مع الدكتور محمد حسين الصغير في كتابه (الفكر الإمامي من النص حتى المرجعية)[1]

 

استبعاد نظرية تطور الفكر الشيعي، وتشكيك بالأمانة العلمية للكاتب

 

  لعل من أبرز الكتب التي تستحق التوقف عندها، كتاب الدكتور الصغير، والدكتور - كما هو معروف - درس أكثر من عشرين عاما في حوزة النجف الأشرف من عام 1952 حتى 1975 ، وتخرج على يدي الامام الخوئي، وجمع بين الدراسات الحوزوية والحديثة، حيث أكمل دراساته العليا في الآداب في جامعة بغداد وجامعة القاهرة وجامعة درهام البريطانية، وحصل على الدكتوراه ودرجة الاستاذية (البروفيسور) عام 1988، وأسس الدراسات العليا في جامعة الكوفة عام 1988 ، وأشرف وناقش أكثر من مائة رسالة ماجستير ودكتوراه في الدراسات القرآنية والبلاغية والنقدية، وله أكثر من خمسين بحثا علميا وعشرين مؤلفا.

   وهو ما يؤهله جدا لمناقشة كتابي (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه) أفضل مناقشة علمية. وفي الحقيقة عندما رأيت كتابه وقرأته عنوانه سررت بقيامه بالرد، أكثر من الردود التي قرأتها لرجال دين آخرين، رغم أني فهمت من العنوان الفرعي (رداً لشبهات أحمد الكاتب) أنه يتخذ موقفا ناقدا، وحسبت أنه سوف يقوم برد علمي على ما ذكرت في كتابي من تطور الفكر السياسي الشيعي، ويأتي بما لديه من أدلة علمية لدحض ما طرحت من أفكار، بروح علمية أكاديمية. ولكن صدمتي به كانت كبيرة إذ أنه عبر منذ البداية عن موقف رافض لأي تفكير أو مناقشة أو نقد أو نقض لأي مبدأ من مباديء الفكر الامامي، التي اعتبرها نسخة واحدة متكاملة وثابتة وجامدة، نازلة من السماء، ومجمع عليها منذ عهد رسول الله (ص) حتى اليوم، وبالتالي فلا مجال لأي نقاش أو حوار فيها. فقد قال في الصفحات الأولى من كتابه، بعد أن استعرض أصول الدين عند الشيعة وهي التوحيد والنبوة والامامة والعدل والمعاد:"هذه أوليات اعتقاد الإمامية، وهي مباديء أساسية وليست هامشية، فقد قام عليها إجماع الامامية منذ عهد رسول الله (ص) حتى اليوم" وأضاف:" ومن هنا، فقد نشأ الفكر الامامي في مبادئه الأولى التي لا تقبل نقضا ولا رداُ، فهي ليست فرضيات تطرح على بساط البحث فيُقبل منها ما يُقبل، ويُرفض منها ما يُرفض".[2]

  وكان من الواضح ان الدكتور الصغير يعتبر الفكر الامامي فكرا حيويا صامدا عبر القرون، فقد قال:"الفكر الامامي عبر أربعة عشر قرنا، عرضت له ضغوط سياسية عبر سلطات زمنية جائرة، ونصبت له الحرب على قدم وساق، سواء أكان ذلك نتيجة عصور التخلف ومصادرة الرأي، أم عبر سياسة الارهاب الدموي والاضطهاد، أم حصيلة الصراعات المذهبية التي مني بها التاريخ الاسلامي ضمن قنوات سخرتها قوى الشر والطغيان بين المسلمين، أم كان ذلك في نطاق التعصب الأعمى المرير.

  وما زال الفكر الامامي غضا في حيويته وعطائه، نابضا بالنشاط والاستقامة رغم كل تلك الملابسات التأريخية، وفوق كل المضاعفات الطائلة.. أترى كل هذا البقاء الطويل يستند الى قوة ذاتية، أو انه يستند الى عناية إلهية، أم انه مزيج متفاعل بين الأمرين؟

  ان مئات من المباديء والمذاهب والاتجاهات والأفكار عفى عليها الزمن نتيجة ممارسات لا انسانية في الضغوط والتطويح والإبادة والاستئصال، وهي أقوى عدة، وأكثر عددا، وأمضى سلاحا، وبقي الفكر الامامي صامدا أمام جميع تلك التفاعلات اللامشروعة، وما ذاك الا بعناية اللطف الالهي والغيبي والتأييد الالهي يضاف اليهما صدق النية وسلامة القصد". [3]

