مع "آية الله العظمى المرجع الديني" الشيخ جواد التبريزي في (رسالة مختصرة في النصوص الصحيحة على إمامة الأئمة الإثني عشر).[1]

تمخض الجبل فأولد..فأراً

 

 

 في رده على كتاب (تطور الفكر السياسي الشيعي) اعتبر الشيخ جواد التبريزي، نقد نظرية الإمامة وفرضية وجود الإمام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري)، عملية تشكيك في المسلمات العقائدية الموجودة لدى المسلمين، وبالذات لدى الطائفة المحقة أتباع أهل البيت عليهم السلام، ومحاولة لإلقاء الشبهة في قلوب العوام من  أتباع هذا المذهب وتشكيكهم في عقيدتهم. وأخذ التبريزي على من يطرح تلك الاشكالات نشرها بين عامة الناس من الذين لم يطلعوا بشكل دقيق على حدود تلك المسائل ولم يفحصوا في أدلتها، وعدم طرحها على علماء الدين المتخصصين في العقائد والقادرين على إثباتها بالدليل القاطع.

   وبالرغم من خلط التبريزي بين العقائد الاسلامية الثابتة كالتوحيد والنبوة والمعاد، وبين النظريات المذهبية الخاصة والخرافات والأساطير المتسربة في التراث، واعتبارها من المسلمات العقائدية التي لا يجوز التشكيك فيها، واتهام كل نقد بناء لها، بأنه "شبهة" فانه حاول مسبقا أن يتعالى على الأسئلة المعقولة التي طرحها الكتاب بالإدعاء بأن الكاتب توجه في حديثه الى عوام الناس ليضلهم ويجد بينهم سوقا نافقة، وتهرب من مواجهة علماء متخصصين في شئون الدين والعقائد. وهذا خلاف الحقيقة حيث يعلم الجميع بأني طرحت مواضيع الكتاب للمناقشة في صفوف الحوزة العلمية في قم وغيرها، بصورة عامة وفردية، ولمدة سبع سنوات، وطلبت من عدد كبير من العلماء مناقشة المسودة قبل طبع الكتاب ونشره، ولكني واجهت إعراضا مريبا وتهربا مغلفا باستعلاء واستهانة بالكتاب. ولم يقم أحد بالتصدي للرد على الكتاب الا بعد نشره وتأثيره الكبير على الناس الذين هبوا للضغط على "العلماء" للرد عليه، ومع ان بعضهم قد اهتم بالكتاب وقرأه على الأقل قبل أن يرد عليه، الا ان بعض "العلماء" حاول الرد من دون أن يحمل نفسه عناء الاطلاع على ما جاء في الكتاب من مناقشة للأدلة المختلفة والروايات التي يوردها أصحاب نظرية الامامة ووليدتها فرضية وجود الامام الثاني عشر. ويبدو ان الشيخ التبريزي كان أحد هؤلاء "العلماء" الذين اعتصموا بمسلماتهم الموروثة، رافضين أية محاولة للاجتهاد أو إعادة النظر في نظرية الامامة، من قبل ومن بعد. ورغم أنه وعد بتقديم إجابة شافية وافية على الأسئلة المطروحة، الا انه لم يتمخض الا عن (رسالة مختصرة) انطوت على أمور متناقضة واعترافات بوجود غموض ومبررات للشك والحيرة. في حين كان يفترض فيه، وفي من يدعي العلم والاجتهاد أو يتبوأ مقعد المرجعية الدينية، أن يبادر الى دراسة موضوع الامامة الذي يعتبره جزءا مهما من العقيدة، ويرد على الإشكالات والأسئلة المطروحة بدقة وتفصيل، لا أن يجعل من مجرد الرد عنوانا دعائيا، وذرا للرماد في العيون، وادعاء فارغا بتقديم الجواب الشافي الوافي.

  ولأن رد الشيخ التبريزي على كتاب (تطور الفكر السياسي الشيعي) لم يكن بالمستوى، فاني لم اسمع به مطلقا، لولا تنبيه أحد تلامذته لي اليه مؤخراً، وادعائه بتقديم الشيخ روايات صحيحة على وجود الامام الثاني عشر ونظرية الامامة، وهذا ما دفعني للبحث عن الكتاب الى أن وجدته في موقع الشيخ على الانترنت، وقد كان مفاجئة كبيرة لي لأنه لم يكن سوى كراس صغير جداً ، أصغر مما توقعت من "مرجع ديني كبير" يتصدى لبحث أمر عقائدي يقول انه من المسلمات، ويستنكر من يشكك فيه.

   وبدلا من أن يبحث الشيخ التبريزي موضوع وجود (الامام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري) بصورة مستقلة، ويبني نظريته في الامامة بعد إثبات ذلك، فضل اختصار الطريق بمحاولة إثبات نظرية الامامة أو الاثني عشرية والاستنتاج من بعض الأحاديث صحة فرضية وجود الامام الثاني عشر "ولد" الامام العسكري. ورغم ان هذا طريق معكوس وغير منطقي، فانه لم يفلح في مسعاه هذا أيضا.

   لقد ادعى في البداية :"انه يتعرض إلى ذكر بعض الروايات الصحيحة والصريحة التي تعين أسماء الأئمة (عليهم السلام) مما يقطع الطريق على من يدعي عدم وجود النص عليهم أو على بعضهم، ويثبت أن المدعي لعدم وجود النص ـ لو سلمت نيته ـ فإنه ضعيف الإطلاع جداً على أخبار أهل البيت وغير بصير بأحاديثهم. والتزم أن يكون النص الذي يورده صحيحاً من غير شبهة أو مناقشة". ووعد بأنه سيتعرض إلى ذكر النصوص الواردة بشأن إمامة كل إمام بخصوصه. وقال:"ان النص عليهم كان حاصلاً بطرق مختلفة" ولكنه اعترف مقدماً "بأن الظروف التي أحاطت بأئمة أهل البيت  وشيعتهم الكرام في أدوار التاريخ كانت من الصعوبة بحيث كان نقل الحديث الذي ينص على إمامة المعصومين خصوصاً الذين كانوا في فترات متأخرة، كان أمراً في غاية الخطورة".

