون أي نقد او تمحيص او دراسة او مراجعة ، ويضيف اليها الروايات الشعبية التي يتناقلها الناس  عن لقاء بعض العلماء بالامام المهدي الغائب. [33]

   وبالنسبة لنظرية النيابة العامة وولاية الفقيه وجواز التقليد ، فانه يعتمد على الروايات الواردة حولها ، بدرجة كبيرة من الثقة [34]  بالرغم من اعتراف الفقهاء المحققين كالشيخ مرتضى الانصاري والسيد أبو القاسم الخوئي بضعف تلك الروايات  . 

  و نتيجة لإيمان الشيرازي بالمنهج الأخباري المتسامح في نقل الروايات وقبول الأخبار الضعيفة من دون نقد أو تمحيص و دون الالتفات إلى السند ، وقع في مطب الإيمان بكثير من الخرافات والأساطير وأقوال الغلاة ، فآمن بعلم الأئمة من أهل البيت للغيب .[35]  وبقدرتهم على اجتراح  المعاجز .[36]

وصدق بحكاية عودة الشمس للإمام علي بعد غروبها .[37]  وغالى كثيرا في منزلة السيدة فاطمة الزهراء ، واعتقد أنها مفروضة الطاعة على جميع الخلائق  من الجن والانس والطير والوحش والانبياء والملائكة ، وانها حجة حتى على الأئمة . و ان الله قد فوض اليها مع النبي والامام علي أمور الخلق يحلون ما يشاؤون ويحرمون ما يشاؤون.[38]  وقال بأن للزهراء وللأئمة من أهل البيت  الولاية التكوينية والتشريعية ، وذلك بمعنى ان زمام العالم بأيديهم فلهم التصرف فيه ايجادا واعداما ، كما ان زمام الاماتة بيد عزرائيل ، وانهم  الوسائط في خلق العالم والعلة الغائية له ، كما انها وانهم سبب لطف الله تعالى وافاضته على العالم واستمرار قيام العالم بها وبهم .[39]   وانهم أحياء دائما ، لا فرق بين حياتهم ومماتهم. وانهم  يعلمون ما كان وما يكون وما هو كائن . [40]

   وكما هو واضح فان الشيرازي يحلق عاليا في أجواء الغلو بأهل البيت ، اعتمادا على الأدعية والزيارات والأحاديث الضعيفة ، دون ان يتوقف لحظة لكي يتأكد من سندها وصحتها ، على طريقة متطرفي الإخباريين. 

    وقد انعكس موقفه المتطرف المغالي بأهل البيت ، على نظرته الى المشكلة الطائفية بين الشيعة والسنة ، وامكانية حلها بصورة جذرية ، فبالرغم من ايمانه بالوحدة الاسلامية الا انه عجز عن تقديم حلول ثقافية جذرية لإذابة الجليد بين الطائفتين الاسلاميتين ، واقتصر في حلوله على الدعوة للتعايش السلمي والتعاون السياسي بين الطرفين ، واقترح في السنوات الأخيرة فكرة إنشاء مجلس للطوائف الإسلامية المختلفة ، يحكمون فيه بأكثرية الآراء. [41]

     ومع انه قام ببذل جهد كبير لتطوير نظرية ولاية الفقيه ودمجها بالشورى ، الا انه لم يتوصل الى تأصيل نظرية الشورى في فكر أهل البيت ، في مقابل نظرية الامامة ، وظل يتمسك بالشورى في حدود او تحت ظل ولاية الفقيه او شورى الفقهاء . ولم يستطع الوصول الى الحكم المدني والنظام البرلماني او الفكر الجمهوري المتكامل.

 ولو انه قام بأية خطوة لدراسة المصادر الشيعية بعد تهذيبها لربما كان قد وصل إلى نوع من التوحيد بين الطائفتين والتقريب بينهما ، وبناء فكر سياسي جديد يقوم على الشورى . غير انه كان من الصعب عليه ان يقوم بذلك لأنه التزم بقوة وبصورة تقليدية بنظرية المرجعية الدينية وولاية الفقيه الشيعية ، ومن هنا لم يجد أية إمكانية عملية للحوار مع الفكر السني ، القائم أساسا على الإيمان بنظرية الشورى ورفض نظرية النص والتعيين.

 

 

 

 

 



[1] /يعتقد الاخباريون بصحة جميع ما في كتب الأخبار الأربعة المعروفة عند الشيعة وهي (الكافي ومن لا يحضره الفقيه والتهذيب والاستبصار)  وان الروايات الواردة فيها اما قطعية السند أو موثوق بصدورها ، فلا حاجة إلى البحث عن سندها ، و لا يشترطون للمجتهد العلم بأصول الفقه ، غير المعرفة باصطلاحات أهل البيت ، ولا يجوزون الرجوع إلى الأصول المأخوذة عن العامة كالعقل والاجماع ،   ويكتفون بالأخبار ، ولذلك اطلق عليهم اسم (الاخبارية).   / السيد محمد بحر العلوم : الدراسة وتاريخها في النجف ص 65-71 - الجزء الثاني من قسم النجف  من موسوعة العتبات المقدسة، رقم 7 - جعفر الخليلي ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت لبنان الطبعة الثانية 1407- 1987 /