    ومن هنا فان الدكتور الشيخ الصغير اعتبر كتاب (تطور الفكر السياسي الشيعي) محاولة للنيل من الفكر الامامي ومجموعة شبهات ليس الا، وتعامل معه على هذا الأساس، فقال:" ان حقائق الأشياء لا تزيفها أوهام الصنائع والمأجورين، وان مرتكزات العقائد لا تغيرها أهواء المبتدعين والعملاء، وان الفكر الصامد لا يزلزله الريح مهما عصف.

  ان النقد النزيه والمنهج التحليلي وحدة متكاملة الأجزاء في الأداء والتعبير، ووحدة ذاتية السلوك في معايير الرد والجدل سلبا وإيجابا، وهذه الوحدة في جوهرها المتأصل تأبى منطق الهجوم والسباب والشتم والاستخفاف، وتأبى أيضا لغة التجريح والتوهين والاستفزاز، وتدعو الى البحث الموضوعي القائم على أساس الدليل والبرهان، وهذا ما لم نجده عند "الكاتب" فلقد تمادى باتهمام الأئمة (ع) وشكك بالنص عليهم بل نفاه نفيا قاطعا، ورفض العصمة وتجاوز على المبدأ العام، وتهجم على القائلين بإمامة المهدي المنتظر، بل ذهب الى اعتباره فرضية فلسفية لا أصل لها، فهو عنده لا وجود له بل وغير مولود أساساً، وكذَّب نوابه الأتقياء البررة، وتناول متكلمي الامامية بالسوء والانتهاك، واتهم المؤسسين الأوائل بالكذب والانتحال، وعرض لسيرة العلماء بالتفنيد والامتهان، ونازع الفقهاء مسائل ليست من تخصصه، وليس له حق القول فيها، وطمس الحقائق المسلمية، ورد الأحاديث الصحيحة، وشوه الوقائع الناصعة، وغاص الى الشبهات الباطلة غوصا، وخاض فينا لا يحسنه جزافا.

  ان المقطوع به ان كتاب الكاتب يعتمد الروايات الضعيفة والمراسيل، ويستجمع الأحاديث المنحولة والمتقطعة لتيسير شبهاته وتسييرها، والتي لا يؤمن بأي منها الفكر الامامي منذ عهد علي (ع) الى يومنا هذا بل وما بعده حتى قيام الساعة، وهي مناورة فاشلة في أبعادها كافة..". [4]

تضمن كتاب (الفكر الامامي من النص حتى المرجعية) اثني عشر فصلا، في 280 صفحة، وهي:

1-              مباديء الفكر الامامي وشبهات الكاتب

2-              لغة الطعن والاتهام والتحريف عند الكاتب

3-              نظرية الشورى.. لايؤمن بها أهل البيت

4-              من الشورى الى الحكم الوراثي/ رد وتعقيب

5-              بوادر الفكر الامامي/ مناقشة وتصويب

6-              أركان نظرية الامامة/ التأكيد على المبدء والنص

7-              مبدأ الامامة في مواجهى التحديات

8-              الواقع الاثنا عشري.. لا التطور

9-              الامام المهدي المنتظر.. حقيقة تأريخية

10-        النص على الأئمة

11-        الفكر الامامي في عصر الغيبة

12-        المرجعية عند الامامية

 

  وبالاضافة الى ما سجله الدكتور الصغير في الفصل الأول، من امتعاض ورفض لكتاب تطور الفكر السياسي الشيعي، واعتباره له مجرد شبهات وشتائم، قال في الفصل الثاني تحت عنوان (لغة  الطعن والاتهام عند الكاتب): مفردات الطعن والاتهام، لغة الكاتب تقوم على أساس الطعن والاتهام والتكذيب في حنايا كتابه "تطور الفكر السياسي الشيعي" وهي تقوم على أساس المفردات الآتية نموذجا ومثالا لا حصرا واستقصاءا:

1-              عبارات الشك والاستبعاد يحشرها بأجواء من الحيرة والغموض وعدم الوضوح مقترنة بالمشكلة المدعاة حينا، وبالمحاولة اليائسة حينا آخر...

