مع الشيخ نعمة هادي الساعدي، في كتابه: (الامام المهدي من الشك الى اليقين)[1]

 

بين الشك العلمي المنهجي، واليقين الساذج الموروث

 

الشيخ نعمة الساعدي هو أحد أساتذة الحوزة العلمية في النجف الأشرف، وهو كما يعرف نفسه أحد تلامذة الشيخ محمد رضا المظفر والسيد محمد تقي الحكيم، وقد انبرى للرد على السؤال الذي طرحه كتاب (تطور الفكر السياسي الشيعي) حول وجود الإمام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) من منطلق الإيمان الموروث  التقليدي الثابت به، واتهام الرفض له بالشك العبثي المناقض لروح التسليم، فقال:"الشاك في قضية المهدي (ع) اما مصاب في نفسه أو عقله أو جاهل أو متجاهل أو متعصب أو هو رهين التقليد الأعمى لا يتحرر منه، ولو انطلق في الآفاق العلمية، وما أكثر هؤلاء الذين يعيشون في الرواسب والظلام الفكري وان ادعى الفضل والفضيلة والوعي، ولكنه أعمى في هذه الدنيا يحتاج الى بصيرة في أمره وتبصير في أمور الدين".[2] وتساءل:"لماذا التردد والاستغراب؟ ولماذا التشكيك؟ وكأن قضية المهدي قضية ليس لها سابق ولا جذور وأصول؟" وأضاف:" كثر الشاكون والمشككون والمترددون وتكاثروا في هذا العصر، فالعجب من رجل مسلم قد عرف الاسلام وتثقف بثقافة اسلامية كيف لا يهضم قضية الامام المهدي، ولم يعها حق وعيها. أنا أعجب منه كيف يشك بامامة المهدي، مهدي هذه الأمة، وكيف يتردد بخروجه وقيامه بالأمر، كيف وقد أجمع عليه المسلمون في كل العصور الاسلامية. وقد سجل الباحثون من علماء الحديث قوائم في احصائيات من أسماء علماء العامة الذين اعترفوا به وبظهوره وانه من ذرية الحسين ورووا فيه الروايات الكثيرة عن الرسول (ص) ان صح هذا القول، فلا شك ولا ريب فيها وقد ملئت الكتب الاسلامية بالأحاديث والروايات. وبدأت حملة جديدة يقودها رجل أو أكثر من رجل وهو يعلن الاسلام ويقول: أنا رجل مسلم عرفت الاسلام واعترف بالخلفاء بعد محمد (ص) ويؤيد العلماء من العامة ولا يتردد برواياتهم.. ويطرح الروايات... وأعجب منه رجل آمن بالامامة بعد النبوة واعترف بآل النبي أئمة وقادة بعد الرسول، واعتقد بضرورة الامامة وضرورة وجود الامام واعترف بعلي قائدا شرعيا ومن بعده آله الأحد عشر اماما... ثم اذا وصل الى الامام الثاني عشر الامام المهدي تردد وشك فيه. كيف وقد نص عليه أبوه وأجداده وبشر به الرسول؟".[3]

 

  واعتبر الشك داءا خطيرا فقال:"ماذا نقول لهذا الشاك؟ وكيف تولد عندك هذا الشك؟ وهل تعلم بأنك قد أصبت بهذا الداء؟ انه داء خطير ويصعب علاجه، وهو ضرب من الوسواس والخواطر الشيطانية؟ أو هو من ضعف القوى ؟ أو هو من سيطرة القوى الشيطانية الشريرة؟". [4]

