ج - الموقف من القومية
انطلاقا من آفاق المرجعية
الاسلامية الرحبة وقوانين الاسلام القديمة ، رفض السيد محمد الشيرازي سياسة الدولة
العراقية الحديثة ، القومية والاقليمية ، التي اتبعتها منذ تأسيسها في العشرينات
من القرن العشرين ، كما رفض
الشيرازي الدول الاقليمية التي انبثقت في المنطقة في اعقاب هزيمة الدولة العثمانية
في الحرب العالمية الاولى واحتلال القوات البريطانية والفرنسية لمعظم أراضيها في
الشرق الاوسط. وذلك من منطلق الوحدة الاسلامية (وان هذه أمتكم أمة واحدة) و ان البلاد الإسلامية كلها وطن لجميع
المسلمين.[1] وان هذه الحدود الجغرافية الحالية حدود
مصطنعة رسمها الاستعمار الخارجي .[2] اضافة الى ان الحكومات العراقية المختلفة
كانت تستخدم (القومية العربية) كشعار في صراعها مع المرجعية الشيعية التي كان يغلب
عليها العنصر الفارسي ، بهدف عزلها عن جماهيرها العربية ومنعها من التدخل في
الشؤون الداخلية العراقية . وتستخدم
الشعار القومي كأداة لتكريس زعامتها للشعب العراقي وبناء الدولة الحديثة
على اسس قومية بعيدة عن روح الاخوة الاسلامية.
ومن هنا فقد تصدى الشيرازي بشدة
للحركات القومية التي كانت تحاول تقسيم المسلمين والتمييز بينهم وتعمل على تفتيت المجتمعات الاسلامية
الواحدة ، كالمجتمع العراقي. [3]وحذر
من ان الدعوة للقومية العربية ليست إلا محاولة مخادعة تستهدف الحيلولة دون قيام
الأمة الاسلامية الواحدة ، وانها لن
تؤدي الى توحيد البلاد العربية ، حيث سترفض من قبل كافة المسلمين المؤمنين بالوحدة الاسلامية ، وستقاوم من
قبل جملة من الأقليات القاطنة في هذه البلاد مثل الأقلية الكردية ، كما ستتقاوم من قبل الدول الإقليمية
.وانها ستلازم الديكتاتورية بما تنطوي عليه من الغرور والاعتزاز بالنفس.[4] ورأى الشيرازي في القومية انغلاقا وانحطاطا و تناقضا مع الروح
الإنسانية بكل معنى الكلمة ، حيث تفضل القومية ( القوم) على الكفاءة ، بينما
الإنسانية لا تقدم إلا الكفاءة ، وتنبأ بتخلف البلاد التي تتبنى النظام القومي .[5] كما رأى فيها تناقضا مع روح الاخوة
والمساواة الاسلامية ، وقال:"
ان القومية توجب التناكر والمحاربة لا التعارف ، والرسول الأكرم يقول: الناس
سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على أعجمي ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى".
[6]
وعاب على القومية تفضيل بني قومها من الملحدين على المسلمين من القوميات الأخرى .[7] واتهم الشيرازي الغرب بالمجيء بالقومية
إلى البلاد لتحطيم الوحدة الإسلامية
، كما انهم جاءوا بالإقليمية ليحطموا البلاد ويسقطوها عن القوة والعزة ويسلبوها
ثرواتها . [8]
ولاحظ الفوارق بين الحركات القومية
الغربية التي جمعت بين فئات المجتمع
، والحركات القومية العربية أو التركية أو الفارسية أو غيرها التي حطمت الاطار الانساني المتمثل في الاسلام
وانحدرت الى القومية الضيقة. [9]
واعتبر الحرب الكردية في شمال
العراق ، وابتعاد بعض البلاد الاسلامية عن قضية فلسطين ، ثمرتين مرتين للسياسة
القومية التي اتبعتها الحكومات العراقية والعربية. [10]
لقد كان البعض من دعاة
القومية في العراق يحاول ان يستغلها بصورة عنصرية مضادة للروح الدينية والتاريخية
والوطنية والحضارية للعراق ، في الوقت الذي كان الغرب يحاول التخلص منها ويعمل على
بناء أوربا الموحدة بعد الحرب العالمية الثانية ، وينفتح على جميع الشعوب والأمم
والحضارات ، إلا ان الاتجاه الديكتاتوري الذي ساد في العراق كان يحاول ان يمزق
وحدة الشعب ويعتصم بالقبلية والحزبية والقومية والطائفية ويستخدم الشعارات البراقة
ليضرب الطوائف والقوميات والأحزاب والقبائل الأخرى ، وخاصة الشيعة والمرجعية
الدينية، ويطردها من السلطة. وبما ان
الشيرازي كان يحمل الجنسية الإيرانية بالرغم من انه وأباه ولدا في العراق وانه ينحدر
من اصول عربية هاشمية من سلالة الرسول الأعظم ، فقد كان الشيرازي يرفض السياسة القومية بأقصى ما يمكن ليخترق
الحواجز القومية المفروضة أمام تدخله في السياسة العراقية والشأن العراقي.
