مع السيد محمد الحسيني الشيرازي  في كتابه: (الامام المهدي)[1]:

 

الاجتهاد في العقيدة مقدمة ضرورية للاجتهاد في الفقه

 

    السيد الشيرازي مرجع ديني كبير ، عاش في كربلاء، ثم هاجر الى الكويت في السبعينات، ثم انتقل الى ايران بعد انتصار الثورة الاسلامية فيها، الى ان توفي سنة 20001 .[2]

  ونظرا للصداقة الطويلة التي كانت تربطنا، فقد كان من أوائل الناس الذين فاتحتهم حول نتائج دراستي حول الإمامة والمهدي، سنة 1990، وقد فاجأني عندما سألته فيما اذا كان قد درس الموضوع، بالنفي، مؤكدا مطالعته بعض الكتب حول الموضوع. وهذا ما دفعني لإرسال بحثي اليه بعد إكماله وكتابته، ومن أجل أن يقرأه بتمعن ويرد عليه بدقة، قبل أن انشره، فلعلي أعثر على بعض الأدلة الخافية عني، فأتوقف عن نشر الكتاب. ثم أرسلت له هذه الرسالة:

بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة المرجع الديني الكبير الامام السيد محمد الشيرازي دام ظله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأبقاكم لنصرة دينه الحنيف

سيدي الكريم

   لا شك أنكم تدركون أهمية موضوع التاريخ ، والتاريخ الاسلامي الشيعي بالذات ، وتشكيله جزءا من عقيدتنا حول أهل البيت (ع) وان هذه العقيدة التاريخية وما تحمله من نظرة الى أئمة أهل البيت تشكل مقدمة او قاعدة أساسية للفقه ، وان الاجتهاد في الفقه لا يمكن ان يتم بصورة صحيحة الا بعد الاجتهاد في العقيدة التاريخ وخاصة فيما يتعلق بنظرية الامامة الالهية لأهل البيت ووجود او عدم وجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري).

وكما تعرفون فقد تربينا على أيديكم منذ الصغر وآمنا بالمذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري ، وقد قمنا منذ  عدة سنوات بقراءة التاريخ الشيعي وأحاديث أهل البيت (ع) بدقة ووجدنا نوعا من الخلط بين تراثهم العظيم وبين أفكار الفلاسفة والمتكلمين والغلاة الذين كانوا يدعون تأييد الأئمة لهم أو  ينسبون أقوالهم الباطلة إليهم (عليهم السلام) من خلال اصطناع الأحاديث الكاذبة ووضعها على لسانهم.

وبالرغم من سهولة التمييز بين أحاديث أهل البيت (ع) وبين الأحاديث الموضوعة المنسوبة إليهم كذبا ، وذلك من خلال عرضها على القرآن الكريم وعلى الأحاديث الصحيحة الثابتة ، والتأكد منها من خلال دراسة سندها ومعرفة رجالها وامكانية التعرف على الكذابين والوضاعين والغلاة وإسقاط رواياتهم.. وكذلك من خلال المقارنة التاريخية. بالرغم من  ذلك فانه مع الأسف الشديد غلب التقليد على بعض علمائنا الذين تأثروا بالمتكلمين وآمنوا بأفكارهم الباطلة ، فاستساغوا الروايات الضعيفة الكاذبة ولم يأبهوا لضعف سندها وانحراف رواتها ، ولم يتعبوا أنفسهم كثيرا في دراسة تلك الروايات من جوانبها المختلفة تحت حجة انها ضرورية وبديهية ومسلمة، كما أغمضوا أعينهم عن قراءة التاريخ، وراحوا يشيحون بوجوههم عن الحقائق البارزة ويحاولون إنكارها او تأويلها او إهمالها.. وراحوا يصرون على التشبث بنظرياتهم الفلسفية البعيدة عن أهل البيت.

