|
من
هو أبو هاشم الجعفري بسم الله
الرحمن الرحيم أخي
العزيز أبو علي السلام
عليكم ورحمة الله وبركاته أشكرك
على إلحاحك في السؤال عن وثاقة
الجعفري ، وكنت قد بحثت الموضوع قبل عشر سنوات وكتبت ما تجمع لدي في ذلك الحين ولم
أعد أتذكر المصادر بدقة وهي لا تتوفر لدي على أية حال ، ولكني عدت الى بعضها ووجدت بعض ما تريد وقبل
ان اشرح لك موقفي بالتفصيل أود ان أنبهك الى حقيقة لا اعتقد انها تغيب عن ذهنك ،
وهي كثرة تفرق الشيعة في القرنين الثاني والثالث الهجريين واختلاق كل فريق ما يشاء
من الروايات ونسبتها الى الأئمة من أهل البيت تأييدا لما يذهب اليه ، وقيام بعض
الفرقاء بنسج روايات لها طابع الزمان الماضي وتتحدث عن المستقبل الذي يصوره ذلك
الفريق كما يشتهي ، في محاولة لإضفاء صفة الإعجاز وعلم الغيب على الرواية ، ومن
الأمور التي حدث فيها الخلاف بين الشيعة الامامية مسألة إمامة الحسن العسكري ، التي
اختلف فيها شيعة الامام علي الهادي بين من قال بإمامة محمد بن علي الهادي وعدم
وفاته في حياة أبيه ، ثم قوله بغيبته ومهدويته وانتظار ظهوره في المستقبل ، وإنكار
إمامة الحسن العسكري ، وبين من قال بإمامة جعفر بن علي الهادي بالنص عليه من أبيه
أو بالنص عليه من أخيه السيد محمد (المدفون في بلد) وبين من قال بإمامة الحسن
العسكري ، الذي اعترف بأنه لم يحدث خلاف على أحد من الأئمة مثلما حدث في الاختلاف
عليه . وقد لعب أبو هاشم الجعفري دورا كبيرا في
تثبيت إمامة العسكري ، وبما انه كان يعترف بأن الامام الهادي كان قد أشار الى السيد
محمد ودل عليه فقد نقل حديثا عن الامام الهادي انه قال له ( بدا لله في أبي جعفر
وصير مكانه أبا محمد كما بدا لله في إسماعيل بعد ما دل عليه أبو عبد الله ونصبه )
(راجع الغيبة للطوسي ص 55 و120) ومع انه في هذه الرواية يعترف بإشارة
الامام الهادي الى ابنه السيد محمد ، والدلالة عليه ، في البداية، الا انه يروي
رواية اخرى عن ابي جعفر الثاني (محمد الجواد) ينقل فيها رواية عن الامام الحسن
المجتبى ويذكر أسماء الأئمة الى الحسن العسكري ، من دون ان يشير الى مسألة البداء
والتعيين المسبق للسيد محمد ثم تنصيب الامام العسكري مكانه. (الغيبة للطوسي ص
99) واذا
كانت هذه الرواية صحيحة فكيف لم يعرفها الامام الهادي فأوصى الى ابنه محمد
بالإمامة ثم عدل عنها الى ابنه الحسن
بعد وفاة أخيه وحدوث البداء فيه؟ إذن
لا بد ان تكون إحدى الروايتين كاذبة وغير صحيحة . وهكذا
يظهر لنا موضوع اختلاق الروايات على لسان الأئمة تأييدا للمذاهب
المختلفة. وبما ان النص على الامام الحسن العسكري
كان غامضا ومحل شبهة ونزاع بين الشيعة الامامية وبين أولاد الامام الهادي ، فقد لجأ
أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري الى اختلاق مجموعة من الروايات الأسطورية القائمة
على دعوى علم الامام العسكري بالغيب
، والتي يرويها الجعفري بنفسه ويقول انها حصلت له ، ولا يمكن التأكد منها غير دعواه
بعلم الامام للغيب . يقول
الجعفري انه سمع الامام أبا محمد (العسكري ) يقول ذات مرة ان (من الذنوب التي لا
تغتفر قول الرجل ليتني لا أو اخذ الا بهذا) فقلت في نفسي: ان هذا لهو الدقيق ينبغي
للرجل ان يتفقد من أمره ومن نفسه كل شيء ، فأقبل أبو محمد فقال: يا با هاشم صدقت
فالزم ما حدثت به نفسك ، فان الإشراك في الناس أخفى من دبيب الذر على الصفا.
