6 - سماحة العلامة أمير محمد الكاظمي القزويني حفظه الله، الكويت

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته …

سيدي الكريم ، لقد سررت بردكم العاجل على رسالتي حول الدعوة لبحث ومراجعة دراستي عن الامام المهدي ، وأشكركم على الكتب القيمة التي أرسلتموها معها..

   وقد ذكرني كتاب (شبهات حول الشيعة) الذي قرأته يافعا قبل أكثر من خمسة وعشرين عاما ، في أيام الحماس الهائل للدفاع عن الاسلام والتشيع في العراق في مواجهة المد الإلحادي والمعادي ، وقد اطلعت على كتاب (الامام المنتظر) الذي ألفتموه قبل حوالي أربعين عاما ، للرد على الشبهات الواردة حول وجود المهدي ، وقد واصلتم مسيرة العلم والجهاد ، وكان لي شرف اللقاء بكم عام 1968 في البصرة ، وكنت اعتبركم ولا أزال أستاذا  كبيرا للحركة الاسلامية والشيعية التي وفقني الله ان أكون جنديا صغيرا فيها منذ نعومة أظافري ، حيث كتبت  عدة كتب عن الامام الحسين (ع) والإمام الصادق (ع) والإمام السجاد (ع) والولاية والتشيع والسيدة فاطمة الزهراء وفكر أهل البيت عموما، منذ أكثر من عشرين عاما …

   ولم تكن الدراسة التي قمت بها في السنوات الماضية والتي شملت الامامة والمهدي والمرجعية الا عملا متواضعا في خدمة الاسلام ومدرسة أهل البيت (ع) وبالاعتماد على المصادر الشيعية القديمة فقط ،  واكتشفت خلالها وجود عدة تيارات فكرية في الحركة الشيعية المعاصرة لأهل البيت ، وعدة تيارات ولدت بعد رحيل الامام الحسن العسكري ، وحاولتا التعرف بدقة وعلمية وأمانة على خط أهل البيت بصورة ثابتة ومؤكدة بعيدا عن  تخر صات الغلاة وأباطيل المنحرفين ، وقد دعوت العلماء والمفكرين الشيعة وأساتذة الحركة الاسلامية الشيعية المعاصرة أمثالكم لإلقاء نظرة عليها قبل الطبع ومناقشة ما جاء فيه  أولا قبل ان تصبح بين أيدي العوام ، وأعلنت استعدادي لتعديل اية نقطة فيها أو إلغاء الدراسة  وإحراقها اذا ثبت لي خطأ المعلومات الواردة فيها ، أو طبع الردود في المقدمة اذا لم أقتنع بها ، وذلك إنصافا للحقيقة  وتحاشيا لخداع أحد ، ولكني مع الأسف الشديد لم أحظ منكم بكلمة رد شافية أو إبداء استعدادكم لإلقاء نظرة على دراستنا او المشاركة في مؤتمر لإبداء وجهة نظركم. وقد كانت رسالتكم الجوابية تلخيصا لكتابكم حول (الامام المنتظر) الذي يبدو انه تلخيص لكتاب (الشافي) او (تلخيص الشافي) وغيره من كتب الأقدمين .

   ولقد تحدثتم في رسالتكم الجوابية المختصرة عن عدد من الاجماعات بين صفوف الشيعة والمسلمين حول (المهدي) و (ولاية الفقيه). واسمحوا لي سيدي الكريم ان أقول لكم بتواضع: انها دعاوى غير علمية وغير صحيحة. فاذا كان المسلمون يتفقون على خروج مهدي في آخر الزمان ، فان ذلك لا يعني إجماعهم على ولادة (محمد بن الحسن العسكري). واذا كان الشيعة يجمعون على انه من أهل البيت ومن أولاد الحسين ، فانه لم يحدث ان أجمعوا على ولادته بعد وفاة أبيه ، حيث انقسموا الى أربعة عشر فرقة ، ووقعوا في حيرة شديدة ، ويمكنكم مراجعة كتاب (فرق الشيعة ) للنوبختي ، و (المقالات والفرق) لسعد بن عبد الله الأشعري القمي  و(الفصول المختارة ، والإرشاد ) للمفيد و (إكمال الدين ) للصدوق ، و(الغيبة) للنعماني و (الغيبة) للطوسي ، وغيرها من الكتب التي تحاول تفنيد آراء الفرق الشيعية الأخرى حول المهدي ووجوده.

   واذا كان الشيعة الامامية الاثنا عشرية يجمعون على ولادته ووجوده ، فان إجماعهم – حسب علم الأصول – غير حجة ، لأن الإجماع المتقدم المقارب لعصر المعصوم هو الحجة لديهم فقط ، وهذا لا يوجد ، وقد ناقشنا ذلك مفصلا في الكتاب.

