مع
الشيخ علي آل
محسن في
كتابه: (من هو
خليفة المسلمين
في هذا
العصر؟)[1]
التردد
بين الحقيقة
والوهم،
والغيبة
واللاغيبة
يطرح
الشيخ علي آل
محسن السؤال
أعلاه: (من هو خليفة
المسلمين في
هذا العصر؟)
ليجيب بالطبع:"
انه الامام
المهدي المنتظر
محمد بن الحسن
العسكري".
وقبل أن
نتابع معه
رحلة
الإجابة، التي
استغرقت منه
حوالي مائة
صفحة، يجدر
بنا التوقف
عند المنهجية
التي اتبعها
في عملية الاستنتاج.
فقد اتبع
منهجية
الاستدلال
"العقلي" التي
استخدمها
الأولون،
وحاول أن
يقترب من الاستدلال
التاريخي،
لكنه شعر
بضعفه الفاضح فابتعد
عنه سريعا وهو
يستنكر
الحاجة اليه
ما دام قد أنهى
مسألة وجود
الامام
الثاني عشر عن
طريق العقل.
وبالرغم من
عدم صلاحية
الاستدلال
الفلسفي أو
العقلي
لإثبات أمر
خارجي هو وجود
إنسان معين في
التاريخ، فان
ما يسمى
بالدليل العقلي
لم يقم بالطبع
على العقل
المجرد،
وانما على
مجموعة
روايات تشكل
نظرية
الامامة الالهية،
وبالتالي
فانها لا تمت
الى العقل
بصلة. ومع ذلك
فقد وقع الشيخ
علي آل محسن
في مأزق واضح
وهو يحاول
إثبات وجود
الخليفة
المعين من قبل
الله في هذا
العصر، حيث لا
يوجد له أثر
منذ مئات
السنين على
الأقل، وهو ما
يناقض دعواه
بضرورة تعيين
الله للامام،
فراح يتخبط في
تفسير
"الغيبة"
ويدعي قيام
هذا الامام
بإسعاف
أتباعه
وإنقاذهم من
المآزق في شتى
بقاع الأرض
وبمجرد
مناداته.
وفي
الحقيقة لم
يأت الشيخ علي
آل محسن بجديد،
فقد سبقه الى
هذا الادعاء
كثير من السابقين
واللاحقين،
بحيث نستطيع
القول ان
كتابه نسخة
مصغرة ومشوهة
مما كتبه المتكلمون
الإمامية
السابقون. وهو
لذلك يخلو من
أية عملية
فكرية أو
اجتهاد حديث،
أو حتى تأمل
وإدراك لما
ينقل من
روايات
و"أدلة وبراهين".
ولو سمح لنفسه
بساعة تفكير
واحدة لما غالط
نفسه، ولأدرك
بوضوح عدم
وجود خليفة
معين من قبل
الله في هذا
العصر، ولذلك
بادر الشيعة
الى تشكيل
الحكومات
الاسلامية
والديموقراطية
لإدارة
شئونهم
بأنفسهم،
بصورة تتناقض
مع الاعتقاد
بوجود
الخليفة
المعين من قبل
الله.
ومع ان
الشيخ علي
اقترب كثيرا
من الحقيقة
عندما عنون
كتابه
بالسؤال عن
الخليفة في هذا
العصر، مما
يعني أنه فسر
كلمة
"الامام"
بالخليفة، أي
الحاكم
والسلطان
والرئيس، على
العكس مما فعل
آخرون حاولوا
التهرب من هذا
المفهوم
السياسي،
وتفسير كلمة
"الامام"
بمعان أخرى
بعيدة جدا عن
معنى
الخليفة،
ولكن الشيخ علي
لم يوضح
الموقف
الشرعي من
الخليفة
المعين من قبل
الله ، والذي
يدعي وجوده في
هذا العصر، هل
هو انتظاره
وتعليق إقامة
الدولة
الاسلامية على
ظهوره، كما
كان يقول
الشيعة
الامامية الاثنا
عشرية طيلة
ألف عام، أو
هو المبادرة
الى إقامة
الدولة على
أساس نظرية
ولاية
الفقيه، أو
الشورى
والانتخاب
الديموقراطي.