   ودأب بعض العلماء المجتهدين في الفقه والأصول والمقلدين في موضوع العقيدة والتاريخ على ادعاء" الاجتهاد المطلق" ومعرفة أسرار الدين ، فضلوا وأضلوا .

 وكانت ثقتي بكم – ولا تزال -  كبيرة في ان تولوا التاريخ الشيعي العقائدي أهمية كبرى في مسيرتكم الاجتهادية وتقوموا بدراسة الروايات وتصفيتها من  الدخيلة والضعيفة والموضوعة ، ثم تقارنوا بين الأحداث التاريخية وتفسروها تفسيرا علميا صحيحا ، بلا تأويل تعسفي ولا إنكار أولي..

   واعتقد ان المشكلة الكبرى التي تحول دون التوصل الى اجتهاد سليم واستنتاجات دقيقة هو التشبث بالنظرية التقليدية الموروثة منذ تكوّن الفرقة الاثني عشرية في القرن الرابع الهجري ، والتصديق بالأحاديث التي وضعت ذلك الحين على لسان الرسول الأعظم والأئمة من أهل البيت في أن الأئمة اثنا عشر وهم فلان وفلان ، كما ورد مثلا في: ( كتاب سليم بن قيس الهلالي) الموضوع ، الذي ظهر في ذلك العصر.. ولو قمنا أولا بدراسة أحاديث " الاثني عشرية" وتحققنا منها  واحدا واحدا ، وهي تبلغ حوالي مائتي رواية، ذكرها الخزاز في (كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر ) لوجدنا انها جميعا روايات ضعيفة ومكذوبة ولم يكن لها أثر قبل ذلك الحين ،   ولأدركنا عدم صحة ذكر النبي للأئمة القادمين من بعده بأسمائهم وصفاتهم واحدا بعد الآخر ..[3]

   ولو راجعنا كتب الكلام الشيعية المؤلفة في القرنين الثاني والثالث الهجريين لوجدنا انها لم تكن تعرف نظرية تحديد الامامة في اثني عشر اماما فقط ، بل كانت تعتقد باستمرار الامامة الى يوم القيامة، وكذلك لو راجعنا الروايات الكثيرة السابقة المروية عن الشيعة الامامية في القرون الثلاثة الأولى لوجدنا انها ايضا تؤكد استمرار الامامة في الأعقاب واعقاب الأعقاب الى يوم القيامة ، و هذا ما يتنافى مع تحديدهم من  قبل في اثني عشر واحدا فقط..

  وان ما يؤكد هذه الحقيقة: ( حقيقة عدم تحديد أسماء الأئمة من قبل ) وتكوين النظرية الاثني عشرية في القرن الرابع ، هو عدم معرفة الأئمة بالضبط لأسماء خلفائهم ، كما حدث مع الامام الصادق (ع) الذي أوصى في البداية الى ابنه إسماعيل ، ثم أحجم عن الوصية بالإمامة الى أي أحد من أولاده وترك الأمر  غامضا ولحين الوفاة ، مما أدى الى تفرق الشيعة الامامية وقول معظمهم – ما عدا الإسماعيلية  والناووسية – بإمامة ابنه الأكبر عبد الله الأفطح ، وربما لو كان يكتب لعبد الله الحياة الطويلة من بعد الصادق او كان له أولاد ، لسارت النظرية الامامية في أعقابه وأعقاب أعقابه الى يوم القيامة بعيدا عن الامام موسى بن جعفر ، كما سارت في إسماعيل وابنائه .

