مع السيد إدريس الحسيني في كتابه: (من الشك الى الشك)[1]

 

الخلط بين النبوة والإمامة، والفصل بين الإمامة والخلافة

 

  ربما كان كتاب السيد إدريس الحسيني، وهو صحفي مغربي متشيع، كتابا متميزا من بين الكتب التي تصدت للرد على كتابي (تطور الفكر السياسي الشيعي) فهو يصدر من شخص متشيع حديثا، ولكنه يتهمني ليس بعدم معرفة المذهب الإمامي الآن، وانما بعدم معرفته سابقا، رغم أني نشأت في أحضان هذا المذهب ، وكتبت منذ السبعينات عدة كتب للدعوة اليه، وقمت بتشييع عدد من الاخوة السودانيين، وتأسيس حركة شيعية إمامية في السودان في أواسط الثمانينات.

   ومع أني أعتقد أني وصلت الى جوهر مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بعد إزاحة غبار الأساطير المتراكمة عليه، فانه يقول وبكل ثقة بأني انطلق في نقدي للفكر الإمامي من الجهل وعدم المعرفة. وبالطبع فانه يعني بذلك عدم التطابق مع الصورة التي يحملها عن نظرية الإمامة.

   يقول في مقدمة كتابه:"لئن كان الكاتب لم يفهم المغزى الفلسفي العميق وراء فكرة المهدي المنتظر، فتلك مشكلته، لأنه ظل طيلة هذه الفترة جاهلا بعقائده، حتى إذا شبَّ ضرب أخماسا بأسداس، فلو أنه بقي جاهلا مقلدا لكان ذلك خيرا له وأفضل من أن ينقلب باحثا ضالا. ان أولى تلك الأوهام التي وقع فيها الكاتب، أنه وضع الامام المهدي والوصية والامامة، نقيضا للشورى والديموقراطية. ولهذا انزلق عقله الضيق الى أن يضحي بإحدى المعتقدات لصالح الأخرى.. والكاتب كثيرا ما يسء فهم "الغيب" لذلك فإن جل انتقاداته في هذا الاتجاه، تكشف أن العقيدة الاسلامية بمنطلقها الأصيل لم تجد لها في ذهن الكاتب مستقراً". [2]

  ويضيف:"حتى وان ادعى الكاتب بأنه إمامي في الأصل، فقد كان من عامة الناس الذين ورثوا اعتقادا دون أن يفهموا فلسفته.. انه مجرد رد فعل عن معتقد غامض، وساذج عن الامامة، وليس رد فعل علمي عن عقيدة مدركة بفكر ونظر".[3]

  ونقول للسيد إدريس الحسيني، بأن مفهومنا للإمامة، يعني الحكم والخلافة والزعامة والرئاسة والإمارة، وما الى ذلك من معاني السلطة، التي احتاج اليها المسلمون بعد وفاة رسول الله (ص) واختتام النبوة وانقطاع الوحي، لتطبيق الشريعة الاسلامية، وهو ما دار حوله علم الكلام الشيعي والسني في القرون الأولى، واختلف الشيعة الإمامية عن غيرهم باشتراط العصمة والنص في الإمام، وعدم الاكتفاء بالعلم والعدالة والكفاءة. ولا معنى للإمامة غير هذا، الا ما ادعاه الغلاة والمتطرفون من الإمامية بأن الامامة كالنبوة أو امتداد لها، أو نيابة عن الله في إدارة الكون. (كما رأينا الوحيد الخراساني وتلميذيه العاملي وكمال الحيدري يعتقدون). أما عامة الشيعة الإمامية عبر التاريخ فلم يكن لهم مفهوم للإمامة سوى الخلافة والحكم والرئاسة. ولذلك قلنا بأن الغيبة تناقض الإمامة، وأن هذه النظرية وصلت الى طريق مسدود وانقرضت، وتخلى عنها الشيعة اليوم ليلتزموا بنظام الشورى أو ولاية الفقيه.

