|
سماحة السيد محمد الصدر حفظه
الله الحوزة العلمية – النجف
الأشرف العراق السلام
عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد..
فقد اطلعت على كتابيكم عن تاريخ الغيبة الصغرى والغيبة الكبرى ، ودرستهما بدقة ،
وكان البحث بصورة عامة يدور حول (الامام المهدي محمد بن الحسن العسكري) مع مقدمة في
البداية عن تاريخ الإمامين الهادي والعسكري ، ومؤخرة عن تاريخ (النواب الأربعة)
وغيرهم. وقد تركز الكتاب حول تاريخ ولادة
(الامام المهدي) وقصص مشاهدة بعض خواص الشيعة له في حياة أبيه ثم مشاهدته بعد وفاته
خلال ما عرف باسم الغيبة الصغرى. وقد اعتمد الكتاب على استعراض الروايات التاريخية
حول ولادة الامام المهدي ووجوده وتجنب الخوض في الأبحاث الكلامية التي تثبت وجوده
وولادته بالأدلة الفلسفية او (العقلية) او (الاعتبارية) كما تجنب الخوض في الأدلة
الروائية (الأخبارية) التي تثبت وجوده ، وذلك خلافا لما كان مشايخ الطائفة الاثني
عشرية يفعلون في كتاباتهم القديمة حول الموضوع ، حيث كانوا يعتمدون على الأدلة
الفلسفية والروائية أكثر من الاعتماد على الروايات
التاريخية.. وقد أشرتم في مقدمة الكتاب الى ضعف
كثير من الروايات التاريخية الخاصة بالموضوع وجهل سندها (ص 44) وإهمال علماء الرجال
لذكر أسماء الرواة والتحقيق في شخصياتهم على العكس من تحقيقهم في أسناد روايات
المسائل الفقهية ، مما أدى الى حدوث
بعض المشاكل والصعاب في عملية البحث والتحقيق في موضوع
المهدي. وذكرتم اعتمادكم على الروايات
"المتواترة" والمشهورة والتي لا يوجد لها معارض ، وافتراض صحة الروايات التي ذكرها
علماؤنا الأوائل ، واقتصرتم في بحثكم التاريخي الذي وصفتموه بالعميق والجديد على
مصادرنا الامامية الاثني عشرية باعتبار ان اهل البيت أدرى بما فيه ولم تبالوا
بالطعن الصادر من غير الموالين لأهل البيت (ع) (ص 443) واعتبرتم مسألة وجود الامام المهدي من
الضروريات في المذهب الاثني عشري ، التي لا حاجة لبحثها ولا بد من تجاوزها.. كما
اعتبرتم مسألة ضبط (السفراء الأربعة) والايمان بصحة دعواهم من بين أدعياء النيابة
الكاذبين الآخرين من المسائل الضرورية الواضحة في المذهب، ولذلك فلا حاجة لتجشم
العناء في إثبات ذلك . (ص 395) وبناء على ذلك فقد بنيتم منهجكم في
البحث والتحليل على الإيمان بالنظرية المهدوية (الاثني عشرية) كما هي مذكورة في كتب
مشايخ الطائفة (الصدوق والمفيد والمرتضى والطوسي والنعماني) وغيرهم من محدثي الغيبة
الصغرى وبداية الغيبة الكبرى ، باعتبار النظرية بكل تفاصيلها من المسائل الضرورية
الواضحة ، ولم تجدوا حاجة للتحقيق في الرواية التاريخية التفصيلية عن ولادة الامام
المهدي ومشاهدته واللقاء به في حياة أبيه او في أيام النواب الأربعة. وقد انصب
جهدكم على تحليل الروايات والتعليق عليها وتفسير المعضل منها وتأويل المتعارض
والمخالف للقرآن الكريم والعقل والروايات الصحيحة الأخرى. وبالرغم من الجهود التي بذلتموها في
صياغة الموضوع وتحليل الأحداث فاني اعتقد ان موضوعا خطيرا كموضوع وجود (الامام
المهدي محمد بن الحسن العسكري) تترتب عليه أمور كثيرة في الفقه والفكر السياسي
والعقائدي ، ويقوم عليه كيان الطائفة الاثني عشرية بحاجة الى بحث أعمق وأدق و أشمل
، ولا يجوز التقليد والاعتماد على آراء العلماء السابقين بدعوى الضرورة او التواتر
او الشهرة سواء في أساس الموضوع او في الأمور التفصيلية منه.. خاصة مع وجود التهمة
من قبل عامة المسلمين وعامة الشيعة وعامة الامامية – ماعدا الفرقة الاثني عشرية-
باختلاق موضوع وجود الامام المهدي وابتداع القول به بعد وفاة الامام العسكري وحدوث
الحيرة من بعده.وقد استغربت من قولكم في المقدمة (ص 46):"ان منهجنا يقوم على الأخذ
بالروايات المشهورة". ان الأمانة العلمية تقتضي استعراض
