مع
الشيخ
الدكتور فاضل
المالكي في كتابه
(الغيبة
الصغرى
والسفراء
الأربعة):
عدم
جواز سرية
القيادة،
والامام
العسكري أعلن
ميلاد ابنه!
تعرفت
على الشيخ
فاضل
المالكي، في
بداية السبعينات
في كربلاء،
ورأيت فيه
الأخلاق
الفاضلة
والعلم
والذكاء،
وتوسمت أن
يوفق الشيخ في
الجمع بين
العلوم
الدينية التي
كان قد بدأ في
دراستها،
وبين العلوم
الحديثة التي
كان يواصلها،
وقد نجح الشيخ
في الحصول على
درجة
الدكتوراه
والاجتهاد
فأصبح الشيخ
الدكتور
المالكي. ومن
هنا فان
مشاركته في
الندوات التي
أقامها مركز
الابحاث
العقائدية
التابع لمكتب السيد
السيستاني،
في قم ايران،
كان يفترض أن
تكون مشاركة
متميزة، وكان
يمكن – وربما
لا يزال- أن يوفق
لتقديم
المزيد في
المجال
الاسلامي. ومع
ان اختصاصه
الرئيسي
الخطابة
المنبرية، وهذه
تقتضي مجاراة
العامة في
الحديث، وعدم
التعمق في
الأبحاث
الأكاديمية
أو العلمية الاختصاصية
مثل الأصول
والدراية
والرجال، الا
ان تصديه
لإلقاء بحث في
ندوة علمية في
الحوزة
الدينية، كان
يفترض أن يحمل
طابعا خاصا أكاديميا
يرتفع فوق
مستوى العامة
والخطابة المنبرية.
ويبدو أن
الشيخ
المالكي حاول
ذلك قليلا،
ولكن الأجواء
الإرهابية
المخيمة على الحوزة،
والمهمة
التبليغية
التي انبرى
لها، وطبيعة
الموضوع المبحوث،
كانت عوامل
مشتركة أبعدته
عن تناول
موضوع
(الغيبة)
بصورة علمية،
ولذلك جاءت
محاضرته عن
(الغيبة)
بعيدة عن
أعمال
الدكاترة
والمجتهدين.حيث
لم يتوقف
ليدرس أو
يناقش أية
رواية من
ناحية السند،
أو يلاحظ التناقضات
الصارخة
التي تزخر بها
الروايات التي
تتحدث عن
(ولادة الامام
الثاني عشر
محمد بن الحسن
العسكري
وغيبته). ورغم
أنه حاول الجمع
بين الروايات
المتناقضة،
بصورة
تعسفية، الا
انه كان ذكيا
في طرح أسئلة
مهمة في
الموضوع.
ابتدأ الشيخ
الدكتور
المالكي،
حديثه عن الغيبة،
برواية عن
كتاب الغيبة
للطوسي ، عن
الامام جعفر
بن محمد
الصادق (عليه
السلام) يقول
فيها: "للقائم
غيبتان إحداهما
قصيرة
والاخرى
طويلة: فالأولى
يرجع فيها إلى
أهله يعلم بمكانه
فيها خاصّة من
شيعته، والأخرى
يظهر فيها ولا
يُدرى أين هو؟
يشهد الموسم
يرى الناس ولا
يرونه ولا
يعلم بمكانه
إلاّ مواليه
في دينه ويقال
فيها: هلك
في أي واد سلك".[1]
ودون أن
يناقش في سند
هذه الرواية،
وفيما اذا
كانت صحيحة
وصادرة فعلا
عن الامام الصادق،
أو مختلقة من
قبل الشيعة
الواقفية، الذين
كانوا يقولون
بغيبة الامام
موسى الكاظم،
ويعنون بالغيبة
الأولى دخوله
في السجن،
وبالثانية
:هربه من
السجن، وعدم
موته،
واستمرار
حياته الى وقت
الظهور. فان
الشيخ
المالكي سارع
لتطبيق هذه الرواية
على (ابن
العسكري)
بالرغم من
أنها لا تشير
الى اسم معين،
وذلك تبعا
لمؤسسي
المذهب الاثني
عشري (مشايخ
الطائفة:
الكليني
والصدوق
والمفيد
والطوسي)
الذين
استفادوا من
الرواية
(الواقفية)
السابقة
لتأييد
دعواهم في وجود
الامام
الثاني عشر
وغيبته.