  ولكن هل استطاع الشيخ التبريزي أن يفي بوعده، أو أن يقدم نصا صحيحاً واحداً؟ أم حاول التشويش على عامة الناس الذين لا يميزون بين الأحاديث ولا يعرفون الصحيح من السقيم؟

  قبل أن ننظر في "أدلته الصحيحة" يجدر بنا أن ننبه الى نقطة مهمة وهي ضرورة استقلالية الأدلة واتفاق جميع المسلمين عليها، والا فان كل فرقة من الشيعة كالاسماعيلية والواقفية، وكل طائفة من المسلمين تأتي بأدلة وروايات خاصة من شيوخها وعلمائها ورجالها على صحة مذهبها، ولا يمكن ان تكون كل المذاهب والطوائف صحيحة في وقت واحد مع اختلافها حول أمر معين، ولا بد من النظر الى ما تنفرد به من روايات بعين مستقلة خارجة عن إطارها الخاص، فمثلا لو جاء الواقفية وقالوا بأن الامامة محدودة في سبعة وان سابع الأئمة (موسى الكاظم) هو خاتم الأئمة وانه غائب وأنه المهدي المنتظر، وجاءوا على مزاعمهم بأحاديث كثيرة قالوا انه صحيحة لأنها مروية عن شيوخهم الثقاة العدول في نظرهم، فان قولهم لن يشكل حجة لبقية المذاهب ، وان دعواهم بصحة أحاديثهم مشبوهة ومناقشة ومردودة، ولا يجوز حتى لهم الاعتماد عليها، وكذلك اذا جاء الاسماعيليون وقالوا بأن الامامة في ولد اسماعيل بن جعفر الصادق وجاءوا كذلك بأحاديث قالوا عنها أنها صحيحة ومروية عن ثقاتهم وعدولهم، فان قولهم لن يشكل حجة بالنسبة لبقية المذاهب، وذلك لأن دعواهم بالصحة والوثاقة مردودة ومشبوهة ومناقش فيها، وكذلك اذا جاء الاثنا عشريون بأحاديث حول نظريتهم الخاصة في الامامة، قالوا عنها انها مروية عن ثقاتهم وعدولهم فان ذلك لن يشكل حجة حتى لهم فضلا عن بقية الشيعة أو عامة المسلمين، وذلك لوجود الشك والشبهة فيها، ولا بد أن يأتي الجميع بروايات يعترف بصحتها جميع المسلمين والفرق الأخرى حتى يصح أن يحتجوا بها لأنفسهم وعلى غيرهم.

   ان الثقة والعدالة التي يدعيها كل فريق لشيوخه ورواته، خاصة في المسائل التي ينفرد بها، لا يعترف بها الآخرون، ولا يجوز الاعتماد في التوثيق والتصحيح على رجال المذهب أنفسهم، وانما يجب النظر اليهم بصورة مستقلة فاذا ثبتت وثاقتهم وثبتت صحة رواياتهم نأخذ بها ، واذا لم تثبت بصورة مستقلة لا نقلد أحدا من أتباعهم فيما يدعون.

   وهذه مسألة واضحة وبديهية، ولكن الشيخ التبريزي يلتف عليها، ويدعي الصحة والوثاقة لروايات من داخل المذهب الاثني عشري، فيقول:"يوجد في مصادرنا الحديثية العديد من الروايات التي تنص على تحديد أسماء الأئمة المعصومين  (عليها السلام)، ولكن حيث أن بناءنا هو على الاختصار في هذه الرسالة، لذلك سنكتفي بذكر رواية صحيحة صريحة في كل باب (أو روايتين)، وفيها لمن أراد الدليل كفاية وغنى. وهذه الروايات تنقسم بحسب المدلول إلى أقسام:

القسم الأول

ما ورد من الروايات في تحديد أن الأئمة (عليها السلام) هم من وُلد الحسين (عليه السلام)... فمن تلك الروايات: (صحيحة) ما رواه الشيخ الكليني رحمه اللّه عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن إسحاق بن غالب عن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) من كلام يذكر فيه الأئمة.. إلى أن قال "فلم يزل اللّه يختارهم لخلقه من وُلد الحسين من عقب كل إمام، كلما مضى منهم إمام نصب لخلقه من عقبه إماماً وعلماً هادياً".


ومنها (صحيحة) ما رواه الشيخ الصدوق رحمه اللّه عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن أحمد بن محمد بن عيسى ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب والهيثم ابن مسروق النهدي، عن الحسن بن محبوب السراد عن علي بن رئاب عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سمعته يقول: "إن أقرب الناس إلى اللّه عز وجل وأعلمهم به وأرأفهم بالناس محمد صلى اللّه عليه وآله، والأئمة فادخلوا أين دخلوا وفارقوا من فارقوا، عنى بذلك حسيناً وولده فإن الحق فيهم وهم الأوصياء ومنهم الأئمة، فأينما رأيتموهم فاتبعوهم وإن أصبحتم يوماً لا ترون منهم أحداً منهم فاستغيثوا باللّه عز وجل وانظروا السنة التي كنتم عليها واتبعوها وأحبّوا من كنتم تحبون وأبغضوا من كنتم تبغضون فما أسرع ما يأتيكم الفرج".

ويؤيدها ما رواه في كمال الدين، عن أبيه عن سعد بن عبد اللّه عن يعقوب بن يزيد عن حماد بن عيسى عن عبد الله بن مسكان عن أبان عن سليم بن قيس الهلالي عن سلمان الفارسي قال: "دخلت على النبي صلّى اللّه عليه وآله، فإذا الحسين بن علي على فخذه وهو يقبّل عينيه ويلثم فاه ويقول: أنت سيد ابن سيد، أنت إمام ابن إمام أبو أئمة أنت حجة الله ابن حجته وأبو حجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم".  