  وتساءل:"كيف يشك الانسان؟ ولماذا يشك في أمر قام الاجماع عليه؟ وهل يتحول هذا الشك الى يقين؟ ولماذا يشك الانسان المسلم في قضية هذا الامام الثاني عشر اذا كانت قضية واقعية عاشت عصورا في نفوس الآباء والأجداد؟ لماذا يكثر القال والقيل في الامام المهدي دون غيره من القضايا الدينية والاجتماعية؟ ولماذا هذا التشكيك؟ أهو ثقافة جديدة في عقلية تدعي الوعي؟ وقال:"أما أنا فقد آمنت واعتقدت وصدقت لأنني عرفت محمدا نبيا صادقا... وهو الذي قال صادقا ودعانا الى هذا الامام، ولا بد لنا من معرفته خشية من أن نقع في أحضان الجاهلية والتخلف والضلال "من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية" واقتضت ارادة الله ان لا تخلو الأرض من حجة، فهو أمام العصر ولكل عصر امام. وقد آمنا وهي قضية لا ريب فيها ولا شك فيها، وللشك جذور وعوامل وأسباب، واذا سألنا هذا المشكك كيف صرت مشككا؟ وما هي عوامل التشكيك؟ لا يجد الجواب، ولا جوابا منطقيا".[5]

 

  لقد ولد الشيخ الساعدي ونشأ في بيئة شيعية إمامية اثني عشرية، وورث إيمانا تقليديا بوجود الامام الثاني عشر وغيبته منذ منتصف القرن الثالث الهجري، وترعرع على مبدأ الانتظار له، ولذلك اعتبر الايمان به أصلا عقائديا ثابتا ويشكل جزءا من الاسلام، والتشكيك به موقفا طارئا وغريبا ومنافيا للعقيدة الاسلامية. ولو أن الشيخ الساعدي نظر الى الأمر من خارج إطار الفرقة الاثني عشرية، أو عاد الى الوراء ليقرأ تاريخ الشيعة الامامية عند وفاة الامام الحسن العسكري، ورأى الغموض الذي يلف مسألة وجود الخلف، والحيرة التي عصفت بشيعة الامام العسكري، واستمع الى أهل البيت وهم ينفون وجود أي ولد له، لأدرك أن الأصل في القضية هو الشك، وأن الإيمان به يحتاج الى دليل، وان الدليل العلمي القاطع مفقود، وأن القول بوجود الولد لم يكن سوى افتراض فلسفي وهمي مخالف للظاهر والقوانين  الشرعية الاسلامية. وفي الحقيقة لو أن الشيخ الساعدي بذل مزيدا من الوقت لتأمل مبررات الشك بوجود الامام الغائب، أو درس ظروف نشأة النظرية الاثني عشرية، لربما كان له موقف آخر.

   يقول:"بادرني أحد الشباب قائلا:

  - ان قضية الامامة بهذه السلسلة – اثنا عشر- لا زيادة ولا نقيصة، وان المهدي إمام، وانه سوف يخرج ويمارس أعماله في إمامة الأمة والايمان بذلك، والاعتقاد بهذه المسألة على أنها مسألة تثبتها النصوص وقوامها الروايات والأحاديث المروية المسطرة في كتب، لم يقدر لها أن تدرس دراسة موضوعية ليحذف منها الضعيف الموضوع، وفي هذه الأحاديث ما لا يقبله العقل الحديث، وإذا كانت قضية المهدي مسألة أساسها الروايات فانها لا تصلح دليلا ولا تثبت شيئا، فاذا توقفنا عند الاحاديث لأن فيها ما لا تطمئن له النفوس ولا تصدقه العقول، فاذا ترددنا في هذه الاحاديث واذا طرحنا هذه الاحاديث كان هدرا وطرحا لهذه القضية من جذورها، لأن الأحاديث ورواتها وأسانيدها ومصادرها بحاجة الى دراسة وتمحيص ونقد، فهي بنفسها أحاديث سقيمة وضعيفة وقابلة للتأويل والتحليل، وحتى رواتها تدور حولهم الشبهات، وقد وجدنا حولهم نقاط تعجب واستفهام وعلامات ترقيم جديدة، قد غفل عنها القدماء ، فهي روايات مضطربة احتج بها كل فريق على إثبات أن المهدي هو ما يراه هو وآمن به، وما ورد فيها ما هو الا مجملات وعبارات مغلقة غير واضحة الدلالة والمدلول، وهي روايات لا تثبت الامام المهدي عينا وذاتا ونسبا وزمانا، وما ورد فيها (المهدي). وكلمة (المهدي) تنطبق على كل رجل هداية داع للهدى، فهي وان دلت فلا خصوص فيها على أن المهدي هو (محمد بن الحسن من  ذرية علي وفاطمة)، فهي تحمل البرهان المنطقي للناس كافة، أو يؤخذ بها حجة مقبولة، ولا تزال قضية المهدي من القضايا المتأرجحة بين طائفة وأخرى عند المسلمين، وكل يدعي الحق وينسب البطلان والكذب والوهم لغيره". [6]

