مع السيد محمد تقي المدرسي في كتابيه:

(الامام المهدي والإيمان بالغيب) و (الامام المهدي قدوة الصديقين)[1]

 

هل يستمر نزول الوحي بعد رسول الله (ص)؟

     عشت مع السيد المدرسي، الصديق والمفكر الاسلامي الكبير، عقودا من الزمن في خندق واحد وعملنا معا من أجل اقامة حكم إسلامي في العراق وبناء الحضارة الاسلامية من جديد ، وكان شعارنا : لله والحق والحرية!

  كنا نؤمن منذ الستينات بولاية الفقيه ونيابته العامة عن الامام المهدي ، وانتقلنا معا الى الجمهورية الاسلامية الإيرانية بعد انتصار الثورة في أواخر السبعينات، حيث بدأ يعد نفسه لتولي منصب الولي الفقيه في المستقبل والتحضير لتبؤ سدة المرجعية الدينية.   

   في أواخر الثمانينات أنهيت بحثي حول وجود (الامام محمد بن الحسن العسكري) حيث توصلت الى كونه نظرية افتراضية فلسفية ، حسب المصادر الشيعية الامامية ، أكثر منه حقيقة تاريخية أو دينية. وقبل ان أبوح بهذه النتيجة الى أي أحد طلبت من السيد المدرسي، المنغمس في العمل السياسي والبحث العلمي، ان يعطيني من وقته الثمين ساعة واحدة لأشرح له ما توصلت اليه من نتائج واطلب منه ان يقدم لي ما لديه من أدلة – اذا كانت هنالك اية أدلة اخرى - لم اطلع عليها وان يناقشني في ما توصلت اليه. أشار بسرعة واختصار الى كون موضوع الايمان بالإمام المهدي جزءا من الغيب ، وطلب مني ان اكتب البحث بدقة ليناقشني فيه بالتفصيل على الورق بعد ذلك . وافقته على هذا الطلب ووعدته بإجراء مزيد من البحث والتحقيق ، وقلت له: أنا أؤمن بالغيب وبكل ما يقوله القرآن الكريم من الجن والملائكة والجنة والنار ، ولكن موضوع الامام الثاني عشر لا يوجد في القرآن الكريم، وبالتالي فاني لا أستطيع ان أؤمن بولادة الامام بصورة غيبية ، أي بلا دليل علمي، وإلا لجاز لي وللآخرين الايمان بأية اسطورة والادعاء انها من الغيب.

  انتهيت من تأليف كتابي (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه) بعد ذلك بسنتين، وأرسلت اليه فورا نسخة منه ، اطلب منه بإلحاح ان يناقش الكتاب وبقدم لي ما لديه من ردود حتى لا انشر الكتاب اذا ما اقتنعت بخطأ ما ورد فيه من نتائج وأفكار ، ولم أتلق منه أي رد. التقيت به بعد سنوات في بيت الله الحرام وأقسمت عليه بالله أمام الكعبة المشرفة ان يصحح أي موضوع في الكتاب او يدلني على أي خطأ فيه ولكنه لاذ بالصمت وقال لي : أنت حر بنشر ما تعتقد به.

   لم اكن احتاج الى إجازة منه ، ولكني كنت أحاول ان القي الحجة عليه أمام الله ، وهكذا فعلت مع كثير غيره من العلماء والمجتهدين.

    ومع كل هذه المقدمات والتفاصيل فوجئت به بعد فترة وجيزة وهو ينشر كتابا في الرد علي ، أو بالأحرى : بالهجوم الشخصي عليّ واتهامي بالكفر والفسق والضلال والانحراف واتباع الهوى والطغيان والشرك والفتنة.. ولم يدع مفردة سيئة في قاموس السباب والشتائم الا واستخدمها بحقي ، ولكنه لم يناقش الأفكار التي طرحتها في الكتاب ولم يقدم أي دليل علمي او تاريخي على ولادة الامام المهدي (محمد بن الحسن العسكري) لأنه لو كان يملك هكذا دليل لقدمه اليّ من قبل ، ما عدا الترديد: ان الايمان بالمهدي يشكل جزءا من الايمان بالغيب وانه أصل الدين وفلسفته وحكمته.

  ويشكل موقفه هذا في حد ذاته ظاهرة ثقافية متميزة تستدعي الدراسة والانتباه والتفكير.

   تتألف هذه الظاهرة -كما رأينا- من عدة عناصر هي:

    1-  احتكار الايمان بالله تعالى والتقوى والورع والإخلاص  وتجريد الطرف الآخر من كل ذلك.

    2 - احتكار العلم والفهم والمعرفة واتهام الخصم بالجهل وعدم الإدراك وعدم التخصص.

    3 - ادعاء الحرص على الدين والوحدة الاسلامية ، واتهام الطرف الآخر بتمزيق الصفوف وإثارة الفتنة والتهجم على المقدسات.

    4 - ممارسة كامل الحرية في النقد والهجوم وعرض الأفكار الذاتية ، وحرمان الطرف الآخر من التعبير عن نفسه وكبته وخنقه.

    5 - الحوار العشوائي غير المباشر وغير الممنهج وعدم وضع النقاط على الحروف أو تسمية الأمور بأسمائها ، وتحوير نقاط الخلاف بالتحدث عن قضايا أخرى متفق عليها.

   6 - انتهاج الأسلوب الخطابي العاطفي وتجنب الحوار العلمي الهادئ.

   7 - تضخيم بعض الأمور الجزئية والتطرف والغلو.

وعندما يقوم مفكر إسلامي يعد نفسه لقيادة الأمة وتولي المرجعية العليا ورئاسة دولة اسلامية عظمى أو توجيه حركة اسلامية عالمية.. عندما يقوم بممارسة ذلك الأسلوب من الحوار اللاعلمي والتهجم الشخصي على أقرب المقربين اليه لمجرد انه جاء بنظرية جديدة تتعلق بالتاريخ الشيعي ولا تمس أسس الدين من التوحيد او النبوة او المعاد او الحلال والحرام ، ولمجرد انه قال فقط: (بأن المهدي لم يولد بعد وسوف يولد في المستقبل) فان اسلوب ذلك العالم يتحول الى ظاهرة سلبية وخطيرة في المجتمع الاسلامي تنسف الشعارات التي يرفعها في العمل من أجل الله والحق والحرية ، وتلقي بظلال من الشك حول جديته في الإصلاح والتجديد والتغيير وكيفية إدارته للصراع مع التيارات والطوائف والأحزاب المختلفة ، خاصة اذا ما استلم مقاليد السلطة في أي بلد في المستقبل.

   وتأتي خطورة هذه الظاهرة الغوغائية التي تعتمد التهريج الخطابي والتهجم الشخصي وتجنب الحوار العلمي المباشر والدقيق ، في انها قد ترتد على أصحابها وتشيع جوا إرهابيا يحول دون البحث العلمي ويصادر حرية الاجتهاد ويدعو الى التعايش مع البدع والخرافات والأساطير.