وقد أدى عدم معرفة الأئمة لخلفائهم من قبل  ، الى ظهور نظرية (البداء) – حتى على حسب التفسير القائل : بالظهور من الله – وذلك لتفسير ظاهرة الوصية لرجل ثم العدول عنه بعد موته ، وقد تكررت الظاهرة مع الامام الهادي (ع) الذي أوصى الى ابنه السيد محمد ، ثم عدل عنه الى ابنه الحسن العسكري ، بعد وفاة أخيه مبكر ، ولو كان ثمة قائمة مسبقة بأسماء الأئمة  معروفة من قبل ومنذ أيام الرسول  الأعظم (ص) لصعب جدا على أبناء الأئمة وإخوانهم ادعاء الامامة دون المعينين المعروفين ، ولَبَعُدَ جدا اختلاف الشيعة يمينا وشمالا ، ووقوعهم في حيرة وغموض.. ولما كان هناك أي داع للسؤال من أي إمام عن الخليفة من بعده والإلحاح عليه بشدة في طلب الجواب ،  ورفض الأئمة الجواب عادة الا بالعلامات والإشارات  والمواصفات كقولهم: انها في الأكبر  ، مثلا ، ولما مات تلامذة عظام للأئمة كزرارة بن أعين ، وهم لا يعلمون من هو إمام الزمان.

   ولا يمكن ان نفسر ادعاء محمد بن الحنفية وزيد ومحمد بن عبد الله بن الحسن ،  وأحمد بن موسى بن جعفر ، وجميع أبناء الأئمة وإخوانهم وأبناء عمومتهم للإمامة في القرون الثلاثة الأولى ،  بالعناد واتباع الهوى والشهوات ومخالفة أوامر الله والرسول وإهمال القائمة المحددة من قبل بأسماء الأئمة الاثني عشر .. وهم كانوا على درجة كبيرة من التقوى والورع والصلاح والجهاد في سبيل الله.

  وأخيرا فان عدم ظهور الامام الثاني عشر وعدم وجود أدلة كافية وقوية وصحيحة عليه ينسف حكاية "الاثني عشرية" ويعيدنا الى الوراء للتساؤل في ما  اذا كانت نظرية الامامة الالهية هي حقا نظرية الأئمة من أهل البيت عليهم السلام؟ أم هي من صنع الفلاسفة والغلاة والمتكلمين؟

 ومن المعروف ان نظرية الامامة الالهية ترتكز على فلسفة (العصمة) وضرورة اشتراطها في الامام ، أي الحاكم والرئيس والمنفذ للشريعة الاسلامية ، وذلك بناء على القول في الإطلاق لولاة الأمر في الخير والشر والحق والباطل ، حسبما يقول المتكلمون ، وخاصة هشام بن الحكم الذي ابتدأ القول بالعصمة .

   وهذا ما يسميه المتكلمون : بالدليل العقلي ، وهو في الحقيقة ليس دليلا عقليا بحتا وليس دليلا فطريا ، وانما يقوم على تأويل نص معين ، والقول بالإطلاق ورفض النسبية في الطاعة الواردة في الآية الكريمة ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) وعلى  أية حال فقد قال المتكلمون الذين آمنوا باشتراط العصمة في الامام بضرورة تعيينه من قبل الله بعد ان قالوا بعجز الأمة عن اكتشاف الامام المعصوم وعدم إمكانية الشورى لأن تكون طريقا شرعيا لانتخاب الامام ، وضرورة حصر الامامة في أهل البيت وانتقالها بالوراثة في ذرية علي والحسين الى يوم القيامة.

وقد أوَّل المتكلمون واختلقوا روايات تفيد النصب من الرسول للامام علي بن ابي طالب (ع) ثم حصروا الامامة في أولاد الحسين دون أولاد الحسن ، بلا أي دليل مقنع..

ثم وقعوا في مشكلة التعرف على الامام بعد الامام  ، خاصة اذا لم يكن يوجد عليه نص واضح ، كما لم يكن يوجد أي نص من الحسين على ابنه علي زين العابدين ، فاخترعوا نظرية (المعجزة)  كطريق لاثبات إمامة هذا او ذاك ، وادعى الغلاة نزول الوحي والملائكة على الأئمة والتحدث معهم ، وقالوا بنظرية (الجفر والنكت والنقر  وعمود النور والإلهام ) وما الى ذلك ، وبالرغم من تناقض ذلك مع القرآن الكريم في أكثر من موضع ، من حيث ادعاء علم الغيب الذي لا يعلمه الله ولم يعلمه الا بعض رسله ، وفي بعض الأمور فقط ( ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير).