وبالرغم من
عدم ثبوت
(الغيبتين) لا
للامام
الكاظم ولا
لولد العسكري،
المشكوك في
وجوده أساسا،
فان الشيخ الدكتور
المالكي أغفل
كل هذه
الملاحظات،
ودخل مباشرة
في الحديث،
فاعتبر حديث
الامام الصادق
حول
(الغيبتين):
"نوعا من
الإخبار
الغيبي قبل
مولد صاحب
الأمر، وانه جزء
من مخطّط
متكامل في
الشريعة
الاسلامية، بدأ
بالنبي
الاعظم (صلى
الله عليه
وآله وسلم) في
قضيّة
التبشير
والانباء
والاخبار عن
أصل قضية ظهور
صاحب الامر
(عليه السلام)
وغيبته ، وان العمليّة
عمليّة إعداد
للامّة لكي
تستقبل هذا
الامام
الثاني عشر ، صلوات
الله وسلامه
عليه، بما يحف
إمامته من
خصوصيات، ومن
أهم وأبرز هذه
الخصوصيات
قضية غيبته
(عليه السلام)".[2]
ويبدو ان
الشيخ
الدكتور
المالكي، كان
يحاضر
اعتمادا على
حافظته،
ولذلك اختلطت
عليه الأمور
جدا، بحيث
اعتبر (أبو
الأديان
البصري) أحد
نواب الامام
المهدي
الشخصيين في
فترة الغيبة
الصغرى، وهذا
ما لم يقله
أحد لا من قبل
ولا من بعد، وإنما
ورد في كتاب (إكمال
الدين)
للصدوق، أن
أبا الأديان
البصري كان
وكيلا للامام
العسكري،
الذي أرسله في
مهمة خاصة
قبيل وفاته ،
الى المدائن،
وأعطاه
مواصفات
الامام
القادم، وأخبره
بتصادف عودته
الى سامراء مع
وفاته (أي العسكري)
في نفس اليوم،
بعد أسبوعين.
وهذا الرجل
(أبو الأديان
البصري) رجل مختلق
موهوم ومجهول
(لا يعرف اسمه
ولا اسم ابيه
ولا عشيرته)
لم يعرفه أحد
ولم يشر الى
وجوده أي مؤرخ
. ولم يذكره
غير الصدوق،
الذي
قال انه أحد
خدم الامام
العسكري
وحامل كتبه ،
ورسوله الى الأمصار
وجامع أمواله.
وتتضمن
روايته دعوى
بعلم الامام
العسكري
غيبيا بموعد
وفاته بعد اسبوعين،
وبما سوف يحدث
عند تشييع
جنازته، رغم أن
الله تعالى
يقول:" وما
تدري نفس ماذا
تكسب غدا، وما
تدري نفس بأي
أرض تموت".
لقمان 34 وهو ما
يضعف الرواية
جدا جدا.
