|
لماذا
يرفض بعض العلماء الحوار حول المهدي؟ يتساءل كثير من الناس
باستغراب شديد عن أسباب الحملة الشعواء التي شنها بعض رجال الدين وأساتذة الحوزة في
قم ضدي ، ورفضهم للبحث في موضوع وجود الامام الثاني عشر
(محمد بن الحسن العسكري)
برغم أهمية البحث على صعيد الفكر السياسي الداخلي والعلاقات الشيعية السنية ،
وإغلاقهم لباب الاجتهاد في أمر أساسي يشكل القاعدة لكثير من الأحكام الفقهية ويؤثر
سلبا او إيجابا في الحياة العامة ، في حين يفترض بالعلماء والمجتهدين ومراجع الدين
المبادرة الى بحث هكذا مواضيع او الاستماع لرأي مجتهد جديد او مناقشته على الأقل و رد أدلته ،
والمحافظة على عقائد الناس ، أما ان يفضلوا الصمت المطلق والتهرب من المناقشة فهو
لا يليق بخلق العلماء والمجتهدين ، الا اذا كان في الأمر سر لا يريدون البوح به ،
وهنا علينا ان نعرف ماهو ذلك السر؟ لقد كتبت الى أحد أساتذة الحوزة العلمية
في قم ، من الذين يعدون أنفسهم للمرجعية العليا في المستقبل ، أتوسل اليه ان يلقي
نظرة على كتابي (تطور الفكر السياسي الشيعي) قبل الطبع بسنوات
،وقلت له بصراحة: اني
سوف اعتبر سكوته وعدم رده دليلا على موافقته على ما جاء في الكتاب من آراء ، ثم
التقيت به في المسجد الحرام عند بيت الله المعظم وسألته اذا كان يملك أي دليل مضاد
لما توصلت اليه او أي شيء يثبت ولادة ووجود (الامام
المهدي) فلم يقل شيئا. وبعد ذلك
سمعته يهاجمني شخصيا في خطاب له
ويتهرب من مناقشة الموضوع ويكتفي بالتأكيد على ان المهدي المنتظر يجمع على ظهوره
السنة والشيعة ،ويأتي بأحاديث من كتب أهل السنة تثبت ظهوره في المستقبل ، ولا يرد
على النقطة الأساسية التي اطرحها وهي ولادة (محمد بن الحسن
العسكري) في القرن
الثالث الهجري واستمرار حياته الى اليوم والى المستقبل ، وهذه قضية اخرى غير قضية
ظهور المهدي العامة التي توجد حتى لدى الأديان الأخرى من غير
المسلمين. ونظرا لحواراتي الطويلة مع هذا
الأستاذ الحوزوي المرشح للمرجعية الدينية في المستقبل ، أكاد اجزم بأنه لا يؤمن
شخصيا بوجود وولادة (الامام محمد بن الحسن
العسكري) لقصور الأدلة الشرعية العقلية والنقلية والتاريخية ،
وهو يعرف ذلك جيدا ، ومع ذلك فانه يخالف نفسه في الظاهر ويجاري الناس والأجواء
المحيطة به الى حد الهجوم الشخصي عليَ والتشكيك في إيماني وديني ، وحسابه على
الله. وقفت كثيرا أتأمل أفكر في
اللغز الذي يكمن في شخصية"رجل الدين" هذا ، الذي يحلم بالتجديد والإصلاح ، لماذا
يحارب التجديد والإصلاح؟ او على الأقل : لماذا يرفض سلوك طريق التجديد
والإصلاح؟
لماذا يتخلى هكذا عن روح العلم والاجتهاد؟ هل هو
الخوف؟ أم الطمع؟ أم ماذا؟ يوجد في الحوزات العلمية أساتذة
وفقهاء كثيرون ، ولكن ليس كل واحد منهم يصبح مرجعا دينيا ، ويموت الكثير منهم دون
ان يسمع بهم أحد.. وذلك لأن المرجعية تشبه الزعامة السياسية لا يصل اليها من لا
