مع الشيخ محمد مهدي الآصفي في كلمته عن  (الامام المهدي)  

 

دليل الانحصار والمطابقة

 ألقى الشيخ محمد مهدي الآصفي كلمة عن (الامام المهدي) في مؤتمر عقد في لندن حول الموضوع، في المركز الاسلامي الايراني، في شهر تشرين الثاني سنة 1999، واحتج لوجود (الامام المهدي محمد بن الحسن العسكري) بثلاث قضايا، هي:

1-              الانقلاب الكوني الشامل ، أو الوعد الإلهي باستخلاف المؤمنين، والذي يشير إليه القرآن في أكثر من آية.

2-               قيادة الامام المهدي لذلك الانقلاب .

3-              "أن المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف الذي اخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم هو محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي عليهم السلام ، ولد سنة 255 هـ . بسامراء ، ثم غيّبه الله تعالى ، وهو الذي يرسله الله حيث يشاء لإنقاذ الناس من الظلم ، وإزالة الشرك من على وجه الأرض ، وتقرير التوحيد وعبودية الإنسان لله ، وتحكيم شريعة الله وحدوده في حياة الناس . وهو الذي يقود هذا الانقلاب الكوني الشامل الواسع ، في انتقال القوة من الطبقة المترفة المستكبرة الفاسدة إلى الطبقة الصالحة المستضعفة ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ). وقد تواترت الرواية عن أهل البيت عليهم السلام بان المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف الذي بشّر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم هو ابن الحسن العسكري ، والثاني عشر من أهل البيت عليهم السلام" .

ووجه الآصفي حديثه الى" الذين يؤمنون بحجية حديث أهل البيت عليهم السلام ، ويبحثون عن أدلة كافية وواضحة وصريحة في الإثبات العلمي لما يدعيه الإمامية من تعيين وتشخيص المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف".ثم قال:"ان الاختلاف بين الشيعة الامامية وبين سائر الفرق الإسلامية ليس في أصل قضية ( المهدوية ) ... وإنما في التشخيص والتعيين فقط. فان الشيعة الأمامية يذهبون قولا واحدا إلى أن الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف هو محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي المولود سنة 255 هـ . وقد غيّبه الله تعالى لحكمة يعرفها ، وهو الذي ادّخره الله تعالى لنجاة البشرية ، وبشّر به الأنبياء والكتب الإلهية من قبل ، بينما يذهب الآخرون إلى أن المهدي الذي بشر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لم يولد بعد ، أو ولد في عهد قريب ".

  ثم انتقل الشيخ الآصفي الى استعراض الادلة " التي تثبت عقيدة الإمامية في تشخيص وتعيين الإمام المهدي " فذكر  انها على طائفتين :

   الطائفة الأولى : الروايات العامة التي لا تخص الإمام، مثل حديث الثقلين:"أيها الناس إنما أنا بشر أوشك أن ادعى فأجيب ، وإني تارك فيكم الثقلين ، وهما كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض ، فلا تسبقوهم فتهلكوا ، ولا تعلّموهم فانهم اعلم منكم" وحديث:" من مات ولم يعرف إمام زمانه" و حديث" "أن الأرض لا تخلو من حجة".

  وقال:"انها تنطبق بصورة قهرية على عقيدة الأمامية في المهدي عجل الله فرجه الشريف ، ولا نعرف توجيها ولا تفسيرا لها إذا أسقطنا من حسابنا عقيدة الإمامية في هذا الموضوع ، وهذه الروايات صحيحة بالتأكيد وبعضها بالغ حد التواتر في المصادر الإمامية من ناحية رجال السند في مختلف طبقاته ولا مجال للمناقشة فيها من حيث الإسناد . والإيمان بصحة هذه الأحاديث يؤدي إلى الإثبات العلمي والقطعي لعقيدة الإمامية في تشخيص وتعيين الإمام المنتظر عجل الله فرجه ، وذلك بسبب تطابقها اولا مع ما هو المعروف عند الإمامية - كما سوف نرى ذلك إن شاء الله - ولانتفاء حالة أخرى تصلح أن تكون مصداقا وتفسيرا لهذه الأحاديث ثانيا .

   ونتيجة هاتين النقطتين، هي التطبيق القهري والحتمي لهذه الأحاديث على عقيدة الأمامية في تشخيص الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف" .

    وقال عن حديث الثقلين :"إنه صريح في :أن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم يترك من بعده خليفتين هما القرآن وأهل بيته لهداية الأمة. وانهما باقيان لن يفترقا عن بعض إلى يوم القيامة. والتمسك بهما معاً يعصم الأمّة من الضلال . وإذا ضممنا النقطة الأولى (إني تارك فيكم الثقلين ) إلى النقطة الثانية (وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض) استنتجنا أصلاً هاماً وهو وجود حجّة وإمام من أهل البيت عليهم السلام في كل زمان لا يفترق عن كتاب الله قط" .

   وأضاف:"ليس لهذا الحديث تفسير أو تطبيق غير ما يعتقده الأمامية من وجود الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف وحياته وبقاؤه وعصمته وإمامته على المسلمين .وإذا أسقطنا هذا الأمر عن الاعتبار ، لم نجد تطبيقا وتفسيرا له قط في هذه القرون من حياة المسلمين. فليس في المسلمين اليوم ، ولا قبل اليوم من يدّعي أنه أعلم الناس ، وان على الناس أن يتّبعوه ولا يتقدّموه ، وأن يتعلّموا منه ولا يعلّموه، كما في نص الحديث الشريف الذي لا يختلف فيه من يعبأ بقوله ورأيه من علماء المسلمين .

وإذا قيل فما نفع إمام غائب عن الناس للناس ؟ نقول إنّ الله تعالى لم يطلعنا من أسرار غيبه إلا على القليل ، وما أخفى الله علمه عنّا كثير، وما عرّفنا منه قليل . وقد أخبرنا الصادق الأمين صلى الله عليه وآله وسلّم ببقاء حجة من أهل بيته في الناس على وجه الأرض إلى يوم القيامة ، فنتعبّد بحديثه ، ونحيل علم ما لا نعلم إلى من يعلم …وليس كل ما في شريعة الله مفهوم معروف لنا ، وما يخفى علينا من أسرار دين الله اكثر مما نعلم بأضعاف مضاعفة".