    وكانت هذه الرسالة الأولى التي أرسلتها اليه:

بسم الله الرحمن الرحيم

ايران – طهران

سماحة العلامة المجاهد السيد محمد تقي المدرسي حفظه الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ودمتم في خدمة الاسلام والمسلمين.

وبعد.. فان معرفتي الشخصية بكم تطول أكثر من ربع قرن ، بحكم الصداقة  المتينة والرفقة في العمل والتلمذة عليكم ، ومن هنا فقد اكتشفت فيكم: العالم المجاهد العامل من أجل نهضة اسلامية شاملة وتجديد الفكر الاسلامي وإزالة ما علق به من أفكار دخيلة ، وتطويره نحو الأفضل ليكون قادرا على قيادة الحياة وحل  مشاكلها المعاصرة بصورة أنجح. فلقد كنتم من أوائل الدعاة الى نظرية ولاية الفقيه وكتبتم حول ذلك كتاب (القيادة الاسلامية) في الستينات ، وبنيتم على ضوئها فكر منظمة العمل الاسلامي والحركة الرسالية الكبرى وكنتم بذلك أحد المساهمين في بناء الدولة الاسلامية في ايران ، واعتقد أنكم لازلتم تتبنون تلك النظرية .

  وغني عن القول ان نظرية ولاية الفقيه تشكل ثورة في الفكر الشيعي الإمامي الاثني عشري الذي كان في القرون الماضية يحرم الثورة والدولة في عصر الغيبة الى ان قامت بالفعل عدة دول شيعية مما دفع بعض العلماء لإبداع نظرية النيابة العامة عن الامام المهدي الغائب وتطويرها الى نظرية ولاية الفقيه ، بصورة مستقلة او بالارتكاز على نظرية النيابة العامة ، وبقدر ما كانت نظرية ولاية الفقيه تشكل ثورة في الفكر الشيعي الإمامي ، فإنها كانت تحتاج الى ثورة أعمق لكي تحدد الأسس والقواعد التي تستند اليها ، وذلك لأن التعامل السطحي السريع مع نظرية سياسية مهمة  شكلت محورا للخلاف بين المسلمين عبر التاريخ ليس بالأمر المقبول ولا المنطقي ، وخصوصا عندما نعرف ان كثيرا من النظريات البشرية القائمة على التأويل والتزوير قد تسللت الى تراثنا الاسلامي والشيعي.. وهذا ما يدعونا لمزيد من البحث والتحقيق من  اجل التأكد من  حقيقة النظريات الموروثة والتمييز بين الحقائق والأساطير .

 وان ما يدعونا بإلحاح لدراسة الأسس العقائدية والتاريخية لنظرية ولاية الفقيه والنيابة العامة هو محاولة وضع النقاط على الحروف وبلورة النظرية بشكل دقيق وتحصينها من السقوط في خطر الديكتاتورية والحكم الشمولي المطلق وكذلك إعادة النظر في جميع الأبواب الفقهية التي كانت معطلة في عصر الغيبة حسب نظرية (التقية والانتظار) البائدة ، واتخاذ قرار شجاع بإعادة الحيوية والفاعلية لتلك الأبواب.

 وكما تعرفون فقد دفعني البحث في نظرية ولاية الفقيه ، أصوليا وفقهيا قبل بضع سنوات الى اكتشاف حداثة عمرها وقيامها على أنقاض نظرية  التقية والانتظار التي كان يلتزم بها سلفنا قرونا من الزمن طويلة ، ثم دفعني ذلك الاكتشاف الى بحث نظرية (النيابة الخاصة) في (الغيبة الصغرى) واكتشاف ضعف هذه النظرية وعدم وجود أدلة علمية صحيحة وكافية لاثباتها ، وان هذا الاكتشاف الأخير جرني الى بحث موضوع (الامام المهدي) واكتشاف ضعف جميع الأدلة التي تساق لاثبات وجوده ، وانه لم يكن سوى فرضية وهمية افترضها بعض المتكلمين الامامية ، وانه لم يكن حقيقة يقول بها أهل البيت و لا يدعون اليها ، وقد اختلق القول بوجود ولد للامام الحسن العسكري قسم صغير من شيعته (فرقة من أربعة عشر فرقة) ثم ختموا نظرية الامامة الالهية التي كانوا يزعمون في السابق انها ممتدة الى يوم القيامة ، باثني عشر اماما فقط، وقالوا بأن الثاني عشر المفترض هو المهدي الذي سوف يخرج ويملا الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ، وكانوا يتوقعون خروجه في تلك الأيام.. ولم يكونوا يحسبون انه سيبقى غائبا مئات السنين.

 ومن هنا وقع الذين آمنوا بوجود الامام المعصوم المعين من قبل الله في شرك نظرية التقية والانتظار ، حيث كانوا يعتقدون بحرمة القيام والثورة وتأسيس الدولة وتنفيذ أحكام الدين لغير الامام المعصوم ، والا فلماذا كانوا يشترطون العصمة ويفترضون وجود الامام المعصوم  بعد وفاة الامام العسكري، بالرغم من عدم مشاهدتهم أي ولد له وعدم إشارته الى ذلك وعدم وجود اية أدلة على صحة الفرضية، واذا كانت النتيجة التي أسفرت عنها النظرية المهدوية الاثنا عشرية: (التقية والانتظار)  خاطئة وغير معقولة ، فان رد الفعل الذي أعقبها وقام على أساس النظرية المهدوية كان خاطئا ايضا.. إذ ان نظرية النيابة العامة وولاية الفقيه لا تقل سوءا عن نظرية (التقية) فبينما تعطل الأخيرة النشاط السياسي في عصر الغيبة ، تعطي الأولى كل الحق السياسي لرجل واحد باسم النيابة عن الامام المهدي، وهذا ما يؤدي الى قيام الأنظمة الشمولية الدكتاتورية باسم الدين.

 وعلى أي حال فقد بحثت معكم حول وجود (الامام المهدي محمد بن الحسن العسكري) قبل عدة سنوات وطلبت منكم ان تدلوني على مزيد من الأدلة والبراهين ، حيث لم اقتنع بالأدلة المقدمة من علماء الكلام ولا بالروايات الضعيفة الموضوعة فيما بعد ، وطلبت منكم مناقشة الدراسة التي قمت بها في ايران وأثبت من خلالها : ان نظرية المهدي المعروفة عند الشيعة الاثني عشرية  ، نظرية حادثة بعد وفاة الامام الحسن العسكري ، وانها فرضية وهمية  لم يعرفها أهل البيت (ع) ولم يبشروا بها ، وقد طلبتم مني التريث في الحكم والاستنتاج او كتابة نتيجة البحث الا بعد مرور  سنة على الأقل ، ثم عرض الكتاب على مجموعة من العلماء لمناقشته والرد عليه . وقد فعلت ذلك حيث أمضيت عاما كاملا بعد مغادرتي لإيران عام 1991 في المطالعة والتفكير والتدقيق ، وأنا أتمنى ان أكون على خطأ في منهج الدراسة او في المعلومات التي توصلت اليها او اعتمدت عليها ، وقمت بعد ذلك بكتابة البحث ووجهت رسالة مفتوحة الى مئات العلماء والمفكرين من أبناء الطائفة الثني عشرية لكي يناقشوا البحث ويردوا عليه ، وتمنيت من أعماق قلبي لو يثبتوا خطأ ما توصلت اليه وصحة الأدلة على وجود الامام المهدي ، فلم يجبني أحد على رسالتي ما عدا قلة قليلة من العلماء حيث أرسلت إليهم الكتاب لإلقاء نظرة عليه.. وكنتم أحد الذين أرسلت إليهم الكتاب وانتظرت جوابهم ، خاصة وأنكم وعدتموني بذلك قبل كتابته ، ولكنني  وبالرغم من مضي اكثر من عام لم استلم منكم أي رد او جواب .

