ظاهرة الحوار الخطابي غير المباشر

لا أحب عادة توجيه النقد الشخصي لأحد ، خاصة في وسائل الإعلام ، ولكن ثمة صديق قديم وعزيز دأب منذ سنوات على محاورتي بصورة غير مباشرة ودون ان يذكر اسمي بصراحة ، في محاولة منه للرد على رأيي الذي توصلت اليه لدى بحثي حول تطور الفكر السياسي الشيعي وهو عدم وجود أدلة علمية تاريخية كافية تثبت ولادة الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري).

   وتشكل طريقته في الرد ظاهرة خاصة في الحوار لا تقتصر عليه ، وتحمل معان عديدة.. ومؤشرات خطيرة ، ولذا اعتقد ان من المفيد ان يطلع القراء على هذا الشخص العزيز وعلى طريقته في الحوار ويحكموا بعد ذلك. وبما انه تجنب ويتجنب التصريح باسمي فأرجو ان يعذرني الأخوة القراء من التصريح باسمه ايضا..

عشت مع هذا الصديق والمفكر الاسلامي الكبير عقودا من الزمن في خندق واحد وعملنا معا من أجل اقامة حكم إسلامي في العراق وبناء الحضارة الاسلامية من جديد ، وكان شعارنا : لله والحق والحرية!

  كنا نؤمن منذ الستينات بولاية الفقيه ونيابته العامة عن الامام المهدي ، وعندما انتقلنا معا الى الجمهورية الاسلامية الإيرانية بعد انتصار الثورة في أواخر السبعينات بدأت ألاحظ فيه إعداده لنفسه لتولي منصب الولي الفقيه في المستقبل والتحضير لتبؤ سدة المرجعية الدينية ، ولم أجد في ذلك إشكالا يذكر ، فهو كان منذ حين يحمل لقب (حجة الاسلام) وعندما توفي الامام الخميني أضاف لنفسه لقب (آية الله) أسوة بالسيد علي الخامنئي الذي دخل مجلس الخبراء (حجة الاسلام) وخرج منه وهو (آية الله).

   في تلك الفترة من نهاية الثمانينات أنهيت بحثي حول وجود (الامام محمد بن الحسن العسكري) حيث توصلت الى كونه نظرية افتراضية فلسفية ، حسب المصادر الشيعية الامامية ، أكثر منه حقيقة تاريخية او دينية. وقبل ان أبوح بهذه النتيجة الى أي أحد طلبت من ذلك الصديق العزيز المنغمس في العمل السياسي والبحث العلمي ان يعطيني من وقته الثمين ساعة واحدة لأشرح له ما توصلت اليه من نتائج واطلب منه ان يقدم لي ما لديه من أدلة – اذا كانت هنالك اية أدلة اخرى - لم اطلع عليها وان يناقشني في ما توصلت اليه. أشار بسرعة واختصار الى كون موضوع الايمان بالإمام المهدي جزءا من الغيب ، وطلب مني ان اكتب البحث بدقة ليناقشني فيه بالتفصيل على الورق بعد ذلك . وافقته على هذا الطلب ووعدته بإجراء مزيد من البحث والتحقيق ، وقلت له: انا أؤمن بالغيب وبكل ما يقوله القرآن الكريم من الجن والملائكة والجنة والنار ، ولكن موضوع الامام الثاني عشر لا يوجد في القرآن الكريم ، وبالتالي فاني لا أستطيع ان أؤمن بولادة الامام بصورة غيبية ، أي بلا دليل علمي ،والا لجاز لي وللآخرين الايمان بأية اسطورة والادعاء انها من الغيب.

انتهيت من تأليف كتابي (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه) بعد ذلك بسنتين ،وأرسلت فورا نسخة منه الى ذلك الصديق العزيز اطلب منه بإلحاح ان يناقش الكتاب وبقدم لي ما لديه من ردود حتى لا انشر الكتاب اذا ما اقتنعت بخطأ ما ورد فيه من نتائج وأفكار ، ولم أتلق من صديقي أي رد. التقيت به بعد سنوات في بيت الله الحرام وأقسمت عليه بالله أمام الكعبة المشرفة ان يصحح أي موضوع في الكتاب او يدلني على أي خطأ فيه ولكنه لاذ بالصمت وقال لي : أنت حر بنشر ما تعتقد به.