2-              الطعن بكل ضررويات الامامية ومسلماتها، قولا وفعلا وعملا..

3-              التناقض والتهافت الذي حفل به الكتاب لا تحده حدود باعتماده المراسيل وبتر الأحاديث، والتأكيد على الضعيف منها، وطعن الصحيح من جهة، ونكران مبدأ الامامة من جهة أخرى..فهو ينكر الأصل رأسا في المقدمة، فماذا تنفعه النتائج؟

4-              لغة الطعن والتكذيب لكل علماء الامامية، بل للأئمة أنفسهم ووصفهم بما لا يليق وشأنهم، ونسبة الكذب الى النواب الأربعة عن الامام المنتظر ، فهم أدعياء لما لم يكن، وتكذيب المؤسسين الأوائل للمذهب في أصوله العامة استنادا لفكر أئمة أهل البيت كالكليني والصدوق والصفار والمفيد والمرتضى والطوسي... أما علماؤنا المتأخرون فتناولهم بالتجريح ابتداء من المحقق الحلي فالعلامة الحلي وابن فهد وابن ادريس والاردبيلي والكركي والنراقي والشهيد الأول والشهيد الثاني وصاحب الجواهر حتى انتهى بالامام الخوئي ومن بعده، كما في الجزء الثالث من كتابه.

5-              نسبة الفكر الامامي لمتكلمي الشيعة وفلاسفتهم على حد تعبيره...

6-              لغة التهجم والاتهام لأبرز علماء الامامية من الرواة الموثقين كزرارة بن أعين، ويونس بن عبد الرحمن وأبي بصير ومعاوية بن عمار وابن ابي عمير وأضرابهم من اصحاب الصحاح.

7-              خلطه في القول بولاية الفقيه، واكتشافه المزعوم أن العلماء السابقين يجهلون النظرية ولا يعرفونها مطلقا...

8-              يتهم الكاتب النواب الأربعة بالكذب في نيابة صاحب الأمر .. [5]

 

ثم تطرق الدكتور محمد حسين الصغير الى مسألة اقتطاع النصوص والتحريف في كتاب (تطور الفكر السياسي الشيعي) فقال:" ويا ليت الكاتب اكتفى بالطعن والسب والاتهام، ولكنه عمد الى النصوص فاقتطعها، والى الروايات فحرفها عن موقعها، فأورد ما شاء ايراده، وحذف ما شاء جذفه، فالقضية عنده كيفية لا موضوعية، وفوضوية لا تنظيمية، فله إثبات ما يشاء وله حذف ما يشاء، وقد جرى هذا في أكثر من خمسين موضعا من كتابه العتيد!!! اكتفي بإيراد بعض النماذج على سبيل المثال لا الحصر والاستيعاب، ليرى القاريء أمانة الكاتب؟

1-              نسب الكاتب للسيد المرتضى نصا يعرض فيه للعباس بن عبد المطلب مخاطبا أمير المؤمنين في مرض النبي (ص) الذي توفي فيه، وهو يتخوف الاستخلاف خشية التفرق. ولدى ملاحظة النص وجدنا الدعوى فيه للقاضي عبد الجبار المعتزلي، والمرتضى يورد ذلك للرد عليه، فيقول المرتضى:"والذي يبين صحة تأويلنا، وبطلان ما توهموه قول النبي (ص) في جواب العباس على ما وردت به الرواية:"انكم المقهورون" وفي رواية أخرى:" انكم المظلومون" والككاتب يحذف هذا النص الذي أورده المرتضى ردا على الكلام الذي ذكره الكاتب واستدل به، وهو للقاضي عبد الجبار وليس للسيد المرتضى.

2-               ويستدل الكاتب رواية تنسب للامام الباقر (ع) بروضة الكافي أن عليا لم يدع الى نفسه، وأنه أقر القوم على ما صنعوا وكتم أمره، بينما نص الرواية بعد بيان اسباب امتناع الامام عن البيعة أولا، ومبايعته لاحقا مع كرهه لذلك: "ولذلك كتم علي أمره، وبايع مكرها، حيث لم يجد أعوانا" فأين هذا من ادعائه ان عليا أقر القوم على ما صنعوا وكتم أمره.

