ح - التطور الديموقراطي

 

 

   حدث تطور كبير في فكر السيد محمد الشيرازي ، في مرحلة لاحقة ، باتجاه الديموقراطية أو الشورى ، فبعد موقفه السلبي العنيف منها ومن أي ممارسة للشورى أو الانتخابات أو التنظيم الحزبي ، في بداية الستينات ، عاد تدريجيا فقبل بكل مفردات الديموقراطية إنما تحت ظل (ولاية الفقيه) أو (شورى الفقهاء). ويشكل كتابه: (حوار حول تطبيق الإسلام) الذي ألفه في منتصف الستينات (1965) نقطة تحول لديه ، حيث تخلى الشيرازي في ذلك الكتاب عن موقف المقاطعة لمفردات الديموقراطية المختلفة ، وبدأ ينفتح عليها قبل ان يلتزم بها أو ببعضها بقوة في المستقبل ، حيث قال :" من الجائز ان تختار الأمة ان تجعل المجلسين (الأمة والشيوخ) أو أحدهما ، ومن الجائز ان تقتنع الأمة بمنصب الرئيس فقط ، ثم الرئيس يختار المشاورين سواء في صورة مجلسين أو مجلس واحد ، كل ذلك لأنه لا دليل على أحد الأمرين ، فالأمر مطلق للأمة

   ان الديموقراطية هي حكم الشعب للشعب بالشعب ، والشورى حكم الله للأمة بالأمة ، وحيث ان الشرع لم يحدد مدة الرئيس ، فللأمة الحق بتقرير المدة". [1]

       ثم قام في وقت لاحق بتحليل عوامل انحطاط المسلمين وصعود الغرب ، فوضع اصبعه على  الديموقراطية في الغرب وغياب الشورى عند المسلمين .[2]  وقال معلقا على التجربة الديموقراطية في الغرب:" ان الغرب لما ابتلي بحكام مستبدين سواء باسم الدين كالكنيسة ، أو باسم الدنيا كالملوك ، كان يتقهقر من سيء إلى أسوأ حتى قام عقلاؤه بتنبيه الناس إلى ان المشكلة من الحكام المستبدين ، وان الخلاص : بتوزيع القدرة ، فلما عمل الغرب بذلك ارتفع عن تلك المهاوي السحيقة حتى وصل إلى ان ساد العالم - حتى العالم الإسلامي - ان الغرب لما أخذ بمبدأ الشورى - إلى حد ما - ارتفع عن ذلك الحضيض إلى هذا المرتفع الذي سيطر به على العالم". [3]

   وقال أيضا :" لقد بدأ الانحطاط ومعه بدأ السقوط في تلك الساعة التي ترك حكام المسلمين مبدأ الشورى ، وأخذ الاستبداد ينخر في جسم الكيان الإسلامي ، فتحول كل إلى ضده ، وبات الإسلام مجرد طقوس وشعارات ، وشيئا فشيئا بدأت معالم الدين تتغير وتتبدل وتأثرت العلاقات الاجتماعية بالحالة الدينية

   ان انهيار الحكم الإسلامي يعود إلى عامل الاستبداد الذي أخذ يتفشى في الحكم وفي المجتمع وفي العائلة ففقدوا حريتهم وتنازلوا عن الأحكام الإسلامية ". [4]   و بناء على ذلك التحليل اعتبر الشيرازي الديموقراطية أفضل أساليب الحكم ، لأنها تهيئ الجو الكامل للحرية ، وفي الحرية تظهر الكرامة الإنسانية والكفاءة ، فتنمو الملكات وتبرز العبقريات ، وبذلك يظهر في الحياة الأصلح فالأصلح .[5]  وتصدى الشيرازي لمناقشة الاشكالات التي يأخذها البعض على الديموقراطية وخاصة (مبدأ الأكثرية) ، اعتمادا على ان الله عز وجل قد ذم الأكثرية في عدد من الآيات القرآنية مثل: ( وان تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) فقال:" ان الله لم يذم الأكثرية مطلقا ، بل ذمهم في زمان كون الأكثرية منحرفة عن سبيل الله ، ولذا لم يكن الأمر كذلك فيما إذا كان هناك أكثرية نسبية كما في (سبيل المؤمنين) إذا كانوا ذهبوا إلى شيء".[6]  وقال:" ان المحكم في الشورى هو اتباع أكثرية الآراء  ". [7]

    وقام بتحليل جذور الاستبداد في العالم الاسلامي ، فعزى  المشكلة الى الرحم التي تولد الحاكم المستبد وهي الأمة .[8]  وانتقد بشدة الانقلابات العسكرية ، التي قال انها تحدث في العالم الاسلامي والبلاد المتخلفة ، بسبب وجود التخلف في جميع أبعاد الحياة ، اضافة الى وقوع تلك البلاد تحت نير الاستعمار المباشر او غير المباشر ، في غياب الوعي الجماهيري او رشد الأمة.[9]  وان مشكلة الاستبداد والحكومات العسكرية سوف تبقى في العالم الثالث الى ان يحصل الوعي لشعوب هذا العالم ويكون الحكم مرتكزا على الانتخابات الحرة. [10]