  ومع اني اقدر ظروفكم الخاصة والأجواء التي تعيشون فيها والتي لا تسمح لأحد بالتفكير  فضلا عن المناقشة أو المعارضة ، فاني اعتقد ان مسعاكم لتبؤ مقعد المرجعية العليا وقيادة المسلمين يوجب عليكم الاهتمام ببحث موضوع وجود المهدي او عدمه ، إذ ان مستقبلكم ومستقبل الأمة مرهون بإثبات هذه القضية او نفيها ، ومن هنا فإنكم مطالبون بقول كلمة : "صح"  أو  "خطأ" واثبات ذلك بالدليل ، ولستم والحمد لله ممن هو بحاجة الى تذكيره بان البحث في الأسس أولى  من البحث في الفروع  والجزئيات .

  واذا لم يكن لديكم الوقت او الاستعداد لبحث الموضوع ، فأرجو ان تتفضلوا بالطلب ممن تعرفون من العلماء والمفكرين بالرد على البحث ، وذلك لأني لا أزال مستعدا لتقبل الحق وتغيير رأيي اذا اكتشفت أني على ضلال ، كما اني على استعداد لاقامة حفلة وإحراق الكتاب في المستقبل متى ما قام أحد بتفنيد آرائه واثبات صحة نظرية وجود المهدي.

واعتقد ان في إعلاني هذا حجة عليكم  أمام الله يوم القيامة وعذرا في نشر الكتاب في المستقبل ، وذلك لأني اعتقد ان قول الحق واجب على كل عالم وان كتمان العلم من أكبر المحرمات ، خاصة وانا قد نذرنا أنفسنا للدعوة الى الاسلام والى خط أهل البيت عليهم السلام واقامة حضارة اسلامية جديدة ، فاذا اكتشفنا أمرا دخيلا على الاسلام وعلى خط أهل البيت ، وسرا من أسرار انهيار الحضارة الاسلامية ، كموضوع (المهدي محمد بن الحسن العسكري) الموهوم ، فنحن مطالبون بالإفصاح عن ذلك خدمة للإسلام والمسلمين وخطوة على طريق بناء الحضارة الاسلامية من جديد.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 أخوكم المخلص أحمد الكاتب

لندن 20/10/1414هـ

  وقد أصدر المدرسي في الرد علي كتابين هما: (الامام المهدي والإيمان بالغيب) في سنة 1417 و (الامام المهدي قدوة الصديقين) سنة 2005

   وقد ابتدأ كتابه الأول بجموعة شعارات خطابية مثل ان "حقيقة الامام الغائب من الحقائق الكبرى... وان المنظومة الفكرية في عقائد التوحيد انما تنتظم بالولاية، وهي الحبل المتصل بين سماء القيم وصعيد الواقع، فلو انقطع الحبل فان مفردات العقائد تبقى من دون نظام، وفائدتها تكون محدودة... وان انتظار الامام الغائب انتظار يوم الدين، والايمان بالوحي النازل من الغيب".

   ثم اعتبر الإيمان بالامام المهدي مسألة نفسية إيمانية على كل انسان أن يؤمن بها اذا كان يؤمن بالله، فـ" ان الايمان لا يتجزأ ، ومن أراد أن يكفر بحق ويؤمن بآخر، فانه بمثابة من يكفر بالحق كله. (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ؟ فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا خزي في الحياة الدنيا ويم القيامة يردون الى أشد العذاب) البقرة 85 ان قدرة الانسان على تجاوز ذاته هي واحدة في كل مكان، ومن هنا فانه يؤمن بكل حق لا تفريق بين حق وآخر. أما الذي يدعي الايمان بالحق ثم يكفر ببعض الكفر فانه كاذب في ايمانه ، لانه لم يعرف كيف يتجاوز ذاته، ويخالف هواه. انه يتبع هواه في تقييم الحقائق، فما وافقت عليه نفسه آمن به، وما خالفته نفسه كفر، وكان كمن قال ربنا سبحانه عنه: "أكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون" البقرة 87 وهكذا يلجأوون الى ميزان العصبية والأهواء في تقييم الحقائق، وبأيها يؤمنون وبأيها يكفرون. فاذا انزل الوحي فيهم وكان الرسول من قومهم آمنوا به، واذا كان من غيرهم كفروا به. هؤلاء هم في الواقع من أتباع الهوى".

  ورغم أني في حواري ومراسلاتي معه، طلبت منه تقديم الدليل الشرعي على "حقيقة" وجود المهدي، أو الامام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري، فان السيد المدرسي اعتبر هذا الأمر من الأمور المسلمة المفروغ منها، وراح يحلل نفسيتي، ويهاجمني دون ان يقدم أي دليل، فقال:"اليوم نجد البعض يرتاب في حقائق كان بالأمس يؤمن بها ويدافع عنها أشد الدفاع. لماذا؟ لأنه تعرض لفتنة، وأصبحت هذه الحقيقة تخالف مصالحه وأهواءه، وغدا يكفر بالحقيقة التي لا يزال يؤمن بها اليوم، وهكذا يكفر ويؤمن حسب رياح الهوى، هو التحدي ضد جبت الذات. فاذا انهارت مقاومة الانسان الداخلية، فأية قيمة لإيمانه. بل كيف نسمي الايمان بشرط موافقة الهوى، كيف نسميه إيمانا؟

مثل هؤلاء الذين يتراجعون اليوم عما آمنوا به أمس لم يكونوا مؤمنين حقا. بل كانوا يزعمون أنهم مؤمنين،  أو يتظاهرون به، وقد قال الله تعالى عن الفريق الأول:" قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم" الحجرات 14 ويقول سبحانه عن الفريق الثاني:"اذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله والله يعلم انك لرسوله، والله يشهد ان المنافقين لكاذبون، اتخذوا إيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله انهم ساء ما كانوا يعملون) المنافقون 1-2 .[2]

   وهكذا وبكل جرأة راح يتهمني بالنفاق، لا بل ويتنبأ بالغيب فيقول:"غداً يكفر بالحقيقة التي لا يزال يؤمن بها اليوم".