   واذا ابتعدنا عن نظريات الفلاسفة والمتكلمين  والغلاة ، واستطعنا ان نكشف كذب رواياتهم وزيفها ، وعدنا الى أهل البيت (ع) والى أحاديثهم المتواترة الثابتة في أمهات كتبنا ، والتي تنفي العصمة عنهم وترفض الغلو وتحذر المتكلمين من  (الكلام) ولم نؤولها تعسفا وعنادا ، لوجدنا انهم أقرب الى نظرية الشورى القرآنية العقلائية وانهم كانوا يؤكدون على ضرورة انتخاب الامام من قبل الأمة ويلعنون من يقوم باغتصاب الامة أمرها ويتولونها من غير مشورة ..

ويكفي لترجيح نظرية الشورى والايمان بوهمية نظرية النص مرور أكثر  من الف عام من تاريخ الأمة الاسلامية مع عدم وجود إمام ظاهر  معين من قبل الله  وعدم وجود حل آخر سوى نظرية الشورى، عمليا ، وربما ستمضي مئات او آلاف  او ملايين السنين الى يوم القيامة مع عدم ظهور مصداق واحد من مصاديق نظرية النص .. وهذا ما يدعونا الى التفكير بجدية واعادة النظر مرة اخرى في عقائدنا الموروثة  التقليدية ويدفعنا للاجتهاد في قراءة التاريخ  والعقائد على أساس القرآن الكريم والعقل والأحاديث الصحيحة الثابتة.

ومن هنا فاني اعتقد أنكم تتفقون معي في الرأي على ضرورة إطلاق لقب ( المجتهد) على من يجتهد في العقائد والتاريخ ، قبل ان يجتهد في اللغة والأصول والفقه ، دون من يقتصر على الاجتهاد في المراحل السطحية الأخيرة التي تتأثر سلبا أو إيجابيا بالمراحل الاولى الأساسية ، وان إعادة بناء الحضارة الاسلامية من جديد يتطلب القيام بعملية اجتهاد كبرى أساسية وجذرية في العقائد والأصول الأساسية.

كما أرى ان سماحتكم الكريمة بما  عرف عنكم من جد واجتهاد وذكاء ، أقدر الناس على القيام بذلك. وفقكم الله ورعاكم وأسألكم الدعاء. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ولدكم : أحمد الكاتب

لندن في 3  رجب 1414

 

 

 

  ومضت أكثر من خمس سنوات على إرسالي الكتاب والرسالة، دون جواب، حتى قدمت مطابع بيروت كتابا بقلم سماحة المرجع الديني الأعلى الامام السيد محمد الحسيني الشيرازي، تحت عنوان (الامام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف) صادرا عن مؤسسة المجتبى للتحقيق والنشر، بيروت، سنة 1999

  وجاء في مقدمة الكتاب:"الإمام المهدي (عج) نور له حقيقته الكونية، والمقام التكويني العظيم، فبيمنه ترزق المخلوقات بأسرها، هذا بالاضافة الى مقامه التشريعي وانه حجة الله على الأرض، فكما أن للشمس مكانتها الكونية، ولذا اذا لم تكن لساخت الأرض، كذلك الامام المهدي المنتظر (ع).. ولولاه لساخت الشمس أيضا، حيث ورد أن بوجوده (ع) ثبتت الأرض والسماء، مع أن الشمس مادية فحسب والامام المهدي مادي معنوي معا، فوجوده في غيبته لطف لا يستغنى عنه.

   والبشرية تنتظر ظهوره لكي يملأ الأرض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا، ولا بد من يوم يظهر.. وحينئذ تتبدل الأرض غير الأرض، فلا هي كالأرض الحالية ولا هي كالجنة..".