  "وقال هذا الشاك: الامام امامٌ على الأمة وللأمة، وانما خلق ونصب ليقود الأمة وينفع الامة ويسوسها وليس هو اماما على نفسه، ومن أجل نفسه وذاته..اذن ما الفائدة به اليوم لهذه الأمة؟ والأمة ما أحوجها اليه؟ وما هي ثمرة هذا الامام الغائب وهو لم يقدم نفعا لأي فرد من أفراد الأمة، ولم تصدر منه فتوى ولا إرشاد ولا قضاء ولا عطاء فكري؟ امام مستور مختفي ولم يره أحد اليوم، خصوصا في عصرنا، ولا ينتفع به أحد من المسلمين، وحتى البشر جميعا؟".[7]

 

   وكما لاحظنا فان الشيخ الساعدي نقل مبررات الشك بوجود الامام الثاني عشر، من التشكيك بانطباق النظرية الاثني عشرية عليه، الى التشكيك بصحة الروايات التي تعتمد عليها تلك النظرية، الى التساؤل عن معنى الامامة وفائدة الامام الغائب؟ فضلا عن ضعف دلالة أحاديث المهدوية على وجود شخص (محمد بن الحسن العسكري). وهذه نقاط مهمة جدا تبرر الشك بوجوده وولادته، خاصة اذا أخذناها في ظل عدم تصريح الامام العسكري بوجود ولد له في حياته، والوصية بأمواله الى أمه، وعدم وجود نص صريح وصحيح على إمامة الثاني عشر. وهذا ما يعترف به الشيخ نعمة هادي الساعدي نفسه حيث يقول:" ان غيبة الامام المهدي أوقعت أبناء هذه الامة بمشاكل اجتماعية وفرقت صفوفها، وخلقت الأفكار المضادة وسببت التخلف والابتعاد والتباعد عن الكتاب، فلو قرؤوا كتابا مقبولا عن الامام المهدي لما حصل الذي حصل...وما أحوج هذه الامة الى الامام في هذه الأيام السوداء وما يقوله أبناء هذه الأمة فهو افصاح عن الجروح والآلام والكبت، فقد سمعنا من يقول: اذا كان هذا الامام قد خاف من حكام عصره أو كان في حذر وخوف وريبة منهم فهل ذلك باق في هذا العصر وهذه الأيام؟ واذا خاف الامام من الآباء والأجداد فما ذنب الأبناء؟".[8] "وأظنني صادقا اذا قلت ان غيبة الامام المشكلة الكبرى والداء الخطير الفتاك، وان غيبته ان طالت واذا طالت وامتدت في الزمان فلا تدري أين الهدى والهداية والساحل والوقاية والنجاة والتحرر من كل ذلك، أتبقى في دوامة وفي دائرة لا تعرف النهاية كثيرة الاعداء؟ وكيف تواجه الزمن والأزمات والأحداث؟".[9]

 

  ومع ذلك فان الساعدي يقول:"المهم هو الايمان به وبوجوده، والتخلص من عقدة الشك التي سيطرت على أكبر عدد من هذا الجيل؟ وكيف القضاء وإزالة هذا الداء الذي سمم الأفكار وعطل المشاعر. ان الشك مرض خطير يهدد العقلية ويفتك بالنفس فيسلب راحتها وهو ضرب من ضروب العذاب ". [10]