   وبدلا من أن يقدم أدلته على تلك الحقيقة الإيمانية التي يدعيها، وجد السيد المدرسي أن أسهل الطرق للدفاع هي الهجوم الشخصي، وارتدى هذه المرة نظارات المحلل السياسي والنفسي، فقال: "عندما طبقت بصيرة الولاية في بعض البلاد وواجهت مضاعفات عند التطبيق ، واصطدم البعض بها، تراه لم ينسب الخطأ الى البشر الذين هم بالتالي غير معصومين، ولم يدر ان كل فكرة واجهت مضاعفات عند التطبيق. فالديموقراطية التعددية والديموقراطية الشعبية والملكية الدستورية والملكية المطلقة.. وكل النظم واجهت مشاكل عند التطبيق. والعقلاء لم يحملوا كل المسؤولية على المبدء، بل عرفوا مواقع الضعف في المبدء، وميزوها عن مواقع الضعف في المنفذين لها. وعند هذا المنعطف انهار وبدأ يرتاب في حقيقة الولاية الالهية، ويدعو الى العلمانية (وفصل الدين عن السياسة) أو الى التطوير في فهم الدين... وترى بعضهم ابتلي بالشك الجارف فاذا بفيروس الارتياب ينخر في أصول عقائده، فأخذ يشك في الامام المنتظر عليه السلام، زاعما ان الدليل الوحيد الذي دل على ولاية الفقيه هو الحديث المسند اليه. فامعانا في فتنة نفسه وخداع ذاته أخذ ينفي وجود الامام الحجة حتى ينهار أساس ولاية الفقيه.. تلك الولاية التي اصطدم بها ونصب نفسه لتسفيهها وضرب قواعدها واسسها... ثم أخذ يرتاب في سائر اصول المذهب الحق، بل وبعض اصول الدين ذاته". [3]

    وهل التشكيك بنظرية ولاية الفقيه، التي لا يؤمن بها كثير من العلماء، كالشيخ الانصاري والسيد الخوئي والسيد السيستاني، تشكل مقدمة للكفر بالاسلام؟ إضافة الى ان تشكيكي بوجود الامام الثاني عشر، لم يكن منطلقا من الرغبة في تسفيه نظرية ولاية الفقيه، وذلك لأن كثيرا من  منظري هذه الفكرة كانوا يرتكزون في اجتهادهم حولها على الأدلة العقلية والقرآنية، وانما كان منطلقا من حقائق موضوعية تكشفت لي أثناء البحث وتصريح مشايخ الطائفة الإثني عشرية الأوائل بأن عمدة أدلتهم على وجود ابن للامام العسكري، هو الافتراض الفلسفي، في غياب الأدلة التاريخية التي تثبت ولادته ووجوده واستمراره. وقد قدمت أسئلة بريئة ومشروعة عن وجود ذلك الامام المفترض، في محاولة للبحث عن الحقيقة، ولم تكن المسألة مسألة خداع نفسي أو رغبة شيطانية في السقوط في الفتنة، والعياذ بالله، أو محاولة لضرب قواعد ولاية الفقيه، حيث أن المسألة أكبر منها بكثير وغدت تتعلق بأساس الفكر الامامي.

   واذا سلمنا بكل قراءات المدرسي النفسية التي لا يعلمها الا الله، فلست أدري كيف تجرأ على اتهامي بالتشكيك بأصول الدين ذاته؟ وما هي تلك الأصول التي شككت فيها؟ هل كفرت بالله تعالى أو بالنبي محمد أو باليوم الآخر؟ وما هو دليله ؟ سوى الاتهام العشوائي والظن بالسوء؟

   ولست أدري ماذا أذنبت بحق السيد المدرسي؟ واذا كان يمتلك هذا العمق الغيبي في قراءة قلوب الناس، ومعرفة المؤمن من المنافق، فلماذا لم يكتشف صديقا له عاش معه وعمل معه حوالي عشرين عاما؟

   يقول المدرسي:" ان اكثر التشكيك في أمر المهدي جاء بدوافع سياسية، ولم يكن قائما على أسس علمية سليمة".

   ونقول له: ان أكثر المدعين لوجود المهدي يقومون بذلك بدوافع مادية وسياسية أيضا، ولا يملكون أسسا علمية سليمة على دعواهم، في حين ان الدليل على المدعي وليس على المنكر أو المشكك. ثم   حسنا، ومهما كانت الدوافع، ألا يجب على المدعين تقديم الأدلة العلمية السليمة على دعواهم؟ وكيف نفرق بين الحقائق والأساطير؟ بمجرد الدعاوى؟ أم بالأدلة والبراهين؟

   ولا يجد المدرسي الجرأة لبحث أو تقديم أي دليل تاريخي على ولادة ابن الحسن العسكري، كما فعل خاله السيد محمد الشيرازي، فهو يعرف جيدا انها مجموعة أساطير مضحكة، وإشاعات بلا سند ولا  دليل. ولذلك ينتقل الى الاستدلال بالاحاديث العامة (السنية) الواردة حول خروج مهدي في آخر الزمان، ثم يقول:" لم يتشكك في عقيدة المهدي الا بعض المتأثرين بالثقافة العلمانية كابن خلدون الذي حاول أن يؤسس نظرية نقدية للنصوص الدينية يعيدا عن الايمان بالغيب والتسليم لحقائق الوحي، وقد أورد 28 حديثا في عقيدة المهدي وحاول تضعيف أسانيد بعضها، وكان واضحا ان تشكيكه كان قائما على نظرية في الاجتماع من قيام الملك بالعصبية، ومحاولة نسبة هذه العقيدة بتلك العصبية.. ولكن اذا جعلنا معيار تقييم العقائد السياسية والحركات الاجتماعية فلا تسلم حتى العقيدة بأصل الدين من هذا المعيار ذي البعد الواحد...ولم يعرف ابن خلدون ان سلامة سند حديث واحد تكفي لقبول عقيدة غيبية، ولا يضر ضعف سند غيره، لأن مجرد  الضعف لا يدل على كذب الحديث بل هو مؤيد له". ويستعين بقول للشيخ المحدث ناصر الدين الألباني:" ان عقيدة خروج المهدي عقيدة ثابتة متواترة عنه (صلى الله عليه وآله) يجب الايمان بها لأنها من أمور الغيب، والايمان بها من صفات المتقين كما قال تعالى:"ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب" وان انكارها لا يصدر الا عن جاهل أو مكابر، أسال الله ان يتوفانا على الايمان بها وبكل ما صح في الكتاب والسنة". [4]

 

  ونقول للمدرسي: حتى لو صحت تلك الأحاديث التي رفضها ابن خلدون، فانها أحاديث عامة، لا تشير الى ولادة أو وجود شخص باسم  (محمد بن الحسن العسكري). ونحن انما نتحدث عن الامام الثاني عشر، وليس عن (الامام المهدي) المطلق. فلماذا تتهرب من صلب الموضوع لتستجير بموضوع  آخر؟

    ويا ليته تحدث أيضا بلغة علمية! انظروا كيف يحاول "إثبات" دعاويه، يقول:"كان أول من كتب من علماء السنة في هذه العقيدة الحافظ نعيم بن حداد المروزي، حيث عنون كتابه باسم "الفتن والملاحم" وتوجد نسخة من الكتاب في المكتبة البريطانية حيث سجلت فيها بتاريخ 1924م كما توجد نسخ منها في مكتبات الهند وسوريا. والمؤلف من مشائخ علماء السنة، وقد توفي سنة 227".