     ومن هنا أخذ الشيرازي يطالب بتوعية الأمة حول الشورى ، ويدعو الى العمل بها في كل مرافق الحياة وجوانبها .[11]  ويشترط في كل قضية خاصة أو عامة اجتماعية او سياسية او اقتصادية ان يتم حلها على قاعدة الشورى ، والا فانه خلاف صريح للقرآن والسنة والعقل.[12]  ويقول:" ان كل من يصل إلى الحكم بلا استفتاء حر من الشعب ، وبلا شورى منهم ولا انتخاب فهو باطل وليس من الإسلام في شيء  ".[13]  ويعتبر الحكم الاستبدادي مخالفا بصراحة للقرآن الكريم والسنة والعقل. [14]

 

 التعددية الحزبية

 

   تبعا لتطور نظرة الشيرازي إلى الديموقراطية الغربية وتحولها من النظرة السلبية المطلقة في بداية الستينات إلى النظرة الإيجابية فيما بعد ، فقد تغيرت نظرته تجاه إحدى لوازم الديموقراطية وهي التنظيمات الحزبية ، فآمن بأهميتها أولا ، وطالب بتعددها ثانيا  ، باعتبارها الضمانة العملية للحفاظ على الديموقراطية والحيلولة دون الاستبداد .[15]  وقال:" ان الأحزاب السياسية أصبحت في المجتمعات الغربية من مستلزمات الديموقراطية ".[16]  وانها ضرورية لتثبيت النظام البرلماني واشراك الأمة في الحياة السياسية . [17]

   وبناء على موقفه هذا أفتى الشيرازي في : (المسائل المتجددة) بحرية الاحزاب ، بصورة عامة . وأجاز قيام أحزاب وطنية ، اذا لم تكن تخالف الاسلام ، بل أوجب ذلك  في بعض الاحيان. [18] واستثنى من الجواز الأحزاب الإلحادية والمضادة للدين والمرتبطة بالاستعمار . [19]

   و رفض الشيرازي  نظرية الحزب الواحد " لأنه خلاف الحرية المقررة في الشريعة " وطالب بتعدد الاحزاب.[20]  وقال: "ان الدولة التي تحكمها أحزاب متعددة تتناوب على السلطة في انتخابات حرة تكون أقوى وأسلم واصلح للامة من الدولة التي يحكمها حزب واحد أو فرد واحد أو تيار واحد ، فالواجب ..تحقيق التعددية السياسية في الدولة ". [21]    و قال "يحرم استئثار الحزب الواحد بالحكم حيث انه يوجب الديكتاتورية المحرمة في الاسلام ، لأن الاسلام دين بني على الشورى وحرية الآراء". " ولأن الحزب الواحد استبداد لا يجوز شرعا ، حتى اذا كان سببا لسيطرة فقيه عادل ،  لأنه اضاعة لحق سائر المسلمين ". [22]

   وتعزيزا للديموقراطية أكد الشيرازي على ضرورة ممارسة الشورى داخل الحركات والأحزاب الاسلامية ، وان تنتخب قيادتها بأكثرية الآراء .[23]

   ونبه الى خطر تحول الحركات الاسلامية الى  حركات ديكتاتورية اذا لم تقم على الشورى ، ومساهمتها بتكريس الاستبداد في البلاد .[24]

 

    وإذا كانت الديموقراطية تحمل خطر انحراف الأمة عن الدين أو انتخاب أحزاب أو أشخاص لا يلتزمون بالشريعة الاسلامية ، فان الشيرازي يدعو إلى تقييد الديموقراطية  بالمرجعية الدينية او ( ولاية الفقيه) ، حتى يكون المرجع (الفقيه) هو المشرف الأعلى  والمقوّم لانحراف الدولة. [25]

 

     مشروع دستور إسلامي

 

   ومع انفتاح الشيرازي على الديموقراطية قام  في نهاية الستينات بكتابة مشروع دستور اسلامي ، يقوم على الشورى والانتخابات والديموقراطية ، ويرتكز على نظرية (ولاية الفقيه) .[26]

وقد جاء فيه (المادة 2 من الفصل الأول) : ان الله سبحانه هو واضع قانون الإسلام وليس للبشر حق وضع أي قانون ،  على خلاف قانون الله اطلاقا . وان مصدر التشريع (حسب المادة 3) هو  القرآن والسنة ، و إجماع الفقهاء ، والعقل.

   وان الحاكم  في الدولة الإسلامية هو المجتهد الجامع للشرائط أو شورى الفقهاء بشرط رضا الناس (المادة 8 من الفصل الثاني) .