ولكن ماذا
يفعل آية الله
الدكتور المالكي،
وهو مضطر
للدفاع عن
فكرة الغيبة
ووجود الامام
الثاني عشر؟
وهل يملك غير
تلك الروايات
الأسطورية
للإعتماد
عليها وعرضها
على الجمهور؟
وبدلا من
البحث في
حقيقة هذه
الروايات
وفضحها، وقد
كتبت عنها
مفصلا في
الجزء الثاني
من كتابي تطور
الفكر
السياسي
الشيعي، فان المالكي
يقفز عن هذه
الأمور،
ويلهي نفسه
والمستمعين
والقراء ببحث
تفاصيل أخرى
غير مهمة. مثل: ما
معنى الغيبة؟
ومن أهل
الامام
الغائب الذين
يعود اليهم ؟
وهل يعلم
مواليه
بمكانه؟ وهل
يمكن أن يراه
أحد في ظل
الغيبة؟
ويؤكد:" في
الجملة،
هنالك
لقاءات، ولكن
هذه اللقاءات
إنّما هي حجة
على أصحابها، لأنه
في زمن الغيبة
الكبرى نعلم
أنّ الامام
سلام الله
عليه لم يعيّن
سفيراً خاصّاً،
فلا يسعنا
كلما جاءنا
شخص وقال: أنا
سفير الامام،
أنا رأيت
الامام، أن
نرتّب الاثر،
نعم لا يسعنا
أن نكذّبه،
خاصّة إذا كان
مؤمناً ظاهر
الايمان والعدالة،
لا نواجهه
بالكذب، ولكن
في نفس الوقت
لا يترتب أثر
شرعي على
دعواه أنّه
رأى الامام
سلام الله
عليه". ويعترف:"
أحياناً ربما
تقوم قرائن
على كذب بعض
المدّعين،
وما أكثر
المدّعين
للرؤية، سواء
في الغيبة
الصغرى أو في
الغيبة
الكبرى، كما
أن هنالك من
ادّعى
المهدويّة،
وهنالك من
ادّعى السفارة،
وهنالك من
ادّعى الرؤية".[3]
وخلال تقديم
الشيخ
المالكي لمداخلته،
ينتبه بأن بحث
تفاصيل
الغيبة،
متأخر عن بحث
إثبات وجود الغائب
وولادته،
فيقول:"هنالك
أبحاث سابقة
على هذا
البحث: من
قبيل مسألة
ولادته(عليه
السلام)،
والمفروض أن
الحديث عن
غيبته بعد أن
تحرز ولادته،
وأن يُحرز
وجوده، وأنّه
غائب وليس
بميّت ،
والنقطة
الثالثة هو
إحراز أنّ له سفراء
في هذه
الغيبة.وهنالك
أسئلة أخرى
ترتبط في
موضوع أصل
الغيبة وفي
أصل إمامته
أنّه كيف
يتولّى
الامامة في سن
مبكر". ولكنه
يقفز عليها
ويفترضها من
المسلَّمات،
ويقول:"كل هذه
الابحاث كما
لا يخفى تفترض
في حديثنا الآن،
بعنوان أصول
موضوعيّة
مسلّمة، لا
نتكلم عنها ونفترضها
أمور مسلّمة،
فمحط ركابنا
في واقع الأمر
هو عبارة عن
نفس الغيبة
الصغرى في
مفهومها،
وكذلك في
سفراء الامام
سلام الله
عليه في هذه
الغيبة،
وطريقة تماس
الامام سلام
الله عليه
بقواعده
الشعبية". [4]
وتلمع
في ذهن
الدكتور
المالكي، وهو
يقدم
مداخلته،
نقطة مهمة
أخرى، هي عدم
جواز السرية
في القيادة
الاسلامية،
وهذه نقطة
طالما أثارها
المالكي ضد بعض
الأحزاب
الاسلامية
العراقية
التي كانت تخفي
قيادته في
ظروف من
الكتمان في
أيام النضال ضد
الدكتاتورية
(الصدامية)
وكان المرجع
الديني
الراحل السيد
محسن الحكيم
قد أفتى بعدم
جواز اتباع
القيادات
السرية
المجهولة، في
الستينات من
القرن
العشرين.
وهكذا يقول
الشيخ الدكتور
فاضل المالكي:
"السريّة
ربما تكون في
العمل، أما
السرية في القيادة
لا وجود لها
في الاسلام،
ولهذا نجد أنّ
الائمة صلوات
الله عليهم
يصرّون في مختلف
مراحلهم ورغم
ظروف التقية
التي كانوا
يمرّون بها،
على قضية أن
ينص السابق
على اللاحق. نعم
ربما كان هذا
النص في ضمن
إطار تقية في
ضمن الخواص،
أما أن تكون
سريّة بتمام
المعنى فهذا
في واقع الامر
ليس من شؤون
الامامة، أو الحجة
بوجه عام نبوةً
أو إمامةً،
فاصرار
الائمة سلام
الله عليهم
على قضية أن
يشخص السابق
منهم اللاحق
ولو في أحلك
الفترات
وأدقّ
الظروف، هذا
الواقع متفرع
على قضية علنية
القيادة قدر
الامكان، لما
في سرية
القيادة من
مشكلات
مبسوطة في
محلّها له بحث
علمي آخر في
باب النظام
السياسي
الاسلامي".