   و ليس هذا في الحقيقة الا تهريج اعلامي، فما ذا قال المروزي؟ ومن هم رواته؟ وما هو سند الكتاب؟ وما هو رقم الكتاب في المكتبة البريطانية؟ وفي أي مكتبة في بريطانية؟ وأين توجد النسخ الأخرى في مكتبات الهند  وسوريا؟ ماهي عناوينها؟ وأرقامها؟ وهل اطلعت عليها مباشرة ورأيتها بعينك؟ أم تنقل عن أناس لا تعرفهم؟ وحتى اذا صحت الدعوى، من يقول ان نسخة المكتبة البريطانية هي نسخة مسندة وأصلية وصحيحة وسالمة من التحريف والتصحيف؟[5]

  مع الأسف الشديد ان السيد المدرسي لا يقول لنا شيئا عن ذلك ، لأنه ببساطة لا يعرف شيئا، ولم يقرأ الكتاب، ولم يطلع عليه، ولكنه يحاول أن يوحي لنا بأن الحافظ المروزي الذي توفي سنة 227 قد قال شيئا عن الامام المهدي، ولما كان هذا التاريخ قبل ولادة الامام الثاني عشر المفترض، فانه لا بد ان يكون إعجازا وتنبأ بالغيب وله علاقة بذلك.

  وهكذا يحاول المدرسي ان يدعونا للإيمان بـ"الحقيقة الكبرى حقيقة الامام الغائب ، والوحي النازل من الغيب".

 

دليل الاثني عشرية

   وعندما ينتبه بسرعة الى هشاشة "أدلته" الروائية، وعدم انتاجها لأي مولود، يلجأ الى دليل آخر ليس أكثر من قشة لا تنقذ غريقا، وهو دليل "الاثني عشرية" وقد استعرضت هذا الدليل في كتابي (تطور الفكر السياسي الشيعي) ومع عدد من الاخوة المحاورين، وقلت انه لا يمكن الاستدلال بهذا الحديث الا بعد إثبات وجود وولادة ابن الامام العسكري، دليلا على صحة النظرية الاثني عشرية، أما قبل ذلك فلا يجوز ولا يمكن ان نستدل به على ولادة انسان لم تثبت ولادته بالأدلة الشرعية القانونية التاريخية، ولكن المدرسي لم يتوقف عند الاحتمالات العديدة التي تحتملها، ويقول:" كما هو واضح من مراجعة المصادر، أن هذه النصوص تبلغ حد الاستفاضة وربما التواتر، مما يجعل المسلم على ثقة بها، وبأنها صدرت عن النبي (ص) وهناك أكثر من شاهد على انه عنى بهذا العدد أئمة أهل البيت عليهم السلام وهي التالية: أولا: ليس هناك من ينطبق عليه هذا الوصف، وبهذا العدد سمى أئمة أهل البيت فانهم وحدهم الذين بلغوا الذروة في صفات الأنبياء وعددهم أيضا بلغ اثني عشر، ولم يشك أحد ممن أوتي حظا من العلم والتقوى في سموهم ورفعة درجاتهم"... ولم يكد يتم كلامه حتى استدرك قائلا:"لعل منهج القرآن في المحكم والمتشابه هو القدوة في هذا المنهج. والرسول (ص) اتبع ذات المنهج أحيانا، لابلاغ المسلمين ان الأئمة من بعده هم اثني عشر وانهم من قريش. وقد صرح لخاصة اصحابه من هم اولئك كما حدثهم بأسمائهم. من هنا فان المنهج السليم في معرفة اقوال الرسول كما في فقه كلمات اهل البيت هو التقاط اشاراته والتنبه الى معاريضه وتوريته وألحانه. وانطلاقا من هذا المنهج نعرف ان الأئمة الاثني عشر الذين عناهم من بعده هم في الواقع الأئمة من اهل بيته" .[6]  ويضيف:"ان قائمة أسماء الأئمة كانت من أسرار آل محمد التي لم يطلعوا عليها الا من ملك القدرة على حفظها، والايمان بها غيبا. وان النصوص التي كانت عند الشيعة كانت من  أسرار آل محمد لظروف التقية الضاغطة، ولم يكن من كبار الشيعة العارفين بها يسمحون لأنفسهم بالبوح بها الا لخاصة خواصهم".[7]

   أي انه لم تكن هناك نصوص واضحة وصريحة وثابتة ومتواترة على الأئمة الإثني عشر، وانما يجب ان نعرفهم بالتقاط اشارات الرسول الأعظم والتنبه الى معاريضه وتوريته وألحانه.

   فكيف نحصل من تلك النصوص الغامضة والسرية دليلا شرعيا على حقيقة إيمانية كبرى؟ وعلى ولادة ووجود  "محمد بن الحسن العسكري"؟

 

الغلو في الامام

   ان السيد محمد تقي المدرسي  يعاني من مشكلة كبرى في تحديد مصادر المعرفة الاسلامية ، فهو يعتمد كثيرا على تأويل القرآن التعسفي، وعلى الأحاديث الضعيفة، فيقع في مزالق الغلو الفاحش ويبتعد  عن عقيدة التوحيد، حيث يعطي الامام المفترض (المهدي المنتظر) أدوارا إلهية غير بشرية، ويرتفع به عن مقام الامامة التي هي الرئاسة والخلافة، لينسب اليه إدارة الكون وإمساك الأرض، حيث يقول في كتابه (الامام المهدي قدوة الصديقين):" من يحفظ سكان الأرض من الدمار والانهيار والضياع؟ إنه الإمام الغائب؛ الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه، فهو الإمام لأهل الأرض، ولولاه لساخت الأرض بأهلها، ولتحول كل شيء إلى كثيب مهيل. ولتعلم - أخي المسلم - قبل كل شيء أن الإمام الحجة المنتظر أقرب إليك مما تظن، وهو عندك وأنت عنده".[8]

   أما من هو الامام المهدي؟ وهل ولد فعلا ويعيش في حالة من الغيبة؟ فان السيد المدرسي يقفز على هذه الأسئلة المحرجة، ويغطي على عجزه بتضخيم دور الامام المهدي، والخلط بين فكرة  وعد الله بانتصار الخير ووراثة عباد الله الصالحين للأرض، وبين شخص محمد بن الحسن العسكري، فيقول: "الإيمان بوجود هذا الإمام العظيم والاهتمام الجدي بعقيدة انتظار ظهوره، يعتبران من أهم وصايا الأنبياء لأممهم على مرّ التأريخ، حيث لم يبعث الله نبياً إلاّ وبيّن لـه ان خاتمة هذه الدنيا ستكون الى خير وسعادة وأن العاقبة للمتقين، وأن الأرض سيورثها الله عباده الصالحين، حيث سيمكّن الله المستضعفين في نهاية المطاف. ولقد آمن جميع الأنبياء والمرسلين والأئمة والصالحين بحقيقة ظهور الإمام الحجة المنتظر عليه السلام في آخر الزمان". [9]