   وقال عن الحديث الثاني:" من مات ولم يعرف إمام زمانه" بعد أن رواه بعدة طرق سنية وشيعية، وبألفاظ مختلفة:"روى الحديث ثقاة المحدّثين من أصحابنا الأمامية وطرقهم إليه كثيرة وطائفة منها صحيحة ، وهي في الجملة قريبة من التواتر ...ورجال السند كلهم ثقاة . ولسنا نحتاج إلى توثيق السند في أمثال هذه الروايات التي تظافرت روايتها عن الطريقين والروايات واضحة الدلالات صحيحة السند ، وهي تدلّ على الحقائق التالية: أن الأرض لا تصلح إلا بإمام. ولا بد في كل زمان أن يعرف الإنسان إمام زمانه. ولا بد من طاعة الإمام لكل أحد في كل زمان ولا يجوز لأحد أن يخرج عن طاعة إمام زمانه. ومن يموت وليس عليه إمام يموت ميتة جاهلية. ومن يموت وليس في عنقه بيعة لإمام يموت ميتة جاهلية. وهذه الحقائق تثبت جميعا أن سنّة الله تعالى قد اقتضت وجود إمام عدل في كل زمان ، قد فرض الله طاعته على الناس ، ولم يأذن بالخروج عن طاعته فهي حكم شرعي يستبطن تقريراً لسنة إلهية . أمّا الحكم فهو وجوب طاعة الإمام في كل زمان وأما السنّة الإلهية التي يستبطنها هذا الحكم فهو وجود إمام في كل زمان ، وإلاّ فكيف يطلب الله تعالى من الإنسان أن لا يموت إلاّ وهو في طاعة إمام زمانه، وعلى عهدته البيعة له ، غير ناقض ولا ناكث لها ، وغير جاهل به ، فإذا خرج عن الطاعة أو نكث البيعة أو جهل به مات ميتة جاهلية، بهذه الدرجة من التغليظ والتشديد في الجزاء والعقوبة ؟ ومن نافلة القول أن نقول أن الحكام الظلمة وأئمة الكفر والذين يحاربون الله ورسوله لا يكونون مصداقاً للإمام الذي يفرض الله على الناس معرفته وطاعته في كل زمان ... وبعد هذا الإيضاح نقول إن التفسير الوحيد لهذه الروايات هو ما تعرفه الأمامية وتعتقد به من استمرار الإمامة في أهل البيت عليهم السلام ، منذ وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم إلى اليوم، وعدم انقطاع الإمامة بوفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام . وأي فرض آخر لا يستطيع أن يقدّم تفسيراً معقولا ً لهذه الروايات ، الاّ أن نقول بوجوب الطاعة لكل برّ وفاجر ، كما يقول به بعض الناس . ولسنا نعتقد أن الطاعة التي تساوي الإسلام ، ويساوي خلافها الجاهلية هي طاعة هؤلاء الذين امرنا الله تعالى بعدم الركون إليهم والكفر بهم".

   ثم انتقل الشيخ الآصفي الى الحديث الثالث"أن الأرض لا تخلو من حجة" فقال:"روى هذا الحديث من أصحابنا الإمامية محدّثون ثقاة مثل المحمدين الثلاثة الكليني والصدوق وأبى جعفر الطوسي رحمهم الله بطرق كثيرة تبلغ حدّ التواتر في مختلف طبقات إسناده ...وهي صريحة بانّ الأرض لا تخلو من حجة لله ظاهراً أو مغموراً ، والحجة في كلمات أهل البيت عليهم السلام مصطلح معروف لمن يألف كلماتهم عليهم السلام ، وهذه الأحاديث لا تحتاج إلى تعليق كثير وتأمّل وتوقف ، فهي صريحة في ضرورة وجود الإمام في كل زمان، ولا تفسير لهذه الروايات بغير ما تعرفه الشيعة الأمامية وتعتقده من وجود الإمام وحياته وغيبته ، وإذا أسقطنا هذا الأمر من الاعتبار فلا نجد تفسيراً لهذه الروايات ، البتّة ، وهي كثيرة ، بالغة حدّ التواتر" .

  وتطرق أخيرا الى حديث :"الأئمة الأثنى عشر" فذكر رواية البخاري عن جابر بن سمرة قال : "سمعت النبي ص يقول يكون اثنا عشر أميراً، فقال كلمة لم أسمعها ، فقال أبي : انه قال كلّهم من قريش" . ورواية مسلم عن جابر قال:" سمعت النبي (ص) يقول لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً ، أو لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثنى عشر خليفة، ثم تكلّم النبي (ص) بكلمة خفيت عليّ فسألت أبي : ماذا قال رسول الله، فقال : كلّهم من قريش". وهي الرواية التي يرويها أيضا الترمذي في السنن، وأبو داود في السنن، والحاكم في المستدرك، وأحمد في المسند، وكثير من المحدثين السنة والشيعة الإمامية " بطرق كثيرة لا نجد ضرورة في سردها على نحو التفصيل أو الإجمال".ثم قال:"ان الأحاديث ظاهرة في أن الأمراء المذكورين في هذه الرواية أمراء الحق ليس أئمة الظلم والجور من أمثال معاوية ويزيد والوليد والمتوكل واضرابهم. وأن عدتهم اثنا عشر عدد نقباء بني إسرائيل. ولا يخلو منهم زمان.ولا نعرف لهذه الأحاديث بمجموعها تطبيقاً قط غير الأئمة الاثنى عشر المعروفين عند الشيعة الإمامية الاثنى عشرية ، وآخرهم المهدي المنتظر (عج) وهو الإمام الثاني عشر..فلا نعرف تطبيقاً قط ينطبق بالتمام وبدقة على هذه الروايات في غير عقيدة الشيعة الإمامية وبضمنها ولادة الإمام عجل الله فرجه الشريف وغيبته. ولو أسقطنا هذا الواقع من الحساب لم يبق تفسيراً لهذه الروايات التي هي من أنباء الغيب التي أخبر عنها وبشّر بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم" . وأضاف:" هذه أربع طوائف من الروايات ، لا يتطرق إليها الشك من حيث السند ، ولا من حيث الدلالة في معانيها ومضامينها. وتنطبق على ما تعتقده الإمامية وتعرفه من إمامة الأئمة الاثنى عشر من أهل البيت عليهم السلام وولادة الإمام الثاني عشر وغيبته وظهوره بعد ذلك إنطباقاً تامّاً . وينحصر الإنطباق عليهم ، فلا نعرف لهذه الروايات تطبيقاً آخر في تاريخنا المعاصر والقديم غيرهم . فلم يدّع غيرهم لنفسه العصمة ، ولم يقل غيرهم أنّه حجة الله على الخلق ، وإمام ، طاعته هدى ودين ، ومخالفته ضلال وجاهلية ، ولم يدّع غيرهم أنّهم هم المقصودون بالأئمة الاثنى عشر ، وأنّهم هم الثقل الآخر المقارن للقرآن ، المذكور في حديث الثقلين . وهذا المعنى بالضرورة يؤدي إلى الإنطباق القهري لهذه الروايات عليهم عليهم السلام ...وهم حلقات متصلة من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم إلى أن تقوم الساعة ، لم تخل منهم الأرض ولم يخل منهم زمان .  

   واذا ضممنا هذه النقاط إلى الطوائف الأربعة من الروايات المتقدمة أنتجت بالضرورة الإثبات اليقيني العلمي لمذهب أهل البيت عليهم السلام . ولذلك قلنا ان انطباق هذه الروايات على الأئمة الاثنى عشر من أهل البيت عليهم السلام ومنهم الإمام الثاني عشر الغائب المنتظر ، إنطباق قطعي وضروري ولا يحتاج إلى جهد علمي بقدر ما يحتاج إلى رؤية صافية غير مثقلة بالشكوك والأهواء والعصبيات أعاذنا الله منها" .

 الطائفة الثانية:الروايات التي تخصُّ الإمام المهدي.