   ويقول:"تعال معي أيها الانسان لتتخذ من الشك أسلوبا ومنهجا ومسارا وحركة في مسيرتنا نحو الوصول الى اليقين، ويكون الشك خطوة ومرحلة أولى نسلكها للوصول الى رحاب اليقين الى ساحة الحقيقة، وهو الهدف المقصود وهو اليقين وهو الحق اليقين... ولو سألنا هذا الشاك: كيف ولد الشك في نفسك؟ ..أتدري أنك لا تؤمن بالحقيقة؟ اذن أنا على يقين وأنا معتقد وأنت من المشككين؟..فلماذا أنت مشكك ولماذا أنا على يقين؟ هل تسأل نفسك لماذا لا تأخذ بالحقيقة؟ وهل في الحقيقة شك؟".[11]

  ويضيف:" الحمد لله الذي أخرجنا وبصرنا وعرفنا الحقيقة، وعرفنا وليه، ووصلنا الى رحاب الهداية والنور، واقتربنا الى التمسك بالعروة الوثقى... والحقيقة هي الحقيقة ولا يضرنا قول الناس وان قالوا وتقولوا، فلو كانت بأيدينا درة وعرفناها ثمينة عن بصيرة ووعي ودراية واختبار فلا يضرنا من قال انها فحمة أو كثرت الأصوات بأنها لا ثمن لها في الأسواق". [12]

  ويدعي الشيخ الساعدي أن إيمانه بوجود الامام الثاني عشر مبني على أخبار متواترة مروية جيلا بعد جيل ، فيقول:"قد تسأل عن هذا اليقين المغروس في النفوس انما هو نتيجة علم وانفتاح وتنمية قضايا منطقية وتأملات ومعادلات صحيحة؟ لا قضايا وهمية أو ظنية أو أخبار آحاد أو تقليد الآباء؟ فان أخبار الآحاد لا تبني عليه قضية ولا تغرس إيمان، وانما هي أخبار متواترة رواها جيل بعد جيل، وتسالم عليها الخلف عن السلف والأبناء والأحفاد عن الآباء والأجداد".[13]

  ان المسألة، في الحقيقة، ليست بهذه البساطة التي يحاول الشيخ الساعدي تصويرها بها، وانما يحتاج التخلص من الشك الى معرفة ويقين، وهذا غير موجود في مسألة وجود الولد للامام العسكري، التي قامت أساسا على الظن والتخمين والافتراض، وحفت بعد ذلك بمجموعة من الروايات الضعيفة والمختلقة والمأولة وحكايات العجائز والأساطير. ولا يوجد حولها أي تواتر ولا إجماع، كيف وان شيعة الامام الحسن العسكري أنفسهم قد انقسموا الى أربعة عشر فرقة؟ فضلا عن إنكار بقية الشيعة وسائر المسلمين لها. إذن فانها بحاجة الى مراجعة جادة وشاملة وجذرية، بدلا من الرد السريع العاطفي والمستند الى التقليد الموروثة.

 

  ان الشك بوجود (الإمام الثاني عشر الغائب) شك علمي ومنطقي ومعقول جدا، على العكس من الإيمان به الذي يتسم بقدر كبير من السذاجة والتقليد. وربما كان الشيخ الساعدي يميل الى هذا الشك لولا ركام الأحاديث الضعيفة المنسوبة الى أئمة أهل البيت والنبي الأكرم، والتي تشكل النظرية الامامية الاثني عشرية، والتي يصدقها الشيخ الساعدي بسهولة، ولا يجرؤ على نقدها خوفا من تكذيب الرسول الأعظم (ص) مع أنه ليس مطالبا بتصديق كل ما يروى عن النبي قبل فحصه ونقده وتمييزه، وبالتالي فان رفضه لأية رواية أو مجموعة روايات – اذا كانت ضعيفة – لا يتضمن تشكيكا بصدق الرسول الأعظم أو أئمة أهل البيت، بقدر ما يشكل تكذيبا لتلك الروايات ورفض نسبتها اليهم.

