ب - الموقف من الديموقراطية

 

   اتخذ الشيرازي موقفين متباينين من الديموقراطية ، وكان موقفه الأول في بداية انطلاقته في الخمسينات ، سلبيا جدا ، وقد بناه  على ضوء تجربة النظام الملكي الذي كان يتلاعب بالشعارات الديموقراطية ويزيفها دائما لصالح  الاستعمار والنخبة الحاكمة ، ويمنع القوى الشعبية والشيعية من الوصول الى مصادر القرار ، أو ادارة البلاد بصورة مستقلة ، وعلى ضوء تجربة الشيوعيين الذين سيطروا على اتحادات العمال والفلاحين والطلبة والمثقفين والشبيبة والنساء والجيش في نهاية الخمسينات والذين كان من المحتم فوزهم في أية عملية انتخابات تجري في تلك الأيام في العراق . و أيضا على ضوء تجربة الديموقراطية المرة في ايران في عهد الشاه .  [1]

 

   اضافة الى رفضه لمبدأ الديموقراطية باعتباره مفهوما غربيا وافدا ومتعارضا مع الثقافة الاسلامية التقليدية والفكر السياسي الامامي الرافض لمبدأ الشورى في الخلافة والداعي الى نظام النص والتعيين من قبل الله للأئمة والحكام ، والمتمثل في ظل غيبة الامام المهدي في نوابه العامين الفقهاء المراجع.

 

   وكان الشيرازي في البداية  يعتبر الديموقراطية والمجالس البرلمانية نوعا من الاستعمار الفكري ومصدرا للشرور والويلات على البشرية. [2]  وينفي وجود أية علاقة لهما بالشورى ، ويقول:"  ان معنى الشورى: ان يستشير الإنسان أصدقاءه في كل أمر جزئي أو كلي ، كما كان الرسول يستشير أصحابه في الأمور وكما كان يستشير كل خليفة أو ملك أو فقيه أو إنسان عادي رفقاءه في الأمور . أما الانتخاب والمجلس والقانون الذي يضعه الناس فذلك أمر (ديموقراطي) ولد في اليونان وطبقه الغرب ثم جاء إلى بلاد الإسلام عنفا وقوة".   [3]

   وينتقد وجود المجالس التشريعية قائلا:" لا فائدة في المجالس النيابية والبرلمانات ومجالس الشيوخ ، وانما هي مراكز للغرب أسست لتحطيم الاسلام وبلاد الاسلام وقانون الاسلام وعلماء الاسلام والمسلمين في وقت واحد ، وينبغي ان تغلق أبوابها وتجعل مخازن للحبوب او مدارس للتثقيف الاسلامي".  [4]

 

   ويقول:" هل كان يصح فتح هذه المجالس (البرلمانية) امام ممثلي الرسول الأعظم والإمام الصادق (الفقهاء)؟ وهل كانت في ظروف الإسلام الذهبية هذه المجالس؟ ومن الذي أباحها؟ وما الاحتياج إليها بعد ان كانت عصور الإسلام الذهبية خالية عنها؟ ولم تكن العصور ذهبية إلا  لعملها بالإسلام وعدم وجود هكذا مجالس فيها.  [5]

 

    بناء على هذا الموقف السلبي المبدئي والموضوعي من الديموقراطية ، قام السيد محمد الشيرازي بقراءة خاصة للحركة الدستورية في ايران وموقف الفقهاء المراجع من اول انتخابات برلمانية جرت في العراق عام 1923 واستخدم قراءته الخاصة لكي يعزز موقفه الرافض والمعادي للديموقراطية.

ومع ان موقفه هذا كان يضعف موقفه  السياسي تكتيكيا تجاه الحكومة المركزية في بغداد ، الا انه كان يصب استراتيجيا في خدمة بناء خطه المرجعي في مدينة كربلاء ، في وقت لم يكن قادرا  بصورة عملية على تحدي الحكومة على مستوى العراق او المطالبة باقامة نظام ديموقراطي ، وكان بحاجة ماسة الى تأصيل أيديولوجيته (المرجعية) بين قواعده الشعبية.