   وبعد أن أعطى هذا الدور الخيالي الأسطوري للإمام المهدي، دون أن يقدم أي دليل على مزاعمه أو يستشهد بأي آية من القرآن الكريم أو أي حديث ولو ضعيف، قام بتسجيل عنوان جديد في كتابه هو (ولادة الامام (ع) واسمه المبارك) وذكر مجموعة من القصص التي رواها الأولون مثل الصدوق والطوسي والمفيد حول ولادة "الامام المهدي" دون أن يحقق فيها أو يذكر رواتها أو يعلق على الانتقادات التي وجهتُها للكتب والمؤلفين والرواة، أبداً، ولو بنصف كلمة، وانما قال هكذا:" كانت ولادة الامام المهدي في سامراء في اليوم الخامس عشر من شهر شعبان سنة 255هـ . واسمه الشريف وكنيته المباركة نفس اسم رسول الله وكنيته كما ورد في الحديث. وقالوا" لا يجوز ذكر اسمه في زمن الغيبة، لكن هذا الكلام غير متيقن..". وفي عنوان آخر مشابه (قصة الولادة المباركة) قال: "قال بشر: أتاني كافور الخادم فقال: مولانا أبو الحسن علي بن محمد العسكري يدعوك اليه" ثم نقل عن كتاب إكمال الدين للصدوق، قصة شراء الجارية الرومية (مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم) التي رأت في المنام النبي عيسى عليه السلام  وشمعون وعدة من الحواريين، والنبي محمد صلى الله عليه وآله، والامام علي وعدد من أبنائه، وخطبة النبي محمد لها من النبي عيسى للزواج من ابنه الحسن العسكري، ثم رؤيتها للسيدة فاطمة الزهراء مع مريم ابنة عمران ودعوتها الى الاسلام. "فلما كان في الليلة القابلة رأيت أبا محمد وكأني أقول له: جفوتني يا حبيبي بعد ان أتلفت نفسي في معالجة حبك" ورؤيتها للامام العسكري كل ليلة في المنام، الى أن ذهبت مع الجيش الرومي لقتال المسلمين ووقوعها في الأسر، وبيعها في سوق النخاسة ببغداد، وشرائها من قبل الامام الهادي.

   والغريب ان السيد الشيرازي الذي لم يبذل أقل جهد في التحقيق والتفكير في هذه الأسطورة المضحكة، لم يتجشم عناء ذكر مصادر هذه القصة ورواتها، الا ما نبه عليه من نقلها عن كتاب (غيبة الطوسي). وكأن ما ورد في هذا الكتاب أو الكتب الأخرى هو وحي منزل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

  وهكذا وبنفس الأسلوب نقل رواية أخرى عن (إكمال الدين للصدوق) عن شهادة حكيمة لمولد (الامام المهدي) فقال:" عن حكيمة (عليها السلام) أنها قالت: كانت لي جارية يقال لها نرجس...". وذكر قصة رؤية الامام الحسن العسكري لها وطلبها منها ثم حملها دون علمها، وعدم ظهور أي أثر عليها.. الى أن ينقل عن لسان حكيمة:قالت: غيبت عني نرجس، فلم أرها كأنه ضرب بيني وبينها حجاب...فرجعت فلم ألبث أن كشف الحجاب الذي كان بيني وبينها، وإذا أنا بها وعليها من أثر النور ما غشي بصري، وإذا أنا بالصبي ساجدا على وجهه، جاثيا على ركبتيه، رافعا سبابتيه نحو السماء وهو يقول: (أشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، وأن جدي محمدا رسول الله، وان ابي امير المؤمنين، ثم عدد اماما اماما الى ان بلغ الى نفسه، فقال: اللهم انجز لي وعدي، وأتمم لي أمري، وثبت وطأتي، واملا الأرض بي عدلا وقسطا)".