   لم اكن احتاج الى إجازة منه ،ولكني كنت أحاول ان القي الحجة عليه أمام الله ، وهكذا فعلت مع كثير غيره من العلماء والمجتهدين.

    ومع كل هذه المقدمات والتفاصيل فوجئت به بعد فترة وجيزة وهو ينشر كتابا في الرد علي ، او في الأحرى : بالهجوم الشخصي علي واتهامي بالكفر والفسق والضلال والانحراف واتباع الهوى والطغيان والشرك والفتنة.. ولم يدع مفردة سيئة في قاموس السباب والشتائم الا واستخدمها بحقي ، ولم يناقش الأفكار التي طرحتها في الكتاب ولم يقدم أي دليل علمي او تاريخي على ولادة الامام المهدي (محمد بن الحسن العسكري) ولو كان يملك هكذا دليل لقدمه الي من قبل ، ما عدا الترديد: ان الايمان بالمهدي يشكل جزءا من الايمان بالغيب وانه أصل الدين وفلسفته وحكمته.

   وعندما تحدثت عن أفكاري في قناة (الجزيرة) الفضائية قبل عدة اشهر امتعض صديقنا العزيز جدا ، وأرسل رسالة خاصة الى المسئولين عنها يستنكر فيها إتاحة الفرصة لي للحديث عن الموضوع ويتهم البرنامج بإثارة الطائفية والفتنة والتشكيك في المقدسات الدينية والتهجم على الشيعة والتشيع.

لم يكن بالطبع وحده الذي احتج واستنكر ورفض الحديث في قناة الجزيرة عن موضوع الامام المهدي ، فقد وصلت مقدم البرنامج الأستاذ احمد منصور عشرات الرسائل المنددة والمتوعدة.. ولكن موقف الصديق القديم المفكر الاسلامي الكبير العامل من أجل تحرير العراق والعالم الاسلامي من الديكتاتورية والإرهاب واعادة بناء الحضارة الاسلامية ، كان يختلف عن مواقف الآخرين ويشكل في حد ذاته ظاهرة ثقافية متميزة تستدعي الدراسة والانتباه والتفكير.

   تتألف هذه الظاهرة -كما رأينا- من عدة عناصر هي:

1-      احتكار الايمان بالله تعالى والتقوى والورع والإخلاص  وتجريد الطرف الآخر من كل ذلك.

2-                احتكار العلم والفهم والمعرفة واتهام الخصم بالجهل وعدم الإدراك وعدم التخصص.

3-                ادعاء الحرص على الدين والوحدة الاسلامية ، واتهام الطرف الآخر بتمزيق الصفوف وإثارة الفتنة والتهجم على المقدسات.

4-                ممارسة كامل الحرية في النقد والهجوم وعرض الأفكار الذاتية ، وحرمان الطرف الآخر من التعبير عن نفسه وكبته وخنقه

5-                الحوار العشوائي غير المباشر وغير الممنهج وعدم وضع النقاط على الحروف او تسمية الأمور بأسمائها ، وتحوير نقاط الخلاف بالتحدث عن قضايا متفق عليها.

6-                انتهاج الأسلوب الخطابي العاطفي وتجنب الحوار العلمي الهادئ.

7-                تضخيم بعض الأمور الجزئية والتطرف والغلو.

وعندما يقوم مفكر إسلامي مجاهد يعد نفسه لقيادة الامة وتولي المرجعية العليا ورئاسة دولة اسلامية عظمى او توجيه حركة اسلامية عالمية.. عندما يقوم بممارسة ذلك الأسلوب من الحوار اللاعلمي والتهجم الشخصي على أقرب المقربين اليه لمجرد انه جاء بنظرية جديدة تتعلق بالتاريخ الشيعي ولا تمس أسس الدين من التوحيد او النبوة او المعاد او الحلال والحرام ، ولمجرد انه قال فقط: (بأن المهدي لم يولد بعد وسوف يولد في المستقبل) فان اسلوبه يتحول الى ظاهرة سلبية وخطيرة في المجتمع الاسلامي تنسف الشعارات التي يرفعها في العمل من أجل الله والحق والحرية ، وتلقي بظلال من الشك حول جديته في الإصلاح والتجديد والتغيير وكيفية إدارته للصراع مع التيارات والطوائف والأحزاب المختلفة ، خاصة اذا ما استلم مقاليد السلطة في أي بلد في المستقبل.