    من المعروف ان التجربة الديموقراطية الايرانية السابقة (حركة المشروطة) التي قادها الشيخ محمد كاظم الخراساني  الآخوند ورجال الدين الشيعة ، عملت على إقامة حكم ملكي دستوري مشروط ببرلمان ، ونجحت في عام 1906 في اجبار الشاه مظفر الدين على اعلان الدستور ، والاحتفاظ بمكانة عليا تضمن للفقهاء الإشراف على قوانين المجلس  . ولكن انقسام الحركة الدستورية الى  فريقين  يطالب أحدهما بحكم ديموقراطي مطلق وآخر يطالب بحكم يلتزم بالشريعة الإسلامية ، أدى الى إعدام الشيخ فضل الله النوري (أكبر دعاة المشروطة المشروعة) في طهران على يد فريق المشروطة المطلقة ، و ترك مرارة في حلوق رجال الدين الذين أخذوا يشككون في الحركة الديموقراطية ويتهمونها بالعمالة لبريطانيا ، ويعادونها بصورة كلية.

  

    كما ان من المعروف ايضا ان رجال الدين الشيعة في العراق طالبوا خلال ثورة العشرين بإقامة نظام ملكي دستوري يلتزم بمجلس تشريعي منتخب من الشعب ، ولكن سيطرة القوات البريطانية بعد الثورة ومحاولتها تمرير معاهدة الانتداب التي وقعتها مع الحكومة المتعاونة معها من خلال مجلس تأسيسي ، واصرارها على تزوير الانتخابات ، دفعت المراجع الشيعة يوم ذاك (السيد ابو الحسن الاصفهاني والشيخ محمد حسين النائيني والشيخ مهدي الخالصي) الى تحريم الانتخابات تحريما قاطعا ، في محاولة منهم لقطع الطريق على الحكومة  وعدم تمرير معاهدة الانتداب وليس رفضا منهم لمبدأ الانتخابات او اقامة مجالس برلمانية.

     بيد ان السيد محمد الشيرازي نظر ، في بداية انطلاقته في الخمسينات ، الى كلا التجربتين الايرانية والعراقية نظرة خاصة تنسجم  مع موقفه المبدئي الرافض لأساس الانتخابات والشورى والديموقراطية والدستور ، وما كان يعتبره لعبة غربية حادثة ودخيلة ومعادية للمرجعية الدينية التي تمثل في نظره النظام السياسي الإسلامي الأصيل .و اتهم الحركة الدستورية في إيران بالعمالة للانجليز. [6]   ونفى ان يكون للآخوند الخراساني أي دور في قيادة الحركة الدستورية أكثر من افتائه بلزوم ان يستشير الملك جماعة من العقلاء والعلماء ، وقال انه كان يريد  الإعلان عن بطلان المجلس وحرمته ، لكنهم قتلوه بالسم ،  وان ( المجلس النيابي) في ايران لم يقم الا على أشلاء العلماء ودماء الأزكياء .

    و قال ان  العلماء في العراق وقفوا ضد الملك فيصل لما أراد فتح (المجلس النيابي) بإشارة من الإنجليز ، حتى انهم أفتوا : (المنتخب والمنتخب كلاهما في النار) وفي سبيل ذلك شُرّدوا وأُبعدوا  عن أوطانهم إلى إيران والحجاز والهند وخنقت أصواتهم. [7]

     ومن الواضح ان موقف الشيرازي هذا يقوم على قراءة معاكسة لما هو معروف تاريخيا عن دور الخراساني في قيادة الحركة الدستورية (المشروطة)  ولما هو معروف من رفض العلماء في العراق للانتخابات المزورة وليس لمطلق الانتخابات . ويبدو ان قراءة الشيرازي هذه كانت تعتمد على الرأي العام السلبي الذي كان منتشرا بين عموم العلماء وأوساط رجال الدين في العراق وايران في تلك الفترة ، وليس على دراسة علمية دقيقة.

    ان موقف الشيرازي السلبي من الديموقراطية والانتخاب كان ينبع بالدرجة الأولى من الفكر السياسي الامامي الذي يقوم على النص و التعيين ويرفض الشورى ، ذلك الفكر الذي عبر عنه  السيد كاظم اليزدي رافع لواء الاستبداد في مواجهة (المشروطة) أفضل تعبير.