   يقول:"أخبرنا النبي محمد (ص) بإخبارات كثيرة، وهي صادقة، وكل ما أخبر به فهو صدق، وإخبار الصادق يؤخذ به... والأخبار الواردة عنه في الكتب الاسلامية، وقد ملئت الكتب بهذه الاخبارات، وهي مروية ومنقولة عن الصحابة الكرام والتابعين الثقات، فكيف نكذب هذا ونشكك في هذا؟

  أيها المشكك المبتلى المصاب، لماذا أنت في هذه الحالة؟ هل قرأت هذه الكتب الاسلامية، وأصحابها أعلم منك ومني، وأصدق منك ومني، هل نشك في هذه الكتب الصادقة ؟ أم نشك في التابعي الصديق الناقل عن الصحابي الكريم، والراوي عن أصدق من خلقه الله، الصادق الأمين، وظهرت الدعوة للمهدي أيام النبوة، ثم في عصر الصحابة، وفي عصر التابعين، وفي عصر المحدثين من المسلمين، وفي عصر أحفاده الأئمة الهداة الكرام البررة".[14]

 

 

  ها هنا يكمن سر الشك بوجود الامام الثاني عشر، أو رفض الإيمان به وبنظرية الامامة الالهية لأهل البيت.

  ولكن الغريب من الشيخ الساعدي، الذي يفترض أنه قضى عمره في الحوزة العلمية، هو الخلط بين تصديق الرسول وتصديق الروايات الضعيفة المنسوبة اليه، والخوف من تكذيبها خوفا من تكذيب الرسول. مع أن هذا أمر يدركه طالب العلم الابتدائي ، خاصة في المدارس الأصولية، وربما حتى في المدارس الأخبارية الحشوية التي تعترف إجمالا بوجود أحاديث مكذوبة على الرسول الأكرم.

   يقول الشيخ نعمة الساعدي:"اذا صدقنا الرسول (ص) وآمنا به وقام الاجماع على صدقه، وقد ثبت ذلك فعلا، فما هذا التردد والانشطار في قضية الامام المهدي؟ فاذا شككنا فيه وفي ظهوره وفي ولادته وفي حياته وطول عمره فقد شككنا في غيره لأن الدين وحدة لا تتجزأ لا ينفصل بعضها عن البعض الآخر، فقد ورد:"من كذب آية من كتاب الله فقد نبذ كتاب الله وراء ظهره". و" من كذب بآية من كتاب الله فقد نبذ الاسلام وراء ظهره، وهو المكذب بجميع القرآن والأنبياء والمرسلين". واذا شككنا في الامام الثاني عشر شككنا بإمامة من سبقه، لأن السابق نص على اللاحق، وأخبر عنه، فاذا شككنا في علي شككنا بما ورد فيه وعنه عن رسول الله.. واذا شككنا في الحسين وتصرفاته فقد شككنا في قول الرسول فيه. ان الشك والتردد في القضايا الدينية دليل على ضعف الايمان أو على التخلف والجهل وعدم الانفتاح والقدرة على الهضم... فمن آمن بالرسول وصدق كيف يصاب بالشك والتشكيك، وهو القائل هناك إمام له عصره وله دوره وأهل زمانه؟".[15]

 

  ونسي الشيخ الساعدي أن الشك بالأحاديث وفي نسبة أية نظرية الى الرسول، لا يعني بالضرورة الشك بالرسول نفسه. فقال أيضا:"الشك في المهدي يدعوك الى الشك في حديث آبائه وأجداده ومن ثم الشك في أحاديث الرسول (ص) ويتسلسل عندك هذا الشك وتتولد منه شكوك ويتعدد ويتحول الشك البسيط الى شك مركب، وحتى المركب يتمركز ويتولد منه عناد وأمراض نفسية...

