بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
في سبيل الشورى والوحدة والتجديد
لعل أبرز مشكلتين عانت منهما أمتنا الاسلامية عبر تاريخها الطويل، وتعاني اليوم، هما مشكلتي التفرقة والاستبداد، وهما مشكلتان مترابطتان ولدتا فينا بعد ابتعادنا عن القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى على نبينا الكريم محمد (صلى الله عليه وآله) ليوحدنا ويحررنا ، حيث يقول:" وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون" الأنبياء 92، وفي آية أخرى مشابهة:"وإن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاتقون" المؤمنون 52، ويقول: "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم...". الأعراف 157
ومن الواضح ان ابتعاد المسلمين عن القرآن الكريم، لم يكن كفرا صريحا به، والعياذ بالله، وإنما بسبب التأويل التعسفي لبعض آياته، والتمسك بكثير من "الأحاديث" الضعيفة والموضوعة والمأوّلة، والإيمان ببعض الأساطير التي اصطنعها المغرضون وألبسوها لباسا "إسلاميا" زاهيا، ودسوها في الدين. وربما كان أكبر مجال عرضة للتحريف هو المجال السياسي، حيث دأب الحكام المستبدون والمعارضون لهم، على سواء، على استغلال آيات القرآن الكريم وتأويلها لخدمة الاستبداد بالسلطة أو الثورة عليها، فقد فسر الحكام الطغاة دائما آية (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) النساء 59 ، فسروها تفسيرا سلبيا مناقضا لروح الآية التي تأمر بطاعة أولي الأمر على أساس الرجوع الى الله والرسول، عند الاختلاف، ولكن الحكام الطغاة فسروها تفسيرا مطلقا، حيث قالوا بوجوب طاعة الحاكم، أي حاكم، ومهما كان ظالما وجائرا وفاسقا، طاعة مطلقة في الخير والشر والحق والباطل.
وكان من نتيجة ذلك التحريف الكبير للدين دعوة مسلم بن عقبة أهلَ المدينة بمن فيهم من المهاجرين والأنصار، بعد واقعة الحرة، للبيعة ليزيد على أنهم خَوَل له يحكم في دمائهم و أموالهم و أهليهم ما شاء، فمن امتنع من ذلك قتله.[1] ولم يقبل منهم البيعة على كتاب الله وسنة رسوله.[2] وكذلك تصريح عبد الملك بن مروان الذي وقف في المدينة قائلا:" والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا الا ضربت عنقه".[3] وإعلان واليه خالد بن عبد الله القسري ، في بيت الله الحرام وظهره الى الكعبة:"والله لو علمت أن عبد الملك لا يرضى عني إلا بنقض هذا البيت حجراً حجراً لنقضته في مرضاته".[4]
وكان من نتيجته أيضا الفتاوى الشهيرة لأئمة أهل السنة مثل الإمام أحمد بن حنبل الذي يقول:"من خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلاقة، بأي وجه كان بالرضا أو بالغلبة، فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية. ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس. فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق". وكذلك أبي زرعة عبد الله بن عبد الكريم ، وأبي حاتم محمد بن ادريس بن المنذر الرازيين، وغيرهم من الذين كانوا يقولون:"لا نرى الخروج على الأئمة ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله عز وجل أمرنا، ولا ننزع يداً من طاعة، ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة".[5] أو مثل ابن زمنين الأندلسي الذي يقول "أن من قول أهل السنة: ان السلطان ظل الله في الأرض، وانه من لم يرَ على نفسه سلطانا براً كان أو فاجراً فهو على خلاف السنة.. فالسمع والطاعة لولاة الأمر أمر واجب، ومهما قصروا في ذاتهم فلم يبلغوا الواجب عليهم، غير أنهم يُدعَون الى الحق ويؤمرون به، ويُدَلّون عليه، فعليهم ما حملوا وعلى رعاياهم ما حملوا من السمع والطاعة لهم ... وقد قال ابن مهدي قال حدثنا سفيان عن محمد بن المنكدر قال: لما بويع ليزيد بن معاوية ذكر ذلك ابن عمر فقال: ان كان خيراً رضينا وان كان شراً صبرنا".[6] حتى بلغ الحال بالإمام البربهاري الى أن يعتبر مجرد الدعاء على السلطان الظالم خروجا عن السنة، حيث يقول:"اذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم انه صاحب هوى ، واذا رأيت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم انه صاحب سنة ، ان شاء الله".[7] ويضيف:" أُمرنا أن ندعو لهم بالصلاح ، ولم نؤمر أن ندعو عليهم وان ظلموا وجاروا، لأن جورهم وظلمهم على أنفسهم ، وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين".[8]
وربما كان أكبر مثل على التحريف الذي حدث في مجال الفكر السياسي، هو القول بالحكم الثيوقراطي الديني، ففي حين أننا لا نجد في القرآن الكريم من أوله الى آخره، حديثا صريحا عن الدولة وشكلها ونظامها أو السلالة التي يجب أن تحكمها، مما يؤكد القول بأن الله عز وجل قد ترك أمر السياسة والحكومة وتطبيق الشريعة للناس، ولم يعين "حكومة دينية إلهية" تتولى تطبيق الاسلام. الا انه جاء في التاريخ من يقول بأن الرسول الأعظم (ص) قد عين الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) خليفة من بعده، وانه قد حصر الخلافة والإمامة في أهل البيت من نسل علي والحسين الى يوم القيامة. وقد استعان هؤلاء على نظريتهم بتأويل عدد من آيات القرآن الكريم، وبعدد من الأحاديث التي نسبوها الى الرسول وأهل البيت، أو أوّلوها بشكل معين، وأضافوا عليها بعض الاضافات الجديدة.