     ولتعزيز موقفه هذا نفى الشيرازي حصول أية تجربة ديموقراطية في التاريخ الإسلامي أو شبيهة لها ، حتى تجربة انتخاب الإمام علي بن أبى طالب يقول عنها انها تمت لأن الإمام كان يعرف نفسه الأحق بالخلافة وليس لأن الثوار انتخبوه ، وهو يفسر آية الشورى  بمعنى بعيد عن السياسة وانتخاب الحاكم ، فيقول (بتاريخ :29 ربيع الأول سنة 1383/1963) :

-       " المراد بالأمور ، في قوله تعالى: ( وأمرهم شورى بينهم) هي جميع شؤونهم التي لم يجعل لها الله حدا خاصا ، وقد تمسك بعض من ملأ أفكارهم أنظمة الغرب بهذه الآية لتصحيح الديموقراطية الغربية من أحزاب وبرلمان ومجلس شيوخ وانتخابات وما أشبه ، وهذا بالإضافة إلى انه غلط في نفسه ، وان وقع فيه كثير من بلاد الغرب … فانه مخالف للإسلام ولم يطبقه المسلمون في يوم من الأيام ، وذلك دليل عدم فهمهم من الآية ذلك ، ولم يفسرها الرسول أو الأئمة (ع) بذلك ، فأبو بكر أصبح خليفة بالقوة … وعمر بالوصاية من أبى بكر فقط ، وعثمان بجعل من عمر في ستة فقط ، وان سماه شورى ، وهل نصب الملوك لشخص في مشاورة سداسية تعتبر انتخابات على ما يريد هؤلاء؟ وعلي (ع) بانتخاب الثوار وجماعة من أهل المدينة ، وان كثرت الأصوات له بالنسبة إلى سابقيه نوعا ما ، ومجيء علي إلى الحكم لأنه عرف نفسه أحق ، لا لأنه انتخب.. والحسن بالوصاية أو انتخاب جماعة من أهل الكوفة ، ومعاوية بالسيف ، ويزيد بالوصاية ، وهكذا دامت السيف والوصاية إلى آخر خليفة عثماني ، وعمر بن عبد العزيز جاء بالوصاية ثم بانتخاب أهل المسجد فقط خوفا من السلطان ، كما هو معلوم في مثل هذه الأحوال قديما وحديثا ، فأين من هذا الديموقراطية؟ وان طورها أحزاب اليوم ألف تطوير لإلصاقها بالإسلام ، ويظنون انه فتح للإسلام ، فبينما هو هدم لأقوى دعائمه.

   … نحن نعتقد ان الله كما عين الرسول عين الأئمة ألاثني عشر ثم عين الأئمة الفقهاء الجامعين للشرائط ، وكل ملك شيعي كان فقيها جامعا للشرائط ، أو كان مأذونا من فقيه جامع للشرائط فهو بحق أصالة أو وكالة ، وكل من فقد هاذين الوصفين فهو باطل.

   ونرى في تاريخ ملوك الشيعة الأقسام الثلاثة بدون ان يكون فيهم اسم انتخاب ولا في يوم واحد إلى آخر ملوك القاجار في إيران .

  ثم ان الانتخابات بجميع صورها باطلة ليست من الإسلام ، اما انتخابات هذا اليوم فهي أشنع وأبشع ، ولذا أفتى علماء الإسلام حول مجلس إيران بأنه ضلال وانحراف ، وأرادوا تحريره فقتل الشيخ فضل الله النوري والسيد عبد الله البهباني والشيخ الآخوند المولى محمد كاظم الخراساني ، فقد كان قصدهم من (المشروطة) التي أقدموا عليها ان يكون للملك جماعة من العلماء العدول أقلهم خمسة وبعض الناصحين ، حينما يريد إنفاذ حكم من أحكام الإسلام وتطبيقه على الأمة ، وأرادوا بذلك إحياء سنة الرسول وسيرة الخلفاء والملوك الأقدمين حيث كانت مجالسهم لا تخلو من علماء لإرشادهم سبيل الدين ، وناضجين لإرشادهم سبيل الدنيا - بالنسبة إلى غير النبي والوصي - اما هما فاستشارتهم كانت لجلب الخواطر ، وإلا فهم أغنى عن ذلك.