   وكذلك موضوع ولاية الفقيه ، الذي يشكل انقلابا على فكر الامامة الالهية واشتراط العصمة والنص في الامام ، لم يكن يوما موضوعا مجمعا عليه بين الشيعة.

  ان كثيرا مما يطرحه بعض الفقهاء والمتكلمين من آراء ويقدمونه للناس على انه : " حكم الله ، أو دين الله" ما هو في الحقيقة الا من بنات أفكارهم ، وربما كان بعيدا عن جدا عن القرآن الكريم والعقل ودين الله الحقيقي. ولذا أرجو من سماحتكم ان تقبلوا بوصف (النظريات) حتى لا نقول (البدع والأباطيل والأساطير ) لكثير من (العقائد والأحكام).

   وأرجو ان أجد لديكم الصدر الرحب لمناقشة أية فكرة بموضوعية واحترام وعدم تسرع لمن يرد بعض "المسلمات" بوصمه بسرعة بالردة والعمالة وخدمة الاستعمار وخدمة الوهابية ، وأنتم أجل من ذلك. خاصة انه لا يحق لأي أحد ان يعلن نفسه وصيا على الدين ، والا لسمحنا للطرف الآخر ان يمارس نفس الدور ويقوم بشن حرب إعلامية شرسة ضد كل من لا يوافق آراءه.. إذن فان المصلحة الاسلامية ، وروح الموضوعية التي يعلمنا إياها القرآن الكريم بقوله (وانا أو إياكم لعلى هدى او في ضلال مبين) تدفعنا لاحترام الرأي الآخر ، والتشكيك قليلا بموروثاتنا الثقافية التي لم ندرسها دراسة علمية ولم نجتهد فيها.  وان من المهم والضروري الدفاع عن الحق وعن الاسلام وعن خط أهل البيت (ع) ولكن من الأهم الرد العلمي الموضوعي غير المتعصب القائم على أسس منطقية وعلم الرجال وعلم الأصول ، والاستعداد النفسي لتقبل الحق .

   ومن هنا فاني – وأنا تلميذكم الصغير – أدعوكم مرة اخرى لإعادة النظر في الفكر الإمامي برمته ، وخصوصا موضوع الامام المهدي (محمد بن الحسن العسكري) وتوابعه من ولاية الفقيه ، ودراسة ذلك كما ندرس مسائل الطهارة والنجاسة والصلاة والصوم.

  واعتقد أنكم بما تتمتعون به من إخلاص وإيمان وعلم وسعة اطلاع ، من أقدر الناس على القيام بذلك ،واذا لم يكن لديكم الوقت الكافي فأنا أدعوكم لإلقاء نظرة على دراستنا (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه) والتي لا أبالغ اذا قلت انها قد قامت على أصول ثقافتنا وفكرنا الشيعي ومؤلفات مشايخ الطائفة من أمثال الأشعري القمي والنوبختي والكليني والصفار والبرقي والصدوقين والمفيد والطوسي والكراجكي والنعماني وغيرهم ، ثم إبداء وجهة نظركم القيمة حول الموضوع.

   واعتقد أنكم مسؤولون أمام الله تعالى اذا طبعت تلك الدراسة التي تنقض كثيرا من الأفكار السائدة اليوم في صفوف الاثني عشرية ، وكانت في علم الله غير صحيحة ، لأنكم لم تقوموا بواجب التصحيح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

  واذا كنتم قد اهتممتم بالرد على أوراق دعائية كتبها موسى الموسوي ، أو اهتممتم بالرد على ما كتبه الدكتور علي شريعتي ، وألف ولدكم كتابا في الرد على الموسوي ، فأنا أدعوكم أدعو جميع العلماء والمفكرين الذين يهمهم الدفاع عن خط أهل البيت ان يشاركوا في الحوار حول الموضوع ويناقشوا دراستي قبل الطبع.

 وأجد نفسي معذورا أمام الله بعد بذل أقصى جهودي لدراسة فكر أهل البيت عليهم السلام ودعوتي للعلماء والمفكرين جماعة ومنفردين ، سرا وجهارا ليلا ونهارا ، للحوار والمناقشة ، مع استعدادي للتصحيح والتعديل الآن وفي المستقبل.

 وأجد من واجبي الشرعي ومسئوليتي في خدمة الاسلام وخط أهل البيت ان أقوم بنشر ما توصلت اليه من أفكار ونتائج. وقد أعذر من أنذر.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 احمد الكاتب

لندن 16 رمضان 1413