   وبدلا من أن يستوعب السيد إدريس الحسيني هذه التطورات، ويتجاوز النظريات التاريخية البائدة، فإنه يحاول أن يعلمنا نظرية الإمامة من جديد، وخاصة بعدما تحول الى "التشيع" (...) وبالخصوص بعد ما تخلينا نحن عن تلك النظرية المثالية الوهمية. فيقدم لنا تصورا جديدا مقتبسا من تراث الغلاة يخلط بين الامامة والنبوة، ويفصل بينها وبين معنى الخلافة. وإذ يقوم بذلك فانه يتهمنا بالفصل بين النبوة والإمامة، والخلط بين الامامة والخلافة! وبمحاولة تأسيس مذهب خاص في التشيع، على أنقاض الإمامة يسميه "بالديموقراطية الكاتبية".[4]   

 

     ويقول:"إن أكبر الأوهام التي أقام الكاتب عليها كافة مهاتراته، هو الخلط بين الإمامة ككفاءة والخلافة كحكومة زمنية خالصة. وهذا الوهم قديم في تاريخ الجدل الفكري والكلامي ما بين أنصار الإمامة وخصومها. بل هو صراع زاد من شحنته الإسراف والتجهيل والأجواء الطائفية والمذهبية التي جعلت خصوم الإمامية لا يبذلون أدنى جهد لتفهم جوهر الإمامة وفلسفتها، تلك الفلسفة التي تلخص لنا الإمامة كامتداد طبيعي للنبوة. أي ان الحاجة الى الامامة هي حاجة تشريعية أولاً وقبل كل شيء. فاذا كان الناس أحرارا في اختيار حكامهم حتى ولو أدى اختيارهم الى اطراح حكومة الامام، فان الكفاءة لا تدرك بالاختيار، فهي تماما كالنبوة، جملة من الصفات والشروط، ولا تثبت ولا تلغى بالاختيار. لقد وجهنا الخالق على نحو الارشاد الى أنه حيثما وجدت الكفاءة فعلى العاقل المكلف أن يختارها.

   ومن هنا نلاحظ أن كل الأفكار التي صاغها الكاتب أو بالأحرى اجترها من خصوم الإمامية، إنما كانت قائمة على أساس ذلك الخلط بين الامامة ككفاءة جوهرية راسخة في حقيقة الشخص، سواء حكم أو لم يحكم، وبين الحكومة الزمنية بما هي ثابتة بالاختيار.

  واذا كان المكلفون غير مكرهين على اختيار معين في دنياهم، فلا ينبغي أن ننسى بأن الجانب التكليفي من الاسلام يشغل ذمة أولئك الرافضين للإمامة "الكفاءة" لمجرد أنها لا تلبي مصالحهم الشخصية، فهم آثمون بإقصائهم الإمامة التي أناط المشرع بها بيان التشريع وتأويله، بعد أن اكتمل تنزيله، ويتطلب الأمر بهنا أن لا نكون متشرعين ولا مؤمنين حتى نستسيغ كون الشريعة متروكة لغير المعصومين في إدراك أحكامها الواقعية.

  إذن الإمامة هي جوهر النبوة ذاتها، انها حقيقة لها سندها في روح التصور الاسلامي لقضية التشريع واستمرارية بيانه، هذا اذا كان المطلوب أن تختار الأمة الشريعة الاسلامية حكما لها.

  ان مسألة الإمامة لم تنتظم كإشكالية كلامية، لعب التاريخ دورا كبيرا في تكاملها وتناسقها، بل هي مطلب ظهرت أهميته للوهلة الأولى بعد أن التحق صاحب الدعوة بالرفيق الأعلى".[5]

  ويستدل على كلامه بالقول:"ان حقيقة الإمامة تكمن في نقطة واحدة. ان الله تعالى يقول في كتابه الكريم: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) النحل 89، ولا أحد يملك أن يكشف عن كل ما في الكتاب، بل ولا أحد يستطيع أن يتحدث عن كل شيء من خلال القرآن.. ولا يملك ذلك الا الامام.. فهو الناطق عن القرآن، العالم بتأويله الراسخ في العلم، عدل القرآن، والثقل الأصغر".[6]

 