   وأفتى علماء العراق حول مجلس الأمة حين أراد فيصل فتحه بأمر الإنجليز لهدم الإسلام بأن : (المنتخَب والمنتخِب كلاهما في النار) وقد لقوا جزاء فتياهم تشريدا وتسميما وإهانة وهتكا.

   فمن أراد اليوم إعادة المجلس أو الانتخاب أو الديموقراطية أو الأحزاب أو ما أشبه ذلك بزعم انه خدمة للإسلام وخلاص للمسلمين فليعلم - ان كان مخلصا - انه يبني من جديد لهدم الإسلام في لباس الإسلام ،وسيرى في الدنيا انقلاب الأمر عليه وفي الآخرة الخسارة والنكال ، فان هذا أساس غربي بحت لا يمت إلى الإسلام بصلة ، وان كان شاكا فليدرس الإسلام من جديد لا على ضوء الأنظمة الغربية وما ارتكز في ذهنه من سموم الأجواء التي نشرها الغرب وعملاؤه ، بل على ضوء الكتاب والسنة وفتوى من الفقهاء الذين هم أعرف الناس بالإسلام وبنظمه" .  [8]

 

    و انطلاقا من موقفه الأول الرافض للديموقراطية ، رفض الشيرازي الاعتراف بالأحزاب الإسلامية التي تقوم في قيادتها على الانتخاب والشورى ، وهو ما كان يطرحه حزب الدعوة الإسلامية  وأحزاب أخرى في نهاية الخمسينات والستينات في الساحة الشيعية ، و رأى الشيرازي في الأحزاب الإسلامية  منافسا خطيرا للمرجعية الدينية ، ومحاولة  للاستيلاء على القيادة الإسلامية "الشرعية "  . ورفض في البداية  اعتماد التنظيم الحزبي حتى كوسيلة للوصول إلى السلطة ،  خوفا  من الوصول الى حكم الشعب واقامة البرلمان ، وعودة الحياة الغربية تحت ستار الإسلام  .  [9] و[10]

  

       وهكذا كان الشيرازي في بداية انطلاقته في الخمسينات والستينات ، بعيدا جدا عن المطالبة بالديموقراطية أو إجراء انتخابات في العراق . ولم يكن وحده من بين الإسلاميين في ذلك الوقت ممن يرفض الديموقراطية والشورى ، فقد كتب السيد محمد باقر الصدر أيضا ، بعد خروجه من حزب الدعوة ، كتابا ضد الشورى هو (بحث حول الولاية) وأكد فيه على موضوع النص والتعيين بالنسبة للائمة من أهل البيت ، ونفى ان يكون المسلمون قد فهموا من آية الشورى الشورى في الحكم والخلافة.[11]