وهنا وجد
المالكي نفسه
في مواجهة روايات
كثيرة تدعي
سرية الولادة
والوجود
للامام الثاني
عشر، فقال :"
إن الظروف
الخانقة
الارهابية
التي كان يمرّ
بها الامام
العسكري، دفعته
لكتمان أمر
الامام
المهدي من
حمله إلى
ولادته إلى نشأته
، فقد تم كتم حمله
بقضية كرامة
كما كتم حمل
أم موسى بموسى
(عليه السلام)
بالقصّة
المعروفة،
وهكذا ولادته
أيضاً ما كانت
بشكل علني،
إنّما كانت بتمام
الواقع
والحيطة
والحذر".
وأضاف:"انّ
الامام سلام
الله عليه في
الغيبة
الصغرى كان
ينهى عن
التسمية".
ولكنه استدرك
قائلاً: ان
ذلك في مجالات
التقية فقط،
لا في مطلق
المجالات، يعني
لا دليل عندنا
أنّ الامام
(عليه السلام)
نهى عن مطلق
التسمية، وإنّما
نهى عن
التسمية لغرض
الحفاظ عليه،
بدليل أنه إذا
وقع الاسم
مثلا دلّ على
المكان، هذا
قرينة، يعني
هو أشبه
بالواقع،
بيان العلّة
للنهي، فإذا
لم يلزم من
ذكر الاسم
الدلالة على
المكان فلا
إشكال،
باعتبار أنّ
القضية في
أوجها
والسلطة
العباسية
كانت تبحث عن
الامام سلام
الله عليه
وتحاول رصده
والقضاء عليه،
وجرت محاولات
عديدة
لاغتياله
(عليه السلام) وفشلت،
فلهذا الامام
كإجراء في تلك
الحالة وفي
تلك الظروف
كان ينهى عن
التسمية فيما
يرتبط
بالحفاظ عليه
وعدم الدلالة
على مكانه،
أما إذا لم
يلزم منه هذا
المحذور فلا
بأس بالتسمية،
فقد سمّاه
رسول الله
(صلى الله
عليه وآله وسلم)
ونص عليه
الأئمة
السابقون".[5]
وبما
أن الشيخ
الدكتور
المالكي كان
يميل مسبقا الى
رفض الرواية
السرية، فقد
مال الى
الرواية
العلنية، وقال"رغم
هذا الكتمان فان
الامام العسكري
سلام الله
عليه كان
حريصاً على
قضية إثبات
ولادته
ووجوده..لأننا
لمّا نتكلم عن
موضوع الغيبة
لابد أن نعرف
أنّ هذا
الغائب مولود
موجود. (ولذلك
فإن) أوّل
إجراء اتخذه
الامام
العسكري سلام
الله عليه
فيما تفيد
الروايات: أنّه
أكثر من
العقائق عن
الامام
المهدي (عليه
السلام)، وهذه
من خواصه أنه
لم يُعقَّ عن
مولود على
الاطلاق كما
عقّ عن الامام
صاحب الامر
(عليه
السلام)، حتّى
ورد في
رواياتنا: أنه
عُقّ عنه
ثلاثمائة
عقيقة. بل ان
الامام
العسكري (عليه
السلام) أمر عثمان
بن سعيد أن
يشتري كذا الف
رطل ـ الرطل
قرابة ثلث
كيلو غرام ـ
من اللحم
وممّا شاكل
ويوزّعه على
الفقراء،
والشيء
الملفت للنظر
أنّ الامام
نوَّعَ وعدَّد
الاماكن،
مثلاً كتب إلى
خواصّه في قم
أن يعقّوا وأن
يقولوا للناس
أن هذه
العقيقة
بمناسبة
ولادة
المولود
الجديد
للامام
العسكري (عليه
السلام) وأنّه
محمد، وهكذا
مثلاً كتب إلى
خواصه في
بغداد وفي
سامراء. هذه
عناية من
الامام سلام
الله عليه،
كثرة العقائق
وإخبار الناس
بمناسبة هذه
العقائق ومن
ذبحت عنه هذه
العقيقة
مثلاً، هذا
كلّه إجراء
أوّل أراد منه
الامام سلام
الله عليه
عملية إعلامية
بأنّ هذا
الامام
الثاني عشر
المنتظر
صلوات الله وسلامه
عليه قد ولد
وقد تشرفت
البشرية
والعالم
باشراق نور
وجهه المقدس".