وفي مقابل ذلك كان الشيرازي يدعو للوحدة الإسلامية .[11]
وتعميق الشعور الوحدوي في أعماق المسلمين . [12]
وإزالة جميع الحواجز النفسية والقانونية والجغرافية بين المسلمين ، [13]لأن
" الوطن في المفهوم الإسلامي هو موطن المسلمين أجمع ، والوطن في المفهوم
الغربي محدود جغرافيا بحدود خاصة " .[14]
ولأن ذلك مقتضى قانون (الاخوة الاسلامية) المستمد من الآية الكريمة: (إنما المؤمنون أخوة) . [15]و
على هذا الأساس كان يدعو الى اقامة الحكومة الاسلامية العالمية الواحدة التي أسسها رسول الله (ص). [16]
وقد التقى الشيرازي بعدد من المسئولين العراقيين في العهدين
الملكي والجمهوري ( كرئيس الوزراء
عبد الوهاب المرجان ، و رئيس مجلس السيادة محمد نجيب الربيعي )
وطالبهم بفتح أبواب العراق لكل من يريد بدون جواز او جنسية او هوية او رسوم او قيود ، ورفع الحدود
والتأشيرات و مساواة الأجانب بالعراقيين في الحقوق والواجبات واعتبار كل مسلم في
البلد مواطنا له ما لهم وعليه ما عليهم سواء كان عربيا او أعجميا او من اقاصي
الدنيا ، واعطائه حق ملكية الأرض والاتجار والوصول الى أرقى الوظائف في الدولة. [17]
واقترح في مشروع الدستور الاسلامي الذي كتبه عام 1969 ان تكون حدود البلاد
مفتوحة أمام جميع المسلمين ، وكذلك المناصب القيادية فيها ، فلا تقتصر على أبناء
البلاد.
و أرسل من الكويت إلى وزراء الخارجية
الإسلامية المجتمعين في احد المؤتمرات رسالة دعاهم فيها إلى التزام الوحدة
الإسلامية. وإزالة الحدود الدولية بين المسلمين وعدم الاعتراف بها.[18]
وكرد فعل على السياسة القومية
العربية التي انتهجتها الحكومات العراقية ، اتخذ الشيرازي موقفا محايدا من التمرد
الكردي العسكري في شمال العراق ، وافتى بعدم جواز مقاتلة الثوار المسلمين
المطالبين بحقوقهم إذا ثاروا على دولة غير إسلامية ، أو الأكراد المطالبين بحقوقهم
المشروعة في المساواة ، ووجوب إعطائهم الحقوق المشروعة . [19]
وقال لوفد جاءه من قبل عبد
السلام عارف (رئيس الجمهورية العراقية 1964) وطلب منه إصدار
فتوى بوجوب الحرب ضد الأكراد واعلان
النفير العام للعراقيين لمحاربتهم ، قال:" ان الأكراد مسلمون كما ان العرب
مسلمون ، فإذا انتم بنيتم حكومتكم على القومية العربية فهم تعلموا منكم ويريدون ان
يبنوا حكومة لأنفسهم على القومية الكردية ، وهل باؤكم تجر وباؤهم لا تجر؟ ان
المناصب الكبرى في الدولة محرمة على الأكراد فهل بعد ذلك نتمكن ان نقول لهم : لا
تحاربوا حتى يستعمركم العرب العراقيون؟ إنكم إذا طبقتم المساواة الإسلامية بين
الأكراد والعرب حتى يتمكن الكردي المسلم كأخيه العربي المسلم من الوصول إلى العلم
والمال والقدرة والمنصب والسلاح وغير ذلك من الشؤون الشخصية والاجتماعية ففي ذلك
اليوم يلقي الكردي سلاحه تلقائيا لأنه يعرف انه أخ ويعامل معاملة الأخ ، أما ان
تستبدوا بكل المزايا وتقولوا للأكراد: لا تحاربوا واستسلموا لكي تكونوا في الدرجة
الثانية فهذا شيء غير منطقي كما انه غير إسلامي" . [20]