    ومما عزز موقف الشيرازي المضاد للديموقراطية والانتخابات في تلك الفترة هي انتفاضة رجال الدين في إيران ضد الاستفتاء الذي نظمه الشاه محمد رضا بهلوي في  شهر رمضان من عام 1382 /1962 لتعديل قانون الانتخابات والسماح للمرأة ولغير المسلمين بالاشتراك فيها واقرار قانون الإصلاح الزراعي وتأميم الغابات وكتائب التعليم ، حيث اعتبر العلماء في إيران الاستفتاء محاولة للقضاء على الإسلام والتلاعب بالقوانين الإلهية المقدسة والمساواة بين المرأة والرجل. حيث أصدر المرجع الديني السيد حسن القمي بيانا جاء فيه : " ان المراجعة إلى الرأي العام وإفتاء أفراد الشعب في الأمور التي بين حكمها في الشرع الإسلامي الحنيف لا معنى له أبدا ، إذ لا يحق لامرئ ان يفتي ضد الإسلام في هذه المواضيع ، كما ان الأحكام الإسلامية لا تصلح للتغيير لأجل مراجعة الرأي العام ، إضافة إلى ان فتح باب المراجعة إلى الرأي العام للنيل من المقاصد يورث أخطارا كبيرة جدا ، إذ من الممكن في المستقبل تعريض جميع الأحكام الإسلامية والأمور الدولية والمقامات إلى الخطر من أجل مراجعة الرأي العام ". [12]  وأعلن المرجع الديني الشريعتمداري: " ان الاستفتاء سوف يشكل خطرا عظيما على الإسلام والقرآن والمذهب ، إذ من الممكن بعد فتح باب الاستفتاء وتشريعه وإجرائه ان تعمد الحكومة في المستقبل إلى إجراء الاستفتاء بالنسبة إلى المواد التي تتعلق بالدين والمذهب الرسميين للمملكة … ان الاستفتاء في أمثال هذه الأمور لم يكن معهودا من قبل هذا ولا يوجد في القانون الأساسي… ولذا ليس لعملية الاستفتاء صبغة شرعية في نظر مراجع الشيعة والعلماء بل إنها مخالفة ومنافية للدين والقانون). [13]   وقال السيد أبو القاسم الخوئي: " الاشتراك في الاستفتاء الذي يسبب نقض أحكام الإسلام تحريمه لا يحتاج إلى بيان". [14] بينما قال الإمام الخميني في خطاب له: " ليس الانتخاب الصوري الذي اجري في إيران هو قضية اشتراك المرأة في الحكم وما إلى ذلك ، فان ذلك من صغريات الأمور ، انهم يريدون الكيد للإسلام لقلب الأوضاع رأسا على عقب وضرب الإسلام وتحريف القرآن".   [15]

   وأصدر الشيرازي الذي دعم الانتفاضة بقوة ، بيانا باسم جماهير كربلاء ، أدان فيه الإجراءات الدموية التي أتخذها المسؤولون لتشويه إرادة الشعب الإيراني وخنق صوت العلماء الذي يمثل رأي الإسلام.  [16]

   وقد تركت تلك الحركة التي ساهم فيها الشيرازي بقوة أثرا بالغا على فكره السياسي ، وأبعدته عن أجواء الاستفتاء والديموقراطية أو المطالبة بها في العراق الذي كان يخضع لحكم عسكري مباشر منذ 14 تموز 1958، مع ان معارضة العلماء في إيران كانت بالدرجة الأولى ضد اشتراك المرأة أو تزوير الانتخابات.

 

الموقف من الدستور

 

   وانسجاما مع الموقف السلبي الذي اتخذه الشيرازي من الديموقراطية والانتخابات ، اتخذ موقفا مماثلا من الدستور العراقي ، وبدلا من ان ينتقد الجوانب السلبية فيه  أويحاول سد الثغرات الموجودة فيه ، كما كان يفعل البعض ، وجه السيد محمد الشيرازي سهام نقده إلى أساس الدستور واعتبره عملا من أعمال الاستعمار ووسيلة من وسائله للسيطرة على البلاد ، ورأى فيه تناقضا مع الإسلام ونظام المرجعية الدينية وحرية الفقهاء في استنباط قوانين جديدة .  [17]

   ورفض الشيرازي  دستور 1906 الايراني ، الذي اشترط وجود خمسة من المجتهدين في البرلمان الإيراني لتصحيح أعماله ، انطلاقا من عدم الحاجة للقوانين التي يضعها النواب إذا كانت مخالفة للإسلام ،  وعدم  الحاجة إلى  النواب مع وجود الفقهاء ، وبمخالفة ذلك لسيرة المسلمين طوال القرون الماضية.  [18]

 

 وقال: لا قانون أساسي في الإسلام - بالمعنى المصطلح - وإنما الموجود : الكتاب والسنة والإجماع والعقل. وإنما نشأ الدستور في بلاد الإسلام لإيقاف عجلة التقدم وصنع بديل للأدلة الأربعة وإدخال المجتمع الإسلامي في تقييدات القوانين الجامدة وتكبيل الناس وخدمة مصالح الحكام المستبدين.  [19]

   و وجد في وضع قانون أساسي ثابت مخالفة مع قانون الاجتهاد والتقليد ، الذي يحتم تقليد الفقهاء الاحياء ويحرم تقليد الموتى ، حتى اذا كان الدستور من وضع الفقهاء ، لأن صلاحية تقلديهم تنتهي بوفاتهم. [20]