القسم الثاني:الروايات التي تنصّ على أسماء الأئمة (ع) بدءاً من الإمام أمير المؤمنين (ع) حتى الإمام محمد بن علي الباقر (ع)

وهي متعددة نكتفي منها بروايتين:

الصحيحة الأُولى: رواها الشيخ الكليني رحمه اللّه عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس، وعلي بن محمد بن سهل بن زياد أبي سعيد عن محمد بن عيسى عن يونس، عن ابن مسكان عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الّله (ع)  عن قوله اللّه عز وجل "أطيعُوا اللّهَ وَأطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الأَمر منكُم" ، فقال: نزلت في علي بن ابي طالب والحسن والحسين (ع)، فقلت: إن الناس يقولون فما باله لم يسمِّ عليّاً وأهل بيته في كتاب اللّه عز وجل؟ فقال: قولوا لهم: إن رسول الله نزلت عليه الصلاة ولم يسمّ اللّه لهم ثلاثاً ولا أربعاً، حتى كان رسول اللّه هو الذي فسر ذلك ونزلت الزكاة ولم يسمّ لهم من كل أربعين درهماً درهم، حتى كان رسول اللّه هو الذي فسّر لهم ذلك، ونزل الحج فلم يقل لهم طوفوا أسبوعاً حتى كان رسول الله هو الذي فسّر لهم ذلك ونزلت "أطيعُوا اللّهَ وَأطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الأَمر منكُم" ونزلت في علي والحسن والحسين فقال رسول الله في علي (من كنت مولاه فعلي مولاه)، فقال (ص): أوصيكم بكتاب اللّه وأهل بيتي فإني سألت اللّه أن لا يفرق بينهما حتى يوردهما علي الحوض فأعطاني ذلك، وقال لا تعلموهم فهم أعلم منكم، وقال إنهم لن يخرجوكم من باب هدى ولن يدخلوكم باب ضلالة. فلو سكت رسول اللّه فلم يبين من أهل بيته لادعاها آل فلان وآل فلان، لكن اللّه أنزل في كتابه تصديقاً لنبيه "إنَّمَا يُريدُ اللّهُ ليُذهبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البَيت وَيُطَهِّرَكُم تَطهيراً" فكان علي والحسن والحسين وفاطمة فأدخلهم رسول اللّه تحت الكساء في بيت أم سلمة ثم قال: اللهم إن لكل نبي أهلاً وثقلاً وهؤلاء أهلي وثقلي. فقالت أم سلمة: ألست من أهلك؟ قال: إنك إلى خير، ولكن هؤلاء أهلي وثقلي، فلما قبض رسول اللّه كان علي أولى الناس بالناس، لكثرة ما بلغ فيه رسول الله وإقامته للناس وأخذه بيده، فلما مضى علي لم يكن يستطيع علي ـ ولم يكن ليفعل ـ أن يدخل محمد بن علي ولا العباس بن علي ولا واحداً من ولده.. إذن لقال الحسن والحسين إن اللّه تبارك وتعالى أنزل فينا كما أنزل فيك فأمر بطاعتنا كما أمر بطاعتك، وبلغ فينا رسول الله كما بلغ فيك، وأذهب عنا الرجس كما أذهبه عنك، فلما مضى علي، كان الحسن أولى بها لكبره فلما توفي لم يستطع أن يدخل ولده ولم يكن ليفعل ذلك، واللّه عز وجل يقول: "وَأُولُوا الأَرحَام بَعضُهُم أولَى' ببَعض في كتَاب اللّه" فيجعلها في ولده.. إذن لقال الحسين أمر اللّه بطاعتي كما أمر بطاعتك وطاعة أبيك، وبلغ في رسول اللّه كما بلغ فيك وفي أبيك وأذهب اللّه عني الرجس كما أذهب عنك وعن أبيك، فلما صارت إلى الحسين لم يكن أحد من أهل بيته يستطيع أن يدعي عليه كما كان هو يدعي على أخيه وعلى أبيه، لو أرادا أن يصرفا الأمر عنه، ولم يكونا ليفعلاه، ثم صارت حين أفضت إلى الحسين فجرى تأويل هذه الآية "وَأُولُوا الأَرحَام بَعضُهُم أولَى' ببَعض في كتَاب اللّه" ثم صارت من بعد الحسين لعلي بن الحسين ثم صارت من بعد علي بن الحسين إلى محمد بن علي، ثم قال: الرجس هو الشك، والله لا نشك في ربنا أبداً".

 

الصحيحة الثانية: ويؤيدها ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد ابن عيسى عن إبراهيم بن عمر اليماني وعمر بن أُذينة عن أبان عن سليم بن قيس قال: شهدت وصية أمير المؤمنين حين أوصى إلى ابنه الحسن وأشهد على وصيته الحسين ومحمداً وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته ثم دفع إليه الكتاب والسلاح وقال لابنه الحسن: "يا بني أمرني رسول اللّه أن أُوصي إليك وأن أدفع إليك كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين، ثم أقبل على ابنه الحسين فقال: وأمرك رسول اللّه أن تدفعها إلى ابنك هذا. ثم أخذ بيد علي بن الحسين وقال: وأمرك رسول اللّه أن تدفعها إلى ابنك محمد بن علي واقرأه من رسول اللّه ومني السلام".

القسم الثالث:ما نص على أسماء الأئمة (ع) جميعاً

ومع هذه الـروايات التي سوف نذكر بعضها ينقطع عذر كل متعلل لصراحتها وقوتها، وما يحف بها، ففي الأُولى نلتقي مع أسماء الأئمة (ع) في سجدة الشكر عقيب كل صلاة، حيث يشهد المصلي ربه والملائكة والخلق بمجمل اعتقاداته التي ينبغي أن يلقاه بها، ومنها تولّيه للأئمة الطاهرين من أهل البيت (ع)  وأنه يتولاهم ويتبرأ من أعدائهم، ولا يخفى الارتباط بين الصلاة وبين ذكر الأئمة الهادين وفضلهم على الخلق في تعليمهم معالم الدين. وسنشير إلى هذه الجهة أيضاً في الخاتمة..
فمن هذه الروايات:

الصحيحة التي رواها الصدوق بإسناده عن عبد اللّه بن جندب عن موسى بن جعفر (ع) أنه قال: تقول في سجدة الشكر: "اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك وأنبياءك ورسلك وجميع خلقك أنك أنت اللّه ربي والإسلام ومحمداً نبيي وعلياً والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والحجة بن الحسن أئمتي بهم أتولى ومن أعدائهم أتبرأ".