   ثم يسرد الشيرازي في الصفحات التالي مجموعة من القصص الأسطورية التي يخجل الكتاب المعاصرون من ذكرها، لما فيها من أساطير عجيبة وغريبة، مثل ولادته من فخذ أمه الأيمن وليس من رحمها، وسطوع نور هائل عند ولادته وبلوغه أفق السماء، وتحليق طيور بيضاء ومسح أجنحتها على رأسه، وتسليمه على أبيه، وأخذه من قبل أحد الطيور الى جو السماء، وعودته بعد أربعين يوما وهو صبي يمشي ابن سنتين، ونموه خلال أيام قصيرة بهيئة رجل كبير.

   وربما كان كتاب الشيرازي ملخصا سيئا ومشوها لكتب الصدوق والمفيد والطوسي عن الامام المهدي، وأضعف منها بكثير، لأنه حذف ما يوجد فيها من أسانيد ضعيفة، ولم يعلق عليها بشيء. ولم يذكر الدليل الفلسفي (الاعتباري) الذي أوردوه في مجال الاستدلال على الموضوع، والذي قالوا أنه أقوى الأدلة المتوفرة.

   وعندما وقع بصري على كتاب الشيرازي، الذي جاء فيما يبدو ردا على كتابي، قلت انه لا يتناسب أبدا مع الذكاء الذي يتمتع  به المرجع الكبير،  فهو اما اعتراف بالعجز، وانه ربما كتبه في محاولة للتبرؤ مني، نحت الضغوط الإيرانية التي اتهمته بعلاقة معينة معي، أو انه يحاول التأكيد على ما توصلت اليه، من خلال الرد الضعيف، والضعيف جدا. والا فان كل من اطلع على الكتاب استغرب من اسلوب الشيرازي في البحث، والذي لا يتناسب مع طالب مبتديء، فكيف بمجتهد أو مرجع تقليد. خصوصا وان بين يديه كتاب شامل يرد كل تلك الروايات، ولا بد أن اطلع عليه قبل ان يتعب أنامله في الرد.

الشيرازي والتنظير للمنهج الحشوي

 

   ومن المفيد هنا التعرف على نظرية الشيرازي الأصولية وموقفه من  المنهج الاخباري الحشوي، الذي أدى به الى التعامل مع قضية عقدية أصولية كقضية وجود الامام الثاني عشر ، بهذه الصورة الحشوية الفريدة.[4]

   ان السيد محمد الشيرازي، وخلافا للفقهاء الأصوليين ، يؤمن بحجية الظن ، ويلتزم بحجية الخبر الواحد ، ويقبل حتى الخبر الضعيف اذا كان مشهورا.[5]  ويعتمد على الشهرة في الروايات والفتاوى ، ويرى انها تجبر الروايات الضعيفة وتكسر الروايات الصحيحة ، ويعتقد : أن "المشهور" وان كان ضعيف الطريق ، أولى بالعمل لدى العقلاء من غير المشهور القوي الطريق  الضعيف العمل به ، مما يصطلح عليه بانكسار الرواية بسبب الشهرة .[6]  ويقول:" ان الشهرة بمعنى كثرة نقل الرواية في قبال أخرى شاذة أو نادرة ، جابرة كاسرة ، للدليل فيهما ، على المشهور المنصور ، المؤيد من قبلنا".[7] وبناء على ذلك يفتح الشيرازي بابا واسعا على التراث الروائي الحشوي ، ويأخذ بالروايات الضعيفة "التي تلقاها الأصحاب بالقبول" بناء على رواية المشايخ الثلاثة (الكليني والصدوق والطوسي) لها مما يجعلها في نظره في أعلى الروايات " لأن الكليني والصدوق قد ضمنا حجية ما في كتابيهما "  .[8]

   وعلى رغم وجود مناقشة حادة بين فقهاء الشيعة حول وجود الإجماع ، وحجيته وكذلك الإجماع المنقول بخبر واحد ، فان الشيرازي يعتبر  الإجماع المحصل والمنقول حجة ، حتى اذا كان منقولاً  بخبر الواحد ، لأنه  إخبار عن قول المعصوم ، سواء كانت الدعوى مبنية على علم أو حدس برؤية الناقل للاجماع .[9]