وهذه
الرواية
بالطبع تناقض
الرواية السرية
تماما، بل
تنسفها نسفا،
ولا يمكن الجمع
بينهما أبدا،
خصوصا اذا
أضفنا الى ذلك
ما ذكره الشيخ
المالكي من "
أن الامام
العسكري (عليه
السلام) كان
يحضر مجاميع
من خواصّه
وشيعته
ويعرفهم على
ولده الامام
المهدي سلام
الله عليه".
يعتمد الشيخ
المالكي في
رأيه هذا ، على
مجموعة
روايات نقلها
الشيخ الصدوق
في (إكمال
الدين) والطوسي
في (الغيبة)
ويقول:"إذن فان
غيبة الامام
سلام الله
عليه في واقع
الامر، كانت
غيبة بعد ثبوت
مولد، وثبوت
وجود".[6]
ولكن
الدكتور
المالكي، لا
يستطيع أن يغفل
تماما
الرواية
الأخرى
السرية،
فيقول:"ان الغيبة
الصغرى بدأت
بمولده (عليه
السلام)، حيث
كان مولده
مبنيّاً على
الكتمان،
فكان الامام
سلام الله
عليه غائباً
منذ ذلك الحين
وإلى أن يظهر
للعيان بشكل علني
عام". ثم يعود
الى روايته
الأولى
فيقول:"إنّ
الامام سلام
الله عليه لم
يكن غائباً
بالمعنى
المتعارف منذ
ولادته، نعم
كان محفوظاً إلاّ
عن الخاصّة،
وكان هناك
تكتم على
اللقاء به على
الاجمال
بالنحو الذي
بيّناه
سابقاً، كانت
هناك
محدوديّة في
قضية رؤيته،
أما غيبة بتمام
المعنى
وبالمعنى
الذي نفهمه
بحسب الظاهر
من مولده لم
تشرع، وان
الامام سلام
الله عليه كان
يأتي إليه
مجاميع من
أصحابه
فيطلعهم
عليه،
فالغيبة إذن
لم تبدأ من
حين مولده ".[7] ويحاول
الشيخ
المالكي أن
يقدم نظرية
جديدة ثالثة
متوسطة في بدء
الغيبة،
فيقول:" انّ
غيبته بدأت
بعد مولده
بفترة، وأعلن
عن غيبته نفس والده
الامام
العسكري (عليه
السلام)".[8]
ولكن هذه
النظرية في
الحقيقة
تتناقض مع
الروايات
التي استند
اليها
المالكي في إثبات
ولادة ابن
الحسن
العسكري،
والتي كانت تتحدث
عن غيبته
مباشرة في أول
يوم من
ولادته، وعودته
صبيا بالغا أو
رجلا كبيرا،
كرواية حكيمة
وغيرها من
الروايات،
والتي كانت
إحداها تتضمن
نمو الوليد السريع
في الشهر بمثل
ما ينمو غيره
في السنة.[9]
ان
الرواية
العلنية، هي
إحدى الروايتين
المتناقضتين
حول الموضوع،
والتي انتشرت
في محاولة
لإثبات وجود
الولد للامام
العسكري، في
بعض الأوساط
البعيدة عن
سامراء،
وتحدثت أيضا
عن صلاة
(الامام
المهدي) على
جثمان أبيه
أمام الحشود،
وجلوسه في
داره
واستقباله
للوفود وأخذه
للأخماس
والزكوات،
وما الى ذلك.
وهي ليست سوى
اشاعة متأخرة
تخالف الثابت
المجمع عليه
بين مؤرخي
الشيعة مثل
النوبختي
وسعد بن الله
الأشعري
القمي
والمفيد
والطوسي والمرتضى
والنعماني
والطبري، من
عدم إعلان
الامام
العسكري عن وجود
ولد له،
ووصيته
بأمواله الى
أمه، وتفسير
المؤرخين
الشيعة لهذا
الموقف
بالخوف الشديد
من السلطة
العباسية.