   ومع ذلك فقد قام الشيرازي بنفسه في نهاية الستينات بكتابة مسودة مشروع دستور اسلامي يعطي السلطة المطلقة للفقيه ، الا انه عاد فتراجع عن فكرة الدستور عام 1980 [21]   ثم تردد في موقفه منه بعد ذلك .  [22]

 

   ويلاحظ ان الشيرازي رفض في مشروع الدستور الاسلامي نظرية الحكم الوراثي الملكي  [23] وقال انه أسوء اقسام الحكم (الانقلابي والانتخابي) . [24]    ولكنه لم يتحدث عن النظام الجمهوري كبديل عن الحكم الملكي الوراثي ، وانما طرح نظام ( ولاية الفقيه).

 

    تزامن موقف الشيرازي السلبي من اساس  الدستور ، مع الغاء حكومة 14 تموز للدستور العراقي الملكي ، وتبنيها لدستور مؤقت يجمع كل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية  بيد شخص واحد ، او مجلس واحد . وقد تعرض ذلك الدستور المؤقت الى عدة تغييرات مع كل عملية انقلاب عسكري مر بها العراق . ولم يتم منذ ذلك الحين اقرار دستور دائم في العراق بالرغم من  محاولات عديدة جرت للقيام بذلك.

     وفي عام 1976 طرح وزير العدل حسين جميل : ضرورة وجود دستور دائم للعراق وانشاء محكمة دستورية عليا تراقب تطبيق القوانين وشرعيتها الدستورية ، فعقب صدام حسين الذي كان –يوم ذاك - نائبا لرئيس الجمهورية:" ليس لدينا شئ اسمه دستور دائم ، والدستور الدائم بدعة غربية لا مكان لها في الأنظمة الثورية ، وان القوانين هي انعكاس للأفكار والمصالح الاقتصادية السائدة في المجتمع ولهذا فانها تتغير  وليست ثابتة  ، ولا نسمح بوجود فكرة (الدستور الدائم) بيننا ما دامت القوانين هي من صنعنا".  [25]   وبعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية طرحت القيادة العراقية بصورة غير جدية فكرة (الدستور الدائم) والتعددية السياسية ، ولم تتخذ اية خطوة بهذا الشأن.

    وفي الوقت الذي كانت تلك الدساتير  الشمولية الدائمة والمؤقتة تصادر حريات الشعب وحقوقه ، فان البديل الاسلامي الذي طرحه السيد الشيرازي حسب نظرية (ولاية الفقيه) كان يميل ايضا الى نفس الاتجاه ، سواء من خلال الدعوة الى الغاء أي دستور والاعتماد على فتاوى المرجع الديني ، او من خلال الدستور الذي كتبه الشيرازي في نهاية الستينات ، ومال فيه الى تركيز السلطات بيد الفقيه وعدم الفصل بينها .[26]

 

 



[1] /الشيرازي ، محمد: المرض والعلاج ص 27، عام  1383/

[2] / الشيرازي ، محمد: في ظل الإسلام ص 15/ 

[3] / الشيرازي ، محمد: المرض والعلاج ص 33-39/

 

[4] / الشيرازي ، محمد: المرض والعلاج ص 26/

 

[5] / الشيرازي ، محمد: المرض والعلاج ص 27 ، عام 1383/

[6] / الشيرازي ، محمد: إرشادات إسلامية ص 69/

[7] /الشيرازي ، محمد: المرض والعلاج ص 33-39/

[8] / الشيرازي ، محمد:  تقريب القرآن إلى الأذهان ، تفسير آية 39 من سورة الشورى /

 

[9] / الشيرازي ، محمد: المرض والعلاج ص 66/

 

[10]   / وضمن موقف السيد محمد الشيرازي من الأحزاب الاسلامية ، نشر أخوه  السيد حسن  في سنة 1963 كتابه (كلمة الإسلام) الذي هاجم فيه نظرية العمل الحزبي الإسلامي بعنف ، ورفضها " لأنها تقوم على الديموقراطية  المخالفة للاسلام ".  راجع: صفحة 197و 102 و 114 كلمة الإسلام- حسن الشيرازي//