وذلك لأن إدعاءه
بوجود
الخليفة الشرعي
في هذا العصر
يقتضي
بالضرورة
انتظار
تعليماته
والتوقف عن
ممارسة أي
نشاط سياسي
الا بأمره،
وان المبادرة
الى الثورة
وإقامة
الدولة تعني
عدم الاعتراف
بوجود مثل ذلك
الخليفة أو
الامام.
إنه
فعلا مأزق
كبير، وبدلا
من أن يحاول
الشيخ علي آل
محسن الخروج
منه، وذلك
بإعادة النظر
الجدي والاجتهاد
العميق فيما
ورثناه من
آبائنا من تأويلات
وحكايات
واجتهادات
وأحاديث
مشكوك فيها
وأساطير،
فانه راح يردد
كل ذلك بسذاجة
أخبارية،
ويدعو الشيعة
والمسلمين
للوقوع معه في
المأزق
الكبير.
ولأن
كتاب الشيخ
علي كان تكرارا
لما كتبه
آخرون،
فتعالوا نقرأ نتائج
بحثه في خاتمة
الكتاب، لنرَ
كيف يركب
المقدمات وكيف
يأخذ النتائج:
يقول:
1-
أن علماء أهل
السنة قد
أوجبوا على
كافة المسلمين
في جميع
الأعصار
والأمصار أن
ينصبوا لهم خليفة
واحداً لكل
المسلمين،
وأوجبوا
المبادرة إلى
ذلك من دون
تأخير أو
تهاون فيه.
2-
أنهم أوجبوا
أيضاً مبايعة
خليفة
المسلمين في
كل عصر، ولا
يحل لمسلم أن
يبيت ليلة
وليست في عنقه
بيعة، ومن مات
من غير بيعة
فميتته ميتة
جاهلية.
3-
أنهم اشترطوا
في إمام
المسلمين أن
يكون قرشيًّا
فقيهاً
مجتهداً
عادلاً غير
فاسق، واختلفوا
في خلع
الفاسق،
فمنهم من
أوجبه،
وأكثرهم على
منعه.
4-
أن المسلمين
اتفقوا على
أنه لا يجوز
نصب خليفتين
في عصر واحد،
بل يجب أن
يكون
للمسلمين إمام
واحد لجميع
الممالك
الإسلامية
وإن تباعدت،
وجاءت أحاديث
أهل السنة
ناصَّة على
أنه يجب على
الناس أن
يبايعوا
الخليفة الأول،
ويقتلوا
الخليفة
الآخر.
5-
أن أهل السنة
في هذا العصر
تحيَّروا
حيرة شديدة،
ولم يمتثلوا
ما دلَّت عليه
أحاديثهم الصحيحة،
ولم يعملوا
بأقوال
علمائهم في
هذا الشأن،
فصاروا
تائهين، لم
ينصبوا لهم
خليفة، مع
وجوبه عليهم،
وصارت بلادهم
متقسِّمة، يحكمها
سلاطين مختلفون
لم تتوفر فيهم
الصفات التي
اشترطوها في خليفة
المسلمين.
وبعد
أن يقدم هذه
المقدمات
الخمس يأتي
الى المقدمة
السادسة، وهي
إثبات وجود
إمام للمسلمين
في هذا العصر،
فيقول:"ان
الأدلة
الصحيحة قد
دلَّت على أن
إمام المسلمين
في هذا
العصر هو
الإمام
المهدي محمد
بن الحسن
العسكري عجل
الله فرجه ،
لأن نفي إمامته
( ع ) يستلزم
محاذير كثيرة
لا يمكن
التخلص منها".[2]
وقبل ان
يتطرق الى
تفاصيل
الأدلة التي
أشار اليها
سابقا يقول في
المقدمة:" ان
الإشكال الذي
كثر الطَّرْق
عليه
والتشنيع به
قد انصبَّ على
اعتقاد
الشيعة
بإمامة الإمام
المهدي محمد
بن الحسن
العسكري ( ع )
المولود في
سنة 255هـ،
وقولهم
باستمرار
حياته وإمامته
إلى هذا
العصر، فإن
أهل السنة
رأوا في هذا
المعتقد
دلالة على ضعف
الأفهام
وسخافة العقول،
فلا يمكن
التصديق
بإمامٍ قد
وُلِد قبل
حوالي ألف
ومائة وتسع
وستين سنة،
وهو لا يزال حيًّا
إلى يومنا هذا،
فإن العمر
الطبيعي لا
يبلغ إلى هذا
الحد بأي حال
من الأحوال".