   ونظرا لفصل السيد الحسيني بين الامامة والخلافة، فانه لم يجد مانعا من قبول الأحاديث الواردة عن أهل الببيت والتي تتحدث عن الشورى:"نقول للكاتب: نعم، ان فكر أهل البيت السياسي لا يناقض الشورى وحق الاختيار، ولكن لا يعني ذلك أن دعمهم للشورى مناقض لحقيقة الإمامة والنص والشرعية. بل ان الامامة خارجة تخصصا عن اختصاص أو حق الشورى، ليس شرعا، بل تكوينا".[7]

  ويقول:" نعم، هناك نصوص تتحدث عن الامامة وأخرى عن الشورى. والأئمة لم يروا أي تناقض بين ذلك. ان الأئمة لم يتحدثوا عن أن الامامة تتحقق بالشورى، ولو كان الكاتب يقصد ذلك فهو متقول، فليأت بدليل. ان القول بالامامة لا يناقض القول بالشورى في مذهب أهل البيت. ولهذا نلاحظ أن سقوط خيار الإمامة في التاريخ الاسلامي، رافقه سقوط لخيار الشورى أيضا. ان الامامة والشورى معا كانا ضحية الخلافة والخلفاء منذ السقيفة. وانه لا وجود لأي نص لدى الامامية يناقض القول بالامامة". [8]

   وعندما يمر على موضوع تنازل الامام الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية، والذي يدل على كون الخلافة أمرا دنيويا وليس أمرا دينيا منصوصا عليه من الله، يحاول الحسيني أن يفصل بين الإمامة والخلافة، فيقول:"الامام الحسن لم يتنازل عن الإمامة وانما عن الخلافة الزمنية".[9]  ثم يقول:"من قال ان الحسن تنازل عنها؟ ومتى كان المرء قادرا على التنازل عن كفاءته؟ فهذا كمن يرى أن المشمش قابل للتنازل عن مشمشيته. فعل نفهم أن عليا تنازل عنها هو أيضا؟ ان عدم قبول الناس بحكم الامام أو النبي لا يعني سلب الامامة أو النبوة عنهما". ويضيف:"ان الكاتب يخلط هنا بين الامامة والخلافة الزمنية. وهو ما يؤكد لي أنه جاهل تماما بجوهر الامامة. ان تنازل الامام الحسن كان إكراها مثلما أكره الامام علي ، بل ومثلما أكره أنبياء كثيرون على الانسحاب والتراجع، وقتلوا وذبحوا.. ولم يكن ذلك ليلغي نبوتهم، فالنبوة كفاءة وملكة وكذلك الامامة. والأئمة لم يتنازلوا عنها، بل أكرهوا على الانسحاب". [10] "ان الامامة بغض النظر عن أهل البيت (عليهم السلام) هي لطف وضرورة ثابتة وراجحة بحكم العقل، والدين بلا إمامة لا حصن له عن الانمحاق". [11]

 

   ان السيد إدريس الحسيني ، كما قلنا، يلتزم بتصور معين عن الإمامة يقارب أو يشابه النبوة، ويحول أن يقرأ التاريخ على ضوئه، ولكنه عندما يمعن النظر في سيرة الامام علي بن أبي طالب، يجد أنه يخالف تصوراته،ولا يجد أثرا لها في ثقافة الجيل الاسلامي الأول، فيقول:"لقد أدرك علي أن الشورى في المهاجرين والأنصار من باب القوة والشوكة، فمن لم يعينه هؤلاء لا مجال أمامه كي يمضي بعيدا. كذلك كان موقفه بعد مقتل عثمان، بل ان تلك شهادة كبرى على أن الامام زهد في الخلافة حينما أدرك أن الظروف لا تسمح له بأكثر من ممارسته الخلافة السياسية، ولذا كان في قراره ما يذكر بأن زهد علي بن أبي طالب في الخلافة الزمنية، لا يعني أبدا زهده في الإمامة. وحيث أن البيعة التي تمت لعلي يومها، لم تأخذ بعين الاعتبار الحق الشرعي لإمامته، فقد كان بخيار أن يقبلها أو يتركها.