فكيف يمكن أن
نجمع بين دعوى
الخوف
والتكتم
الشديد، الى درجة
إنكار الولد،
وبين الإعلان
وإقامة
الحفلات
(العقيقة) هنا
وهناك
ابتهاجا
بمولده؟ وكيف
نجمع بين سرية
الولادة
وإعجازها،
بحيث لم تعلم
بالحمل حتى أم
المهدي
المفترضة، حتى
ساعة
الولادة، كما
تقول رواية
حكيمة، وبين
ظهور الامام
وصلاته على
أبيه أمام
الشرطة
والوزراء والنواب
في عقر دار
الخلافة؟
ولو
كان الدكتور
الشيخ فاضل
المالكي،
يبذل جزءا
صغيرا من عقله
العلمي
الأكاديمي لينظر
في هذه
الروايات
المتناقضة ،
وأسنادها
المجهولة
والمرسلة
والمقطوعة،
لأدرك أنه يسبح
في عالم من
الخيال
والأساطير،
ولوفر على
نفسه عناء
الجمع بين هذه
الإشاعات.
ولو
عاد الشيخ
الدكتور
المالكي الى القوانين
الشرعية،
لوجدها ترفض
بشدة نسبة ولد
الى إنسان، من
دون معرفته،
هذا اذا كان
الولد حيا
ظاهرا
ملموسا، فكيف
بنسبة شبح
موهوم؟
وكما قال
المالكي، ان
القائد
الاسلامي يجب
ان يكون ظاهرا
علنيا
معروفا، ولا
يجوز أن يكون
سرا مجهولا،
فهل يستطيع أن
يدلنا على ذلك
الامام
المدعى؟
ولو
درس الشيخ
المالكي
تاريخ الشيعة السابق
خلال القرن
الثاني
الهجري، لوجد
قصة مشابهة،
هي قصة ادعاء
ولد مستور
للامام عبد الله
الأفطح، من
قبل بعض
الشيعة،
والتي رفضت من
عامتهم لأنها
قصة باطنية مخالفة
للظاهر من
وفاة الأفطح
دون خلف.
ولو
ألقى الدكتور
المالكي نظرة
عامة على قصة
ادعاء فريق من
أصحاب الامام
العسكري لوجود
ولد له في
السر، وعدم
امتلاكهم لأي
دليل سوى
الافتراض
الفلسفي،
وبعض
الاشاعات عن رؤيته
واللقاء به،
وعدم ظهوره
منذ ذلك الحين
والى اليوم،
في حين أن
الامام
المعين من قبل
الله لا يجوز عليه
الاختباء،
كما يقول
الامام علي بن
موسى الرضا
الذي واجه
الواقفية
الذين ادعوا
غيبة والده
الامام
الكاظم. لأدرك
أنه أمام قصة
أسطورية
محبكة لا أساس
لها من الصحة.
ولعرف ان "السفراء
الأربعة"
ليسوا سوى
جزءا من أدعياء
النيابة
الكذابين
الدجالين
الذين انتشروا
في تلك
الأيام،
وأخذوا
يستغلون
البسطاء من الشيعة
ويأخذون
أموالهم باسم
الامام المهدي.
ولكي يصل الى
هذه النتيجة،
على الشيخ المالكي
أن يضع جانبا،
ولو بصورة
مؤقتة، الصورة
المقدسة
لأدعياء
النيابة
ومشايخ الطائفة
الذين روجوا
لتلك
الأسطورة،
ويفترض
كذبهم، لأنه لن
يستطيع أن
يحقق في صدقهم
ويتأكد من
كلامهم وهو
يقدسهم ويثق
بكلامهم مائة
بالمائة.