    وقد اعترف الشيخ الآصفي:"إن هذه الروايات في الغالب واردة عن أهل البيت عليهم السلام" ولكنه قال:"قد علمنا أن مخاطبنا في هذا البحث هم الذين يعتقدون بحجية حديث أهل البيت عليهم السلام ، ويعتقدون أن حديث أهل البيت هو إمتداد ورواية لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم". ثم استعرض طائفة من الروايات "المتواترة" الواردة حول تشخيص وتعيين الإمام المهدي وولادته وغيبته وظهوره . وأن المهدي هو الثاني عشر من أئمة أهل البيت عليهم السلام والتاسع من ذرية الحسين عليه السلام ، وابن الحسن العسكري بن علي الهادي عليهما السلام ، المولود بسامراء سنة 255 هـ.وقال: إنها روايات تبلغ بالتأكيد حدّ التواتر في كتب أصحابنا القدماء في جميع طبقات إسنادها ، وفي مختلف أدوار المعصومين عليهم السلام . وقد جمع طرفاً من هذه الروايات السيد صدر الدين الصدر في كتابه المهدي ، والتجليل التبريزي في كتابه ، والصافي الگلبايگاني في منتخب الأثر ، والشيخ علي الكوراني في معجم أحاديث المهدي . والذي يراجع هذه الأحاديث بأسنادها لا يشك في تواتر هذه الأحاديث في مختلف طبقات إسنادها ممن أسميناهم من المحدّثين القدماء إلى المعصومين عليهم السلام. وان لم تكن أحاديث المهدي عجل الله فرجه الشريف في كتب الشيعة الإمامية بالغة حدّ التواتر ، فليس لدينا حديث متواتر في المجاميع الحديثية".

   وتوقف الشيخ الآصفي هنا ليعرف "التواتر" فقال:إن "تعريف التواتر هو: ما يمتنع معه تواطؤ الرواة على انتحال الرواية . يقول الشهيد رحمه الله في الدراية في تعريف التواتر ( هو ما بلغت رواته في الكثرة مبلغاً أحالت العادة تواطؤهم على الكذب ، واستمر ذلك في جميع الطبقات ) . والتواتر من الطرق القطعية إلى السنّة وحجيته ثابتة بالفعل . وإذا بلغ الحديث حدّ التواتر فمن نافلة القول البحث الروائي عن صحة طرق الحديث".

   ثم انتقل الآصفي إلى الحديث عن الروايات "الصحيحة" الواردة في إمامة وغيبة وظهور الامام محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي ، من طرق أهل البيت عليهم السلام .ولكنه اعتذر عن إتمام البحث، اعدم سعة الوقت لإتمامه، على إتمامه في المستقبل القريب.

مناقشة كلمة الشيخ محمد مهدي الآصفي في مؤتمر الامام المهدي

   وقد نقل هذه الكلمة أحد الأخوة في شبكة هجر، أثناء الحوار مع عدد من العلماء، في بداية سنة 2000 فعلقت عليها قائلا:

 كنت انتظر كلمة الشيخ محمد مهدي الآصفي منذ زمان لأني تحدثت معه هاتفيا عندما زار لندن قبل سنوات وطلبت منه اللقاء والبحث حول موضوع دراستي حول المهدي قبل ان انشرها فرفض اللقاء ووعدني بكتابة رد علي.وكنت أتمنى من عالم جليل مثله ان يرحب بصاحب وجهة نظر مخالفة له يقول انه درس جميع الروايات ولديه ملاحظات عليها فيسمعها ثم يقوم بنقضها بما لديه من معلومات او يرحب بنظريته اذا عجز عن الرد عليها ولكن الشيخ الآصفي رفض مجرد اللقاء والحوار معي.

  لم اعرف أين عقد مؤتمر الامام المهدي؟ ومتى؟ وكنت افترض في اي مؤتمر جاد ان يدعو أصحاب النظريات المتقابلة للحوار، كما كنت أتمنى ان أشارك في هذا المؤتمر لأني كنت قد وجهت دعوة الى الحوزة العلمية في قم قبل سبع سنوات لعقد هكذا مؤتمر لمناقشة نظريتي ولم اسمع منها أي جواب ، حتى ان الشيخ الآصفي لم يشر الى وجود بحث مضاد يعتمد على أحاديث أهل البيت والتراث الشيعي التاريخي ، خوفا من لفت الانتباه الى وجود احمد الكاتب وكتابه ، مع ان من المفروض في أي باحث علمي جاد ان يدرس مختلف النظريات ويعلق عليها ويردها، ولا اعتقد انه لم يسمع بكتابي وقد حدثته مباشرة وطلبت منه الرد والتعليق .

   وعلى رغم اني ناقشت هذين الدليلين (الانحصار والمطابقة) في كتابي مناقشة مفصلة، وفي فصلين خاصين، فاني اعتقد ان الشيخ الآصفي  لم يستدل لهما بصورة جيدة إذ أغفل أهم الفقرات التي استند اليها المتكلمون السابقون الذين استدلوا بهما على فرضية وجود الامام المهدي.

   ادعى الشيخ الآصفي وجود تواتر في الرواية عن أهل البيت بأن المهدي المنتظر هو ابن الحسن العسكري والثاني عشر من أهل البيت. وهو ادعاء غير صحيح بالمرة ، إذ أن فكرة المهدوية خلال القرون الثلاثة الاولى كانت عامة وغامضة وغير محددة في أحد من الأئمة، ولذلك كان عامة الشيعة وخواص الأئمة وبعض الأئمة أنفسهم يتوقعون ان يكونوا هم القائمين بالأمر ، وقد اعتقد عامة الشيعة ما عدا فئة قليلة بأن الامام الكاظم هو المهدي المنتظر وقالوا انه غاب غيبتين الاولى في السجن والثانية بعد هروبه من السجن ، حيث انهم لم يعترفوا بوفاته ودفنه.

   واذا راجعنا  الروايات الواردة عن أهل البيت والتي تتناقض مع مهدوية الامام الثاني عشر يتضح عدم وجود اية إشارة فضلا عن وجود اجماع في القرون الاولى حول مهدوية الامام الثاني عشر. وهذا ما يؤكد على افتراض المهدوية للامام الثاني عشر ، واختلاق الروايات بعد حين. فضلا عن انه لا يجوز نسبة صفة المهدوية لرجل لم تثبت ولادته بعد ، او الحديث عن غيبته وظهوره في المستقبل.

  قال الشيخ الآصفي:" ان الشيعة الامامية يذهبون قولا واحدا الى ان الامام المهدي المنتظر هو محمد بن الحسن العسكري". وقد خلط في ذلك بين فرق الشيعة الامامية المختلفة كالإسماعيلية والواقفية والفطحية والمحمدية الذين قالوا بأئمة مهديين آخرين ، ولم يلاحظ ان شيعة الامام العسكري أنفسهم انقسموا الى أربعة عشر فرقة ومنهم من قال بمهدويته وغيبته، ولم يقل بمهدوية محمد بن الحسن العسكري الا فرقة واحدة من عشرات الفرق الامامية والشيعية والإسلامية التي قالت بنظريات اخرى عبر التاريخ.

   ثم حاول الشيخ الآصفي ان يجتهد في تطبيق الأحاديث العامة التي تتحدث عن ظهور مهدي غير محدد الهوية على الامام محمد بن الحسن العسكري ،وقال: انها تنطبق بصورة قهرية على عقيدة الامامية في المهدي . وهذا غير صحيح أولا ، وهو ظن وافتراض ثانيا . واذا لم يكن الآصفي يعرف توجيها لتلك الأحاديث فكيف يطبقها على انسان لم تثبت ولادته ولا وجوده بعد ؟ فان ذلك أبعد الفرضيات.