  ان الامام عليا فرض عليه بعدها أن يحكم بمنطق الخلافة وليس بمنطق الإمامة، والفرق بين المفهومين كبير جدا. انها خلافة إمام مرفوض الإمامة.

  ان الخلافة فعلا لم تعد تمثل شيئا بالنسبة لعلي بن أبي طالب، وكفى بذلك شاهدا على أن الأمر شهد انحرافا حقيقيا عن قدسية الخلافة وشرعيتها. والامام كان قد وقف موقفه ذاك يوم السقيفة، حرصا على كفاءته كإمام. أما وقد اغتصبت الامامة وغيبت، فان عليا لم يعد مصرا على خلافة سياسية، الا أن يقيم بها حقا أو يزيل بها باطلا.

  ثم لا زلت أتساءل بعد ذلك، كيف يذهب علي بن أبي طالب، الذي رفض الخلافة للأولين، فيعرضها على طلحة والزبير؟ وهو يدرك أن لا حق له في أن يسلمها لهما...

على أن كلام علي حتى في المثالين المذكورين ( الاحتجاج مع طلحة والزبير ومعاوية بتحقق بيعته) كان هادفا الى الزام أولئك الخصوم بالبيعة، أي الزامهم بما ألزموا به أنفسهم. لقد ادرك علي أن أمثال طلحة والزبير ومعاوية لم يؤمنوا بإمامته، فلم الاحتجاج عليهم بأمر لا يعتقدونه ولا يقرون له به؟ ولا يعقل أن يحتج علي على القوم بالإمامة، وهو يدرك أنه لم يبايع كإمام وانما كخليفة".[12]

 

   ولكن السيد إدريس الحسيني يرتبك عندما يواجه أحاديث أهل البيت الصحيحة التي تمزج بين مفهومي الامامة والخلافة أو الولاية، وتعتمد مبدأ الشورى ولا تشترط العصمة في الإمام، مثل حديث الامام علي:"انه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم وإمامة المسلمين، البخيل.. ولا الجافي.. ولا المرتشي.." حيث يحاول الحسيني أن يتلاعب بالألفاظ ويفسر معنى (العصمة) تفسيرا جديدا، فيقول:"ان حديث الامام عن الشورى لا يناقض العصمة".[13] وان "هذه الأخبار تدل على أن الامام ينبغي أن يتحلى بصفات لو اجتمعت في واحد لكان معصوما، إذ ما العصمة الا ذلك.ولماذا لا يحتمل أن يكون معنى الوالي هنا عماله وأمراؤه في البلدان؟ لماذا يصر الكاتب على أنها تعني شخص الامام، أي الإمام الأكبر". [14] مع ان نص الامام هنا صريح بالحديث عن "إمامة المسلمين".

 

  وبدلا من استنطاق التاريخ والتعرف على فكر أهل البيت، والنظر الى سيرتهم، فان الاستاذ الحسيني يقتبس تصوراته عن الإمامة من الغلاة، ويعتقد بأنها درجة تقارب النبوة وفوق السياسة، وأن طريقها النص وليس الشورى، ولذلك يهاجمني قائلا:"الكاتب ينظر الى الامامة باعتبارها مجرد خلافة زمنية أو رئاسة دولة. ونحن نقول له: نعم، لو كان الأمر كذلك، لكانت الشورى هي الطريق المسلكي لاختيار الخليفة. لكن هيهات أن تكون الامامة مجرد رئاسة دولة أو خلافة زمنية. وقد رأينا كيف أن أمير المؤمنين حينما استأصل المغتصبون حقه في الامامة الكاملة، زهد فيها واعتبر مجرد الخلافة الزمنية لا تكفي.