   ومن هنا فان المدرسي يعتبر التشكيك بوجود (الامام المهدي محمد بن الحسن العسكري) نوعا من الشرك والنفاق، فيقول بغضب:"قتل الخرّاصون. لقد ابتلي المؤمنون خاصة، والمسلمون عموماً بأنصاف المثقفين الذين يصبون كل جهودهم للتدخل فيما لا علم لهم به، وللتجاوز على قدّسية العلم والاختصاص، وذلك لزعزعة موقع الإيمان والإسلام في القلوب، سواء علموا بتأثير ما يخرّصون أم لم يعلموا. فكم من صحيفة وكتاب وإذاعة وبوق إعلامي يحرض الناس على الشك بالعقيدة واليأس من التغيير والتغيّر، جاهلين بأن الشك واليأس والتشكيك والتيأييس ليس إلاّ شكلاً رهيباً من أشكال الشرك والنفاق". ثم يلمح الى أحاديث تلفزيونية عرضت فيها أسئلتي المشروعة عن وجود ابن الحسن العسكري، وأدلتي على اختلاق هذه الفرضية الأسطورية، فيقول:" سمعنا وتسمعون أكاذيب وافـتـراءات من يستهــزئ - وبأعصاب باردة لها ما يبررها من مصالح ودوافع، كالجهل والطمع والكفر- من الحركات الإسلامية والثقافة الدينية والمقدسات، فلا يكون موقفنا منهم إلاّ التوجيه لهم أو الابتعاد عنهم والاستعاذة بالله القدير منهم فيما لو لم يثمر التوجيه أو ينفع النصح، لأنهم ليسوا إلاّ موجودات جهنّمية يحرقون كل من يقترب أو يركن إليهم. فالحذر كل الحذر منهم، ذلك أنهم آمنوا ثم كفروا وأنهم لن يضروا المؤمنين الصادقين شيئاً".[10]

   ولست أدري كيف يجرؤ على وصف حديثي بالاستهزاء، وهو أبعد ما يكون عنه، وأقرب الى الحديث الجاد الذي يحاول ان يشذب التراث الاسلامي من الخرافات والأساطير؟ ثم كيف يتهم من يناقش في قضية يختلف فيها الشيعة الزيدية والإسماعيلية والفطحية مع الإثني عشرية، فضلا عن بقية المسلمين، كيف يتهمه بالانطلاق من الطمع والكفر؟ وكيف يصفه بالجهنمي والكفر وهو يشهد ألا إله الا الله وان محمدا رسول الله ويلتزم بأركان الدين؟ وعلى أي أساس؟

  ان المدرسي يحاول أن يأول القرآن الكريم ويربط بين موضوعين، لا علاقة بينهما، مثل البحث عن وجود الامام المهدي، والكفر بالعقيدة الاسلامية، فيقول:"إن كان البحث فيما يخص وجود وظهور الإمام الحجة عليه السلام، فليعلم الإنسان المؤمن ان الله قد عاب في كتابه على من يكفر بالعقيدة الإسلامية سيرته هذه فقال: ( وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُه) ..؟ بمعنى أن الرسول وإن مات جسداً، ولكنه حيٌّ يرزق بين أظهر المسلمين، وذلك عبر خليفته ووصيه الذي هو القرآن الناطق، وهو الأمان لأهل الأرض، وهو الأمل التاريخي للبشرية جمعاء، وهو الإمام الحجة بن الحسن المهدي عليه السلام".[11]

   ولم يشرح لنا المدرسي كيف استخلص هذا المعنى من تلك الآية الشريفة؟ وما هي العلاقة بين تلاوة آيات الله وولادة شخص بعد مائتين وخمسين سنة؟

 

استمرار الوحي بعد الرسول

   ويذهب المدرسي بعيدا ، وهو يحاول الاستدلال على وجود (الامام المهدي) بصورة تعسفية، فيطرح فكرة خطيرة مناقضة لخاتمية النبي محمد (ص) وهي ضرورة استمرارية الوحي الى يوم القيامة، فيقول:"إن الإنسان الذي يعتقد بـ(الوحي) الذي هو تجلٍ من تجليات قدرة الله تعالى ورحمته بالإنسان، لابد له أن يعتقد بالإمام الحجة عليه السلام، لأن الذي ربط الأرض بالسماء بفضل الوحي تأبى رحمته ، ويأبى فضله العميم على الإنسان ، ويأبى لطفه أن يترك البشرية دون رابط يربطها بالسماء بعد وفاة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وآله. فالأرض ومنذ أن وُجد فيها الإنسان وحتى مبعث النبي الأعظم صلى الله عليه وآله لم تخلُ من حجّة إلهية، فكيف يترك الله جلّت أسماؤه، هذه الأرض من غير حجة، وهل كانت البشرية في السابق أقرب إليه تعالى لكي يبعث لها مائة وأربعـة وعشرين ألف نبي عدا الأوصيـاء وثم يتركنا بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله دون أن تكون له حجة عليها؟.. إنّ الإنسان الذي يعتقد بالوحي لابد أن يؤمن أيضاً بامتداد هذا الوحي المتمثل في الأئمة عليهم السلام ، وانّ هذا الامتداد يتجسد، بل يرتفع، وينمو حتى يصل إلى قمته، وإلى ذروة امتداد الرسالة الإسلامية المتمثلة في الإمام الحجة المنتظر عجل الله تعالى فرجه".[12] ويضيف:"ان هناك ليلة القدر، حيث يتنزّل الروح من السماء مع الملائكة الآخرين ليعرضوا على إمام عصرنا صحيفة أعمال كل واحد منا. وإلى هذا المعنى يشير قولـه تعالى: ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون) " .[13] ويقول:" إن الشيعة يعتقدون اعتقاداً راسخاً، ويؤمنون تمام الإيمان بوجود هذا الإنسان الغيبي الإلهي الذي ينزل عليه الروح الأعظم في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. والروح الأعظم هذا هو كيان اعظم من الملائكة، ومن جبريل وميكال، ينزل على الحجة عليه السلام ".[14] ويؤكد:"  وليس هناك فوق هذا الكوكب الذي نحيا عليه ورغم ما تزدحم وتتصارع فيه آلاف الأديان والمذاهب، بالإضافة إلى الأفكار والمبادئ والنظريات والفلسفات العديدة المنتشرة هنا وهناك؛ أقول ليس هناك دين أو مذهب أو مبدأ واحد يقول أن العلاقة بين الأرض والسماء، أو بعبارة أخرى؛ بين الإنسان وخالقه هي علاقة مستمرة كما هي عقيدة الشيعة، فنحن نؤمن باستمرار ودوام هذه العلاقة بين الإنسان وبارئه، ولا نرى انقطاعها كما هو الحال لدى اتباع المذاهب الإسلامية الأخرى ، حيث يقولون إنها انقطعت بوفاة النبي صلى الله عليه وآله وانقطاع الوحي ، ولا يعترفون بوجود إنسان يحيى على هذه الأرض ذي صلة بالله سبحانه، إلا أنه ليس بنبيّ".[15]