والصحيحة الأُخرى التي رواها الكليني عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد البرقي عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري عن أبي جعفر الثاني (ع)  قال:"أقبل أمير المؤمنين (ع)  ومعه الحسن بن علي وهو متكىء على يد سلمان فدخل المسجد الحرام فجلس، إذ أقبل رجل حسن الهيئة واللباس، فسلم على أمير المؤمنين، فرد (ع)  فجلس، ثم قال: يا أمير المؤمنين أسألك عن ثلاث مسائل إن أخبرتني بهن علمت أن القوم ركبوا من أمرك ما قضي عليهم وأن ليسوا بمأمونين في دنياهم وآخرتهم، وإن تكن الأُخرى علمت أنك وهم شرع سواء! فقال له أمير المؤمنين (ع): سلني عما بدا لك، قال: أخبرني عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه؟ وعن الرجل كيف يذكر وينسى؟ وعن الرجل كيف يشبه ولده الأعمام والأخوال؟ فالتفت أمير المؤمنين (ع)  إلى الحسن، فقال: يا أبا محمد أجبه! قال: فأجابه الحسن، فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله ولم أزل أشهد بها، وأشهد أن محمداً رسول الله ولم أزل أشهد بها، وأشهد أنك وصي رسول اللّه والقائم بحجته ـ أشار إلى أمير المؤمنين ـ ولم أزل أشهد بها، وأشهد أنك وصيه والقائم بحجته ـ أشار إلى الحسن ـ، وأشهد أن الحسين بن علي وصي أخيه والقائم بحجته بعده، وأشهد على علي بن الحسين أنه القائم بأمر الحسين بعده، وأشهد على محمد بن علي أنه القائم بأمر علي بن الحسين، وأشهد على جعفر بن محمد أنه القائم بأمر محمد، وأشهد على موسى أنه القائم بأمر جعفر بن محمد، وأشهد على علي بن موسى أنه القائم بأمر موسى بن جعفر، وأشهد على محمد بن علي أنه القائم بأمر علي بن موسى، وأشهد على علي بن محمد أنه القائم بأمر محمد بن علي، واشهد على الحسن بن علي أنه القائم بأمر علي بن محمد، وأشهد على رجل من ولد الحسن لا يكنّى ولا يسمّى حتى يظهر أمره فيملأها عدلاً كما ملئت جوراً، والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته، ثم قام فمضى، فقال أمير المؤمنين: يا أبا محمد اتبعه! فانظر أين يقصد؟ فخرج الحسن بن علي (ع) ، فقال: ما كان إلا أن وضع رجله خارجاً من المسجد فما دريت أين أخذ من أرض اللّه، فرجعت إلى أمير المؤمنين فأعلمته، فقال: يا أبا محمد أتعرفه؟ قلت: اللّه ورسوله وأمير المؤمنين أعلم. قال هو الخضر".

 

  ونتوقف هنا لنقول للشيخ التبريزي ان جميع هذه الروايات الست، التي ذكرها غير صحيحة بل انها ضعيفة جدا، وذلك أولاً: لأن التبريزي ذكرها من مصادر الاثني عشرية المتهمة باختلاقها، وثانيا: لوجود النقاش في وثاقة بعض الرواة، مثل أبان، أو وجودهم، مثل سليم بن قيس الهلالي، من قبل علماء الرجال الاثني عشريين أنفسهم، وثالثا لوجود الدور الباطل فيها، حيث تنسب أقوالا أو آراء لبعض الأئمة من أهل البيت كالامام الباقر والصادق، وهي حجة لمن يعتقد بإمامتهم بعد ثبوت ذلك، والمفروض ان إمامتهم لم تثبت بعد، فكيف يحتج بأقوالهم على إمامة أنفسهم؟ هذا اذا صحت الرواية عنهم ولم يثبت تزويرها عليهم من قبل الامامية.

فالرواية الأولى من القسم الأول ينقلها الكليني عن الامام الصادق، وهي تتحدث عن انحصار الامامة في ذرية الحسين، وليس فيها تحديد عدد ولا ذكر أسماء بقية الأئمة، ولا حصر الامامة في موسى بن جعفر أو ذريته، بل تشمل الأئمة الاسماعيليين.

وأما الرواية الثاني من القسم الأول، رواية الصدوق عن أبي حمزة الثمالي، عن الامام الباقر، فهي بغض النظر عن مناقشة سندها، تشكل رأيا للامام الباقر وتأويلا منه لبعض آيات كتاب الله، وليست رواية منه عن رسول الله (ص) ومع ذلك فانها لا تنص على أحد بالامامة، وتعترف بامكانية غموض النص أو عدم وجود إمام في الخارج (وان أصبحتم يوما لا ترون منهم أحدا). وكذلك الرواية الأخرى التي يستعين بها التبريزي لتقوية تلك الرواية، وهي رواية الصدوق عن أبيه عن سلمان الفارسي، والتي لا يجرؤ التبريزي على تسميتها بالصحيحة، لوجود الضعف الظاهر فيها من حيث السند، وذلك لعدم رواية  علي بن بابويه الصدوق لها في كتابه (الامامة والتبصرة من الحيرة) قبل أن تظهر نظرية الاثني عشرية في القرن الرابع الهجري، فضلا عن ضعف أبان.