ويرد على أهل
السنة
بالقول:"مع أن
أهل السنة قد
شنَّعوا بهذا
على الشيعة الإمامية،
إلا أنهم لم
يجيبوا على
كثير من الأسئلة
التي كانت ولا
تزال تدور حول
مسألة إمام المسلمين
في هذا العصر،
فإن هذه
المسألة مع أهميتها
قد سكت عنها
علماء أهل
السنة، ولم يخوضوا
فيها، بل
عتَّموا
عليها، حتى
صار السُّنِّي
لا يهتدي فيها
إلى شيء صحيح".
وسواء
سكت
السنة عن
الإجابة عن مسألة
الامامة، أم
أجابوا،
ومهما
أجابوا، فان
سؤال الشيخ آل
محسن: (من هو
الخليفة في
هذا العصر؟)
يحتاج الى
جواب مستقل
اعتمادا على
أدلة خاصة،
فما هي تلك
الأدلة ؟
ان
استدلال
الشيخ علي آل
محسن يقوم ،كما
قلنا آنفا،
على مجموعة
مقالات تتلخص
في ضرورة وجوب
نصب الامام في
الفكر السني
والشيعي. واذا
سلمنا بهذه
الضرورة،
فانها يمكن أن
تتم بأية صورة،
أو يشترط فيها
أي شرط مثل
العلم
والعدالة
والكفاءة،
كما كانت تقول
النظرية
السياسية
الاسلامية في
العصور
الأولى، قبل
ولادة الفرق
الاسلامية
الشيعية
والسنية،
ويمكن أن تتم
عملية نصب
الامام من
الله ، كما
تقول النظرية
الامامية.
واذا كانت
النظرية
الأولى تواجه
مشاكل
تطبيقية أو
تفصيلية،
فانها نظرية
لا تزال عملية
حيث يمكن
للمسلمين
الاجتماع على
إمام واحد، أو
انتخابه
بصورة أو
بأخرى، ولكن
النظرية
الامامية
واجهت منذ
أكثر من ألف
عام مشكلة
فقدان الامام
المعصوم
المعين من قبل
الله، وأصبحت
منذ أواسط
القرن الثالث
نظرية خيالية
غير واقعية ،
حتى مع القول
بولادة
الامام الثاني
عشر وغيبته،
ولذلك تخلى
عنها الشيعة
الامامية
أنفسهم
وبادروا
مؤخرا
لاختيار أئمتهم
وإقامة دولهم.
وهو ما يؤكد
عقم نظرية
الامامة وصحة
نظرية الشورى،
النظرية
الوحيدة
القابلة
للتطبيق اليوم.
ولكن
الشيخ علي آل
محسن وأتباع
النظرية
الامامية
الاثني عشرية
لا يزالون
يرفضون
الاعتراف
بالواقع،
ويصرون على
الشروط
المثالية
(العصمة
والنص) التي
يشترطونها في
الامام،
والتي أدت بهم
الى افتراض وجود
الامام
الثاني عشر،
بعد وفاة
الامام الحسن
العسكري دون
خلف ظاهر.
ومن هنا
تصدى الشيخ آل
محسن للرد على
كتابي: "تطور
الفكر
السياسي الشيعي
من الشورى الى
ولاية
الفقيه"
والذي أثبت
فيه انقراض
نظرية
الامامة
ووصولها الى طريق
مسدود
واضطرارها
الى افتراض
وجود الامام
الثاني عشر
الغائب، الذي
لم يولد أبدا.