3-               وحرف الكاتب أيضا نصا واقتطعه ليستدل به على ان زين العابدين قد ابيع يزيد بن معاوية بعد الحرة. بينما نجد الامام مكرها بذلك بعد تهديده بالقتل بنص قوله الذي حذفه الكاتب " قد أقررت لك بعدما سألت، أنا عبد مكره". [6]

وفي الفصل الثالث يرد الدكتور الصغير مقولة أن الشورى هي نظرية أهل البيت، ويقول ان الأئمة لم يعينوا بالشورى، وان القرآن تحدث عن الشورى في حدود معينة، كما هو ظاهر النص القرآني في موردين، والآيتان لا يعطيان الحق في  تعيين الامامة أو الخلافة أو القيادة اطلاقا ولا يتحدثان عن نوع الحكم لا من قريب ولا بعيد، فالآية الأولى تتحدث عن خلق النبي ورقة قلبه، وتأمره بالعفو عنهم والاستغفار لهم، ومشاورتهم في الأمر، ولكن أي أمر هو؟... والآية الثاني تتحدث عن الذين استجابوا لله، وأقاموا الصلاة واتفقت كلمتهم، فأمرهم – لا أمر الله – شورى بينهم، فالآية تتحدث عن  إيمانهم وتدينهم وطبيعة أدائهم للواجبات وتشير الى حياتهم وشؤونهم الخاصة بهم، كالمشاروة وعدم الاستبداد بالرأي. فالسياق القرآني في الآيتين لا يساعد على نظرية الشورى بالمعنى المطروح، واذا ابتعد القرآن العظيم عن هذا الفهم الذي حمل عليه حملا قسريا، فلا عبرة بما سواه. ص 52

   ويستشهد الدكتور الصغير بحديث الغدير وأحاديث أخرى ليبطل مبدأ الشورى.[7] ويقول: "عقدنا الفصل الثاني من هذا الكتاب للنصوص على امامة الأئمة جملة وتفصيلا، فالنص على الاثني عشر اماما جملة، والنص على امامة كل امام باسمه هو التفصيل المراد". [8]

   ويعقد الدكتور الصغير الفصل الرابع من كتابه للرد على موضوع (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى الحكم الوراثي) من كتابي، والذي استعرض ثلاث مراحل هي المرحلة الكيسانية، وفكر الامام الباقر، ومن بعده فكر الامام الصادق السياسي، قبل أن يولد الفكر الامامي، فيرفض الدكتور الصغير كل ذلك بجرة قلم ويقول:" الكيسانية حركة سياسية لا علاقة لها بأهل البيت (ع) لا من قريب ولا من بعيد، وقد سبق القول أن المختار كان رجلا ذكيا علم من سيرة الامام زين العابدين (ع) عدم القول بالتحرك السياسي بعد مصرع أبيه سيد الشهداء، فاتكأ على محمد بن الحنفية، وادعى نيابته لاستقطاب الناس وتقوية أمره لا أكثر ولا أقل. ولم يتصد محمد بن الحنفية – كما يدعي الكاتب – لقيادة الشيعة في أعقاب مقتل الحسين، ولم يأمر المختار بالثأر من قتلة الحسين. فكل هذا موضوع لا أصل له".[9] ويقول:" لا علاقة للدولة العباسية بالشيعة الامامية، فكل له منهجه، وكل له دعاته، كما لا علاقة لأتباع عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار بالشيعة الامامية". [10]

   وهكذا يفعل عندما يتوقف عند موضوع الامام محمد الباقر والمعترك السياسي، فيقول:" ما أورده من نظرية سياسية مزعومة للامام محمد بن علي الباقر فهو مما نسجته مخيلته، وهو مرفوض عند الامامية جملة وتفصيلا... واما ان الامام الباقر قد قام بمحاولة تعزيز شرعية مطالبته بقيادة الشيعة – على حد تعبير الكاتب النابي – فالامام الباقر لا يحتاج الى محاولة لتعزيز وجوده الشرعي، وانما شأنه شأن الأئمة الطاهرين، يدفع خصوم الامامية بالحجج التي يشهرها الخصوم أنفسهم، والباقر يحتج بلغة العصر الكلامية لدرء الدعاوى الباطلة ضد منصب الامامة،  وهذا حقه الشرعي الذي لا ينازعه أحد فيه". [11]