  واستشهد الساعدي بقول معروف لأئمة أهل البيت وهو :"لا تنقضوا اليقين بالشك". فقال: ما دمنا آمنا بالامامة التي يتفرع بعد كل امام امام ولا تخلو الأرض من قائم وهادي وداعي وحجة فلا نشك بعد هذا اليقين، والامام الثاني عشر الذي جاء بعد آبائه، هو الامام الذي ختم الله به الامامة ولا امام بعده، وهو منتهى من ثبتت له الامامة ولا يأتي بعده امام".[16]

  ولكن الشيخ الساعدي في الحقيقة قلب الموضوع، فان اليقين الثابت المروي بإجماع المؤرخين والرواة الشيعة هو عدم إعلان الامام العسكري لوجود ولد له في الظاهر، وهو ما يحتم الالتزام قانونيا بعدم وجود ولد له، في حين ان الادعاء بوجود ولد له في السر هو قول ظني مشكوك فيه، ولا يجوز التمسك به لأنه نقض لليقين بالشك.

    وهناك قاعدة أصولية أخرى يعرفها علماء الدين، وهي: (اصالة العدم) ويحتاج نقضها الى دليل قاطع، فهل يمتلك أصحاب فرضية وجود الولد دليلا كهذا؟ 

  ان الشيخ الساعدي يعترف بعدم وجود نص صريح من الرسول الأكرم على الامام الثاني عشر، ولكنه يدعي وجود نص عليه من الامام العسكري، فيقول:"اذا كان النص دليلا في اثبات وثبوت الامامة فان أباه الحسن العسكري (ع) هو الذي نص عليه بالامامة، وهو دليل مقبول يؤخذ به، وهنا ننطلق في آفاق فكرية واسعة، وندخل في قضايا منطقية، فالايمان باللازم تصديق بالملزوم والاعتقاد بالشيء وانه حقيقة ثابتة يقتضي الأحذ بكل لوازم ذلك الشيء ، وبيان ذلك: نحن اذا آمنا بضرورة الامامة بعد النبوة، ونحن اذا صدقنا الرسول في نبوته وأخذنا أقواله في حق علي ... وانه المرشح للامامة بعده بلا منازع.. فهو أمر متعين.. ونحن اذا صدقنا عليا ..علينا أن نأخذ بقوله ..فاذا نص على ولديه الحسنين أخذنا به دليلا، واذا نص الحسين على ولده السجاد بأنه امام بعد ابيه، واذا نص السجاد على ولده الباقر صدقناه، واذا نص الباقر على ولده الصادق، واذا نص الصادق على ولده الكاظم، وهكذا .. واذا نص الحسن العسكري على ولده المهدي انه امام هذه الأمة من بعده، صدقنا قول الحسن العسكري، وأخذناه دليلا، والتزمناه حجة مقبولة، والنتيجة من ذلك النص أن المهدي هو الامام والحجة بعد ابيه.

واذا نحن ترددنا في ذلك هدمنا الامامة وجزأنا الامامة... وتجزئة الامامة مسألة خارجة عن الدين.. وهو خلاف الحق، فالامامة مسألة متكاملة الأطراف تبدأ بعلي وتنتهي بالمهدي مسألة كلية لا تتجزأ عددا معدودا اثنا عشر اماما لا يمكن تجزئة ذلك لا عددا ولا فكرة... فالايمان بعلي امام أولاً يلزم الايمان بالمهدي إمام هذه الأمة، وهو الثاني عشر".[17]

 

  ان في كلام الشيخ الساعدي هذا عدة نقاط، فهو يدعي نص الامام العسكري على إمامة ابنه، وهذا خلاف الظاهر والمعروف والثابت من أنه لم يعترف بوجود ولد في الظاهر فكيف ينص على إمامته؟ واذا كانت هنالك نصوص حول الوجود والامامة فهي سرية وضعيفة وافتراضية، وتقوم أساسا على نظرية الامامة أو النظرية الاثني عشرية، التي ولدت فيما بعد خلال القرن الرابع الهجري. وربما كانت مخاوف الشيخ الساعدي من انهيار نظرية الامامة في حالة عدم ثبوت وجود الامام الثاني عشر، صحيحة وفي محلها، ولكن مجرد وجود المخاوف من الانهيار لا يبرر افتراض وجود الامام الثاني عشر، بلا دليل علمي قاطع.