وحاول الشيخ
أن يثبت ذلك
بما يلي فقال:"ادَّعى
شخص أسمى نفسه
( أحمد الكاتب )
في بعض
القنوات الفضائية
أنه لم يجد
دليلاً
تاريخياً
واحداً يدل
على ولادة
الإمام
المهدي محمد
بن الحسن العسكري
عجل الله
فرجة، ومراده
بالدليل التاريخي
هو الروايات
الصحيحة التي
تُثبت الولادة
وإن كانت
مروية في كتب
الشيعة
المعتبرة،
متغافلاً عن
سائر الأدلة
العقلية
وغيرها، التي تحتم
ولادته
ووجوده ( ع )،
وزعم أنه
تحدَّى علماء
الشيعة في
ذلك، ولم يحصل
منهم على
جواب.
ومع أنه
مُدَّعٍ كاذب،
فهو عامي
صِرْف لا
معرفة له
بتمحيص
الروايات
والأدلة
النقلية،
ونحن سنثبت
فساد زعمه لئلا
ينخدع بكلامه
بعض العوام
الذين قد
يغترون
بتمويهاته،
فنقول:
أولاً:
أنه يجب الأخذ
في إثبات
ولادة الإمام
المهدي (ع) بكل
دليل تام
صحيح، ولا
معنى
للاقتصار على الدليل
التاريخي
فقط، لأن كل
دليل صحيح يجب
التسليم به،
ولا أولوية
للدليل التاريخي
على غيره من
الأدلة،
وصاحب الزمان قد
ثبتت ولادته
بأدلة
متنوِّعة
كثيرة صحيحة،
وهذا كافٍ لمن
كان له قلب أو
ألقى السمع
وهو شهيد.
ثانياً:
أن الأدلة
الأخرى إما
أدلة عقلية
قطعية، أو أدلة
مركبة من
الدليل
العقلي
والدليل
النقلي، وهذه
الأدلة أهم من
الدليل
التاريخي
الذي قد يناقَش
فيه، لأنه مع
ثبوت الدليل
العقلي
القطعي لا
يُحتاج إلى
الدليل التاريخي
الظني.
ثالثاً:
أن ثبوت ولادة
أي شخص لا يُحتاج
فيه إلى دليل
تاريخي قطعي،
وإلا لما استطعنا
أن نثبت ولادة
كثير من
الشخصيات
المعروفة في
التاريخ، فإن ولاداتهم
لم تثبت بدليل
تاريخي قطعي
متواتر.
رابعاً:
أن ثبوت
الولادات في
عموم الأشخاص
يُرجَع فيه إلى
والد الشخص
نفسه، فإذا
ثبت عنه
برواية واحدة
صحيحة أنه قد
اعترف بأنه قد
وُلد له
مولود،
فحينئذ لا بد
من تصديقه
والإقرار له
به، وسيأتي أن
الإمام
العسكري قد أقرَّ
بأنه وُلد له
الخلَف من
بعده.
خامساً:
أنه يكفي في
حصول الجزم
بولادته ( ع )
إخبار جملة
كبيرة من العلماء
والصلحاء
والمؤمنين
أنهم رأوه في
وقائع كثيرة
وحوادث عديدة
مختلفة، حتى
جمع الشيخ الميرزا
النوري الطبرسي
في كتابه (جنة
المأوى في ذكر
من فاز بلقاء
الحجة) تسع
وخمسين حادثة
عمَّن رأوا
الإمام
المهدي ( ع )،
وهذا الكتاب
مطبوع في ذيل
المجلد
الثالث
والخمسين من
كتاب بحار
الأنوار.
وقد
اعترف برؤيته
أيضاً بعض
علماء أهل
السنة كما
مرَّ نقله عن
الشيخ عبد
الوهاب
الشعراني في
كتابه
(اليواقيت
والجواهر). فهل
يجوز لمنصف أن
يكذِّب كل
هؤلاء جملة
واحدة، ولا
سيما أن من
جملتهم بعض علماء
أهل السنة
الذين لا
يُتَّهمون
بالتواطؤ مع
الشيعة في هذه
المسألة". [3]
ونلاحظ هنا
أن الشيخ علي
آل محسن، قد تهرب
في البداية من
الاعتماد على
الدليل التاريخي،
وقال:" يجب
الأخذ في
إثبات ولادة
الإمام
المهدي (ع) بكل
دليل تام
صحيح، ولا
معنى للاقتصار
على الدليل
التاريخي فقط" واعترف
بأن الدليل
التاريخي دليل
ظني قد يُناقَش
فيه، ولذلك
التجأ الى ما
أسماه الدليل
العقلي
القطعي أو
المركب من
العقلي
والنقلي. وفي
الحقيقة انه
لم يتطرق أبدا
الى الدليل
التاريخي
الذي يحتوي
على قصص أو
إشاعات عن
مولد ابن
الحسن العسكري،
لأنه ربما
يدرك ضعف تلك الحكايات
الأسطورية
غير المسندة
والتي لا يعرف
قائلها،
وبالتالي لا
يمكن
الاعتماد
عليها. ومن
هنا قال:"إن
ثبوت ولادة أي
شخص لا يُحتاج
فيه إلى دليل
تاريخي قطعي،
وإلا لما استطعنا
أن نثبت ولادة
كثير من
الشخصيات
المعروفة في
التاريخ، فإن ولاداتهم
لم تثبت بدليل
تاريخي قطعي
متواتر".