ولأن هذه النظرية كانت مثالية ولا تستند الى دليل علمي أو قرآني صريح، فقد رفضها أهل البيت وعامة الشيعة في الصدر الأول، وكان يقدر لها ان تنتهي بعد وفاة الامام الحسن العسكري سنة 260 هجرية دون أن يخلف ولداً من بعده، بعد حوالي مائة عام من نشوء النظرية (الإمامية) في الكوفة في بداية القرن الثاني، الا انها وبينما كانت تحتضر ولدت نظرية أسطورية أخرى هي "وجود ولد مستور غائب" للامام العسكري، هو "المهدي المنتظر". وهو ما أدى الى بقاء نظرية الإمامة في أذهان كثير من المسلمين (الشيعة) الى يومنا هذا. ورغم أن هذه النظرية وبنتها: فرضية وجود الامام الغائب، قد فقدت مدلولها السياسي وأصبحت نظرية "ذهنية" لا وجود لها إلا في الخيال، الا انها ولدت نظرية أسطورية جديدة هي نظرية "النيابة العامة للفقهاء عن الامام الغائب (المهدي المنتظر) أو ولاية الفقيه". وهي النظرية التي تحكم اليوم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتهيمن على كثير من الشيعة عبر "المرجعية الدينية".
واذا كانت نظرية الإمامة تعطي للإمام "المعصوم" المنزلة الإلهية فوق الأمة، فان "المراجع" غير المعصومين قد أخذوا يلعبون هذا الدور، ويحتلون منصب "الإمام" الروحي الكبير، وهو ما أحدث خللا كبيرا في العلاقة بين الأمة والإمام، وسمح بإقامة أنظمة سياسية استبدادية تتبرقع باسم الدين.
وإضافة الى هذا الأثر السيء الذي خلفه هذا الابتعاد عن القرآن الكريم، بالتأويل التعسفي والأحاديث الموضوعة والنظريات الأسطورية الوهمية، فإنه خلف أيضا أثرا سيئا آخر، هو تعزيز انشقاق الأمة الى "سنة" و"شيعة". وقد قلت "تعزيز" لأني اعتقد بوجود عوامل "سنية" في حدوث الانشقاق، ولا أريد إلقاء اللوم كله على الشيعة، ولكني أعطي لنظرية الإمامة الإلهية، دورا مهما في تعزيز الانشقاق بين المسلمين.
ومن أجل العودة الى الاسلام الصحيح، الى القرآن الكريم، والى فكر أهل البيت السليم، وتحرير الأمة من الاستبداد، وخاصة الاستبداد الديني، وتوحيد المسلمين، كان تناولي لبحث موضوع الامامة الإلهية، ووجود "الامام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري المهدي المنتظر الغائب" ونظرية ولاية الفقيه، وذلك في كتابي:" تطور الفكر السياسي الشيعي.. من الشورى الى ولاية الفقيه" الذي قمت بكتابته سنة 1990، ونشرته سنة 1997 وقمت خلال السنوات السبع الفاصلة بين الكتابة والنشر، بحوارات ومراسلات مع عدد كبير من العلماء والمثقفين والمراجع الشيعة "الإمامية"، أملا في التأكد مما وصلت اليه من نتائج جوهرية وثورية، أعتقد أنها أوقعتني على جوهر فكر أهل البيت (عليهم السلام) فكر الشورى وولاية الأمة على نفسها، ذلك الفكر المستوحى من القرآن الكريم والمنسجم مع العقل والواقع.