   إذن تلك شهادة أخرى على أن صاحبنا لا يفقه في أمر الامامة شيئا، وقد سبق وذكر أمير المؤمنين بأنه لا بد للناس من امام بر أو فاجر، فالأرض لا تخلو من ذلك على الاطلاق. لكن الامامة أمر مختلف تماما، انها تملأ ثغرة كبرى في دنيا الناس، الثغرة التي تحدث بوفاة الرسول (ص)... ان الرسول قال: ان موت العالم ثغرة في الاسلام لا يسدها الا عالم مثله، فاذا كان هذا ثابتا في حق عامة العلماء، فان ذهاب الرسول لهو أكبر ثغرة في الاسلام لا يسدها الا امام".[15]

   ولا يسعنا هنا أن نناقش السيد إدريس الحسيني في أدلته حول نظريته المغالية في الأمامة ، فوق السياسية، القريبة من النبوة، فهو يعترف في كتابه بأنه كتب ما كتب على وجه السرعة ، حيث يقول: "كانت تلك باختصار ملاحظات سريعة كتبت على عجل في خضم اطلاعنا على ما حفل به كتاب أحمد الكاتب من شبهات أكل الدهر عليها وشرب، نحن أعرف بها منه، وما كانت لتمنعنا من الوصول الى حقيقة الامامة الكبرى، أو بالاحرى الى جزء من سرها المكنون ليس الا". [16]

   ومع ذلك فهو يعتقد أن نظريته هذه تمثل الحق المطلق، وان أية قراءة أخرى مخالفة لها تمثل شبهات باطلة، وعندما نسأله أين مصاديق هذه النظرية ، بغض النظر عن صحتها؟ ولماذا توقفت منذ وفاة الامام الحادي عشر (الحسن العسكري) إذا كان يجب أن تستمر الى يوم القيامة؟ وسواء كان (الامام الثاني عشر) موجودا أم لا، ألا تشكل الغيبة تناقضا صارخا وعمليا مع هذه النظرية؟ بمعنى  هل لدينا منذ ألف عام من يقوم بمهام الإمامة الالهية؟ يجيبنا السيد الحسيني بالأجوبة التقليدية التي اعتاد الامامية  مواجهة تلك الأسئلة بها، وهي أنه لا تناقض بين ضرورة الامامة، والغيبة، وان الغيبة مسؤولية الأمة وليس الامام.

   وبدلا من أن يبحث حقيقة وجود الامام الثاني عشر، ليتأكد من خطأ نظريته المثالية الوهمية، فان الحسيني يقفز على هذه المسألة، ويحاول انقاذ النظرية العقيمة.

   يقول:" الغيبة تأجيل لدور الامام فرضته ظروف انعدام الأمن، وان الكاتب يتوهم حينما يخلط بين غياب الامام وعدم وجوده مطلقا، نعم ، الامامة مستمرة الى يوم القامة، وغياب الامام هو مصداق كبير على تلك الاستمرارية". [17] و"ان ادعاء الكاتب بأن الغيبة تناقض فلسفة الامامة صحيح لو كان الامام انما غاب لغرض الاستمتاع بغيبته، أما والظروف الأمنية لم تكن تسمح له وهو الذي يوكل بالقيام في الأرض، فان وجوده يومئذ وفي كل زمان لا يتوفر فيه أنصار له، يبقى خطرا على العالم. لم لا بد أن نوجه هذا السؤال الى الكاتب: هل غيبة النبي أو موته يناقض فلسفة النبوة".[18]"ومع ان كلاما كهذا يعيدنا الى اشكالية الخلط بين الامامة وقيادة الدولة، فاننا نلاحظ أن شيئا مهما يغيب عن ذهن الكاتب، فاذا كان غياب الامام يتناقض مع فلسفة الامامة ، فنحن نرى أن غيابه لا يناقضها بل يعطلها".[19] 

 