   وهل يملك هو علم من الله؟ او نص صريح من القرآن الكريم او النبي الأعظم حتى يقطع انه فلان؟ ولماذا لا يفترض ان الله سوف يخلق انسانا في المستقبل ويكلفه بهذه المهمة؟ إذن فلا مطابقة ولا انحصار ولا حتم ولا قهر في دلالة الأحاديث العامة حول المهدي على ابن الحسن العسكري.

كذلك حاول الشيخ الآصفي الاجتهاد في أحاديث اخرى وعصرها واستخراج معاني غير واضحة منها كحديث الثقلين الذي يقول فيه الرسول الأعظم: ان الكتاب والعترة لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض. وبالرغم من اننا لا نملك عمليا سوى الكتاب مرجعا نرجع اليه منذ الف ومائة سنة على الأقل ولم يخرج أي رجل من العترة لكي يفسر لنا آية او يذكر لنا حكما او يحل لنا مشكلة ، فان المقصود من كلمة العترة غامض وعام وغير صريح بأسماء الأئمة ، وقد استخدمه العباسيون لتثبيت حكمهم بدعوى انهم من العترة ، والعترة هم أقرباء الرجل حسب اللغة.

   ونتيجة لغياب الركن الثاني المفترض (العترة) فقد لجأ الشيعة الامامية الى الاجتهاد واصبح لديهم حجج الاسلام وآيات الله وهم من غير العترة.

  وربما كان  المقصود من العترة هم الأئمة السابقون وتراثهم وليس بالضرورة ان يكون واحد منهم موجودا طوال التاريخ الى يوم القيامة ، وهم بالتأكيد لم يفترقوا عن الكتاب. ولكن الشيخ الآصفي يحاول ان يستنتج قسرا من هذه الرواية وجود حجة وإمام من اهل البيت في كل زمان وان يفترض وجود الامام محمد بن  الحسن العسكري افتراضا محضا.

  اذا كانت لدى الشيخ الآصفي مشكلة نظرية سببت له الحيرة كما سببت الحيرة لبعض الشيعة الامامية بعد وفاة الامام  الحسن العسكري ، فلكي يخرج منها عليه اما ان يعيد النظر بسند تلك  الروايات او مفاهيمها او يبحث عن أي شيء آخر قبل ان يفترض وجود شخص لم يظهر في التاريخ لا في حياة أبيه ولا بعد ذلك.

   علما بأن الشيعة الامامية الإسماعيلية (البهرة) يعتقدون ايضا بوجود إمام مخفي ومستور ولكنهم يقولون بأنه يعيش عمرا طبيعيا وبتوفي ويوصي الى أبنائه الذين لا يتصل بهم الا شيخ الإسماعيلية الأكبر النائب الخاص عن الامام الغائب.

  فلماذا يرفض الشيخ الآصفي النظرية الإسماعيلية ولا يبحث عن تطبيق الحديث لدى أئمتهم المعصومين في نظرهم والمستمرين على قيد الحياة حسب ادعاءاتهم؟

   ان معنى الامام وفلسفته في الفكر الإمامي هو المطبق للدين والقائد والمنفذ والخليفة والحاكم وهو ما يعنوه بقولهم:"لا بد في الأرض من إمام" ، والا فان الله عز وجل لديه ملائكة كثيرون وهو ليس بحاجة الى أحد لكي يحفظ الكون كما يقول بعض الغلاة، إذن فان الغيبة الطويلة تتناقض مع مهمة الامامة وفلسفتها ، ولا يجوز ان نحتم على الله ان يعين إماما من عنده للامة ثم نقول انا لا نعرف ما هو وجه الحكمة في اختفاء هذا الامام . إذن لماذا افترضنا وجوب تعيين الامام ورفضنا ان تقوم الامة باختيار الامام العادل؟

   ان مثل الشيخ الآصفي كمثل من يقول بضرورة تعيين الدولة شرطيا للمرور في تقاطع طرق ثم يقول: ان الشرطي غائب ، وعندما نسأله عن الحكمة من وراء غيبة الشرطي الذي ترك الشوارع في حالة اضطراب ، يقول: ان علم ذلك عند الدولة ، او انه ينظم السير من وراء حجاب.

  إما ان يكون وجود الشرطي المعين من قبل الدولة ضروريا او لا يكون ، ولا يعقل ان نقول : انه ضروري وانه معين ولكنه غائب وعلم  ذلك عند الله ، او لا بد ان نريح أنفسنا بالقول ان على البلدية ان تنتخب شرطيا لتنظيم السير وان ذلك من أعمالنا وليس من أعمال الملك او رئيس الوزراء.

ويمضي الشيخ الآصفي في استدلالاته الفلسفية الاجتهادية الافتراضية على وجود ابن الامام العسكري، فيستعين بحديث (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) ويقول: ان التفسير الوحيد له هو ما تعرفه الامامية وتعتقد به من استمرار الامامة في اهل البيت منذ وفاة رسول الله ، وان أي فرض آخر لا يستطيع ان يقدم تفسيرا معقولا لهذه الرواية الا ان نقول بوجوب الطاعة لكل بر وفاجر.

   ونقول للعلامة الجليل والمفكر الاسلامي الكبير آية الله الشيخ محمد مهدي الآصفي:

   أولا – انه بقوله هذا يعترف ضمنيا بأنه يقوم بعملية افتراض.

   وثانيا – ان الفرض المعقول الآخر هو لا هذا ولا ذاك ،وانما هو الطاعة للامام العادل ، كما هو الحال في الجمهورية الاسلامية الإيرانية ، مثلا ، حسبما يعتقد الشيخ ، وهل الامام هناك معصوم؟ أو جائر؟ أو أمر بين أمرين؟

   لماذا تقفز على الفرضيات الأخرى المعقولة وتحصرها بالحاكم الجائر او الامام المعصوم ثم تفترض وجوده وولادته؟

   ان المتكلمين السابقين الذين استدلوا بهذه الرواية على ضرورة وجود الامام المعصوم المعين من قبل الله واستمرار الامامة في ولد الحسن العسكري ، اعتمدوا على فقرة مهمة في عملية الاستدلال أهملها الشيخ الآصفي وهي ضرورة استمرار الامامة وراثيا بصورة عمودية وعدم جواز انتقالها الى أخ او ابن أخ او عم او ابن عم ، ولذا فان قسما من شيعة الامام الحسن العسكري الذين لم يكونوا يؤمنون بحتمية هذا القانون لم يجدوا بأسا بالقول بإمامة جعفر بن علي الهادي ، كما قال قسم من الشيعة سابقا بإمامة موسى بن جعفر بعد وفاة أخيه الامام عبد الله الأفطح ،ولم يضطروا الى افتراض وجود ولد للعسكري خلافا للظاهر والحقيقة كما لم يضطروا من قبل الى افتراض وجود ولد للامام عبد الله الأفطح.

إضافة الى انه يمكن تطبيق الحديث على أئمة الشيعة الامامية الإسماعيلية المختبئين اليوم  فلماذا ترفض ذلك؟

هناك تفاسير عديدة للرواية وتطبيقات مختلفة فلماذا تختار تفسيرا معينا وترفض التفاسير والتأويلات الأخرى؟

  ونصل الى أحاديث (الاثني عشرية) التي حاول الشيخ الآصفي ان يعتمد عليها من أجل استنتاج وجود الامام الثاني عشر وافتراض حياته الى اليوم.