   واذا ثبت عدم وجود دليل شرعي على ولادة ولد للامام العسكري، فلا بد من  مراجعة نظرية الامامة نفسها، والتأكد من حقيقة فكر أهل البيت السياسي، وفيما اذا كانت تلك النظرية تحظى بتأييدهم أو انها هي الأخرى نظرية مختلقة ومنسوبة اليهم بغير علم منهم.

   هذا هو التفكير المنطقي السليم، ولكن الشيخ الساعدي الذي يشعر بضعف النصوص ، يصر على اللجوء الى منطق الافتراض الفلسفي ليثبت وجود الامام الثاني عشر، فيقول:"التوقف في الامام المهدي أو الشك، يلزم التردد في النصوص، والأخذ بطرف من الامامة وطرح الآخر هدم لمفهوم الامامة، ومن باب الملازمة نقول بإمامة المهدي (ع). فان القول بإمامة علي (ع) يلزمه القول بإمامة ولده الحسن، لأنه نص عليه، والقول بإمامة الحسن يلزمه القول بإمامة أخيه الحسين لأنه خليفته، وهكذا ينص على من بعده، لأنه إمام، ورفض إمامة المهدي يلزمه رفض وطرح ما ورد عن الحسن العسكري (ع) واذا لم تأخذ بما ورد عن الحسن العسكري معناه قلنا بعدم امامته، ولم تلتزم بما قاله وصدر عنه وصرح به، ونستدل على امامته باللابدية العقلية، وهي كما صورها العلامة الحلي في (الباب الحادي عشر) لأن كل زمان لا بد فيه من إمام معصوم.فراجع".[18]

 

  ويقول:"هذا أحد العلماء من علماء النجف الراحلين وهو محمد حسين المظفر باحث وكاتب ومفكر في قضايا العقيدة وأصولها، ومدافع عنها، ورد الشبهات الكافرة، يقول:" وبهذا الدليل المنطقي ، وهو يركب شكلا منطقيا مؤلفا من صغرى وكبرى ونتيجة وقضية مؤلفة من نقاط أربعة مقبولة منطقيا ولكن فيها صعوبة تحتاج لعقل يدرك هذا التسلسل من المقدمات:

  المقدمة الأولى: ان العالم بحاجة لإمام مصلح يغرس الأمان والثقة في النفوس، لأن الله لا يترك العالم مضطربا.

  المقدمة الثانية: الكتاب والسنة غير وافيين في العلم والتطبيق

  المقدمة الثالثة: كان على الله اللطيف أن ينصب للأمة إماما يدعوهم ويرشدهم.

  المقدمة الرابعة: الامام الصالح واجب عقلي في هذا اليوم، فالامام الهادي المرشد موجود في هذا اليوم لا محالة". [19]

  ويضيف:"  ان قضية المهدي من القضايا الضرورية اللابدية العقلية المنطقية...لأن لكل زمان إمام ولا بد فيه من إمام، ولا بد من معرفة هذا الامام".

ص 200

 

  ورغم ان هذا الاستدلال الافتراضي لا يقوم على علم ولا يقين، ويجانب المنطق، فانه يفترض مرة أخرى ان الامام هو (محمد بن الحسن العسكري) وانه غائب ولا يزال حيا لم يمت. وكل ذلك افتراض في افتراض وظن في ظن، وهذا ما يعترف به الشيخ الساعدي حيث يقول:" ان قضية المهدي أتعبت المفكرين من المسلمين والباحثين، وخاصة علماء هذه الطائفة". ص 50