وقد تضمن كتابي بحثا مركزيا ، ربما كان جديدا لأول مرة، هو بحث موضوع "ولادة ووجود الامام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري" من المصادر الشيعية الإمامية الإثني عشرية، وبمختلف "الأدلة" الفلسفية (العقلية) والنقلية والتاريخية، ومناقشتها بدقة رواية رواية ودليلا دليلا، وذلك لأن هذا الموضوع يشكل أساس نظرية الإمامة الإلهية المستمرة الى يوم القيامة، وأساس نظرية ولاية الفقيه والنيابة العامة للفقهاء عن الامام المهدي، فاذا لم تصح ولادته شرعا، ولم يثبت وجوده تاريخيا، فانه يؤدي الى انهيار نظرية الامامة (الأثني عشرية) وانقشاع الغطاء الأيديولوجي عن نظرية ولاية الفقيه.
ورغم إجرائي بحثا مستفيضا في نظرية الامامة، الا اني ارتأيت عند النشر أن اختصر الجزء الأول، واستعرض فقط خطوات نشوء النظرية تاريخيا، تمهيدا لمناقشة موضوع "الامام الثاني عشر" في الجزء الثاني من الكتاب، الذي شمل أيضا جزءا ثالثا حول تطور الفكر السياسي الشيعي في عصر الغيبة.
وكنت آمل أن ينصب النقاش بصورة رئيسية حول الموضوع المركزي الرئيسي الجديد، وهو "وجود الامام الثاني عشر". وأعلنت للعلماء عن استعدادي للتراجع عن الكتاب فيما إذا أقنعوني بأدلة لا علم لي بها، أو لم أتوصل اليها، تثبت وجهة نظرهم وخطئي، ونشر ردودهم مع الكتاب إذا لم اقتنع بها، ولكني واجهت خلال سبعة أعوام إحجاما غريبا في الرد على الموضوع، أو مناقشتي بصورة جدية، اتباعا لسياسة:" أميتوا الباطل بإماتة ذكره" كما كانوا يقولون، رغم أن هذا الموضوع كان يشكل تهديدا لأساس الفكر الإمامي.
وعندما نشر الكتاب أثار بالطبع عاصفة من الحوارات والنقاشات والتعليقات، وصدرت ضده عشرات الكتب والمقالات، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وقد حصلت على بعضها وسمعت عن البعض الآخر، ولكن أيا منها لم يتطرق بالتفصيل الى الرد على جوهر الكتاب وإثبات "وجود الامام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري" إثباتا تاريخيا، وانما راح كل كاتب يدور يمينا وشمالا ويبحث في الهوامش والجزئيات، أو يؤكد النتيجة التي توصلت اليها وهي أن القول بوجود ابن للامام العسكري لم يكن سوى افتراضاً في افتراض.
ورغم أن ما قمت به لم يكن أكثر من محاولة للاجتهاد وإعادة النظر في قضية تاريخية (ولادة إنسان) وأن الموضوع – كما يقولون- موضوع عقائدي، لا يجوز فيه التقليد، وانما يجب الاجتهاد والتحقيق الشخصي، فان كثيرا من رجال الدين رفضوا مجرد التفكير أو التساؤل حول الموضوع، وحرموا الاجتهاد، وحاولوا ويحاولون فرض جو إرهابي من التكفير والتبديع والتفسيق والإخراج عن الدين، وكيل الاتهامات الشخصية ضدي، مع أن الأمر لم يكن يستدعي كل ذلك، فهم إما علماء مجتهدون يمتلكون أدلة وبراهين حول الموضوع فعليهم تقديم أدلتهم وإقناع من يشكك بآرائهم، وإما أنهم مقلدون للسلف ولم يبحثوا هذا الموضوع أو يجتهدوا فيه، أو يدرسوه بعمق، وعليهم نبذ التعصب، والبحث عن الأدلة المفترضة، أو التخلي عن عقائدهم الباطلة التي لا يوجد حولها دليل. ولم يكن سلوك كثير من رجال الدين بالمستوى المطلوب، فهم يتظاهرون بالعلم والاجتهاد من ناحية، ويرفضون العلم والاجتهاد في هذا الموضوع من ناحية أخرى.
وربما كانت المشكلة تكمن في طبيعة نظام المرجعية الدينية الشيعية، الشعبية التي تعتمد في تمويلها على الأخماس والزكوات، والتي تحول دون إجراء حوارات حرة ومفتوحة حول الموضوع.