وكانت مدينة كربلاء ، التي نشأ فيها  الشيرازي ، مسرحا  لمعركة طويلة بين الاصوليين والاخباريين ،  قادها (الأصولي)  الوحيد  البهبهاني  (1116 – 1205هـ/1793م)  ضد زعيم الاخباريين الشيخ يوسف بن أحمد البحراني الدرازي  (صاحب : الحدائق الناضرة) وتابعها تلميذه الشيخ جعفر كاشف الغطاء (الذي انتقل الى النجف)  ضد السيد محمد الاخباري.  / ندوة دراسات حول كربلاء ص 648/

[2] /الشيرازي ، محمد: الاجتهاد والتقليد ، مسألة 67 ص 463 /

 

[3] /أصدر الخوئي عام 1971 بيانا ينفي اجتهاد الشيرازي اعتمادا على شهادة أحد اساتذة الشيرازي: الشيخ يوسف الخراساني /

[4] / الشيرازي، محمد: أجوبة المسائل الفرنسية ص 14/

[5] / الشيرازي ، محمد: الأصول مباحث الحجج والأصول العملية ص 49/

 

[6] / الشيرازي ، محمد: الأصول ص 85/

[7] / الشيرازي ، محمد: الدولة الإسلامية ، الفقه ص96-99   ج102/

[8] / الشيرازي ، محمد:  الأصول ص75 /

 

[9] / الشيرازي ، محمد:  الأصول ص 75/

[10] / الشيرازي ، محمد:  حول السنة المطهرة ، الفقه ، ص 17 ج 111 و  الأصول ص 75/

 

[11] / الشيرازي ، محمد:  الأصول ص 71/

 

[12] / الشيرازي ، محمد: الأصول ص74 /

 

[13] / الشيرازي ، محمد: حول السنة المطهرة  ص72 /

 

[14] / الشيرازي ، محمد:  الاجتهاد والتقليد مسألة 6 ص 78 /

 

[15] / الشيرازي ، محمد: من فقه الزهراء ص 60-61 ج2 /

 

[16] / الشيرازي ، محمد:  من فقه الزهراء ص 7-9 ج 1 /

[17] / الشيرازي ، محمد: حول السنة المطهرة ص 60/

[18] / يذكر عن والده الميرزا مهدي عن الشيخ حسين النوري صاحب (مستدرك وسائل الشيعة) أنه كان منعزلا في غرفة وهو يكتب خطبة النبي في غدير خم ، فدخل عليه أثنان من الجن وصححا بعض فقرات الخطبة ، حسبما سمعاها من رسول الله (ص) حيث كانا حاضرين في غدير خم ./ العلماء أسوة وقدوة ص 31/

[19] / الشيرازي ، محمد: حول السنة المطهرة ص 63/

 

[20] / يضعف العلامة المجلس في  كتابه (مرآة العقول) 9500 رواية من روايات الكافي البالغة حوالي 16 ألف رواية/

[21] / الشيرازي ، محمد: الأصول، مباحث الحجج والأصول العملية ص 67/

[22] / الشيرازي ، محمد: السبيل إلى إنهاض المسلمين ص48 /

[23] / الشيرازي ، محمد: المرض والعلاج  ص8 /

 

[24] / الشيرازي ، محمد:  حول السنة المطهرة ص60 /

[25] / الشيرازي ، محمد:  من فقه الزهراء ص 7-9 ج 1 /

[26] / الشيرازي ، محمد:  من فقه الزهراء ص 55-59 ج2 /

 

[27] / الشيرازي ، محمد:  من فقه الزهراء ص60-61 ج2 /

[28] /انظر:  المسألة الثانية والعشرين من (مستمسك العروة الوثقى) للسيدمحسن الحكيم   و (فقه الشيعة) للخوئي/.

[29] / الشيرازي ، محمد: الاجتهاد والتقليد ص 41 /

 

[30] / الشيرازي ، محمد: الاجتهاد والتقليد مسألة 67 ص 463 /

 

[31] / الشيرازي ، محمد:  الاجتهاد والتقليد مسألة 1 /

[32] / الشيرازي ، محمد: حول السنة المطهرة ص 83/

[33] /كلقاء الميرزا  محمد حسن الشيرازي ووالده الميرزا مهدي الشيرازي ، مع الامام المهدي في سرداب الغيبة في سامراء ، وقصة الشيخ محمد الكوفي الذي أمر السيد ابو الحسن الاصفهاني بالجلوس في الدهليز وافتاء الناس بناء على لقاء له مع الامام المهدي / الشيرازي ، محمد: رجال الدين بين الناس دائما ص 2/

 

[34] / الشيرازي ، محمد:  الاجتهاد والتقليد مسألة 1 و حول السنة المطهرة  ص 95ج111 الفقه/

[35] /الشيرازي ، محمد:  اجوبة المسائل الفرنسية 8 و أجوبة المسائل المالكية103 /

[36] / الشيرازي ، محمد:  ممارسة التغيير ص 65/

[37] / الشيرازي ، محمد:  المسائل المتجددة  10/

[38] / الشيرازي ، محمد:  من فقه الزهراء ص 10 -17ج1  نقلا عن كتاب : عوالم العلوم ومستدركاتها مجلد فاطمة ج1/

 

[39] / الشيرازي ، محمد: من فقه الزهراء  ص 10 - 11 و17 /

[40] / الشيرازي ، محمد: من فقه الزهراء  ص20 و23  و 28  و30 و32 و 36- 38  /

 

[41] / الشيرازي ، محمد: الدولة الإسلامية ، الفقه  ص 69 ج101/و  ممارسة التغيير ص 99/و كيف نجمع شمل المسلمين ص 5-12 /