(الغيبة للطوسي ص 123) وهكذا يتحدث الجعفري عن علم الامام الهادي
لما يفكر فيه (الجعفري) غيبيا في
مسألة البداء ووفاة السيد محمد ، حيث يقول: ( فاني لأفكر في نفسي وأقول : هذه قضية
ابي إبراهيم وقضية إسماعيل فأقبل علي أبو الحسن فقال : نعم يا أبا هاشم … هو كما
حدثتك به نفسك وان كره المبطلون). (الغيبة صد 55 و120) ويروي أبو هاشم الجعفري رواية اخرى
مشابهة تقوم على مادة علم الأئمة بالغيب ،
يقول : (كنت محبوسا مع أبي محمد في حبس المهتدي بن الواثق فقال لي : يا أبا
هاشم ان هذا الطاغي أراد ان يعبث بالله في هذه الليلة ، وقد بتر الله تعالى عمره
وقد جعله للقائم من بعده ، ولم يكن لي ولد وسأرزق ولدا ، قال أبو هاشم : فلما
أصبحنا شغب الأتراك على المهتدي فقتلوه وولي المعتمد مكانه وسلمنا) (الغيبة للطوسي
ص 123 و134 راجع أيضا بحار الأنوار ج50 ص 250 و276 و258 عن مختار الخرايج ص 239
ومناقب آل ابي طالب ج4 ص 436 و432 و كشف الغمة ج3 ص 279 و299 وأعلام الورى ص 354
و355) وهنا يتحدث عن علم الامام العسكري بمقتل المهتدي قبل حدوث الشغب عليه. وهذا من علم الغيب
الذي لا يعلمه الا الله. ويضيف أبو هاشم الجعفري الى حكايته رتوشا
أخرى فيقول انه كان يحتاج الى المال ولم يطلبه من العسكري استحياء فأرسل اليه
الامام مالا دون ان يطلب منه ، وكذلك يقول ان الامام علم بنية ابي هاشم في طلب فص فأعطاه خاتما.
(الكافي للكليني جذ ص 507 و بحار الأنوار للمجلسي ج 50 ص 267 ومناقب آل أبي طالب
لابن شهرآشوب ج4 ص 432 ومختار الخرايج ص 214) ويعتبر الجعفري أخبار الامام العسكري له
عن مشادة حصلت له في الطريق نوعا من الإعجاز والعلم بالغيب الدال على إمامة الامام.
(المجلسي: بحار الأنوار ج50 ص 283 عن مناقب آل أبي طالب ج4 ص 427
و428) ويتحدث أبو هاشم الجعفري عن علم الامام العسكري بأدق
التفاصيل السرية كمعرفته بإفطار ابي هاشم ونوع الخبز الذي أكله ، كما يتحدث عن
معرفة الامام بحقيقة رجل كان يتجسس عليه وكشفه هويته لأبي هاشم (مناقب آل بي طالب
ج4 ص 437 ومختار الخرايج ص 239 وأعلام الورى ص 354 و355) وتأتي
هذه الروايات في سياق الروايات التي يسوقها القائلون بإمامة العسكري لإثبات امامته
بالمعاجز بدلا من النص ، ويتحدثون عن علمه غيبيا بحقيقة غنى سائل كان يتظاهر بالفقر ، او علمه بموت
فرس بعد أيام وإشارته على صاحبها ببيعها سريعا قبل ان تموت ، واكتشاف نوايا بعض
الخدم وعزمهم على شرب الخمر واللواط ، ومعرفته بعطش انسان وطلب الماء له دون ان
يطلبه هو. (الكافي ج1 ص 507) ولكن أبا هاشم الجعفري يضيف عليها انه رأى
الامام العسكري يحك الأرض ويخرج الدنانير
الذهبية منها ويعطيها له ومعرفة الامام بحاجته الى المال بصورة غيبية.