أما الرواية الأولى من القسم الثاني، فهي مدعاة من الامامية على لسان الامام الصادق، ولم تثبت عنه بطريقة مستقلة، وهي مع ذلك لا تدل على شيء ، وانما هي مجرد تأويل متعسف لبعض آيات الذكر الحكيم، حيث تدعي نزول آية الطاعة في علي والحسن والحسين، مع أن تتمة الآية تتحدث عن امكانية النزاع مع أولي الأمر، وتأمر بالرجوع الى الله والرسول في تلك الحالة، مما ينفي صفة العصمة والاطلاق في الطاعة لأولي الأمر، وهو ما تحاول الرواية ان تثبته لأئمة أهل البيت. وتتضمن الرواية أيضا تأويلا لآية التطهير بمعنى العصمة، ومع افتراض صحة هذا التأويل فانه لا يعني الامامة بصراحة، فضلا عن تحديد الأهل بأئمة معينين من أهل البيت، وهذا ما تعترف به الرواية التي تستعين بحديث منسوب الى النبي يشرح من المقصود به من الآية، وبعد كل ذلك فان الآية لا تشكل دليلا على الامامة بالنص، وانما الاولوية كما تقول الرواية:" فلما قبض رسول اللّه كان علي أولى الناس بالناس، لكثرة ما بلغ فيه رسول الله وإقامته للناس وأخذه بيده". وتتضمن الرواية تأويلا ثالثا مكملا هو تأويل آية ولاية الأرحام، وهي واردة أساسا في الإرث ، ولكن المتحدث يجرها الى الامامة والسياسة بالقوة، ثم يدعي صيرورة الامامة في علي بن الحسين وابنه محمد الباقر، وهذا ادعاء بلا دليل، وحصر للامامة في ذرية الحسين مقابل نفيها عن ذرية الحسن. ولا تدعي الرواية وجود نص على ذلك من أحد، بل ان هناك روايتين عن الامام الباقر والصادق تؤكد عدم وصية الامام الحسين لابنه زين العابدين في كربلاء. ولم يكن النص على علي بن الحسين معروفا لدى أوائل الامامية في القرن الثاني الهجري، ولذلك فانهم يبنون نظريتهم في انتقال الامامة اليه على أساس المعجزة، وهو ما أكده الشيخ التبريزي الذي نقل رواية الكليني (الصحيحة) حول احتجاج محمد بن الحنفية مع زين العابدين، ومنافسته حول الامامة، ونفي وجود نص عليه من الله، واحتكامهما الى الحجر الأسود "الذي نطق بقدرة اللّه: أن الوصية والإمامة بعد الحسين بن علي إلى علي بن الحسين".

   وبغض النظر عن صحة هذه الرواية أو كذبها، فانها تدل على عدم معرفة محمد بن الحنفية، بوجود النص على امامة ابن أخيه علي بن الحسين، وعدم إذعانه له الا بعد شهادة الحجر الأسود له بذلك. وهذا بالطبع ادعاء أجوف مخالف للحقيقة والتاريخ.

   وبعد تبين حال هذه الرواية، يتبين حال الرواية الثانية من القسم الثاني، وهي رواية الكليني عن سليم بن قيس الهلالي، والتي تدعي وصية أمير المؤمنين للحسين، أمام جميع ولده بمن فيهم محمد بن الحنفية، بوجوب نقل الكتب والسلاح (دليل الامامة) الى ابنه علي زين العابدين، ثم الى ابنه محمد الباقر. وهو الأمر الذي كان ينفيه ابن الحنفية، الذي تصدى لقيادة الشيعة بعد مقتل أخيه الحسين، بعد اعتزال الامام زين العابدين، ثم نقل قيادة الشيعة الى ابنه أبي هاشم عبد الله. وهو ما يكشف عن تأليف الامامية لهذه الرواية في وقت متأخر، ويكفي أن أحد رواتها أبان الضعيف باعتراف الشيخ الطوسي، فضلا عن سليم بن قيس الهلالي المشكوك بوجوده أصلا.

    وننتقل الى روايات القسم الثالث، وهي التي تنص بصراحة على أسماء الأئمة الاثني عشر، والتي يسميها الشيخ التبريزي بصحيحتي الصدوق والكليني، فانهما في الحقيقة روايتان موضوعتان في وقت متأخر في القرن الرابع، بعد نشوء نظرية الاثني عشرية ، ولم يكن لهما ذكر في القرون الأولى، يشهد على ذلك غموض أسماء الأئمة الاثني عشر في أيام حياتهم، بالنسبة لهم ولخاصة شيعتهم وعامتهم فضلا عن عموم المسلمين، ذلك الغموض الذي أدى الى تفرق الشيعة بعد وفاة كل امام الى فرق عديدة نتيجة جهلهم بالامام، وذهابهم يمينا وشمالا، وحدوث البداء في بعض الأئمة مثل اسماعيل بن جعفر الصادق ومحمد بن علي الهادي، اللذين اشار اليهما أبواهما ونصباهما ثم توفيا في حياة الصادق والهادي، واضطرار الشيعة الامامية للانتقال الى امام جديد، او وقوعهم في الحيرة بعد وفاة الامام السابق، كما حدث بالنسبة للامام الصادق عندما ذهب عامة الشيعة للقول بامامة ابنه عبد الله الأفطح، ثم انتقلوا الى امامة أخيه موسى بعد وفاته، وكذلك حيرة الشيعة بعد وفاة الحسن العسكري وتفرقهم الى أربعة عشر فرقة، وعدم معرفتهم بهوية الامام من بعده.[2]

   ان تاريخ الشيعة يناقض بقوة وجود قائمة مسبقة بأسماء الأئمة من قبل، وهذا ما يدل على تأليف القائمة الاثني عشرية بعد رحيلهم بفترة من الزمن، ومن هنا فان تينك الرواتين غير صحيحتين بالمرة ، وانما هما موضوعتان ومكذوبتان على أئمة أهل البيت. وقد بحثنا هذا الموضوع بتفصيل في كتابنا (تطور الفكر السياسي الشيعي) لدى بحث موضوع الاستشهاد بأحاديث الاثني عشرية على وجود الامام الثاني عشر، ومن أراد المزيد فليراجع، ولكن يبدو ان الشيخ التبريزي لم يلق نظرية على الكتاب، واستعان بما حضر في ذهنه من روايات، دون تمحيص ولا تثبت ولا تأمل، وادعى لها صفة الصحة جزافا واعتباطا.