ويبدو ان
الشيخ
المالكي قد
خطا خطوة على
هذا الطريق ،
عندما قال:"إن مسألة
السفراء من
المسائل
المهمّة في
واقع الامر،
يعني كيف نعرف
أنّ هذا الشخص
سفير عن
الامام سلام
الله عليه، لا
سيما وأنّنا
نعلم أن هنالك
من ادعى
السفارة كذباً
وزوراً، وهذا
باب واسع فتحه
جملة من العلماء،
وقد عقد مثلاً
الشيخ الطوسي أعلى
الله مقامه أو
الشيخ الصدوق
أو العلامة
المجلسي أعلى
الله مقامهم ،
فصولاً في
أسماء الذين
ادعوا
السفارة
كذباً
وزوراً،
والحال يقتضي أنّ
الوضع والكذب
وارد،
باعتبار أنّ
مقام السفارة
عن الامام
مقام مقدس
وعظيم أعظم
من مقام
المرجعية في
زماننا، فلا
يبعد أن
يتنافس عليه
الكثير وأن
يدّعيه
الكثير، فلابد
من مثبتات في
قضية السفارة
حتى نستطيع أن
نعرف الصادق
من الكاذب".[10]
"
وكان من
السفراء
الذين ادعوا
السفارة
كذباً وزوراً:
1 ـ
الهلالي أحمد
بن هلال
العبرتائي،
(منطقة من
بغداد
والكوت).
2 ـ
البلالي محمد
بن علي بن
بلال.
3 ـ
النميري محمد
بن نصير
النميري.
4 ـ
الحسين بن
منصور الحلاج
الصوفي
المعروف، الذي
قتله الملك العباسي.
5 ـ
أبو محمد
الحسن
السريعي أو
الشريعي.
6 ـ
محمد بن علي
بن أبي
العزاقر
الشلمغاني
المعروف،
الذي كان من
أعلام الشيعة
وألّف كتباً في
التشيع،
ولكنه
لمنافسة جرت
بينه وبين الحسين
بن روح
النوبختي
أعلى الله
مقامه الشريف النائب
الثالث
للامام
المهدي سلام
الله عليه،
خرج عن طوره
وأخذ يدّعي
دعاوى غير صحيحة،
وحكم الامام
سلام الله
عليه في توقيع
من توقيعاته
المقدسة
بضلاله
وانحرافه،
وأعلن عن ذلك
أيضاً سفيره
الحسين بن روح
النوبختي.
ويروي
بعض العلماء
رواية تقول:
سأل رجل
الحسين بن
روح أعلى الله
مقامه الشريف
فقال له: ما تقول
في كتب محمد
بن علي
الشلمغاني؟
ومحمد
بن علي
الشلمغاني لم
يكن رجلاً من
السوقة أو
رجلاً من
العاديين،
إنما كان
عالماً من علماء
الطائفة، ووجهاً
من وجوه
المذهب، وكان
قد صدرت عنه
تصريحات
ضالّة
وانحرافات،
فوقف منه الامام
سلام الله
عليه ونوابه
موقفاً
صارماً، وكان
كثير
التأليف، بحيث
كانت كتبه
تملا
المكتبات
الاسلامية،
فكانت مشكلة
للشيعة في ذلك
الزمن، رجل
يملك هكذا
قدسية وهكذا
علمية وهكذا
فضيلة ينحرف
بهذا الشكل،
يصعب على كثير
من الاذهان أن
يتقبل هذه
الفكرة،
فلهذا سألوا الحسين
بن روح
النوبختي عن
هذا الموضوع
أنّه يسأل
الامام سلام
الله عليه. فخرج
التوقيع
بتحريم قراءة
كتبه وأنّها
كتب ضلال،
حينئذ سألوه:
ما نصنع
وبيوتنا
مليئة من كتبه؟
يعني
ما من بيت
إلاّ وفيه
كتاب من كتب
ابن أبي عزاقر.
قال:
أقول لكم كما
قال الامام
العسكري سلام
الله عليه في
بني فضال.
وبنو
فضال بيت من
البيوت
العلميّة
الشيعيّة،
ولكن هؤلاء
ابتلوا
بأنّهم صاروا واقفية
من الشيعة
المنحرفين."خذوا
بما رووا
وذروا ما رأوا".