  وهكذا يرفض الدكتور الصغير أيضا الحديث عن فكر سياسي خاص للامام الصادق، ضمن تطور الكفر السياسي الشيعي، ويقول:"لم تكن للامام الصادق (ع) نظرية سياسية بالمفهوم الذي طرحه الكاتب طرحا فجا بعيدا عن الاصالة والحصافة، وقريبا من الترف العشوائي في المنهج والطريقة والاسلوب". ويضيف:" ادعاء الكاتب أن الصادق يخوض معركة الامامة مع منافسيه ادعاء لا يقوم على أساس اجتماعي أو تاريخي، فلم يكن للامام منافس له من أهل بيته في المنصب وهو الامامة، فلم ينافسه عمه زيد ولا ابن عمه ذو النفس الزكية!!! فأين هي المعركة المزعومة؟".[12]

   وينهي الصغير الفصل الرابع بالقول:" أما حديث الكاتب عن الجارودية وعامة الزيدية وسواهم من المتطرفين الذين يبنون نظريتهم في الامامة على مبدأ الخروج والثورة، فلا تخص مبحث الامامية الاثني عشرية لا من قريب ولا من بعيد، وليس هو من صلب الموضوع، والخوض فيه تطويل بلا طائل".[13]

 

   ويكرس الدكتور محمد حسين الصغير الفصل الخامس من كتابه لمناقشة فصل (بوادر الفكر الامامي) من كتابي، فينفي حدوث التشرذم والتطور "الوهمي" ويقول:" التشرذم المدعى موضوع لا أصل له، وانما نشأت بعض الموضوعات الصغيرة التي ضلت طريق أهل البيت فشرقت وغربت بعيدا عن السبيل الذي اختطه أئمتنا (ع). وأما التطور المزعوم فلا أساس له من الصحة... إذ أن مبدأ  الامامة منذ عهد النبي (ص) منحصر بتسعة من ذرية الامام الحسين من بعده، وهو ما عليه الامامية في العالم أجمع، ومنذ عهد مبكر حتى اليوم وغدا وحتى قيام الساعة". [14]

  

ويناقش الدكتور الصغير في الفصل السادس من كتابه، الفصل الرابع من كتابي (أركان نظرية الامامة) والذي ذكرت فيه اعتماد الفكر الامامي في البداية وحول عدد من الأئمة على الوصية، ثم اعتماده على النص، وعند افتقاد النص يعتمد على العقل، وعند افتقاد العقل يعتمد على المعجزة، وحدوث النزاع بين الشيعة حول انحصار الامامة في ذرية الحسين بلا دليل، ثم قولهم بقانون الوراثة العمودية، وقولهم في البداية باستمرار الامامة الى يوم القيامة، ثم تطور نظرية الامامة الى اثني عشر اماما،  فيتعبر "كل ذلك تمحلا وتفريقا طويلا عريضا بين النص والوصية في الامامة، وان الكاتب يأتي بمباحث التفريق الواهمة، وتكثير العناصر المشترطة وترويج الشبهات الواهية، وكلها باطلة لا أساس لها من الواقعية أو الصحة، وهي بمنأى منعزل عن منهج البحث العلمي الرائد".

   وناقش الدكتور الصغير في الفصل السابع من كتابه (مبدأ الامامة في مواجهة التحديات) وموقف الأئمة من العصمة، وعلق على رسالة الامام الحسين لأهل الكوفة "فلعمري ، ما الامام الا العامل بالكتاب، الحابس نفسه على  الله، القائم بالقسط الدائن بدين الله" والتي لا يذكر فيها شرط العصمة، بالقول:" اذا اجتمع للامام العمل بكتاب الله، وحبس النفس على الله، والقيام بالعدل لا يزيغ عنه، والدائن بدينه الله وحده وهو الحق، فذلك الامام هو الامام المعصوم بعينه، بلحاظ الحابس نفسه على الله وحدها اضافة الى الصفات الأخرى، فان التحبيس على الله دون سواه يعني عدم المخالفة لله في كل جزئية تتنافى مع التحبيس عليه، وهو دليل العصمة، فهذا القول للامام الحسين لا شاهد فيه للكاتب، وهو عليه لا له كما رأيت".[15]