  وقد ادعى الشيخ الآصفي صفة التواتر على تلك الأحاديث بالرغم من أنها ضعيفة عند السنة وغير محددة ولا واضحة، وهي اضعف عند الشيعة ومختلقة كلها في القرن الرابع الهجري عند تأسيس الفرقة الاثني عشرية ولم يكن لها أي وجود عند الشيعة في القرون الثلاثة الاولى.

وهي مع ذلك تتعارض مع أحاديث كثيرة تؤكد على استمرار الامامة الى يوم القيامة دون تحديد بعدد معين ، كما تتعارض تماما مع نظرية البداء التي كان يستند اليها بعض الأئمة او بعض الشيعة الامامية في تغيير شخص الامام الذي يخلف أباه بعد وفاة أخيه المعين من قبل، كما حدث مع إسماعيل بن جعفر الصادق والإمام محمد بن علي الهادي اللذين توفيا في حياة والديهما فانتقل الشيعة الامامية الى أخويهما من بعدهما.

وقد روى  الصفار والكليني والمفيد والطوسي عن ابي هاشم داود بن القاسم الجعفري قال: كنت عند ابي الحسن العسكري وقت وفاة ابنه ابي جعفر وقد كان أشار اليه ودل عليه، واني لأفكر في نفسي أقول : هذه قصة ابي إبراهيم وقصة إسماعيل ، فأقبل الي أبو الحسن وقال: نعم يا أبا هاشم بدا لله في ابي جعفر وصيَر مكانه أبا محمد كما بدا لله في إسماعيل بعدما دل عليه أبو عبد الله ونصبه ، وهو كما حدثتك نفسك وأنكره المبطلون ..أبو محمد ابني الخلف من بعدي عنده ما تحتاجون اليه ومعه آلة الامامة والحمد لله . (الكليني: الكافي ج1 ص 328 والطوسي: الغيبة ص 55 و130 والمفيد : الإرشاد ص 317 والمجلسي: بحار الأنوار ج 50 ص 241)

وروى الصفار والكليني والمفيد والطوسي حديثا عن الامام الهادي يقول فيه لابنه الحسن : يا بني أحدث لله شكرا فقد أحدث فيك أمرا. (الصفار : بصائر الدرجات ص 473 والكليني: الكافي ج1 ص 326و328 والمفيد: الإرشاد ص 337 والطوسي: الغيبة ص 122)

 واذا صحت فرضا أحاديث (الاثني عشرية) فيمكن ان نحسب الامام عبد الله الأفطح او زيد بن علي ونكمل القائمة ولا نحتاج الى افتراض وجود ولد للامام العسكري دول دليل.

ان ذلك الاستدلال من الشيخ الآصفي يسميه المتكلمون : الدليل العقلي او الاعتباري او الفلسفي، وهو كما يلاحظ يقوم على مقدمات نقلية وظنون وتأويلات تعسفية وليس دليلا عقليا محضا بحيث يستطيع أي انسان عاقل ان يتوصل اليه. وهو دليل افتراضي ظني لا يستطيع ان يثبت وجود انسان في الخارج.

يضيف الشيخ الآصفي اليه دليلا آخر هو الدليل الروائي الذي يتضمن أحاديث تشير الى ان المهدي هو الثاني عشر او التاسع من ولد الحسين او ابن الحسن العسكري ويدعي صفة التواتر على تلك الأحاديث. ورغم انه يعرِّف التواتر بأنه ما يمتنع معه تواطؤ الرواة على انتحال الرواية وما بلغت رواته في جميع الطبقات من الكثرة بحيث يستحيل تواطؤهم على الكذب ، الا انه يتقبل الروايات دون تمحيص او بحث ودون مقارنتها مع أحداث التاريخ والأجواء السياسية المحيطة بها والصراعات الطائفية التي أدت الى اختلاقها، ويرفض الإشارة ولو من بعيد الى حدوث الاختلاف والحيرة لدى الشيعة الامامية من أصحاب الامام العسكري، وتفرقهم الى أربعة عشر فرقة وعدم معرفة كبار القوم بتلك الأحاديث في الزمن الأول وتعزيتهم لجعفر وتهنئتهم له بالإمامة بعد وفاة أخيه، و لا يلتفت الى احتمال الوضع والكذب في فترة متأخرة ، وخاصة من قبل الفرقة الاثني عشرية التي ولدت في القرن الرابع الهجري واختلقت كل تلك الروايات لتدعيم  مذهبها.

وهذا غريب جدا من باحث بسيط فضلا عمن يدعي العلم والاجتهاد وهو ما يفسر التهرب من الحوار الجدي وإقامة المؤتمرات العلمية الحرة المحايدة من اجل بحث هكذا أمور.

  وعندما يصل الشيخ الآصفي الى بحث وجود الامام المهدي وولادته عن طريق الأدلة العلمية  التاريخية يعتذر عن إتمام البحث بحجة عدم توفر الوقت ، وهذا يصح ان كان طلب منه الحديث فجأة، أما وانه قد أعد لبحثه إعدادا مسبقا فانه يبدو اقرب الى العذر من اجل التهرب من مناقشة الأدلة التاريخية بما يتضمن اعترافا بضعفها وأسطوريتها.

لهذا أستطيع ان أقول واكرر القول: ان الايمان بوجود الامام محمد بن الحسن العسكري كان فرضية فلسفية ظنية اجتهادية اكثر مما كان حقيقة تاريخية ثابتة.

 ومن هنا لا بد ان نعيد النظر فيها حتى نعيد ترتيب أوراقنا الداخلية وعلاقاتنا الخارجية ولا نجعل من قضية الامام المهدي قصة نتناحر عليها الى يوم القيامة.

احمد الكاتب

 

 

  وبعد نشر ردي على الشيخ الآصفي، في موقع شبكة هجر للحوار، قام الشيخ بالتعقيب عليه، قائلا:

تحدثت في مؤتمر الامام المهدي (عج)عن الطوائف الأربعة من الروايات ودلالتها على ان المهدي الموعود المنتظر هو محمد بن الحسن العسكري عليهما السلام المولود بسامراء سنة 255هـ من خلال ثلاث محاور ، هي :

اولاً – التأكد من وثاقة أسناد كل من هذه الأحاديث الأربعة .

ثانياً – دلالتها على وجود إمام وحجة لله تعالى على عباده من أهل البيت في كل عصر وأن الأرض لا تخلو من حجة لله تعالى في أي زمان .

ثالثاً – انطباق هذه الأحاديث على ما يقوله الشيعة الامامية الأثنى عشرية عن الإمام محمد بن الحسن العسكري عليهما السلام . وعدم وجود مصداق آخر يتطابق مع هذه الأحاديث بشكل كامل .