يسلك طريقها ويمتلك أدواتها – عادة – وفيها نوع من التنافس والصراع الذي يحتدم
أحيانا ويخف أحيانا اخرى ، وكل أستاذ او فقيه يفكر بأن يصبح مرجعا او مرجعا أعلى لا
بد ان يؤسس مدارس ويجمع طلبة خاصين ويؤلف حاشية من المريدين ويوزع رواتب شهرية ، وهذا يقتضي منه ان يحصل أموال من الناس ، والناس لا يعطون
المال الا بصعوبة ولمن ينسجم معهم ومع أفكارهم ، وهذا يتطلب من المرجع الديني او
العامل من اجل المرجعية ان ينسجم مع الناس ويتخلى عن أفكاره الإصلاحية ويتجنب توجيه
النقد الحاد لأفكارهم وممارساتهم و "عقائدهم" وعاداتهم والخرافات الشائعة بينهم ، الا بالقدر
الذي يجلب له المصلحة والشعبية والمال. وكلما تقدم الأستاذ في طريق
المرجعية أصبحت له حاشية ووكلاء وطلبة ، وخدم وحشم ومنافسون ألداء ، كلما تخلى
الأستاذ - المرجع عن أفكاره الإصلاحية وآرائه الخاصة وتجنب لغة الحق والباطل
والصواب والخطأ ، ليتحدث بلغة المصلحة العامة والممكن و " مالا يدرك كله لا يترك
جله" الى ان يصبح تابعا ومقلدا لعوام الناس في أساطيرهم وحكاياتهم الشعبية
وخرافاتهم المغلفة باسم الدين ، ولا يجرؤ على محاربة بدعة او نقد أي انحراف في
الامة ، مع انه المسؤول الأول عن هداية الناس وتعليمهم أحكام
الله.. فترى مثلا أحد
المراجع يدافع بشدة عن عادة نقل الموتى من أقاصي بلاد فارس الى مقبرة السلام بالنجف
او يشجع على ضرب الرؤوس بالسيوف في عاشوراء وما شابه من الأمور التي يحرمها العلماء
المحققون ، وذلك مراعاة لعواطف الجماهير وكسبا
لودهم. وقد عانى السيد هبة الدين
الشهرستاني أحد أبرز علماء العراق المصلحين في بداية هذا القرن ، من انقلاب دور
رجال الدين وتقاعسهم عن أداء أدوارهم الإرشادية والتوعوية وقيامهم بمحاربة الحركة
الإصلاحية ، وتحدث في مجلة (العلم) عن تخلي بعض العلماء عن علمهم وتقليدهم للعوام
والجهال طمعا بمالهم. ومن المعروف ان المؤسسة الدينية
السنية – عادة ما - تكون تابعة ماليا لأجهزة الحكومات ، وهو ما يفقدها في الغالب
استقلاليتها أمام الحكام ، مع وجود علماء أحرار يجاهرون بكلمة الحق من دون هيبة او
طمع ، كما ان من المعروف ان المؤسسات الدينية الشيعية نمت بعيدا عن الحكم وفي أوساط
الشعب وقدمت علماء أحرارا كثيرين يخلصون لدينهم ولا يراعون اية مصلحة خاصة ، ولكن
الارتباط العام بالجماهير والاعتماد عليهم في الرزق أدى الى نشوء نوع من التبعية
والتقليد لهم. وعندما كان العلماء او
"رجال الدين"
يتحلون بالزهد في الدنيا ويرضون بالكفاف ويعيشون على الخبز والملح ولا يفكرون
بالزعامة او كانوا يعملون بأيديهم ويكسبون قوتهم بعرق جبينهم كانوا أكثر حرية في
قول الحق ومحاربة الباطل ، ولكنهم عندما انهمكوا او ينهمكون في ملذات الدنيا وشراء
الدور والقصور والسيارات الفخمة ويحلمون ويعملون من اجل الزعامة السياسية والدينية