ولقد
أخطأ هنا
بصورة مضاعفة
، عندما غالط
نفسه بنفي
الحاجة
لإثبات ولاة
إنسان الى
الدليل
التاريخي
القطعي،
وعندما
استشهد بعدم
الاستطاعة في
إثبات ولادة
كثير من الشخصيات
المعروفة في
التاريخ،
وأخطأ مرة
ثالثة عندما
قال: ان
ولاداتهم لم
تثبت بدليل
قطعي متواتر.
إذ ان الشيخ
تلاعب بمعنى
التواتر،
والتواتر
يعني ورود
الخبر من جهات
مختلفة تؤدي
الى اليقين
بوجود شيء أو
شخص ما، كزيد
أو عمرو من الناس،
ولا يوجد
شخصية معروفة
في التاريخ لم
يثبت وجودها
بغير
التواتر،
والا أصبحت
شخصية مجهولة
مشكوك في
وجودها. ثم ان
وجود الشخصيات
المعروفة أو
غير المعروفة
في التاريخ
دليل كاف على
حقيقتها ولا
نحتاج الى
الحديث عن تفاصيل
ولادتها
وظروفها، فان
الشخص يثبت
نفسه، وهو أمر
يختلف تماما
عن الحديث عن
شخص أسطوري
مجهول وغامض
لم يظهر له أي
أثر عبر أكثر
من ألف عام،
وهذا ما
يدفعنا
للتحقيق في
الروايات
التي تتحدث عن
وجوده، وطلب
الدليل
التاريخي،
والسؤال عن
اسم أمه ويوم
ولادته
وتفاصيل حياته،
وهي
المعلومات
التي لم نحصل
عليها بطريقة
علمية في شأن
ولادة ووجود
ابن الحسن العسكري،
أما الأدلة
القطعية
العقلية
والنقلية ،
التي يتحدث
عنها الشيخ آل
محسن ،وتحدث
عنها قبله كثيرون،
فهي أدلة
فلسفية نظرية
ظنية لا يمكن أن
تثبت وجود
انسان في
الخارج بصورة
قطعية، وانما
عن طريق الظن
والتخمين
والافتراض.
وذلك لأن
نظرية
الامامة أو
الاثني عشرية
يمكن ان تنطبق
على أشخاص
آخرين غير
(الامام الثاني
عشر محمد بن
الحسن
العسكري) مثل
جعفر بن علي
الهادي ، أو
الامام زيد بن
علي، أو أي
إمام من أئمة
الشيعة
الاسماعيلية،
ولا يمكن لنظرية
الامامة
الالهية أن
تنتج
بالضرورة انسانا
معينا، لم
يعترف به أبوه
في حياته، ولم
يظهر له أي
أثر عبر
التاريخ. وما
قيل ويقال عن
رؤيته
واللقاء به
قديما وحديثا
ما هو الا
إشاعات واهية
لم يسندها أي
دليل.