رواياتنا
الموجودة في
كتبهم خذوها،
لا سيما وأنّها
كانت أيّام استقامتهم،
وأما آراؤهم
فلا تأخذوا
بها، خذوا بما
رووا وذروا ما
رأوا، فكان في
الواقع أزمة
واجهتها
الطائفة،
أزمة من ادعى
السفارة كذباً،
ومنهم محمد بن
علي بن أبي
عزاقر الشلمغاني".
[11]
إذن، فما هي
المثبتات
التي تؤكد
وجود الامام
وراء هؤلاء
النواب، أو
أدعياء النيابة؟
وما هو المانع
من كذبهم
جميعا؟ وما الذي
يؤكد صدق
النواب
الأربعة؟ ليس
في ادعاء النيابة
فقط، وانما في
وجود الامام
الغائب الثاني
عشر؟
يجيب الشيخ
الدكتور فاضل
المالكي:" كان ثبوت
نيابتهم
(النواب
الأربعة)
بشهادة
الثقات، وهم
بالمئات في
مجاميع كثيرة
فيما تروي
الروايات،
أنّ هنالك
اتفاقاً من
الرواة والعلماء
على شهادة
الامام
العسكري (عليه
السلام)
بوثاقة عثمان
بن سعيد
العمري رحمه
الله، وأنّ
الامام
المهدي سلام
الله عليه
أقرّه في
منصبه وفي زمن
غيبته الصغرى،
وكان
يقول:"اسمعوا
له واطيعوا"
وهذا المعنى
في واقع الامر
أخذ يتداول
باعتبار
النصّ عليه "اسمعوا
له واطيعوا"،
ثم لا يخفى أن
مما يطاع فيه
نصه على من
بعده، فقد نص
على ولده محمد
بن عثمان من
بعده".[12]
ولست أدري من
أين جاء الشيخ
المالكي بهذه
الرواية؟
وكيف عرف ان
الامام
المهدي قد عين
العمري سفيرا
له؟ في حين لم
يشاهده أحد،
ولم ينقل عنه
بالطبع قوله،
الا ان يكون
العمري نفسه
قد قد نقل
النص على
نفسه، بعد أن ادعى
رؤية الامام،
كما في قصة
الحميري
وأحمد بن
اسحاق اللذين
سألاه: هل
رأيت الامام؟
فبكى وقال نعم
ورقبته مثل
هذا.
وكان يفترض
الشيخ
المالكي أن
يتوقف هنا
قليلا ليتأكد
من دعوى
العمري الذي
نقل النيابة
بعد وفاته الى
ابنه محمد بن
عثمان
العمري،
والذي نقلها
بدوره الى
النوبختي ثم
السيمري. وهذا
أول الكلام،
فكيف نصدق
العمري في
دعواه انه
سفير الامام،
ونحن لم نتأكد
من وجود
الامام؟ ولم
نعرف له أثرا؟
وهل نبني
ديننا على خبر
آحاد مشبوه
كهذا؟
ان الشيخ المالكي يعود فيؤكد:"الطريق الاول لاثبات نيابتهم اتفاق ثقات الرواة والعلماء على نص الامام المعصوم (عليه السلام) على أولهم، ثم شهادتهم على نصّ السابق على اللاحق باعتبار أن مما تجب طاعة النائب واجب الطاعة فيه هو تعيينه لمن يأتي من بعده". وهو يعرف ان منح الثقة المتبادلة بين أعضاء أية جماعة، هي ثقة مشكوك بها، ولا يجوز الاعتماد عليها، وانما يجب النظر اليها من الخارج وبصورة محايدة، ثم انها ثقة منقولة عبر مئات السنين، ومن قال انها كانت موجودة في تلك الأيام؟ ولم يكن أحد من الشيعة يشكك بهم؟ هذا وقد اختلف شيعة الامام العسكري الى أربعة عشر فرقة، وكما تقول الروايات التي ينقلها الكليني والنعماني والصدوق : " ان الشيعة في ذلك العصر كان يتهم بعضهم بعضا بالكذب والكفر، ويتفل بعضهم في وجوه بعض، ويلعن بعضهم بعضا، وانهم انكفأوا كما تكفأ السفينة في أمواج البحر، وتكسروا كتكسر الزجاج أو الفخار".