   وتأتي خطورة هذه الظاهرة الغوغائية التي تعتمد التهريج الخطابي والتهجم الشخصي وتجنب الحوار العلمي المباشر والدقيق ، في انها قد ترتد على أصحابها وتشيع جوا إرهابيا يحول دون البحث العلمي ويصادر حرية الاجتهاد ويدعو الى التعايش مع البدع والخرافات والأساطير.

   وان من أبسط الأمور اللجوء الى اتهام أصحاب ذلك المنهج- الظاهرة بالنفاق والمصلحية والجبن والدجل والتضليل والجهل والحشوية وما الى ذلك ، ولكن هذا الأسلوب لن يحل أية مشكلة ،ولن يؤدي الى اية نتيجة.. فمن الأفضل لنا جميعا اعتماد الحوار العلمي الموضوعي واحترام الأطراف المختلفة وتوفير الحرية لها .. والاستماع بصورة جيدة الى الرأي المخالف ، والتفكير فيه ، والتجرد عند الرد ،والشعور اننا في حضرة الله عز وجل ، وعدم المكابرة بالخضوع للحق.

لا أحاول هنا ان أعظ او ادعي العلم والايمان والتقوى والصلاح ، وانما أحاول رسم منهج للحوار ، مثمر ومفيد ، لا بد من اتباعه في مناقشة اية مسألة.

وبالنسبة الى موضوع وجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) وولادته ، أطالب العلماء المتحاورين ان لا يتعبوا أنفسهم ولا يشتتوا جهودهم ،أقول ان عليهم الاعتراف أولاً : بكون القصة عارية عن الدليل التاريخي العلمي ، بل انها مضادة للتاريخ وتعتمد على منهج الفرق الباطنية الغلاة الذين كانوا يفسرون الأمور دائما بصورة معكوسة ، فينكرون وفاة  بعض الأئمة من أهل البيت كالإمام علي بن ابي طالب الذي قالوا انه لم يقتل وانما طار في السماء ، او الامام محمد بن الحنفية الذي قالوا انه غاب في جبل رضوى بين مكة والمدينة ، او الامام الكاظم الذي لم يعترفوا بوفاته في السجن وكذلك إسماعيل الذي أنكروا وفاته في حياة أبيه الامام الصادق وقالوا انهما غابا وسيظهران في المستقبل ، وهكذا قالوا بنسبة أولاد لبعض الأئمة الآخرين الذين لا أولاد لهم ، واختلاق أشخاص وهميين كمحمد بن عبد الله الأفطح الذي قالوا انه الامام الغائب وهو المهدي المنتظر ، ومحمد بن الحسن العسكري الذي ادعوا ولادته ووجوده خلافا للظاهر من التاريخ ودون أي دليل علمي.

   واذا كان أي شخص يحاول الرد على ما أقول فمرحبا به وليتفضل بتقديم أدلته التاريخية العلمية ونحن على استعداد لتقبلها ونشرها.. أما ان يتهرب من الرد على هذه النقطة ويذهب ليتشبث بأحاديث المهدي العامة التي يتفق عليها السنة والشيعة ، او يمضي ليستند الى نظريات فلسفية واهية ويتحدث عن المعقول واللامعقول ، فان هذا لن يفيد في إزالة الشك او تثبيت أي موضوع.

   كما لن يفيده الحديث عن الزيغ في القلوب واتباع الهوى وارادة الفتنة وما الى ذلك من التهم والتحدث عما في القلوب مما لا يعلمه الا الله.

   وبانتظار التخلي عن ممارسة التهريج واعتماد الأسلوب العلمي في الحوار نقول لذلك الصديق المناضل القديم والمفكر الاسلامي الكبير ان لا يفكر  بالمرجعية قبل أوانها ، وان يعلم بأن الطريق الى الله يمر عبر الاعتراف بالحق والمحافظة على حرية التفكير دون خوف من عصا المحاكم الخاصة برجال الدين.

أحمد الكاتب 8 شعبان 1420/ 16 تشرين الثاني 1999