فانهم يضطرون الى استخراج أموال طائلة من الشعب لكي تدير عجلة مرجعيتهم ، ويضطرون
مرة اخرى الى مداهنة الناس ومجاراتهم وتجنب ما يزعجهم ، وقد يلعب الشيطان في عبهم
–كما يقولون – فيصور لهم تنازلاتهم ومداهناتهم تلك في خدمة الاسلام والمسلمين ،
لأنهم يريدون ان يرتقوا ويمتلكوا القوة ويصبحوا مراجع أعلين حتى يقوموا بالإصلاح
المطلوب بعد ذلك ، او يبرر لهم الشيطان إحجامهم عن قول الحق بأنه يضر بالمصلحة
العامة وقد يقطع بعض الأموال الشعبية عنهم ، وهذا ما يؤدي الى جوع بعض العوائل
الفقيرة التي ينفقون عليها ، او تعطيل بعض المؤسسات الاسلامية العاملة ، او صعود
منافسيهم "الأشرار" او "غير الأكفاء" على سدة المرجعية والهيمنة على المجتمع.. وما
الى ذلك من التبريرات التي يحلو لهم قبولها او اختراعها وإقناع الشيطان
بها. أعود الى ذلك الأستاذ الفقيه الحالم
بالمرجعية العليا فأجده يأخذ الخمس من جماعات من الناس استطاع ان يقنعها عبر
تلامذته الذين بثهم في البلاد وجعل منهم وكلاء يدعون الى تقليده واعطاء الخمس
والزكاة له على اعتبار انه نائب او وكيل عن (الامام المهدي) وهو يأخذ قسما من المال
(الخمس) ويعطي قسما منه لتلامذته (الوكلاء) ويقوم بتوزيع المال على مؤسساته الخيرية
ومشاريعه الإعلامية وطبع كتبه وصوره المباركة. ان
الصحفيين واصحاب الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون – عادة - يسعون الى كسب القراء
والمشاهدين من أجل الحصول على أكبر قدر من الإعلانات لتغطية نفقاتهم وربما يقومون
بالدعاية لمصلحة زعيم او حزب سياسي او دولة أجنبية ولا يلتزمون بالحق والباطل بقدر
ما يلتزمون بتحقيق رضا المشاهدين والقراء وعدم إزعاجهم ، ولكن الصحفيين والإعلاميين
لا يقولون انهم يمارسون عملا دينيا بل يعلنون انهم يقومون بعمل تجاري إعلامي ، ومع
انهم مسؤولون أمام الله لو قاموا بخيانة مبادئهم او ساهموا في تضليل الناس ، الا
انهم ليسوا كرجال الدين الذين يدعون حراسة الدين والمحافظة عليه والدعوة الى الله
ثم يخونون الناس والله في عملهم فيبيعونهم خرافات وأساطير باسم الدين ، وهذا من أشد
انواع الغش والتدليس. تحدثت مرة مع أحد "رجال الدين"
بإسهاب عن موضوع وجود المهدي وشرحت له بالتفصيل كل الأدلة المتوافرة وناقشتها
بدقة.. فسكت طويلا وبدأ يتأملني ، فتوقعت منه ان يعلن موقفه المؤيد او يرد علي بشيء
، ولكنه قال بشيء من العتاب والحسرة: - نحن نجلس
على سفرة صاحب الزمان (الامام المهدي) ونأكل من (خمسه) فهل تريد ان تطوي هذه
السفرة؟ -
عندها عرفت ما هو السر الذي يكمن
وراء محاربة بعض رجال الدين ورفضهم لبحث موضوع الامام المهدي بالمرة ، او طرحه
للنقاش في وسائل الإعلام العامة . فهل عرفتم السر؟ ·نشرت في جريد (الزمان) الصادرة
في لندن بتاريخ 26/11/1999 ·نرحب بأي رد او تعليق لديكم . وشكرا |