رفض قانون
الجنسية والجوازات
وتبعا لموقف الشيرازي من
القومية والإقليمية فانه رفض (الجنسية)
التي اعتبرها من مخترعات الغرب الحديثة السلبية لتقييد حرية الإنسان ،
والتي لم يكن لها أثر عند المسلمين
من أول الإسلام إلى قبل مائة سنة ، بالاضافة الى انها وسيلة لتكريس الحكومة العراقية الطائفية (السنية) همينتها
على الشيعة في العراق من خلال تقسيم الشعب الى درجات وفئات ، ولذلك طالب بإلغاء
قانون (الجنسية) الكافر الذي يكرس
الحدود الجغرافية المصطنعة ويفرق المسلمين.[21] واعتبر الشيرازي (جواز السفر) بمثابة
العبودية ، واشاد بمقاومة العلماء في ايران والعراق له ، وخاصة إفتاء بعضهم (كالشيخ صادق التبريزي
ونور الدين الشيرازي) بحرمة الذهاب
إلى الحج بجواز سفر ، لأنه كان يعني
قبول المسلم بوضع قيود على يديه ورجليه ، وقد أنقذ الله المسلمين من الأغلال . [22]
و تنفيذا لنظريته هذه كان الشيرازي
يفتي بحق جميع المسلمين في حرية السفر
عبر الحدود ، وحرية الاقامة في أي بلد بلا جواز او جنسية او هوية او أي
قيد.[23]
" لأنه لا حدود بين بلاد الإسلام ، فلا حاجة إلى إجازة الدولة في الذهاب من
بلد إلى بلد". [24]
[1] / الشيرازي ، محمد: إلى الوكلاء في البلاد ص101/
[2] / الشيرازي ، محمد:
السبيل الى انهاض المسلمين ص 6-7/
[3] / الشيرازي ، محمد: السبيل إلى إنهاض المسلمين ص 9/
[4] / الشيرازي ، محمد: السياسة ص292/
[5] / الشيرازي ، محمد: السياسة ص 78-80ج2 /
[6] / الشيرازي ، محمد:
حوار حول تطبيق الإسلام ص 83-94 /
[7] / الشيرازي ، محمد: إرشادات إسلامية ص 14/
[8] / الشيرازي ، محمد: الحكم في الإسلام ص128/
[9] / الشيرازي ، محمد:
السياسة ص 78-80ج2 /
[10] / الشيرازي ، محمد:
حوار حول تطبيق الإسلام ص 83-94 /
[11] / الشيرازي ، محمد:
إرشادات إسلامية ص 143/
[12] / الشيرازي ، محمد:
السبيل إلى إنهاض المسلمين ص9/
[13] / الشيرازي ، محمد: السبيل إلى إنهاض المسلمين ص 324/
[14] / الشيرازي ، محمد: الاقتصاد ص 172ج1 /
[15] / الشيرازي ، محمد: الحكم في الإسلام ص 197/
[16] / الشيرازي ، محمد: السبيل الى انهاض المسلمين ص 6-7/
[17] / الشيرازي ، محمد:
حوار حول تطبيق الاسلام ص 105-115 وتلك الأيام ص 148-158 /
[18] / الشيرازي ، محمد: إرشادات إسلامية ص 17/
[19] / الشيرازي ، محمد: الحكم في الإسلام ص 191 و: تلك الأيام ص
242/
[20] / الشيرازي ، محمد: ممارسة التغيير ص 98 و: تلك الأيام ص 242/
[21] / الشيرازي ، محمد:
الصياغة الجديدة ص 510 و: تلك
الأيام 124/
[22] / الشيرازي ، محمد:
ممارسة التغيير ص160 –162 و السبيل إلى إنهاض المسلمين ص 266/و
إرشادات إسلامية ص 119/
[23] / الشيرازي ، محمد: ما
هو الاسلام ص 74 ، من هكذا الاسلام 1979م/
[24] /ثم عاد الشيرازي فقال
بضرورة التقيد بالقوانين في حالة وجود
دولة إسلامية شرعية تفرض قوانين خاصة للحدود ، من باب وجوب إطاعة أوامر
رئيس الدولة الإسلامية الصحيحة. راجع: الحكم في الإسلام ص 191//