  وينسى الحسيني هنا ان الامامة تختلف عن النبوة، على الأقل في مسألة واحدة، وهي التعامل المباشر مع الناس بصورة مستمرة، وان النبوة مكرسة في القرآن الكريم، وقد ختمها الله بمحمد (صلى الله عليه وآله) وان الامامة، حسب الفرض ، حاجة مستمرة بعد النبوة الى يوم القيامة،  ولا تحتمل الغيبة أو التأجيل أو البعد عن الناس، سواء بسبب من الناس أو من الأئمة، ولذلك فقد انتقد الامام الرضا الواقفية الذين ادعوا غيبة والده موسى بن جعفر وقال لهم:"من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية.. إمام حي يعرفه، وقد قال رسول الله (ص) : من مات وليس له إمام يسمع له ويطيع مات ميتة جاهلية" وهو ما يتناقض مع غيبة الأئمة بأي شكل من الأشكال، على العكس من غيبة الأنبياء أو وفاتهم، بعد أداء رسالتهم.. ان الحسيني ينسى كل ذلك فيقول:" ان الكاتب هنا لا يأتي بما يناقض دليل الغيبة، بل بما يناقض ادعاءه، فهو يرى أن مهمة الامام هي هداية الناس وتنفيذ الأحكام..أقول: ما دام دور النبي (ص) هو هداية الناس، وتنفيذ الاحكام وإخراج الناس من الظلمات الى النور، فلماذا ينتهي دور الأنبياء إذن في دنيا الخلق؟ وهل فعلا خرج الناس من الظلمات، وهل خرجوا من الحيرة؟ اذن مثل ذلك تماما سؤال الكاتب: لماذا غاب الامام إذن؟ ..أقول: ان وجود الامام هو ايضا حجة تكليفية على من أقصوه".[20] و"يقول الكاتب: وقد رد الامام علي بن موسى الرضا على  الواقفية (... من مات وليس له امام حي يعرفه يسمع له ويطيع..) وهذا كلام امامي وليس هناك من ينكره، ونحن نقول: نعم لا بد أن يكون الامام حيا متعينا حتى يعرفه الناس بالطرق المتسالم عليها في معرفة الأنبياء والأوصياء، نعم المهدي حي يعرف، وهو غائب، وليس مجهولا أصلا. القضية أنه غائب، وفرق بين أن أقول لك: لا أدري من سيطرق علينا الباب غدا، وبين أن أقول : سوف يطرق علينا الباب غدا زيد من الناس، فالأول مجهول، والثاني معلوم، وكلاهما في محك الغيبة".[21]

  وهكذا يحل الحسيني مشكلة الغيبة، بالادعاء ان الامام الثاني عشر حي معروف! ويكاد يقول أيضا انه ليس بغائب "فان أمر الامام لم يخف عن كل الناس، بل هناك خاصة الخاصة وفي طليعتهم النواب الأربعة" .[22]

   ولم يقل لنا لماذا عاب الامام الرضا على شيعة أبيه (الواقفية) الذين كانوا يعتقدون أن الامام الكاظم حي ويعرفونه حق المعرفة؟ ولماذا استنكر عليهم القول بالغيبة؟ ورفض ادعاءاتهم الباطنية باستمرار حياة الكاظم خلافا للظاهر من وفاته؟

   ولو توقف السيد إدريس الحسيني هنا قليلا ، وتأمل حديث الامام الرضا، لأدرك بعمق خطورة المنهج الباطني الذي كان يسوق ما يشاء من النظريات ضد أئمة أهل البيت في حياتهم، واصطنع ما يشاء من نظريات وفرضيات أخرى بعد وفاتهم، تحت غطاء (التقية). ولعرف الفاصلة الكبيرة بين فكر أهل البيت، وأساطير الغلاة العجيبة والغريبة. ولأيقن بأن نظرية الإمامة لا علاقة لها بأهل البيت ولا علاقة لهم بها.

   ولكن السيد الحسيني يجمد عقله، ويؤجره للغلاة الباطنيين، ويأخذ على" الكاتب أنه يستنكر مقولة التقية في فهم الكثير من المعاني".[23]