المراجع المقلدون للعوام
إذ أن من المعروف وجود كثير من الأساتذة والفقهاء في الحوزات العلمية، ولكن ليس كل واحد منهم يصبح مرجعا دينيا ، حيث يموت الكثير منهم دون ان يسمع به أحد.. وذلك لأن المرجعية تشبه الزعامة السياسية لا يصل اليها من لا يسلك طريقها ويمتلك أدواتها – عادة – وفيها نوع من التنافس والصراع الذي يحتدم أحيانا ويخف أحيانا أخرى ، وكل أستاذ او فقيه يفكر بأن يصبح مرجعا أو مرجعا أعلى لا بد ان يؤسس مدارس ويجمع طلبة خاصين ويؤلف حاشية من المريدين ويوزع رواتب شهرية ، وهذا يقتضي منه أن يحصل على أموال من الناس ، والناس لا يعطون المال الا بصعوبة ولمن ينسجم معهم ومع أفكارهم ، وهذا يتطلب من المرجع الديني أو الساعي من اجل المرجعية أن ينسجم مع الناس ويتماهى معهم، ويتخلى عن أية أفكار إصلاحية ويتجنب توجيه النقد الحاد لأفكارهم وممارساتهم و "عقائدهم" وعاداتهم والخرافات الشائعة بينهم ، الا بالقدر الذي يجلب له المصلحة والشعبية والمال.
وكلما تقدم الأستاذ في طريق المرجعية وأصبحت له حاشية ووكلاء وطلبة ، وخدم وحشم ومنافسون ألداء ، كلما تخلى (الأستاذ – المرجع) عن أفكاره الإصلاحية وآرائه الخاصة وتجنب لغة الحق والباطل والصواب والخطأ ، ليتحدث بلغة المصلحة العامة والممكن وغير الممكن، و " مالا يدرك كله لا يترك جله"... الى ان يصبح تابعا ومقلدا لعوام الناس في أساطيرهم وحكاياتهم الشعبية وخرافاتهم المغلفة باسم الدين، ولا يجرؤ على محاربة بدعة أو نقد أي انحراف في الامة ، مع انه من المفترض أن يكون المسؤول الأول عن هداية الناس وتعليمهم أحكام الله..
وقد عانى السيد هبة الدين الشهرستاني أحد أبرز علماء العراق المصلحين في بداية القرن العشرين ، من انقلاب دور رجال الدين وتقاعسهم عن أداء أدوارهم الإرشادية والتوعوية وقيامهم بمحاربة الحركة الإصلاحية ، وتحدث في مجلة (العلم) عن تخلي بعض العلماء عن علمهم وتقليدهم للعوام والجهال طمعا بمالهم.
ومن المعروف ان المؤسسة الدينية السنية – عادة ما - تكون تابعة ماليا لأجهزة الحكومات ، وهو ما يفقدها في الغالب استقلاليتها أمام الحكام ، مع وجود علماء أحرار يجاهرون بكلمة الحق من دون هيبة او طمع ، كما ان من المعروف ان المؤسسات الدينية الشيعية نمت بعيدا عن الحكم وفي أوساط الشعب وقدمت علماء أحرارا كثيرين يخلصون لدينهم ولا يراعون اية مصلحة خاصة ، ولكن الارتباط العام بالجماهير والاعتماد عليهم في الرزق أدى الى نشوء نوع من التبعية والتقليدالمعكوس لهم.
وعندما كان العلماء أو "رجال الدين" يتحلون بالزهد في الدنيا ويرضون بالكفاف ويعيشون على الخبز والملح ولا يفكرون بالزعامة او كانوا يعملون بأيديهم ويكسبون قوتهم بعرق جبينهم كانوا أكثر حرية في قول الحق ومحاربة الباطل ، ولكنهم عندما انهمكوا او ينهمكون في ملذات الدنيا وشراء الدور والقصور والسيارات الفخمة ويحلمون ويعملون من اجل الزعامة السياسية والدينية فانهم يضطرون الى استخراج أموال طائلة من الشعب لكي تدير عجلة مرجعيتهم ، ويضطرون مرة اخرى الى مداهنة الناس ومجاراتهم وتجنب ما يزعجهم ، وقد يلعب الشيطان في عبهم –كما يقولون – فيصور لهم تنازلاتهم ومداهناتهم تلك في خدمة الاسلام والمسلمين ، لأنهم يريدون ان يرتقوا ويمتلكوا القوة ويصبحوا مراجع أعلين حتى يقوموا بالإصلاح المطلوب بعد ذلك ، او يبرر لهم الشيطان إحجامهم عن قول الحق بأنه يضر بالمصلحة العامة وقد يقطع بعض الأموال الشعبية عنهم ، وهذا ما يؤدي الى جوع بعض العوائل الفقيرة التي ينفقون عليها ، او تعطيل بعض المؤسسات الاسلامية العاملة، او صعود منافسيهم "الأشرار" او "غير الأكفاء" على سدة المرجعية والهيمنة على المجتمع.. وما الى ذلك من التبريرات التي يحلو لهم قبولها او اختراعها وإقناع الشيطان بها.