واليك تفصيل هذه المحاور :

المحور الاول في التوثيق :

المحور الأول في توثيق الطوائف الأربعة المتقدمة ( الأحاديث الأربعة ) من حيث السند . وقد تحدثت في البحث السابق بايجاز عن توثيق هذه الروايات من حيث السند . واعجب من تضعيف الكاتب لحديث الاثنى عشر إماما او أميرا عند أهل السنة وفي حديث الشيعة . فقد رواها البخاري بطرق عديدة في الصحيح كما رواها مسلم بطرق عديدة في الصحيح وقد ذكرت بعض طرق محدثي أهل السنة في الأحاديث الأثنى عشر إماماً (أو أميراً) واخرج أصحابنا الامامية الحديث بطرق كثيرة جدا بالغة حد التواتر ، وفيها الصحيح الذي لايمكن فيه التشكيك من حيث السند . فقد روى الحر العاملي صاحب الوسائل رحمه الله في الجزء الثاني من كتابه القيم ( اثبات الهداة ) تسعمائة وسبعا وعشرين حديثاً (927) من النصوص العامة لاثبات إمامة الأئمة الأثنى عشر عليهم السلام ، في الكثير منها تصريح بعدد الاثنى عشر بشكل صريح وبأسماء الأئمة عليهم السلام ، وجملة من طرق هذه الروايات صحيحة بلا إشكال ، وهي بالغة حدّ التواتر أيضاً بلا إشكال .

منها 95 رواية أخرجها الكليني في الكافي . و53 رواية أخرجها الصدوق في عيون الأخبار . و22 رواية أخرجها الصدوق في معاني الأخبار . و92 رواية أخرجها الصدوق في اكمال الدين . و 22 رواية أخرجها الصدوق في الأمالي . و 18 رواية أخرجها الشيخ أبو جعفر الطوسي في الغيبة .و11 رواية أخرجها الشيخ أبو جعفر الطوسي في مصباح المتهجد . وغير ذلك . ولست اعرف وجها علميا موضوعيا للتشكيك في رواية يرويها المحدثون عن 927 طريقا.

المحور الثاني في الدلالة :

   1 - اما حديث الثقلين الذي تضافرت على روايته صحاح الفريقين فقد دل بشكل واضح على اقتران الكتاب بحجة وامام من أهل البيت من بعد رسول الله (ص) . فان رسول الله (ص) ترك فينا الكتاب والعترة من بعده ، وصرّح بانهما لا يفترقان حتى يردا عليه الحوض . وأمر المسلمين بالتمسك بالحجج من أهل بيته ، كما أمرهم بالتمسك بالكتاب. ومعنى التمسك هو الأتباع والطاعة . وهذا هو معنى ( الحجة ) و ( الحجية ) . وليس للحجية معنى غير الاتباع والطاعة والتمسك . وهولاء الحجج من أهل البيت كما في متن الحديث ، ومع القرآن جنباً إلى جنب في كل عصر ، لا يفترقان والحديث مما تسالم عليه المسلمون .

   2 - واما حديث ( من مات ولم يعرف إمام زمانه فقد مات ميتة الجاهلية ) فيدل على :

أ . ان معرفة اولئك الائمة والحجج من أهل البيت من الدين ، ورفضهم والجهل بهم من الجاهلية ، بحيث يدور الاسلام والجاهلية معهما ايجاباً وسلباً . ومن يمت وهو لا يعرف امام زمانه يموت ميتة جاهلية .

ب . ويدل على وجود إمام منهم في كل زمان ، تجب طاعته ومعرفته ، وعلى استمرار حلقات الائمة (ع ) في كل زمان ، وانه لايخلو منهم زمان .

  ومن يضع هذه الطائفة من الروايات الى جنب الطائفة الاولى من الروايات يجد تطابقا واضحا فيما بينهما. فقد ورد في حديث الثقلين من الطائفة الاولى انهم حجج الله على عباده ويجب التمسك بهم ، وهم العدل الآخر للكتاب ، وما ان تمسك الناس بهم لن يضلوا ابداً . وورد في الطائفة الثانية ان معرفتهم من دين الله والجهل بهم من الجاهلية والضلالة ، والحديث مما تسالم عليه الفريقان ، وقد ذكرنا بعض الفاظه وطرقه من قبل ، وممن اخرجه الشيخان في الصحيحين .

   3 - واما حديث ( أن الارض لاتخلو من حجة ).

فقد أخرجه أصحابنا بطرق والفاظ كثيرة ، بالغة حد التواتر وبعض طرقها صحيح ، كما ذكرت في المقال . والحديث يدل على وجود حجة لله تعالى في كل زمان منذ وفاة رسول الله (ص) الى ان تقوم الساعة ، سواء كان ظاهرا مشهورا ، او خائفاً مغموراً ، كما ورد في (نهج البلاغة ) . ومن يألف لغة حديث أهل البيت (ع) يعرف ان المقصود من الحجة هو الامام المعصوم ( راجع كتاب الحجة من اصول الكافي ) .

   4 - والطائفة الرابعة روايات ( الاثنى عشر اماماً ، او اميراً ، او وصياً ) من بعد رسول الله (ص) التي تضافرت روايتها من طرق الفريقين . وهي تدل على ان الائمة من بعد رسول الله اثنا عشر فقط ، وانهم من قريش ، وفي طرق أصحابنا الامامية أنهم من ذرية علي عليه السلام .


المحور الثالث في التطبيق :

المحور الثالث في تطبيق هذه الروايات على الواقع في تاريخ الاسلام . وهو المحور الثالث للبحث الذي قدمته إلى مؤتمر الامام المهدي (عج) . فأننا إذا تأكدنا من صحة الاحاديث الاربعة من حيث السند أولاً . وتأكدنا من دلالتها على وجود اثنى عشر اماماً وحجة من اهل البيت من جانب الله . فلا يبقى تطبيق حقيقي ودقيق لهذه الاحاديث غير ما تعرفه الشيعة الامامية ( واقصد بهم الاثنى عشرية) من القول بإمامة أئمة أهل البيت عليهم السلام في إثنى عشر حلقة متصلة ، وولادة وغيبة الامام الثاني عشر منهم ، وهو محمد بن الحسن العسكري عليهما السلام . واذا الغينا عقيدة الشيعة الامامية من الحساب لم يبق معنى ولا تطبيق لهذه الاحاديث البتة .

أما المذاهب التي لا تتبنى مسألة ( الغيبة والانتظار ) فلا يمكن تطبيق هذه الاحاديث عليها لانقطاع حلقات الامامة عنها في ادوار كثيرة ومراحل طويلة من التاريخ ، حتى لو اخذنا بتمحل السيوطي في ترتيب الاثنى عشر إماما. وعليه تتخلف معهم الطائفة الاولى والثانية والثالثة من الأحاديث . واما المذاهب التي تتبنى مسألة ( الغيبة والانتظار ) في الامام ، كالاسماعيلية فهي ايضا غير قادرة على اعطاء تفسير صحيح لهذه الطوائف الاربعة من الاحاديث لتخلف الطائفة الرابعة عنها ( وهي الروايات التي تصرح بان عدد خلفاء رسول الله (ص) من بعده اثنى عشر اماما او اميرا ) . فينحصر الأمر في تطبيق هذه الروايات في تاريخ الاسلام على ما تقول به الشيعة الامامية ، وليس له من تطبيق آخر ، ولا نعرف تطبيقاً آخر لهذه الطوائف الاربعة من الروايات غير ما يقول به الامامية من الايمان بولادة الامام محمد بن الحسن العسكري عليهما السلام وغيبته ، وهذا هو معنى ( المطابقة والانحصار ) .
وعندئذ يتم الاستدلال بهذه الطوائف الاربعة من الروايات بشكل كامل ، لانحصار الأمر في تطبيق هذه الروايات على ما تقول به الامامية ، وعدم وجود أي تطبيق آخر معروف في تأريخ الاسلام لها .