   وهكذا يقبل دعوى التواتر ، من دون حاجة للتأكد من الأمر.[10]

    و يعتقد الشيرازي بالتسامح في أدلة السنن ، حسب المشهور ،  اعتمادا على بعض  الروايات  التي تقول : (من بلغه عن النبي (ص) شيء من الثواب فعمله كان له أجر ذلك ، وان كان رسول الله لم يقله) .[11] ومن هنا فانه يؤمن بحجية كتب الأدعية والزيارات والآداب ، ككتاب (حلية المتقين) و (مرآة الكمال) و ( مفاتيح الجنان) ونحوها مما أثبتت فيها الأخبار الواردة عن الأئمة ، بغض النظر عن ذكر السند ، اعتمادا على جريان السيرة على العمل بها.[12] ويؤمن أيضا بصحة رواية الطفل المميز  وجواز الاعتماد عليه ، خاصة اذا  روى بعد البلوغ ، وذلك اعتمادا على بناء العقلاء والسيرة .[13]

   و عموما فان الشيرازي يعتقد بأن الحجية في الرواية قد تكون من جهة تمامية السند  ، وقد تكون من جهة قوة المتن مما تكون دليلا على الورود عن الأئمة ، وان لم يكن قوي السند ، وقد تكون من جهة قوة المؤلف ، وان كانت خالية من السند ، وقد تكون من جهة القرائن الخارجية ، وقد تكون من جهة الشهرة المضمونية . وقد يتعامل مع الحديث المرسل كالتعامل مع الحجة من جهة التسامح في أدلة السنن.[14]  ولا مانع لديه من قبول الرواية حتى عن الجن .[15] 

    ومن هنا فقد قبل الشيرازي عشرات المصادر الضعيفة المشكوك في صحة نسبتها إلى مؤلفيها أو غير المسندة إليهم أو المليئة  بالروايات الموضوعة أو غير المعتمدة من قبل الفقهاء الأصوليين المحققين.

    وفي الوقت الذي اعتاد الفقهاء الأصوليون على التحقيق في روايات الكتب الأربعة (الكافي ومن لا يحضره الفقيه والتهذيب والاستبصار) التي تعتبر في قمة التراث الشيعي من حيث السند ، وإهمال وإسقاط أو  تضعيف الآلاف منها، فان الشيرازي تعامل مع الروايات الواردة في الكتب الأخرى الأضعف ، بروح عالية من الثقة والاعتماد ، وقلما شكك في رواية توجد فيها إلا ما ندر، وسلك منهجا قريبا جدا من المنهج الإخباري القديم الذي هجره حتى الأخباريين الذين راحوا يتأكدون من الأخبار قبل العمل بها، ويصنفون الروايات الى صحيح وضعيف وحسن. [16]

    وبغض النظر عن المناقشة في المباديء الأصولية والمنهج الأخباري الحشوي الذي يؤمن به السيد محمد الشيرازي ، فانه يجيز الالتزام بذلك المنهج وتلك المباديء التي تشكل مقدمة ضرورية لعملية الاجتهاد ، عن طريق التقليد ، ولا يوجب الاجتهاد فيها .[17]

  ومع انه  يستظهر حرمة التقليد في أصول الدين ، الا ان منهجه الأخباري يحول بينه وبين الاجتهاد الدقيق في المسائل الأصولية والعقائدية ويحوله الى "مقلد" للسابقين .[18]

   وقد كان لتلك النوافذ الواسعة - أو في الحقيقة : الأبواب الواسعة - التي فتحها الشيرازي على الأخبار أثر مهم على موقفه من قضية وجود (الامام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري) حيث تقبل كل الروايات والقصص الواردة حول الموضوع ، دون أي نقد أو تمحيص أو دراسة أو مراجعة أو تفكير. واعتبرها من الضروريات التي لا تحتاج الى دليل.[19]  ولذلك لم يستطيع التمييز بين الحقائق والأساطير الدخيلة في التراث الشيعي .