الصورة التاريخية الدقيقة والشاملة كما رواها مؤرخو الامامية الأوائل كسعد بن عبد
الله الأشعري القمي في (المقالات والفرق) والنوبختي في (فرق الشيعة) والمفيد في
(الإرشاد) وغيرهم ، وعدم الاكتفاء باستعراض الرأي القائل بوجود المهدي ، وحده من
بين مجموعة الأقوال التي قال بها شيعة الامام الحسن العسكري في أيام
الحيرة. ان
الإجماع او التواتر او الشهرة او الضرورة التي تتحدثون عنها في موضوع المهدي لم يكن
أي منها موجودا في حياة أهل البيت (ع) ولا بعد وفاة الامام العسكري ، ولذلك حدثت
الحيرة في موضوع خليفة الامام ، وانقسم الشيعة الامامية الى أربعة عشر فرقة حول
الموضوع.. وانما حدث ذلك بعد فيما بعد حين قال فريق من الامامية بوجود ولد للامام
العسكري هو الامام من بعده ، ثم قالوا بعد حين انه الامام المهدي ، واستندوا في
قولهم هذا على مجموعة أقوال نظرية (فلسفية) واستعانوا ببعض الأحاديث العامة
والغامضة وربطوا بعضها ببعض ثم اجتهدوا فيها واستنتجوا منها حتمية وجود الولد
للامام العسكري. ولم يكن للقصص الأسطورية أي وجود في البداية.. وانما بدأ بعض
الغلاة يحبك تلك القصص الأسطورية لكي يدعم القول الافتراضي بوجود الامام (الثاني
عشر) ولذلك جاءت تلك القصص التاريخية التي تتحدث عن ولادته واللقاء به في أيام أبيه
وفي أيام الغيبة خالية من السند الصحيح ومروية عن اشهر الكذابين والوضاعين كجعفر بن
مالك الفزاري وآدم البلخي وأحمد الرازي. واذا كان بعض العلماء السابقين قد
ذكر تلك الروايات الضعيفة فليس لكي يقدمها دليلا على وجود المهدي وانما ليتخذها
دليلا مساعدا يعضد به الدليل الأول والأقوى لديه وهو الدليل الفلسفي (الاعتباري)
ولكنكم أتيتم فيما بعد وأهملتم الدليل الفلسفي (الكلامي) واكتفيتم بتلك الروايات
الأسطورية التي لا أساس لها من الصحة. ومن هنا فان الروايات التاريخية
التي اعتمدتم عليها في تأليف كتابكم لا علاقة لها بأهل البيت ولا بالمذهب الشيعي
الإمامي ولا تعتبر من الضروريات ، بل هي موضع شك عميق ، وان من مقدمات البحث
الموضوعي دراستها من كل جانب والتأكد من سندها بدقة وعد الاكتفاء بوجدانها في كتب
العلماء السابقين ، حتى إذا كانت خالية من المعارض ، وذلك لأن احتمال الوضع
والتلفيق قائم حولها. كما ان احتمال قيام (النواب الأربعة)
الذين ادعوا السفارة عن المهدي بتلفيق تلك القصص وترويجها أملا بدعم دعاواهم
الفارغة قائم أيضا ، وقد كان الشيعة الأوائل يشكون في صدق ادعائهم ، وقد حدث صراع
بين أدعياء النيابة المختلفين وكذب بعضهم بعضا ، ولا يجوز ان نعتمد على توثيق السابقين لهم ونقلدهم في
ذلك، بل لا بد من بذل الجهد للاجتهاد في ذلك وتجشم عناء البحث من أجل كشف
حقيقتهم.. إذن فان
الحاجة الى إعادة النظر في الموضوع برمته ملحة جدا ولا بد أيضا من إعادة النظر في
منهج البحث والتمييز بين الروايات الصحيحة والمزورة وذلك باعتماد علم الرجال ومبادئ
الرواية ورفض اية رواية ضعيفة او مجهولة او مقطوعة السند حتى لو كانت مذكورة في كتب
العلماء السابقين الذين كانوا يحاولون ان يدعموا نظريتهم بأية إشاعة ، خاصة مع وجود
الشك والتهمة باختلاق نظرية (الاثني عشرية) في عصر الحيرة بعد وفاة الامام العسكري
بعقود من الزمن. ويسرني في هذه المناسبة ان اقدم لكم جهدي
المتواضع الذي يثبت اختلاق النظرية المهدوية (الاثني عشرية) وافتراض وجود (الامام
المهدي محمد بن الحسن العسكري) الذي لا وجود له في الواقع ، أتمنى منكم ان تلقوا
بنظرة فاحصة على الكتاب وتوافوني بما لديكم من ردود.. وانا على استعداد لأن أغير
وجهة نظري او أعدلها إذا قدمتم لي اية أدلة علمية تثبت موضوع الولادة والوجود
للمهدي (محمد بن الحسن العسكري) وشكرا
والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته احمد
الكاتب لندن
1413هـ |