الشيرازي والحرب العراقية الايرانية

 

 

 

   بينما كان الشيرازي يعبئ الشعب العراقي للثورة ضد نظام البعث ، قام الرئيس صدام حسين بشن هجوم واسع على أراضي الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، واحتل مساحة شاسعة منها ، فوجد الشيرازي ان الفرصة قد تضاعفت لإسقاط النظام ، فوجه نداء إلى الجنود العراقيين دعاهم فيه إلى التمرد على البعث  والهروب من الجيش والالتحاق بالجمهورية الإسلامية في إيران ، وأعلن بأن " الحرب تحت لواء البعث خزي في الدنيا وعذاب في الآخرة ، فمن قتل مسلما دخل النار ومن قتل على يد مسلم دخل النار". [1]

    كما وجه بيانا إلى المسلمين في العراق دعاهم فيه إلى " الثورة الجماهيرية حتى إسقاط هذا النظام الكافر ليسود مكانه نظام الهي يكون قانونه الإسلام ورئيسه مرضيا لله ومنتخبا من الأمة " ودعا الجيش إلى الفرار من الثكنات وجبهة القتال بكل صورة ، كما دعا إلى مساعدة المسلمين في العراق وإيران بالمال والسلاح والدعاية لإسقاط” النظام البعثي الكافر” . [2]

   وفي نداء ثالث طالب" الجيش العراقي بتوجيه أسلحته إلى صدور خونة البعث ، لأنهم كفرة فجرة ، والهرب بالأسلحة ، وقتل كل بعثي ملحد ، فلمن قتل أي فرد من البعث الكافر الجنة والعزة".[3]

     وقال الشيرازي تعقيبا على الحرب :" انها أشعلت حماس المسلمين في كل مكان وجعلتهم يتحركون لينفضوا عن أنفسهم غبار الذل والكسل والجمود والانهزام ليلتحموا مرة أخرى ،  ويكوّنوا حكومة إسلامية عالمية واحدة تحت لواء الإسلام وحكم القرآن". [4]

    ولما كان الشيرازي والحركة الإسلامية ووسائل إعلام الجمهورية الإسلامية تتهم صدام بالكفر والعلمانية ومحاربة الإسلام ، فقد وجد الرئيس العراقي صدام حسين بأن من صالحه رفع شعار الإسلام والتظاهر ببعض الشعائر الإسلامية ، وهنا أصدر الشيرازي بيانأ رفض فيه  إسلام صدام ، واعتبره كإسلام اليهود المنافقين الذين قالوا: ( آمنوا بالذي انزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره)  وذكر الشيرازي عشرين دليلا على كفر النظام كرئاسة عفلق الصليبي لحزب البعث ، وإلغاء الأذان والقرآن من الإذاعة العراقية ، والتصريح بالقضاء على الدين ، ونشر حوانيت الخمر والبغاء ، وقتل العلماء وهدم الحوزات ومنع الزيارات ، وحرق مئات القرى الكردية ، وإحياء القومية الجاهلية ، وترويج سب الله والمقدسات ، وتسفير مئات المسلمين وسجن الآلاف والاعتداء على شرف الفتيات المسلمات، وهدم المساجد وضرب قوانين الإسلام كالشورى ، وانتهى إلى القول بأن علماء المسلمين قد أفتوا بكفر البعث ، وحان الموعد لأن يلفظ الشعب العراقي المسلم هذا الحزب الكافر بالله واليوم الآخر . [5]

    وبناء على ذلك نادى الشيرازي باستمرار الحرب بين العراق وايران ، ورفض أي محاولة للصلح مع صدام ، وأيد  ايران في رفع شعار  ( لا صلح مع البعث )  .[6]  وقال:" ان ما أبداه البعث الكافر ، من وقف القتال مع الجمهورية الإسلامية ليس إلا مكيدة وخداعا يريد بذلك تجديد أنفاسه ليعيد الكرة ، فالواجب الشرعي على الجمهورية الإسلامية مواصلة القتال ، كما ان الواجب على الأمة الإسلامية في العراق وخارجه مساعدة المقاتلين المسلمين ضد الكفار والعملاء الفاسدين". [7]

   وطالب الشيرازي المقاتلين بالصبر ومواصلة الحرب حتى سقوط حزب البعث الحاكم في العراق.[8]  وقال : " ان المسلمين داخل وخارج إيران لا يتصالحون مع الكفر أبدا ، وعلى المسلمين ان يمدوا الشعب العراقي الثائر … بالمال والسلاح وسائر المستلزمات". [9]