   وبعد أن يعجز التبريزي عن اثبات أصل الامامة، وخصوصا إمامة علي بن الحسين بالنصوص الصريحة والصحيحة، يحاول إثبات إمامة الأئمة الباقين بطرق أوهى وأضعف، فيقول:"بعد أن ذكرنا الروايات التي تذكر أسماء الأئمة الطاهرين، نعود ونذكر الروايات الخاصة التي تنص على كل إمام بشخصه، وهي قد تذكر الإمام باسمه وأُخرى بالقرينة والصفة، فإن بعض الروايات تعتمد على ذكر أمر، ذلك الأمر يلازم كونه إماماً كما سيأتي في وصية الإمام الباقر لابنه الصادق (ع)  أن يغسله ويجهزه ويكفنه، فإن هذا من النص عليه، لما ثبت عندنا من النصوص والإجماع على أن الإمام لا يتولى تجهيزه إلا إمام مثله عند حضوره، وقد لا ينتبه لمثل هذه الإشارات إلا من كان على مستوى من الإحاطة بتعابير الأئمة، كما نرى أن هشاماً بن الحكم عندما سمع من علي بن يقطين قول الكاظم أن علياً الرضا سيد ولده وأنه قد نحله كنيته، فقد استنتج هشام من ذلك أنه نص عليه بالإمامة من بعده، ومثل ان يعطيه السلاح والكتب...".

  وهذا اعتراف من التبريزي بعدم وجود النصوص الصريحة الصحيحة على إمامة بعض الأئمة، وانما معرفة ذلك بالقرائن والتأويلات والصفات والاشارات، وان كان بعضها غير صحيح بالمرة، مثل ما يزعم من تجهيز الامام اللاحق للسابق وحضوره عند وفاته. فقد أثبت التاريخ ان الامام الرضا توفي في خراسان وابنه الجواد طفل صغير في المدينة، وكذلك توفي الامام الجواد في بغداد وابنه علي الهادي طفل صغير في المدينة، فكيف حضر كل منهما عند وفاة أبيه وهو لم يعلم بها الا بعد فترة من الزمن؟ وكيف جهز كل منهما أباه وصلى عليه وهو طفل صغير لم يتكلف بالصلاة؟

    ولم يستطع التبريزي اثبات امامة الصادق الا بالتأويل والجمع والطرح والاستنتاج الخفي، حيث أورد رواية وصية الامام الباقر للصادق بتكفينه في برده وتعميمه وتربيع قبره، والاستنتاج منها أن المقصود الوصية بالامامة "وأن والوصية هي من علائم الإمامة ينتج ذلك النص على إمامة الصادق (ع)".

   ولسنا بحاجة بعد ذلك لمناقشة الروايات الأخرى التي حاول التبريزي من خلالها إثبات إمامة بقية الأئمة بالاشارات والعلائم الخفية، المشكوك في صحتها، والمنافية للتاريخ الشيعي الذي لم يعرف إمامة الأئمة الباقين بوضوح وبصورة مباشرة بعد وفاة الامام السابق، مما أدى الى نشوء الحركات المختلفة التي تشبثت بإمامة كل ولد من أولاد الأئمة السابقين.

   وهذا ما اعترف به التبريزي نفسه من حيث لا يشعر عندما علق رواية تعيين الامام الكاظم لابنه الرضا بقوله:"فأنت عزيزي القارئ:ترى هنا أن هشاماً بن الحكم لما كان متبحراً في العقائد، وعارفاً بإشارات الأئمة في ما يرتبط بموضوع الإمامة، والصفات التي لابد من توفرها في الإمام، فإنه بمجرد أن سمع تلك الكلمات وضمها إلى الكبريات الموجودة في ذهنه المرتبطة بموضوع الإمامة، فقد انتقل فوراً إلى معنى نص الإمام الكاظم على الرضا (ع) وإن كان مثل علي بن يقطين على جلالته ربما لم يتوجه إلى ذلك المعنى بنفس السرعة".

   وعندما كان الشيخ التبريزي يحاول إثبات النص على إمامة علي الهادي، نسي الأحاديث السابقة التي وصفها بالصحة والتي تضمنت النص على أسماء الأئمة الاثني عشر من قبل، فذكر رواية مناقضة وصفها بالصحة أيضا، وهي تقول بأن إسماعيل بن مهران سأل الامام الجواد عند خروجه من المدينة الى بغداد في المرة الأولى عن الامام بعده، وان الامام رفض التصريح بذلك.

  وينتقل الشيخ التبريزي الى الحديث عن امامة الحسن العسكري، دون أن يشير مطلقا الى موضوع البداء الذي حدث في النص على السيد محمد بن علي الهادي، ثم وفاته في حياة أبيه، وقول الامام الهادي للعسكري:" يا بني أحدث لله شكرا فقد أحدث فيك أمرا، أو نعمة".[3] وهو ما يدل على عدم معرفة الامامين الهادي والعسكري بإمامة الأخير الا بعد وفاة أخيه الأكبر السيد محمد.

    ورغم كل ذلك لا يجرؤ الشيخ التبريزي على وصف الرواية التي ينقلها عن يحيى بن يسار القنبري حول النص على الامام العسكري بالصحة، ولكنه يستشهد بها ويقول:"أوصى أبو الحسن الى ابنه الحسن قبل مضيه بأربعة أشهر، وأشهدني على ذلك وجماعة من الموالي". واذا قبلنا هذه الرواية فانها لا تتضمن تصريحا بالنص على العسكري بالامامة.

 

  وبعد تهافت الروايات التي ينقلها الشيخ جواد التبريزي حول الامامة والأئمة بشكل عام أو خاص، وعدم وجود رواية واحدة صحيحة بينها، ينتقل  للحديث عن موضوع وجود (الامام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري) وإمامته، فينقل مجموعة روايات يتردد في وصف اية رواية منها بالصحة، لأنه يعلم انها تأتي عبر كذابين مشهورين مثل جعفر بن محمد بن مالك الفزاري، أو أدعياء النيابة الخاصة مثل محمد بن عثمان العمري، المتهم باختلاق شخصية الامام الثاني عشر، واستغلال اسمه لامتصاص أموال الشيعة، فيقول:"وأما الروايات الواردة في إمامة الإمام الحجة بن الحسن العسكري صاحب الزمان عجل اللّه فرجه الشريف، وفي صفاته وعلامات ظهوره، وما يرتبط بخريطة تحركه بعد الظهور، وأنصاره، فهي كثيرة جداً، حتى لقد أُلفت كتب ومجلدات خاصة في هذا الأمر" متغافلا عن قيمة تلك الروايات ودلالاتها، ومتهربا من مناقشتها، كأن كثرة الروايات الموضوعة تشكل دليلا على صحتها.