 

[11]  / يقول الصدر:" لو كان النبي (صلّى الله عليه وآله) قد اتخذ من مستقبل الدعوة بعده موقفاً إيجابياً يستهدف وضع نظام الشورى موضع التطبيق، بعد وفاته مباشرةً، وإسناد زعامة الدعوة الى القيادة التي تنبثق عن هذا النظام، لكان من أبْدَهِ الأشياء التي يتطلبها هذا الموقف الإيجابي، أن يقوم الرسول القائد بعملية توعيةٍ للأمة والدعاة على نظام الشورى، وحدوده وتفاصيله، وإعطائه طابعاً دينياً مقدساً، وإعداد المجتمع الإسلامي إعداداً فكرياً وروحياً لتقبل هذا النظام، وهو مجتمع نشأ من مجموعة من العشائر، لم تكن قد عاشت - قبل الإسلام - وضعاً سياسياً على أساس الشورى، وإنما كانت تعيش، في الغالب، وضع زعامات قبلية وعشائرية تتحكم فيها القوة والثروة وعامل الوراثة إلى حد كبير .
ونستطيع بسهولة أن ندرك أن النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يمارس عملية التوعية على نظام الشورى، وتفاصيله التشريعية، ومفاهيمه الفكرية، لأنّ هذه العملية لو كانت قد اُنجزت، لكان من الطبيعي أن تنعكس وتتجسد في الأحاديث المأثورة عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، وفي ذهنية الأُمة، أو على الأقل في ذهنية الجيل
الطليعي منها، الذي يضمُّ المهاجرين والأنصار، بوصفه هو المكلف بتطبيق نظام الشورى، مع أننا لا نجدُ في الأحاديث عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أيَّ صورةٍ تشريعية محددة لنظام الشورى .
وأما ذهنية الأُمة أو ذهنية الجيل الطليعي منها فلا نجد فيها أيَّ ملامح أو انعكاسات محددة لتوعيةٍ من ذلك القبيل. " و
انظر أيضا: السيد محمد الكاظمي القزويني ، الإسلام وواقع المسلم المعاصر، ص 79 ، سلسلة منابع الثقافة الاسلامية ، كربلاء /

 

[12] /24 كفاح العلماء الأعلام- منابع الثقافة الإسلامية/

[13] /19 كفاح العلماء الأعلام-منابع الثقافة الإسلامية/

[14] /23 كفاح العلماء الأعلام/

[15]/73 كفاح العلماء الأعلام/

 

[16] /42 كفاح العلماء الأعلام/

[17] /الشيرازي ، محمد:   السياسة ص 96ج2  و: القانون ص 178/

[18] /الشيرازي ، محمد:  المرض والعلاج ص 29-30 ، عام 1383/

 

[19] /الشيرازي ، محمد: إذا قام حكم الإسلام في العراق ص 38-40/

 

[20] / الشيرازي ، محمد: إذا قام الإسلام في العراق ص 41/

 

[21] / الشيرازي ، محمد:   السياسة ص 246و251 ج2 /

[22] / الشيرازي ، محمد:   السياسة ص 246ج2 /

 

[23] /الشيرازي ، محمد:  الى حكومة الف مليون مسلم ص 75/

[24] / الشيرازي ، محمد:   السبيل الى انهاض المسلمين 317/

[25] / الفضل ، منذر : جريدة الحياة ، العدد 13234 تاريخ 2 حزيران 1999/        

[26] / عاد الشيرازي فتراجع عن موضوع الجمع والتركيز باختيار الفصل بين السلطات ، ومع ذلك اعتقد انه لم يتبنَ هذا الاتجاه بقوة ، وذلك لإيمانه بنظرية (ولاية الفقيه) او شورى الفقهاء التي تركز كافة او معظم السلطات بيد مراجع الدين . صحيح انه يميل الى التعددية والانتخابات وحرية الاحزاب وما الى ذلك ، ولكن هذه الامور غير واضحة ولا مستقرة في رأيه حتى الآن ، فهو يقول بها ولكنه يربطها باجازة الفقهاء المراجع ويحددها بالحدود التي يفرضها هؤلاء ./