ان الصحفيين واصحاب الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون – عادة - يسعون الى كسب القراء والمشاهدين من أجل الحصول على أكبر قدر من الإعلانات لتغطية نفقاتهم وربما يقومون بالدعاية لمصلحة زعيم او حزب سياسي او دولة أجنبية ولا يلتزمون بالحق والباطل بقدر ما يلتزمون بتحقيق رضا المشاهدين والقراء وعدم إزعاجهم ، ولكن الصحفيين والإعلاميين لا يقولون انهم يمارسون عملا دينيا بل يعلنون انهم يقومون بعمل تجاري إعلامي، ومع انهم مسؤولون أمام الله لو قاموا بخيانة مبادئهم او ساهموا في تضليل الناس ، الا انهم ليسوا كرجال الدين الذين يدعون حراسة الدين والمحافظة عليه والدعوة الى الله ثم يخونون اللهَ والناسَ في عملهم فيبيعونهم خرافات وأساطير باسم الدين، وهذا من أشد أنواع الغش والتدليس.
وقد تحدثت مرة مع أحد "رجال الدين" بإسهاب عن موضوع وجود الامام الثاني عشر (المهدي المنتظر) وشرحت له بالتفصيل كل الأدلة المتوفرة وناقشتها بدقة.. فسكت طويلا وراح يتأملني ويهز رأسه، فتوقعت منه ان يعلن موقفه المؤيد أو يرد علي بشيء ، ولكنه قال بشيء من العتاب والحسرة: "نحن نجلس على سفرة صاحب الزمان (الامام المهدي) ونأكل من (خمسه) فهل تريد ان تطوي هذه السفرة؟".
الحشوية والغلو والعنف
وبعيدا عن تلك الدوافع والمنطلقات لرفض الحوار، تبين لي من خلال الردود التي شاهدتها، أن كثيرا من الكتاب الشيعة (حتى بعض المراجع) لا يفهمون نظرية الإمامة الإلهية، كما نشأت، ولا معنى كلمة: "الامام" الذي يشترطون له العصمة والنص، ولو فهموا ذلك لأدركوا استحالة "غيبة الامام". أو انهم يضطرون الى تقديم تفسير جديد له لا علاقة له بالخلافة والحكم والسياسة، وانما بإدارة الكون وحفظ الأرض وما الى ذلك من نظريات الغلاة والمفوضة الذين استنكر أقوالهم أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
ولكي يسوّق هؤلاء الكتاب الرادون عليَّ، أقوالهم المنافية للقرآن الكريم والعقل والعلم والتاريخ، اضطروا أن يتجنبوا الطرق العلمية الشرعية في الاجتهاد وبحث أي موضوع عقائدي أو فقهي أو تاريخي، كالتحقيق في الكتب والرجال الرواة، وانتهاج الطريق الأخباري الحشوي الذي يغمض عينيه ويغرف ما يشاء من الأحاديث الضعيفة والمختلقة والموضوعة.
وهذا ما يفسر ظاهرة العنف والإرهاب والتهجم الشخصي، التي استبدلوا بها سياسة الحوار واحترام الرأي الآخر.
وسوف أقوم باستعراض ونقد ما تيسر من أهم الكتب والمقالات التي صدرت في الرد على كتابي (تطور الفكر السياسي الشيعي) لنطلع على طبيعة تلك "الردود".
[1] - الطبري، تاريخ الأمم والملوك، المجلد الثالث، ص 359
[2] - الكامل في التاريخ
[3] - السيوطي ، جلال الدين ، تاريخ الخلفاء، ص 204
[4] - الدينوري، ابن قتيبة ، الامامة والسياسة، ج2 ص 42
[5] - اللالكائي، شرح اصول اعتقاد أهل السنة، فقرة رقم:321
[6] - ابن أبي زمنين الاندلسي، أصول السنة، ص 276 و ص 280
[7] - الإمام البربهاري، شرح السنة، ص 42
[8] - الإمام البربهاري، شرح السنة، ص 43