  وجاء في الفصل السادس ( مادة 28 ) - ان البرلمان في الإسلام ليس لتقنين القوانين ، وإنما لأجل تطبيق الإسلام وإدارة البلاد. وان تكوين الأحزاب جائز او واجب ، اذا توقفت اعادة الاسلام عليها ، بشرط اجازة الفقيه العادل (المادة 29 ). [27] 

 

   ومع حدوث ذلك التحول لدى السيد محمد الشيرازي باتجاه الديموقراطية والشورى والدستور ، قام بتصحيح نظرته الى (الحركة الدستورية – المشروطة)  التي قادها المرجع الديني الشيخ محمد كاظم الآخوند الخراساني ، في بداية القرن العشرين ، والتي هاجمها الشيرازي سابقا ، واعتبرها من فعل الاستعمار وسخر من وجود المجتهدين في مجلس الشورى  ، حيث عاد فاتخذ منها موقفا إيجابيا . [28]ودافع عن زعيم الحركة الدستورية الشيخ الآخوند الخراساني . [29]

 

 

 

 

 

 

  

 

 

 

 

           

 

 

 

 

 

 



[1] / حوار حول تطبيق الإسلام ص 19-20 /

 

[2] /  سبل النهوض بالمجتمع الإسلامي ص 20/

[3] / الشورى في الإسلام ص 28، عام 1988م/

 

[4] /الشيرازي ، محمد: سقوط بعد سقوط ص 13-18  و : الاجتماع ص 21ج2/

 

[5] / الشيرازي ، محمد:  السياسة ص 58-60 ج2 /

 

[6] / الشيرازي ، محمد:  الحكم في الإسلام ص 55/

[7] / الشيرازي ، محمد:  سبل النهوض بالمجتمع الإسلامي ص 20/

 

[8] / الشيرازي ، محمد:  الشورى في الإسلام ص 29/

[9] / الشيرازي ، محمد:   الاجتماع ص55 ج1 /

[10] / الشيرازي ، محمد:  إلى الحوزات العلمية ص 74، عام 1387 مع ملحق: كلمات حول نهضة المسلمين/

 

[11] / الشيرازي ، محمد:  سبل النهوض ص22 /

[12] / الشيرازي ، محمد:   تنظيم الحوزة ص12 /

 

[13] / الشيرازي ، محمد:  ممارسة التغيير ص 39، عام 1990/

[14] / الشيرازي ، محمد:  تنظيم الحوزة ص12 /

 

[15] / الشيرازي ، محمد:  الشورى في الإسلام  ص 35/

[16] / الشيرازي ، محمد:  الشورى في الإسلام ص 45/

[17] / الشيرازي ، محمد:  الشورى في الإسلام ص70-73  /

[18] / الشيرازي ، محمد: مسألة 75 المسائل المتجددة/ انظر أيضا: الشيرازي ، محمد: إذا قام الإسلام في العراق ص 75  /

 

[19] / الشيرازي ، محمد: السياسة ص 124-125 ج2  و ص183 ج2 /

 

[20] / الشيرازي ، محمد:  حوار حول تطبيق الإسلام ص23 /

[21] / الشيرازي ، محمد:  إلى وكلائنا في البلاد ص92 /

 

[22] / الشيرازي ، محمد: السياسة ص 117 و121ج2 /

 

[23] / الشيرازي ، محمد:  إلى حكومة ألف مليون مسلم ص 112-106  و الشيرازي ، محمد:  السبيل إلى إنهاض المسلمين ص69 /

[24] / الشيرازي ، محمد:  السبيل الى انهاض المسلمين ص210 و222-224  /

[25] / الشيرازي ، محمد:  السياسة ص 62ج2 وص 117 و121 ج2 و الشيرازي ، محمد:  الصياغة الجديدة ص  710و انظر أيضا: الشيرازي ، محمد:  الحرية الإسلامية ص 25-28/

[26] / كما جاء في كتاب (هكذا حكم الاسلام)  الموقع بتاريخ 17 ربيع الثاني 1389 المصادف 1969 و قد اجرى الشيرازي تعديلا على النص الذي كتبه في الستينات ، بعد انتصار الثورة في ايران ، ونشر النص الأول سنة 1400/1980 كملحق لكتاب (الى حكومة الف مليون مسلم) ثم حذف بعض الأمور وأضاف بعضا الى الطبعة المستقلة للكتاب، فلاحظ/

 

[27] / الشيرازي ، محمد: هكذا حكم الإسلام – الطبعة المستقلة ، والطبعة الملحقة بكتاب الى حكومة الف مليون مسلم/   ومع ان الشيرازي وضع  ذلك " الدستور" في نهاية الستينات ، وطبعه أكثر من أربع مرات ، إلا  انه عاد فتراجع عن فكرة الدستور سنة 1400 هـ للأسباب السابقة التي كان قد احتج بها من قبل وهي : عدم وجود الدستور في التجارب التاريخية الاسلامية القديمة ابتداء من حكومة رسول الله (ص) وانتهاء بآخر حكومة إسلامية قبل قرن ، ولأن القانون الأساسي للدولة الإسلامية : الكتاب والسنة والإجماع والعقل  ./ وذلك في بيان له عن العراق بتاريخ 20-5-1400//

[28] / الشيرازي ، محمد:  الحرية الإسلامية ص21 /

[29] / الشيرازي ، محمد: السياسة ص 101ج2 و إلى حكومة ألف مليون مسلم ص 11 و الشيرازي ، محمد:  تحويل المعنويات الإسلامية ص59، سنة  1403/