  ومما يلفت النظر هنا أن بعض الروايات التي يذكرها تشير الى الغموض حول وجود الخلف، واختلاف الشيعة وحيرتهم، ولكنها تطالب الشيعة بالتسليم بصورة عمياء بلا دليل، بل تهدد من لا يؤمن بوجود الخلف بالكفر بالأئمة السابقين وبنبوة رسول الله (ص).

  يقول الشيخ جواد التبريزي:"إن الإيمان بالأئمة كل لا يتجزأ وأن الاعتراف بهم من دون الإمام الحجة لا يساوي شيئاً وهو كإنكار أميرالمؤمنين (ع):  ما نقله في كفاية الأثر عن الحسن بن علي عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار عن سعد بن عبدالله عن موسى بن جعفر البغدادي قال: سمعت أبا محمد الحسن بن علي العسكري (ع)  يقول:"كأني بكم وقد اختلفتم بعدي في الخلف مني ألا إن المقر بالأئمة بعد رسول الله المنكر لولدي كمن أقر بجميع الأنبياء والرسل ثم أنكر نبوة رسول اللّه  (ص) لأنّ طاعة آخرنا كطاعة أوّلنا، والمنكر لآخرنا كالمنكر لأوّلنا، أما إن لولدي غيبة يرتاب فيها الناس إلا من عصمه اللّه".[4]

   واذا صدقنا هذه الرواية فانها تؤدي الى تكفير جميع الفرق الشيعية ما عدا الاثني عشرية، فضلا عن عامة المسلمين، مع ان الرواية نفسها تتحدث عن غيبة تسبب ارتياب الناس، ولكنها تطالب بالايمان بولد العسكري دون دليل.

   وكان يجدر بالشيخ التبريزي أن يتوقف قليلا عند تلك الروايات التي تتحدث عن وجود الولد للامام العسكري، ودراسة أسنادها، بدلا من التصديق الساذج والسريع بما روى أدعياء النيابة الخاصة من أمثال العمري، الذي تحدث عن رؤيته للمهدي متعلقا بأستار الكعبة، خاصة بعد حدوث الحيرة لدى الشيعة الامامية وتفرقهم بعد وفاة الامام العسكري دون خلف ظاهر الى أربعة عشر فرقة، وتفتيشهم عن الولد الى حد اليأس، ما عدا فريق صغير من  أصحاب الامام ادعى وجوده في السر، والنيابة الخاصة عنه. وهو أمر يخالف قوانين الشريعة الاسلامية التي تحرم نسبة ولد الى رجل لم يدعه بعد وفاته، مع إنكار أهله وعشيرته له، وعدم وجود أي أثر له طوال أكثر من ألف عام.

   وكان يجدر بالشيخ التبريزي مرة أخرى، اذا لم يكن قد حقق بروايات وجود الولد للامام العسكري، من قبل، أن يحقق بها بعد صدور كتابي (تطور الفكر السياسي الشيعي) الذي نسف كل تلك الروايات، وأن يلقي على الكتاب نظرة واحدة حتى يتأكد من صحة تلك الروايات، لا أن يبادر الى تكرارها بصورة بلهاء، ونشرها بين عوام الشيعة الذين لا يفرقون بين الصحيح والسقيم من الروايات، مستغلا لقبه "كمرجع ديني وآية من آيات الله"!

 

   لقد ادعى الشيخ جواد التبريزي في بداية كراسه :"انه يتعرض إلى ذكر بعض الروايات الصحيحة والصريحة التي تعين أسماء الأئمة (عليهم السلام) مما يقطع الطريق على من يدعي عدم وجود النص عليهم أو على بعضهم، ويثبت أن المدعي لعدم وجود النص ـ لو سلمت نيته ـ فإنه ضعيف الإطلاع جداً على أخبار أهل البيت وغير بصير بأحاديثهم. والتزم أن يكون النص الذي يورده صحيحاً من غير شبهة أو مناقشة". ولكنه اعترف في الخاتمة بوجود صعوبات تحول دون النص الصريح عليهم ، فقال:" وفي الختام ينبغي ذكر ملاحظة هامة وهي: أن الوضع العام الذي عاش فيه الأئمة (ع) خصوصاً بعد شهادة الإمام الحسين كان وضعاً ضاغطاً وعصيباً، وقد حاول فيه الظالمون بكل جهدهم أن "يُطفئُوا نُورَ اللّه بأفواههم" فكانوا يتربصون بالأئمة الدوائر ويبغونهم الغوائل للقضاء عليهم. وهؤلاء الظالمون ـ في العهدين الأموي والعباسي وإن لم يكونوا يقدمون على قتلهم جهراً وعلانية، إلا أنهم كانوا يحاولون ذلك غيلة، وشاهد ذلك ما نجده من إقدامهم على دس السم للأئمة(ع). وهذه الظروف والأوضاع غير خافية على المتتبع لأحوالهم، والعارف بتأريخهم، ويكفي لمعرفة ذلك، النظر إلى كيفية نص الإمام الصادق (ع)  على إمامة الكاظم في وصيته له حيث كان العباسيون ينتظرون أن يعيّن بنحو صريح الإمام بعده ليقتلوه، فكان أن أوصى لخمسة، فضيع عليهم هذه الفرصة، ثم ما جرى على مولانا الكاظم (ع) من سجنه ثم قتله، وأيضاً ما جرى من التضييق والاضطهاد للإمام الهادي (ع) ومن بعده ابنه الحسن العسكري، ومحاولتهم القبض على خليفته الإمام المهدي وقتله ـ بزعمهم ـ.