  اعتقد بقوة ان السيد المدرسي يخطي كثيرا في نسبة هذه الفكرة للشيعة والتشيع، وانما هي فكرة من بنات أفكار الغلاة المنحرفين عن أهل البيت، وانها تشبه قول الفرقة الضالة والمكفرة "الأحمدية"  التي تعتقد باستمرار الوحي على أئمتها وشيوخها. ولست أدري كيف يقول المدرسي بهذه الفكرة الشيطانية الجهنمية المناقضة لصريح القرآن:" ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين..". الأحزاب 40 وهو الذي يدعي الاجتهاد والعناية بالقرآن؟

      وفي الحقيقة انه لم يكن بحاجة الى الوقوع في هذا المنزلق الخطير، ولكنه كان كالغريق يتشبث بكل قشة، ومع ذلك فانه لا يستطيع ان يستدل بهذه الفكرة على ولادة ووجود (محمد بن الحسن العسكري) لأنه بحاجة الى أن يثبت ولادته أولا حتى يطبق عليه تلك الفكرة، وليس بالعكس، تماما كما كان الإماميون الإثنا عشريون بحاجة الى إثبات وجوده وولادته، حتى يجوز لهم بناء نظريتهم على أساسه.

  وكلما يشعر المدرسي بتهافت منطقه واستدلاله، يرفع من درجة تهويله، ليغطي على عجزه، فيقول:" إن الإيمان بالمهدي عجل الله فرجه كامل مكمل للمنظومة الإمامية، فكما أن الطائرة لا يمكنها التحليق في الجو اذا أصابها عطب أو خلل في أحد جناحيها أو أجهزتها العديدة التي تكون بمجموعها وحدة واحدة لا يمكن الاستغناء عن إحداها أو إلغائها، وكما أن الذي يؤمن بالزكاة والحج والخمس ولكنه لا يؤمن بالصلاة وينكرها يعتبر كافراً وليس مسلماً لأنه يفتقد جزءاً رئيسياً من منظومة الإيمان .. كذلك الذي لا يؤمن بالإمام الحجة عجل الله فرجه فهو لديه مشكلة رئيسية وخلل عميق في ركن أساس من الإيمان ".  

 

  ويقوم بمهاجمة الباحثين عن أدلة وجود الامام الثاني عشر، فيقول:"ان أولئك الذين يختصمون في مصداقية إمامة الحجة المنتظر ووجوده وغيبته سلام الله عليه، بعيدون عن معرفة حكمة الوجود ولماذا خلق الله سبحانه الكون". دون أن يشرح لنا بالطبع ما هي العلاقة بين الأثنين.

   ان المدرسي هنا يعبر عن أزمته الفكرية بوضوح، فهو قد اصطنع له نظرية باطلة وهي ضرورة استمرار الوحي الى يوم القيامة، ثم ذهب يبحث عن ذلك المصداق الخارجي لمتلقي الوحي، ولم يكن يملك أي دليل على  وجوده، ولكنه لا يريد أن يعترف بخطأ نظرياته، فيحاول افتراض وجود ذلك الشخص بصورة تعسفية، ولما كان منطقه ضعيفا، فانه  يحاول ان يغلفه بستار من النيران الموجهة ضد كل باحث موضوعي أو متسائل بريء.

   ولنشاهده مرة أخرى وهو يتخبط في أزمته الى درجة إنكار ضروري من ضروريات الدين، يقول:" هل من المعقول أن يخلق الله الخلق من أجل مجموعة من الأشخاص - وهو النبي وأوصياؤه من بعده- ثم يعمد الله أن يخلي الأرض منهم، حيث تبقى الدنيا دون أن تبقى الحكمة من خلقها؛ الحكمة التي تعني وجود النبي أو من ينوب عنه بالنص المباشر؟ بالتأكيد ليس من المعقول أبداً أن يحدث كلّ هذا".

   وهكذا يصبح الجواب جاهزا لديه هنا حتما، وليس بحاجة بعد ذلك الى دليل:

  "أقول: إننا وبالاستناد الى الروايات المؤكدة الصادرة عن النبي والأئمة من بعده، فإنّ الإمام الثاني عشر قد ولد فعلاً".

  وليس مهما بعد ذلك ما هي قيمة تلك الروايات العلمية؟ ومدى دلالتها؟ وفيما اذا كانت ثمة أدلة تاريخية معتبرة وشرعية على ولادته؟.

 

دليل الغيب

 

  وبما أن المدرسي لا يزال يشعر بضعف منطقه، فانه يحاول أن يسنده بنظرية أخرى فريدة، هي دليل (الغيب) فيقول:"إن أبرز وأهم غيب في حياتنا، هو الإيمان بوجود وظهور وانتصار الإمام الحجة المنتظر عجل الله فرجه الشريف" .. وبناء على ذلك يرفض المدرسي الاعتماد في الإيمان بالمهدي المنتظر على أساس الرؤية. ويضيف: "يقول البعض: اُؤمن بالإمام الحجة، ويسأل: من رأى الحجة ؟ ويجيبه رفيقه : لقد رآه بعضهم وقصته كذا وكذا. فهو يؤمن بالإمام المنتظر لأن أحدهم قد رآه في اليقظة أو في المنام، ولو كان لم يُرَ عليه السلام في اليقظة أو في المنام لأصبح لا وجود له !!..إن الاعتماد على النقل الموثّق أمر صحيح، ولكنه يعبّر عن إيمانٍ جاهل وناقص ؛ جاهل من حيث أنه لم يصدر عن ذات عالمة بذاتها ، وناقص بالمقارنة مع ما هو كامل. إن الإيمان الكامل والواعي والقوي هو الإيمان المتنامي من خلال دراسة القرآن وجوهره وروحه، ومن خلال دراسة الأحاديث النبوية الشريفة التي خرجت عن مصدر الحق والصدق الذي هو رسول الله صلى الله عليه وآله، من خلال ذلك يؤمن الإنسان إيماناً أساسياً بحقائق الغيب، لا من خلال رؤية أحد الناس.

   إن الإيمان بالحقائق الغيبية ينبغي أن يكون تسليماً للأوامر الدينية؛ بمعنى أن هذين الأمرين ينبغي أن يكون الإيمان بهما من البديهيات في عقيدة الإنسان المسلم ، وذلك قبل البحث عن الاستدلال أو الكشف عن أسبابهما ونتائجهما المادية.

   ثم إن من دون الاعتماد على الله والنصوص التي أوردها في قرآنه الحكيم وعلى لسان رسوله الكريم صلى الله عليه وآله يكون دين الإنسان المسلم أمراً معلّقاً على معرفة الأسباب قبل التأدية.