وقد ذكرت لذلك مثالا في المقال وقلت اذا عثر شخص على مال في دار لا يدخلها غير أربعة – مثلا – فادعاه أحدهم ، لايعرف له كذب ، وعُرِضَ المال على الاخرين فلم يدعه غيره ، فان الذي عثر على المال يدفعه إلى من ادعاه دون ان يطالبه بيمين او بينة ، بموجب سيرة العقلاء . والامر الذي بين ايدينا يشبه هذا المثال بعض الشئ . ويقول كاتب النقد : ( اذا لم نعرف توجيها لتلك الاحاديث فكيف نطبقها على إنسان لم تثبت ولادته ولا وجوده بعد ) . اقول نحن لا نشك في ولادة الامام عليه السلام وغيبته وبهذه العقيدة يؤمن أمة واسعة وكبيرة من الناس ، وعريقة في التاريخ … ولكن للكاتب ان يشك في صحة هذه العقيدة ، فيكون أمامه افتراضان كأي قضية علمية اخرى تخضع للبحث العلمي :

الافتراض الاول : صحة عقيدة الامامة .

الافتراض الثاني : عدم صحة هذه العقيدة .

وله أن يُخْضِعْ هذين الافتراضين للدراسة في ضوء الطوائف الاربعة المتقدمة من الحديث التي لا يمكن انكارها ولا تكذيبها كما تقدم . عندئذ يجد ان الافتراض الاول يقدم بسهولة تفسيرا واقعيا تاريخيا للطوائف الاربعة المتقدمة من الحديث ، لانطباقها الكامل عليه . بينما الافتراض الثاني يؤدي به الى انكار الاحاديث الاربعة او تكذيبها ، والاول منها يعارض النهج العلمي المعروف للفريقين في توثيق الحديث ، والثاني منهما تكذيب لرسول الله (ص) وأهل بيته الذين اذهب عنهم الرجس ، وجعلهم رسول الله (ص) العدل الآخر للكتاب .

ويحاول الكاتب ان يقلل من قيمة العمق التاريخي والمساحة التي تغطيها هذه العقيدة في العالم بتكثير الفرق الشيعية التي لا تؤمن بهذه العقيدة فيقول ( وقد خلط في ذلك بين فرق الشيعة الامامية المختلفة كالاسماعيلية والواقفية والفطحية والمحمدية الذين قالوا بائمة مهديين آخرين). وهي محاولة ضعيفة بطبيعة الحال ، ولا يمكن ان يصفها القارئ المنصف بالانصاف ، فلا يجوز مقارنة الشيعة الامامية في التاريخ والحاضر بفرق بائدة ، ليس لها أي حضور ثقافي وفقهي واجتماعي على وجه الارض كالواقفية والفطحية والمحمدية . فان الشيعة الامامية الاثنى عشرية اوسع المذاهب الاسلامية بعد مذهب اهل السنة والجماعة ( ونقصد بهم اهل السنة مجتمعين ) ولهم اليوم على وجه الارض مراكز علمية وحوزات ثقافية وجامعات وفقهاء ومفسرون ومحدثون وموسوعات في الفقه والحديث والتفسير ويمتّد تاريخهم الى اصول عريقة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين ، ويغطون مساحة واسعة جداً من العالم الاسلامي .

وتكثير الفرق الشيعية بهذه الصورة لا يؤدي الى تقليل قيمة عقيدة الشيعة الامامية في ولادة وغيبة الامام المهدي محمد بن الحسن العسكري عليهما السلام . وكنت اتمنى ان اذكر طائفة من الروايات الصحيحة التي رواها اصحابنا الامامية بطرق صحيحة ومتواترة عن ولادة وغيبة الامام المهدي عجل الله فرجه ، كما وعدت من قبل غير أن النقد وصلني وأنا في السفر ولم يكن معي من مصادر الحديث ما اتمكن معه من انجاز الوعد السابق .على ان فيما كتب علماؤنا رحم الله الماضين منهم وحفظ الباقين كالحر العاملي في اثبات الهداة و السيد صدر الدين الصدر في كتابه (المهدي) والتجليل التبريزي في كتابه عن الامام المهدي والصافي الكلبايكاني في منتخب الاثر والشيخ علي الكوراني في موسوعة الامام المهدي وغيرهم كفاية في هذا الباب. على أمل العودة انشاء الله الى متابعة الموضوع .

وانني كنت اتمنى لكاتب المناقشات شيئا اكثر من الموضوعية في النقد . فليس يعاب على احد ان يحمل رأيا أو ينقد رأيا ولكن بشرط ان يلتزم بالنهج العلمي للنقد ، وذلك في موضوع خطير وحساس يخص عقيدة امة من المسلمين واسعة الانتشار على الارض ومعروفة.

 

 وقد رددت على رد الآصفي ، بما يلي: 

العلاقة بين الايمان بالمهدي ورفض الشورى؟

 

سماحة العلامة الشيخ محمد مهدي الآصفي حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اطلعت على ردكم العاجل وانتم في السفر على مناقشتي لكلمتكم عن (الامام المهدي) التي ألقيتموها في أحد المؤتمرات التي عقدت مؤخرا حول هذا الموضوع. وقد لخصتم في ردكم ما سبق ان شرحتموه في كلمتكم ،ولم تأتوا بشيء جديد ولم تردوا على النقاط التي ذكرتها في مناقشتي من تعارض دعوى التواتر والإجماع على مهدوية الامام الثاني عشر مع التاريخ الشيعي وأحاديث أهل البيت الكثيرة والحركات المهدوية الشيعية العديدة التي ظهرت في القرون الأولى . وبدلا من ان تثبتوا ولادة ابن الامام الحسن العسكري المفترض تاريخيا انشغلتم مرة اخرى بتكرار الحديث عن النظرية الامامية الالهية ، واستنتجتم منها صحة فرضية وجود (الامام محمد بن الحسن العسكري) ووعدتم ايضا ببحث الروايات التي تتحدث عن ولادته في المستقبل ، وهذا ما يدعونا الى انتظار نتائج أبحاثكم حول الأدلة التاريخية على ولادة الامام المهدي .

وبالرغم من أنكم وصفتم تلك الأدلة التاريخية - مسبقا وبسرعة - بالصحة والتواتر ، ربما اعتمادا على المركوز في ذهنكم ، فاني أؤكد لكم مرة أخرى ان تلك الروايات التاريخية ليست سوى إشاعات سرية ضعيفة ومتناقضة لا ترقى الى مستوى خبر الآحاد الصحيح فضلا عن كونها صحيحة او متواترة ، خاصة وانها تخالف الظاهر وإجماع المؤرخين الشيعة الذين تحدثوا عن وقوع الحيرة بعد وفاة الامام الحسن العسكري وقيام كبراء الشيعة بتعزية جعفر وتهنئته بالإمامة في البداية ، ثم تفرق الشيعة الى أربع عشرة فرقة ، وعدم معرفة علماء قم في تلك الأيام بوجود ولد للامام العسكري  وإرسالهم وفدا الى سامراء ليحقق في الموضوع ، وان عامة الشيعة الامامية بحثوا عن الولد فلم يعثروا عليه ولم يتأكدوا من وجوده ، فكيف تكون الروايات حول ولادته متواترة؟ وماذا يعني التواتر لديكم؟ وهل لديكم مصطلح جديد في معنى التواتر؟ علما بأنكم تقولون بانعدام صفة التواتر مع احتمال الكذب والوضع .