واذا
كان الشيخ علي
آل محسن نفسه
يعترف بأن
الدليل التاريخي
ظني ويمكن أن
يُناقش فيه،
فكيف حصل له
الجزم الذي
ادعاه بعد ذلك
من تلك القصص التي
رواها بعض
الحشوية
المتأخرين
بلا دليل؟ خاصة
وانه لم يقم
بدراسة تلك
الروايات ولا
التحقيق فيها
ومعرفة
سندها، أو
ملاحظة
التناقض
الكبير الذي
يوجد بينها،
مما يدل على
اختلاقها في
وقت متأخر،
وقد بحثنا كل
تلك الروايات
بصورة مفصلة
في كتابنا،
فلماذا أغمض
عينيه عن ذلك؟
وبعد أن
ألغى الشيخ
علي آل محسن
أهمية الدليل
التاريخي
وعجز عن
الاستشهاد به
بصورة علمية،
لجأ الى
الدليل
الثالث، وهو
ما يسمى بالدليل
الروائي
(النقلي) الذي
يحتوي على مجموعة
روايات تنسب
الى رسول الله
(ص) أو الى الأئمة
السابقين،
وتتحدث عن
(الامام
الثاني عشر). وقد
خلط الشيخ علي
هنا مرة أخرى
بين هذا الدليل
والدليل
التاريخي،
فقال:"إن
الأدلة
الروائية التي
أسماها أحمد
الكاتب أدلة
تاريخية تدل
على ولادته ( ع )"
في حين أني لم
أسمها بذلك،
وانما فرقت
بينها وبين
الدليل
التاريخي
الذي عنيت به
الرؤية
والمشاهدة
القطعية للوليد،
وعلي أي حال
فقد ذكر الشيخ
علي مجموعة
روايات تتحدث
عن أن المهدي
هو التاسع من
ولد الإمام
الحسين ( ع ) ثم
قال :"إن هذه
الرواية
صحيحة السند،
وهي دالة
بوضوح على أن
المهدي هو
التاسع من ولد
الحسين ( ع )،
ولا تاسع من
ولد الحسين ( ع )
صالح للإمامة
إلا الإمام
المهدي محمد
بن الحسن
العسكري ( ع )".
ونقول
له: أولاً: ما
هو دليلك على
صحة السند؟ ثم
إنك تقوم
بعملية
افتراض، لا
دليل عليها،
ثانيا، ولا
تحصل على أية
نتيجة من هذا
الكلام، ثالثاً،
إذ لم يثبت
وجود ولد
للامام
العسكري، ولم
يظهر أي إمام
معصوم منذ
وفاة العسكري.
وما
فائدة
الروايات،
حتى اذا كانت
مليون رواية
و"صحيحة" على
زعمك، اذا
كانت كلها تتحدث
في الهواء، لا
تقدم للأمة
إماما من الله
يقودها ويبني
دولتها؟
وتترك الشيعة
والمسلمين حيارى
بلا إمام، أو
تدفعهم
لانتخاب
إمامهم بأنفسهم؟.
ان
مشكلة الشيخ
آل محسن
والاثني
عشرية عموما،
أنهم يصدقون
الروايات
التي ذكرها ما يسمى
بالنواب
الأربعة
الخاصين
وحواشيهم
الذين ادعوا
وجود الولد والنيابة
الخاصة عنه،
ويعتمدون
عليها دون تفكير
أو مناقشة أو
تحقيق،
واعتبار
الفئة التي
قالت بوجود
الولد، في عصر
الحيرة، في
قمة التقوى
والورع
والصدق والاخلاص،
في حين يفترض
بأي إنسان أن
يقف على الحياد
وينظر الى قصة
وفاة الامام
العسكري دون
خلف في تلك
الظروف
الغامضة،
وانشقاق
الشيعة الى
أربعة عشر
فرقة، ويحاول
التأكد من
دعوى أي فريق،
خاصة مع عدم
وجود أي أثر
لذلك الولد المدعى
أو المفترض.
فكيف اذا تبين
أن أعظم وأقوى
دليل على
وجوده ليس الا
افتراضا
فلسفيا قائما
على نظرية
الامامة،
التي كانت
ستنهار بصورة
كاملة وتنقرض
لو لم يتم
افتراض وجود
إمام غائب؟
وفي
الحقيقة ان
نظرية
الامامة انقرضت
وانتهت، ولم
تبق حية الا
في خيال من آمن
بوجود الولد
وظل ينتظره
منذ ذلك الحين
الى الآن.