  ان الإمام الصادق عليه السلام يقول : "نحن - الأئمة - صُبّرٌ، وشيعتنا أصبر منّا" قلت (الراوي): جعلت فداك كيف صار شيعتكم أصبر منكم؟ قال: "لأنا نصبر على ما نعلم، وشيعتنا يصبرون على مالا يعلمون". إذن؛ فالقضية تكمن في ضرورة الارتفاع الى مستوى الإيمان بالغيب وما يتطلبه ، وليس الاتجاه نحو تجيير الحقائق الإيمانية لصالح المذاقات النفسية والمادية ، وإنما يتم ذلك عبر تعويد الذات على عدم الاكتفاء بما تشاهده العينان وتحسّه الحواس. بل لابد من الإيمان بما يشهد عليه القلب والعقل، وما يطمئن إليه الضمير، وينصّ عليه الكتاب والرسول.

وببالغ الأسف أقول: إن بعض الناس من المسلمين أصبح لا يؤمن بحكم شرعي حتى يعرف سببه أو يفسر له العلماء ذلك، وهذا يعتبر تجاوزاً صارخاً على حقيقة القرآن والأحكام الشرعية القائلة بضرورة الإيمان بالغيب والتسليم بإخلاص الى أوامر الله ونواهيه ، لاسيما وأنّ الآيات القرآنية الكريمة التي تلوتها على مسامعكم في مقدمة الحديث تشير بكل وضوح إلى أن الإيمان بالغيب أمر متقدم على إقامة الصلاة - وهي عمود الدين - وعلى الإنفاق في سبيل الله تعالى ذكره.

  وهكذا من كان يشك في وجود أو ظهور أو انتصار الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف فالمشكلة فيه هو لا غير. فالأدلة كثيرة للغاية ، ولكنه هو بذاته أصبح - لضعف إيمانه - لا يؤمن بالشيء دون أن تراه عيناه" . [16]

 

العودة الى نقطة الصفر.. الى الشورى

 

 والطريف ان السيد محمد تقي المدرسي، بعد كل هذا الجهد المضني في محاولة "الاستدلال" على ضرورة وجود (الامام المهدي) واستمرا ر الخيط الرابط بين الأرض والسماء، يعود فيلتفت حواليه فلا يجد أثرا مما يقول، فيعود أدراجه خائبا، لينظِّر لولاية الفقيه، والنظام الديموقراطي كبديل عن (الامام  المهدي الغائب) فيقول:"إنّه قد اضطرّ الى الغيبة القسرية مرّتين، وإنّه قد أناب عنه في غيبته الأولى أربعةً من الوكلاء، إلا أنه أطلق الأمر في غيبته الكبرى الى العلماء بالدين... لقيادة الناس باعتبارهم وكلاءه العامّين في إفتاء الناس وقيادتهم نحــو ما يريد الله لهم من خير وينهاهم عنه من شر...   وهكذا كان جميع الناس مدعوّين الى البحث عن قائد يتبعونه، وهذا ما يمكن تسميته بالنظـام المرجعي، حيث يسعى كلّ إنسان بالغ غير مجتهد في الأحكـام الى تقليد مرجع من المراجع".

    ومع انه استنكر فيما سبق التمسك بآية الشورى، الا انه عاد فقال:"يعتبر مبدأ الشورى في الإسلام أصلاً أصيلاً في النظام الديني، فإذا كنا فيما مضى من الزمان نختار أئمتنا المراجع عن طريق الانتخاب العفوي، فإنّ عصرنا الراهن يؤكد الحاجة الماسة إلى استبدال تلكم الطريقة بطريقة أخرى، وعبر صناديق الاقتراع مثلاً". وأضاف:"إن طاعة ولي الأمر تعني طاعة الإمام المعصوم، وهو في عصرنا الإمام الحجة بن الحسن عجل الله فرجه، وطاعة الإمام الحجة تعني طاعة الرسول التي تعني بدورها طاعة الله سبحانه".[17]

   ولم يتوقف المدرسي هنا ليسأل نفسه عن الفائدة العملية لافتراض وجود (الامام المهدي محمد بن الحسن العسكري) وعن معنى الارتباط به عبر المراجع مع السماء؟ وما ذا يحدث لو قلنا مباشرة أن العلماء هم أوصياء النبي وأن طاعتهم تعني طاعة الرسول، واننا يجب أن ننتخبهم بواسطة الشورى عبر صناديق الاقتراع؟ وما هو الفرق بعد كل ذلك مع من لا يؤمن بنظرية الامامة من الأساس؟

  وفي الحقيقة ان السيد المدرسي يتهرب من التوقف عند كثير من الأسئلة والاجابة عليها، ومما لا يتوقف عنده، هو الموقف الإمامي القديم الملازم والمتفرع عن القول بوجود الامام الثاني عشر، وهو موقف التقية والانتظار السلبي، وحرمة إقامة الحكومة الاسلامية في عصر الغيبة، وذلك لاشتراط العصمة والنص في الامام، حسب نظرية الامامة الالهية. وان هذا الموقف قد أدى الى خروج الشيعة من مسرح التاريخ قرونا طويلة من الزمن، وان القول بتولي المراجع لقيادة الأمة، حسب نظرية النيابة العامة أو نظرية ولاية الفقيه، هو قول جديد مناقض لنظرية الامامة، وتخلٍ عن اشتراط العصمة والنص في الامام، مما يعني أن الامامية داروا دورة تاريخية طويلة وعادوا الى نقطة الصفر، وهي القول بعدم وجود إمام ظاهر معصوم منصوص عليه من قبل الله في هذا العصر. وان عليهم أن يبحثوا عن إمام عالم عادل يحل محل المعصوم ويقوم بمسؤولياته تجاههم. وهذا ما قال به كثير من أهل السنة، وكثير من الشيعة الأولين. وهو الذي ينسجم مع روح القرآن الكريم والعقل السليم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



[1] - http://www.almodarresi.com/books/233/

 

[2]  - ص 18

[3]  - ص 21

 

[4]  - ص 100

 

[5]  - وجدت في موقع رافد الالكتروني إشارة الى هذا الكتاب كما يلي:  هو كتاب « الفتن والملاحم» للحافظ نعيم بن حماد (وليس حداد كما ذكر المدرسي) المروزي المتوفى سنة 227 ه‍ . وهو من شيوخ البخاري وغيره من مصنفي الصحاح . وتوجد منه نسخة في مكتبة دائرة المعارف العثمانية في حيدر آباد الهند رقم 3187 - 83 ، ونسخة في المكتبة الظاهرية بدمشق رقم 62 - أدب ، ونسخة في مكتبة المتحف البريطاني تقع في نحو مئتي صفحة مزدوجة ، وقدتم نسخها سنة 706 ه‍ . ويوجد على بعض صفحاتها عبارة ( وقف حسين أفندي ) مما يشير إلى أنها أخذت من موقوفات تركيا . وقد سجلت في المكتبة البريطانية سنة 1924 م .

 

[6]  - ص 148

[7]  - ص 155 و 158

[8]  - ص2

 

[9]  - ص4

[10]  - ص 7

 

[11]  - ص 7

[12]  - ص 9

[13]  - ص 10

[14]  - ص16

[15]  - ص15

 

[16]  - ص17

[17]  - ص 20