   وأصر على موقفه المطالب بإقامة الحكم الإسلامي تحت قيادة العلماء في العراق وتشكيل الحكومة الإسلامية الواحدة التي يكون قانونها الإسلام ويعين رئيسها بالشورى في انتخابات حرة ، حيث " ان العراق بلد مسلم لا يقبل إلا بالإسلام دينا ومنهجا ". [10]

   ومن هنا فقد دعا إلى تسليح الشعب العراقي ودعم ثوار العراق من الداخل بالمال والسلاح  ، وقام الشيرازي بمقابلة الإمام الخميني في بداية الحرب العراقية الإيرانية ، وعرض عليه تزويد الشعب العراقي بمليون قطعة سلاح ودعمه بمليار دولار  . [11]

    وتحرر الشيرازي في ظل الحرب من كل القيود والتحفظات وبدأ يحث على كل انواع المقاومة السلمية والعسكرية ضد النظام البعثي ، وأصدر بيانا في مناسبة " الأربعين"  يقول فيه:" الواجب الشرعي على الجميع ان يجعلوا من (زيارة الأربعين) منطلقا لأجل تكميل الثورة الإسلامية ضد البعث ، وذلك بتجديد العهد مع الامام الحسين ومع أنفسهم بمقاطعة كل شيء يرتبط بالبعث ومواصلة الإضرابات والمظاهرات ، والفرار من الإدارات والثكنات وكسر أبواب السجون وتحرير السجناء ، وحمل السلاح ضد البعث ، والقيام بكل أعمال المقاومة من نسف القطارات الحاملة للأسلحة وإلقاء القنابل في مراكز البعث ، وحيث ان البعث يعد كافرا محاربا للإسلام فمن قتل بعثيا فله الجنة". [12]

    وبينما كان الشيرازي يعول كثيرا على انتصار الثورة الإسلامية في العراق في وقت قريب ، أزعجته ، مرة أخرى ، أنباء عن احتمال وقوع انقلاب عسكري في العراق ، أو إقامة جبهة وطنية ،  فأصدر بيانا رفض فيه  أية حكومة عسكرية أو ائتلافية في العراق ،   واتهم كل من يشترك في تلك الحكومة بالعمالة الصريحة للاستعمار.  ووعد باستمرار القتال في حال وقف اطلاق النار بين العراق وايران ، من داخل العراق حتى اسقاط نظام البعث . [13]

    ولكن الحرب استمرت ولم يحدث انقلاب عسكري في العراق ولا قامت جبهة وطنية ، ولم تستطع الثورة الإسلامية ان تتقدم أو تنتصر على إجراءات النظام القمعية ، ولم تستطع القوات الإيرانية ان تدخل في العراق لتغير النظام فيه أو تقيم حكومة إسلامية بأي شكل من الأشكال.. وتدهورت علاقة السيد محمد الشيرازي بقيادة الجمهورية الإسلامية في إيران ، التي أهملته وفضلت عليه السيد محمد باقر الحكيم لقيادة "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق" الذي أسسته عام 1982 ، وهذا ما دفع الشيرازي إلى اتخاذ قرار مفاجيء بالانسحاب من المواجهة السياسية والتعبئة الإعلامية ضد النظام العراقي ، والانزواء في قم والعمل من اجل المرجعية وتقويم التجربة الإسلامية الإيرانية ككل ، وخاصة في اتجاهها الاستبدادي وابتعادها عن الشورى والديموقراطية.

   ومنذ عام 1982 وتحديدا بعد تحرير مدينة خرمشهر (المحمرة) بدأ الشيرازي يتحدث في مجالسه الخاصة عن عبثية الحرب وضرورة وقفها .[14]  ولم يكن يستطيع ان يعلن موقفه أمام الملأ ، خوفا من الاصطدام مع الامام الخميني الذي ظل يدفع باتجاه الحرب ستة أعوام أخرى.

 

  

 



[1] /بيان بتاريخ 4-11-1400/

 

[2] /بيان بتاريخ 14-11-1400/

[3] / بيان بتاريخ 18-11-1400/

 

[4] / بيان بتاريخ 6-12-1400/

 

[5] /بيان بتاريخ 2 محرم 1401/

[6] /بيان بتاريخ 20-11-1400/

 

[7] / بيان بتاريخ 25-11-1401

 

[8] /بيان بتاريخ 23-5-1401/

 

[9] /بيان بتاريخ 23-5-1401/

[10] / بيانات بتاريخ محرم 1401 و 10 صفر 1401 و13 ربيع الأول 1401/

 

[11] / حدثني بذلك المرحوم السيد علي الفالي الذي رافق الشيرازي في زيارته للخميني /

 

[12] /10 صفر 1401/

 

[13] /بيان بتاريخ 13 ربيع الأول 1401  و7رجب 1401/

 

[14] / حدثني شخصيا مرارا /