ورغم كل
ما جاء به
الشيخ علي من
روايات فانه لم
يستطع أن يشير
باصبعه الى
وجود الامام
في الخارج،
وانما
الافتراض
و"الحكم"
بولادته
ووجوده، حيث
قال:"من
كل ما تقدم نرى
أنه لا مناص
من الحكم
بولادة
الإمام محمد
بن الحسن
العسكري ( ع )
بحسب دلالة
الروايات
الصحيحة التي
ذكرنا بعضاً
منها، وأن
إنكاره مكابرة
واضحة ممن
يعتقد
بروايات أهل
البيت ( ع ) المروية
في كتب الحديث
المعروفة عند
الشيعة كالكافي
والتهذيب
والاستبصار
ومن لا يحضره
الفقيه
وغيره، ويسلك
الطريقة
المعروفة في تصحيح
الأحاديث كما
زعم أحمد
الكاتب في
كلامه".[4]
وهذا ما
يؤكد تجاهل
الشيخ علي آل
محسن حالة
الشك
الطبيعية
والمعقولة
والشرعية التي
أعقبت وفاة
الامام
العسكري دون
خلف ظاهر، والتقليد
الأعمى
لمؤسسي
المذهب
الاثني عشري
وتقديسهم
أكثر من
اللازم، مع
أنهم اعترفوا
بعدم وجود
أدلة تاريخية
علمية قطعية
على ولادة بان
للامام
العسكري،
وانهم لم
يقولوا ما
قالوا الا
افتراضا وظنا
وتخمينا، وقد
أيد الشيخ علي
ذلك أيضا
عندما اعترف
بأن الدليل
التاريخي ظني
ويمكن أن
يناقش فيه،
مما يدل على
ان القول
بوجود الامام
الثاني عشر
ليس الا فرضية
فلسفية لا
حقيقة خارجية
لها.
وان هذا
القول لم ينبع
الا من ظروف
الحيرة
والأزمة
الفكرية التي
وقع فيها
الشيعة الامامية
بعد وفاة
الامام
العسكري دون
أن يشير الى
من يخلفه في
الامامة،
ودون أن يتحدث
عن وجود ولد
له لا في السر
ولا في العلن.
وتظهر
ملامح تلك
الحيرة
والأزمة الفكرية،
في مقال آخر
للشيخ علي آل
محسن يقول فيه:"إنا
إذا لم نقل
بولادة
الإمام
المهدي عليه
السلام فإنه
تلزم محاذير
كثيرة
لا يمكن
التفصِّي
منها، مثل خلو
هذا العصر وما
قبله من
الأعصار من
إمام صالح للإمامة،
وخلو هذا
العصر من إمام
من العترة
الطاهرة، ووقوع
كل المسلمين
في الإثم لعدم
بيعتهم لإمام
في هذا العصر...
وغير ذلك من المحاذير
الكثيرة التي
لا يمكن التسليم
بها. وإنا إذا
لم نقل بولادة
المهدي عليه
السلام
وبقائه، فلا
يكون أي مصداق
في هذا العصر
لحديث
الثقلين، وهو قوله
صلى الله
عليه وآله
وسلم: (إني
تارك فيكم
الثقلين: كتاب
الله وعترتي
أهل بيتي، ما
إن تمسكتم
بهما فلن
تضلوا بعدي
أبداً،
وإنهما لن
يفترقا حتى
يردا علي
الحوض،
فانظروا كيف
تخلفوني
فيهما). وإذا
لم يكن الإمام
المهدي عليه
السلام
موجوداً فلا
إمام
من العترة
الطاهرة يصلح
للتمسك به،
فلا يكون لهذا
الحديث أي معنى
في عصرنا، فيكون
باطلاً، وهذا
لا يمكن القول
به، فإن جمعاً
من علماء أهل
السنة
استفادوا من
الحديث
ـ كما هو
الصحيح ـ وجود
متأهِّل من
أهل البيت
يصلح للإمامة
إلى أن تقوم
الساعة،
وإلا لافترق
الكتاب عن
العترة، وهذا
ما نفاه
الحديث. وإنَّا
إذا لم نقل
بولادة
الإمام
المهدي ووجوده
فلا بد
من القول بأن
كل المسلمين
في عصرنا وفي
العصور
السابقة
لعصرنا
ميتتهم ميتة
جاهلية،
لقوله صلى
الله عليه
وآله: (مَنْ
مات وليس في
عنقه بيعة
فميتته ميتة
جاهلية).[5]
وبدلا
من أن يعترف
الشيخ علي آل
محسن بالواقع
الذي يؤكد عدم
وجود إمام معصوم
منذ أكثر من
ألف عام، على
الأقل، والذي
دفع الشيعة
بعد انتظار
طويل الى
البحث عن امام
جديد، فانه
يغالط نفسه
ويصر على
افتراض وجود
ذلك الامام في
عالم الخيال
والأساطير،
ويحاول أن
يرسم له
أعمالا أخرى
غير الامامة مثل
مهمة الاسعاف
الفوري على
مستوى العالم
لمن تلم به
نائبة أو تحل
به مصيبة. أو
حفظ الدنيا من
الزوال.