  أجل ان مقولة التقية تعطل فهم كثير من الأمور، و ذلك بما تقوم به من قلب للأحداث والأقوال والأفعال. حيث يصبح الميت حيا والحي ميتا، والحق باطلا والباطل حقا، وأبرز مثال على ذلك هو موضوع وفاة الامام العسكري دون خلف، فلو قرأ الانسان التاريخ بصورة طبيعية، لأدرك مضي الامام الى ربه وقسمة إرثه بين أمه وأخيه، واستحالة نسبة ولد اليه لم يذكره في حياته، ولم يشر اليه في وصيته. ولكن عندما يرفض المرء التاريخ الظاهري، ويحاول أن يقلبه رأسا على عقب، فانه يسمح لخياله بالنشاط، ويجيز لنفسه افتراض ما يشاء، وهكذا قام الباطنيون بافتراض ولد للامام العسكري، وفسروا عدم التصريح به بوجود ظروف سرية أحاطت بولادته، ومع ان هذه الظروف غير صحيحة ولم تكن موجودة، فعلى فرض صحتها، لا يمكن أن توفر أدلة على ولادته. الا ان الذين أرادوا ان ينسجوا حكاية وجود الولد لينقذوا نظرية الإمامة من الانهيار، لم يترددوا بادعاء ما يشاءون دون أن يقدموا على مزاعمهم أي دليل.

  والغريب أن يأتي رجل بعد  أكثر من ألف عام ليصدقهم في كل ما يقولون! ويتحدث عن أساطيرهم وكأنها حقائق غير قابلة للجدال، ويصب لعناته على من يكفر بها.

  يقول السيد الحسيني بكل ثقة واطمئنان :"ان كتمان ولادة الامام (عج) وإحاطته بحزام من السرية، في لحظة جنّ فيها جنون السلطة في أن تضع يدها على المولود الخطير".[24] ويدعي وجود "مضايقات وحصار ضربته السلطة حول أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وقد كان خلفاء بني العباس يقيمون ألف حساب لهؤلاء الأئمة رغم موقفهم الصامت قبل أن يقيموا حسابا واحدا لكل الثورات المناهضة لهم في مختلف البلاد. وهذا انما يعني أن الخلفاء أدركوا أن خطر هؤلاء هو خطر استراتيجي، ما داموا يملكون برنامجا حقيقيا وجذريا". [25] وينتقد الكاتب لأنه "أقام كل أفكاره على التاريخ العام. ولو شئنا لقلنا التاريخ الرسمي. ونحن نقول له: ان المسألة كان يراد منها أن تحدث بعيدا عن عيون البلاط ومؤرخيه، فالذي يبحث عن الدقة في مثل هذه الأمور في التاريخ العام، هو لا شك مغالط. ومتى كان التاريخ الرسمي، الذي يقصده الكاتب يثبت كل شيء. واذا كانت الغيبة قابلة لأن يثبتها التاريخ الرسمي إذا لما كانت الحاجة اليها أصلا، ولما سميت غيبة. وكيف لحدث خاص مثل الغيبة محاط بهذا السياج الكبير من التقية أن ترصده عدسة المؤرخ العامي. فالقضايا الواضحة التي يدونها المؤرخ العامي هي تلك القضايا التي تكون واضحة في دنيا الناس. والغيبة كانت أمرا خاصا وسريا". [26]

  وبعد التزامه بالمنهج الباطني، ورفضه للتاريخ الرسمي العام، لم يجد الحسيني حاجة أو امكانية لبحث موضوع الروايات التاريخية السرية التي تحدثت عن ولادة (الامام الثاني عشر) إذ أنه يفترض أنها سرية غير قابلة للبحث، ولا يجد حرجا من التصديق بها بعيون مغمضة في ظلام السرية والكتمان.

  واذا كان ثمة أي مجال للتفكير فلا بد أن يفكر بالدليل العقلي (الافتراضي) و"ان الدليل العقلي لا يقوم على الفراغ، كما يحاول الكاتب هنا أن يثبت، بل هو دليل يقوم على أدلة نقلية ونصوص".[27] "ان أمر الغيبة هو أمر غيبي تم بكيفية غيبية. ولأنه غيبي، فان الموقف العقلي منه هو التسليم، ولا يعتبر ذلك عجزا في تفسير أسباب الغيبة. ان المسألة في حقيقتها غيبية فلا مجال للتعليل، وان كل ما فسروا به الغيبة انما يصلح من باب المقتضي وليس العلة التامة. فان حكمة الله وتدبيره مما لا تحيط به العقول الناقصة". [28]

 

   وعلى رغم شرعية الشك في هكذا ظروف س