وهكذا ما عاشه الشيعة الكرام من ظروف القمع والتقية، بحيث كانوا لا يسلمون على عقائدهم في وقت كان يسلم فيه الكفار في بلاد الإسلام على ما كانوا عليه من ضلالة، ولا يسلم شيعة أهل البيت بما عندهم من الهدى. فكان الكشف في هذه الظروف عن أسماء الأئمة المعصومين خصوصاً من كان منهم في الفترات اللاحقة، وتناقل النصوص المصرّحة بإمامتهم بين الرواة أمراً في غاية الخطورة على الإمام وعلى شخص الناقل أيضاً. ولكنهم مع ذلك قد حفظوا لنا ـ جزاهم اللّه خير الجزاء ـ تلك النصوص وتناقلوها فيما بينهم بالرغم مما كان يكتنفها من المشاكل والضغوط حتى أوصلوها لنا، بحيث تمت بواسطتها الحجة على من أنكر، والاحتجاج بها والاستناد عليها لمن آمن. ولهذا فقد أصبحت هذه القضية من المسلمات العقائدية لدى شيعة أهل البيت، والمتواترة إجمالاً، بحيث أنهم عرفوا حتى عند أعدائهم بتوليهم لهؤلاء الأئمة الطاهرين، وميزوا بأنهم (الاثنا عشرية) في إشارة إلى اعتقادهم بإمامة الأئمة الإثني عشر. وصار الأمر عند الشيعة بحيث أن من كان لا يؤمن بأحدهم أو جعل غيره مكانه لا يعد من هذه الطائفة المحقة".

   وقد خلط الشيخ التبريزي هنا بين أمرين: بين قيام الطائفة الاثني عشرية على أساس مجموعة روايات، وبين صحة تلك الروايات، وثبوتها، بالرغم من وجود الشك والمناقشة في تلك الروايات بين الشيعة أنفسهم، ووجود الشك والمبررات الشرعية والعقلية التي تحول دون الايمان بوجود ولد في السر للامام العسكري. وأراد أن يستغل تحول الايمان بالاثني عشرية ووجود الامام الثاني عشر، الى "مسلمة" لدى عامة الشيعة ، منذ القرن الرابع الهجري، الى تأكيد صحة النظرية، بالرغم من وجود الشك بصحة كل الأحاديث التي يوردها الاثنا عشريون واتهامهم باختلاقها في وقت متأخر، واختراع فرضية وجود الامام الثاني عشر لأسباب فلسفية نظرية ظنية. علما بأنه ليس كل "مسلمة" صحيحة وتستند الى دليل شرعي، فما أكثر المسلمات الباطلة التي يعتقد بها هذا المذهب أو ذاك أو هذا الدين أو ذاك. وقد قال الامام السيد محسن الحكيم وهو يوصي بعض طلابه:"إياك والمسلمات، ولا سيما في غير العبادات من أبواب الفقه، فان كثيرا من المشهورات عند الناس والطلاب، وكثيرا من المرتكزات في الأذهان إذا راجعها الفاضل في مظانها وتأمل فيها وجدها لا واقع لها يعتمد عليه، ولا أصل تستند اليه". وقال:" لا يصل الإنسان الى النتائج حتى يشكك فيها، وإنما العثرات والأخطاء الى حسن الظن بما يقوله العظماء من المدرسين والمؤلفين".[5]

 

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



[1] - http://www.tabrizi.org/?W3Village=rad/nosoos/main

 

[2]  - يؤكد الصفار والكليني والمفيد والكشي : على ذهاب اقطاب النظرية الامامية كهشام بن سالم الجواليقي ومحمد بن النعمان الاحول في البداية الى عبدالله الافطح ·الذي اجمع الناس عليه انه صاحب الامر بعد ابيه "وذلك لرواية الناس عن ابي عبدالله ­· ان الامر في الكبير مالم تكن به عاهة " وإصرار عمار الساباطي وهو من اصحاب الامامين الباقر والصادق على القول بامامته حتى النهاية.

الكليني، الكافي، ج1 ، ص 351 – 352، والمفيد، الارشاد، ص 291، والصفار، بصائر الدرجات، ص 250 – 252، والكشي ، الرجال، ترجمة هشام بن سالم.

 

[3] - الكليني، الكافي، ج 1، ص 326 – 327، الصفار، بصائر الدرجات، ص 473، المفيد، الارشاد، ص 337، الطوسي، الغيبة، ص 122

وقد روى الكليني والمفيد والطوسي عن ابي هاشم داود بن القاسم الجعفري قال : كنت عند ابي الحسن العسكري وقت وفاة ابنه ابي جعفر ،وقد كان اشار اليه ودل عليه ، واني لأفكر في نفسي واقول هذه قصة ابي ابراهيم وقصة اسماعيل، فأقبل الي ابو الحسن وقال : نعم يا ابا هاشم بدا لله في ابي جعفر وصير مكانه ابا محمد كما بدا له في اسماعيل بعدما دل عليه ابو عبد الله ونصبه ، وهو كما حدثتك نفسك وأنكره المبطلون ..ابو محمد ابني الخلف من بعدي عنده ما تحتاجون اليه ، ومعه آلة الامامة والحمد لله.

الكليني، الكافي، ج1 ، ص328، والطوسي، الغيبة، ص 55 و130، والمفيد، الارشاد، ص 317، والمجلسي، البحار، ج50 ص 241

[4]  - وينقل التبريزي روايات أخرى في هذا المضمون، فيقول: قال رسول اللّه (ص): المهدي من ولدي اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس خلقاً وخُلقاً تكون له غيبة وحيرة حتى تضل الخلق عن أديانهم". وما رواه الشيخ الصدوق في كمال الدين ... عن زرارة بن أعين، قال: سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول: «إن للقائم غيبة قبل أن يقوم. قلت له: ولم؟ قال: يخاف وأومأ بيده إلى بطنه، ثم قال: يا زرارة هو المنتظر وهو الذي يشك الناس في ولادته منهم من يقول هو حمل ومنهم من يقول هو غائب، ومنهم من يقول ما ولد ومنهم من يقول ولد قبل وفاة أبيه بسنتين، غير أن اللّه تبارك وتعالى يحب أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون".

[5]  - كتاب حجر وطين، للشيخ محمد تقي الفقيه، ج4 ، ص 192 – 193 ، الطبعة الأولى بيروت، 1995