وطبعا
فان دعواه هذه
أيضا قائمة
على الظن
والتخمين،
ولا أساس لها
من الواقع،
ولكنه ما ذا
يفعل وقد وقع
في ورطة
افتراض ذلك
الامام،
واعتقد أنه
موجود. وعندما
واجه سؤالا عن
الحكمة وراء
غيبة الامام
إذا كان الله
قد عينه
لقيادة
المسلمين
وإقامة
الدولة الاسلامية،
لم يجد الشيخ
علي آل محسن
جوابا الا بإحالة
الأمر على
الله
والادعاء بأن
وراء الغيبة
حكمة لا
يعرفها الا
الله تعالى:"إنَّا
إذا عوَّلنا
على حكمة الله
سبحانه، فلا
بد من وجهٍ
حسن في جميع
ذلك وإن
جهلناه
بعينه، وبذلك نسد
الباب على
مخالفينا في
سؤالاتهم،
إلا أنّا
نتبرّع
بإيراد
جوابات تلك
المسائل على
سبيل
الاستظهار
وبيان
الاقتدار:أن
الإمام ( ع )
ينتفع به
الناس وإن كان
غائباً، فغيبته
لا تمنع من أن
تكون له منافع
مهمة وفوائد
جليلة غير ما
يتعلق بتبليغ
الأحكام
الشرعية، مثل
رفع العذاب عن
الناس، لأن
الإمام من أهل
البيت (ع ) أمان
لأهل الأرض من
العذاب كما
ورد في حديث
جابر
الأنصاري ( رض )
عن النبي ( ص ) أنه
قال: النجوم
أمان لأهل
السماء، فإذا
ذهبتْ أتاها
ما يوعدون،
وأنا أمان لأصحابي
ما كنتُ، فإذا
ذهبتُ أتاهم
ما يوعدون،
وأهل بيتي أمان
لأمتي، فإذا
ذهب أهل بيتي
أتاهم ما
يوعدون.ومع أن
كل وظائف
الإمام ( ع ) في
زمان الغيبة
لا نعلمها ولا
نحيط بها، إلا
أن كثيراً من
الشيعة الذين
وقعوا في مآزق
وخطوب
وبلايا،
لقيهم الإمام
( ع ) فخلّصهم من
محنهم،
وأعانهم في
شدَّتهم".
وأخيرا
يقول:"إن
الإمام ( ع ) ليس
بغائب عنّا،
بل نحن لا
نعرفه بشخصه،
ولا نميِّزه
عن غيره".
غير إن
قوله هذا لا
يقدم ولا
يؤخر، ولا يغير
من الحقيقة
شيئا، وهي ان
الشيعة وعامة
المسلمين ليس
لهم اليوم
إمام معين من
الله، يمكنهم
الالتفاف
حوله ومبايعته
خليفة لهم،
ولذلك وجب
عليهم
المبادرة لانتخاب
من يشاءون من
الرجال
العدول
الأكفاء الصالحين
أو العلماء
الورعين
ليكونوا أئمة معاصرين
لهم.
هل
يستطيع الشيخ
علي أن يقول
غير ذلك؟ الا
أن يلتزم
بنظرية
الانتظار
لذلك الامام
الغائب أو
اللاغائب ،
الى يوم
القيامة.