   ويبدو أنكم تحاولون إضفاء صفة الصحة والتواتر على إشاعات الغلاة الغريبة والعجيبة ، في محاولة منكم للخروج من الحيرة التي لا زلتم تترددون فيها نتيجة إيمانكم بنظرية الامامة الالهية وضرورة وجود الامام المعصوم المعين من قبل الله ، التي استنتجتموها من بعض الأحاديث التي وصفتموها ايضا بالصحة والتواتر ، وأوّلتموها تأويلا خاصا ، ولا تريدون ان تفسروها بشكل آخر كما فسرها بعض الشيعة الامامية (الفطحية) الذين خرجوا من الحيرة بنقل الامامة الى جعفر بن علي الهادي.

المشكلة هي في طريقة استنتاجكم لنظريتكم الخاصة من تلك الأحاديث وفي تركيب فرضية ولادة ابن للامام العسكري عليها ، مع انه لا تلازم بين النظرية الاولى والفرضية الثانية ، وان القول بذلك نوع من التخمين والظن والقول بلا دليل.

ان حيرتكم تتجسد في محاولتكم  العثور على مصاديق خارجة لبعض الأحاديث الغامضة كحديث الاثني عشرية ، وقد قدمنا لكم عدة حلول اخرى ممكنة لم تناقشوها ولم تأخذوا بها وأصررتم على افتراض وجود ولد للامام العسكري مع ان هذه الفرضية أسوء من تمحلات السيوطي.

ثم إنكم لم تجيبونا على السؤال عن معنى الامامة وكيفية الارتباط بالإمام وطاعته وتوليه وهو في الغيبة، مع إنكم في كتابكم (علاقة الحركة الاسلامية بولاية الأمر) ترفضون مجرد الولاء الإسمي أو الصوري للولي الفقيه وتطالبون حزب الدعوة الاسلامية بالطاعة الحركية والولاء الحضاري والانقياد السياسي ، فكيف يمكن تحقيق هذا النوع من الطاعة للامام الغائب الذي لا يفتي ولا يفسر ولا يأمر ولا ينهي ولا يمارس دوره القيادي؟ وكيف يمكن ان نسميه اماما؟ وقد قال الامام الرضا في أحاديث كثيرة : ان الامام يجب ان يكون حيا ظاهرا معروفا.

ولو كان الامام العسكري قد ادعى ولادة ولد له وأظهره للناس لم نكن  نشترط ان يأتينا بدليل على بنوة ذلك الولد له ، كما لم نسأل أحدا من الأئمة السابقين  او غيرهم عن إثبات نسب أي شخص إليهم ، بالرغم من شك بعض أهل البيت ببنوة الامام الجواد (الذي كان أسمرا ) للامام الرضا في حياته ، وعرضه على القافة ، واكتفينا  بإعلان الامام الرضا لبنوة ابنه الجواد اليه. فكيف تريد منا ان ننسب ولدا الى الامام العسكري وهو يعلن أمام الملأ أن لا وجود لولد لديه؟ ونقبل بالرواية السرية المتهمة والمشكوك فيها؟

 نعم توجد روايات كثيرة يرويها الغلاة والضعفاء  والوضاعون، ولكنها غير محققة ولا مدروسة ولا توجد فيها رواية واحدة صحيحة ، ومشكلتها الرئيسية هي انها تنسب ولدا لرجل لم يعترف بوجود هكذا ولد ، وهو أمر لو حدث مع أي شخص لرفضه بشدة ، فهل تقبل ان ينسب اليك أحد وجود ولد لك في السر في حياتك او بعد مماتك بالرغم من إنكارك لذلك؟ وهل يجوز شرعا إلحاق هذا الولد المدعى بك ؟ وهل يجوز اعطاؤه الإرث مثلا؟

ان الشيعة الامامية لم يجمعوا على وجود الامام الثاني عشر ماعدا الفرقة الاثني عشرية، وقد وصل القول بذلك الى طريق مسدود فتخلى الشيعة ومنذ قرون عن نظرية الامامة وعن انتظار الامام المفترض الغائب ، وأقاموا لهم دولا بأنفسهم على أساس الفقه والعدالة وليس العصمة او النص .

ومع ان الكثرة والانتشار ليست مقياسا للحق والصواب[1]، والا فان المسيحيين وأهل السنة أكثر من الشيعة ، فنحن لا نحاول التهجم على أية مجموعة بشرية مهما كانت صغيرة ، وانما نحاول مناقشة فرضية ظنية اجتهادية قال بها بعض المتكلمين قبل ألف عام وسببت للشيعة والمسلمين أضرارا كثيرة ، ولا تزال تعقد حياتهم الاجتماعية وتحول دون تطور نظامهم السياسي.

ومن هنا أطالبكم ببذل المزيد من الوقت والجهد لمراجعة تلك الفرضية بدقة والتأكد من حقيقتها ، واعتقد انها تستحق ان توقفوا من أجلها كل أعمالكم الثقافية ونشاطاتكم التنظيمية والسياسية لكي تخرجوا بنتيجة واضحة وأكيدة ، وذلك لآثارها الكبيرة على مسيرتكم الشخصية ومسيرة الحزب الرائد حزب الدعوة الاسلامية ومسيرة الشعب العراقي والأمة الاسلامية...

 فضيلة الشيخ الآصفي

لقد بذلتم جهودا كبيرة في مختلف المجالات الفقهية والفكرية والسياسية والاجتماعية .. وتقفون اليوم أمام قضية جذرية ترتبط بموضوع الشورى وحق الأمة في اختيار أئمتها وممثليها في مجالس الشورى ، وتهم العلاقات الدولية والداخلية بين المسلمين ، وانتم مدعوون من موقع المسؤولية الى دراسة موضوع وجود الامام الثاني عشر الغائب ، والقيام بثورة ثقافية تصفي التراث من الخرافات والأساطير والفرضيات الوهمية والنظريات البشرية الدخيلة ، إذ لا يمكن  من دون ذلك، الانطلاق بقوة وثبات لبناء الحضارة الاسلامية من جديد.

واذا كنا مطالبين بالعودة الى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة و أحاديث أهل البيت الصحيحة ، فانه ليس من الجائز التشبث بكل ما هو موروث من عصور الانحطاط، أو التعصب لعقائد الآباء والأجداد ، فان هدفنا هو البحث عن الحق والحقيقة والتمسك بما هو ثابت وأكيد ، ومراجعة النظريات التي أضرت بوحدة المسلمين ودمرت فكرهم السياسي ودفعتهم الى الجمود والتخلف والانتظار وألقت بهم بين براثن الاستبداد.

احمد الكاتب

لندن 5 شوال 1420 المصادف 12/1/2000



[1]  - وقد قال الشيخ المفيد:"ما روي من خبر الواحد... ولو رواه ألف إنسان وألف ألف لما جاز أنّ  يجعل ظاهره حجة في دفع الضرورات وارتكاب الجهالات بدفع المشاهدات". المفيد، الفصول المختارة، ص 249.