   اما في الفصل الثامن كتابه فقد رفض الدكتور الصغير مقولة (التطور الاثنا عشري) وقال : ان الأئمة منصوص عليهم بعددهم واسمائهم من قبل " وقد أثبتنا أن مبدأ الامامة قائم عند الامامية منذ عهد مبكر، وهناك مئات الروايات المعتبرة في الموضوع، وانكار ذلك لا يقوم على أساس عند الكاتب سوى الابتعاد والتشكيك". [16]

  ومر في هذا الفصل على موضوع طفولة عدد من الأئمة (كالجواد والهادي والمهدي) لدى تسلمهم ومام الامامة، ومشكلة البداء التي حدثت في تسمية عدد منهم ثم وفاتهم قبل آبائهم كاسماعيل والسيد محمد بن الهادي، ودافع عن إلغاء العموم الوارد في آية الحجر، أو تخصيصه، فقال:" ان القرآن نفسه ألغى هذا العموم – لا الشيخ المفيد – ينصه على نبوة عيسى وعمره يوم واحد، وعلى نبوة يحيى وهو صبي، فاذا كان هذا الالغاء لعموم الآية صحيحا، وهو صحيح، فقد صح بالنص القرآني إلغاء المفيد لعموم الآية". ص 158  ورفض أخيرا تاثير نظرية الغيبة والايمان بإمام غائب سلبيا على الشيعة، مما ادى الى انسحاب الشيعة الاثني عشرية من المسرح السياسي وانقراضهم في القرن الرابع. فقال:" هذا الزعم مناقش في صحته فلم يفقد مبدأ الامام أثره في الحياة للقول بوجود الامام الغائب ، فهو على نهج رتيب يتبنى مشكلات الزمن بالحل، ويعرض لتأريخ الأمة بالتطوير، وينشر من علمه ما تتسع له الآفاق، أما أنه قد فقد دلالته السياسية نتيجة الغيبة والانتظار، فالمبدا قائم سواء أترك سياسيا أم لم يتحرك، ولا علاقة بين قيام المبدأ كحقيقة واقعة وبين تحركه السياسي، فالسياسة لا تخاض غمارها في كل وقت، ومن السياسة ترك السياسة الى حين، وليست السياسة كل شيء في حياة الفكر الامامي. وأما أن ذلك قد أدى الى انقراض الامامية.. فقلة تدبر بتأريخ الحياة السياسية والدينية والفكرية والاجتماعية بالمبدأ، فالامامية كانوا بكل زمان ومكان، وقد بقوا حتى اليوم في كل زمان ومكان". [17]

  وبعد كل هذه الرحلة الطويلة في مناقشة ورد نظرية تطور الفكر السياسي الشيعي، ومحاولة إثبات وجوده منذ اليوم الأول وبصورته الأخيرة، وحتى النهاية، يصل الدكتور محمد حسين الصغير الى أهم فقرة وهو موضوع وجود الامام الثاني عشر "محمد بن الحسن العسكري" الذي قلت انه لم يولد قط، وانه ليس سوى فرضية فلسفية وهمية، فيقول في الفصل التاسع: (الامام المهدي حقيقة تأريخية)، وينفي أولاً وجود عصر الحيرة، بكلمات مختصرة، حيث يعده افتراضا: "وقد عرض فيه الى ما يسمى بعصر الحيرة دون وجود أية حيرة، ولكنها افتراضات وتمحلات لا يعضدها نص علمي ولا يوثقها سند تأريخي، وانما هو التشكيك المتعمد المتكيء على الاستبعاد، والاستبعاد أمر نفسي لا يشكل منهجا في الرد والجدل". [18]

   ثم يستعرض الدكتور الدليل العقلي لحقيقة المهدي، فيقول:"الدليل العقلي قائم على أساس أن لله الحجة على عباده، وذلك يقتضي وجود الحجة في كل عصر، وهذا يقتضي وجود الامام المعصوم، وهذا ينحل عقليا الى القول بالامامة أولاً، والى ضرورة القول بالعصمة ثانيا... ويا ليت شعري ما ينكر الكاتب من هذا الاستدلال؟ وما هو الخلاف فيه؟وهل يناقضه الدليل النقلي أم يعضده؟ وقد أيده الشيخ الطوسي بقوله: ان كل من قطع على وجوب اعتبار الدليل العقلي قطع على