(الكافي ج1 ص 507 والبحار ج 50 ص 259 والإرشاد للمفيد ص 322) ولا
يكتفي أبو هاشم الجعفري بذلك بل يقول انه شاهد يوما الامام العسكري وهو يكتب كتابا
، ثم يترك القلم ويقوم الى الصلاة ، فاذا بقلم الامام ينهض بنفسه ليكمل الكتاب
أثناء قيام الامام للصلاة.!! ( المجلسي: البحار ج 50 ص 304 عن عيون
المعجزات) وعندما توفي الامام الحسن العسكري دون ان
يخلف ولدا ظاهرا تستمر الامامة فيه بصورة عمودية الى يوم القيامة ، وجد أصحاب جعفر
بن علي الهادي في ذلك دليلا على عدم صحة إمامة العسكري ، كما وجد أصحاب الامام موسى
الكاظم في وفاة عبد الله الأفطح دون ولد ظاهر ، دليلا على عدم صحة إمامته ،
وانتقلوا الى القول بإمامة موسى الكاظم ، كذلك انتقل قسم من القائلين بإمامة
العسكري الى القول بإمامة أخيه جعفر ، خاصة بعد وفاته دون خلف ظاهر. ولكن قسما آخر
أصر على افتراض وجود ولد له ورفض إمامة جعفر ، وكان منهم أبو هاشم الجعفري الذي قال
في البداية ان الامام الجواد ذكر له
أسماء الأئمة واحدا واحدا حتى الحسن العسكري وانه قال (أشهد على رجل من ولد الحسين
لا يكنى ولا يسمى حتى يظهر أمره فيملأها
عدلا كما ملئت ظلما وجورا).
ولم يحدد هوية الامام الأخير. (الطوسي : الغيبة ص 99) ونقل عن الامام الهادي انه قال: (الخلف من
بعدي الحسن ، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟! فقلت: ولم جعلني الله فداك؟ فقال:
لأنكم لا ترون شخصه ولا يحل لكم ذكره ، فقلت: فكيف نذكره؟ فقال: قولوا الحجة من آل
محمد). (الغيبة للطوسي ص 122 واكمال الدين للصدوق ص 381) وكما يلاحظ فان أبا هاشم الجعفري لم يحدد
في هاتين الروايتين هوية الامام الجديد بعد العسكري ، ولكنه عاد بعد ذلك ليقول ان
الامام العسكري قال له من قبل عندما كان معه في السجن أيام المهتدي: انه سيرزق ولدا
. (الغيبة للطوسي ص 123 و134) وفي هذه الرواية ما هو ظاهر من دعوى علم الامام بالغيب وإخباره عن ولادة
ولد له في المستقبل ( وهذا ما لا يعلمه الا الله). ومع ذلك فان الجعفري يكاد يعترف بجهله
بوجود ولد للامام وتاريخ ولادته فيقول في رواية أخرى انه قال للامام العسكري يوما:
جلالتك تمنعني عن مسألتك فتأذن لي في ان أسألك؟ قال : سل ، قلت: يا سيدي هل لك ولد؟
قال : نعم ، قلت : فان حدث فأين أسأل عنه؟ فقال: بالمدينة. (الغيبة للطوسي ص
139) وهنا
لا يقول انه شاهد ابن الامام العسكري ، ولا أنه الامام بعد أبيه . واذا لم
يكن الجعفري يدعي مشاهدته او اللقاء به فكيف عرف أنه الامام؟ وكيف اصبح بابا له أو
نائبا عنه؟ واذا كان هو يقول بأن ابن العسكري لا يرى فكيف ادعى النواب الخاصون
اللقاء به والنيابة عنه أيضا؟ والمشكلة في هاتين الروايتين ان الشيخ
الطوسي يرويهما بلا سند عن سعد بن
عبد الله الأشعري وهو من أقطاب
الفريق القائل بوجود الولد والمتحالف مع
أدعياء النيابة الخاصة (النواب الأربعة) مما يحتمل اختلاقه لتلك الروايات
ونسبتها الى الجعفري. ويقول
السيد ابن طاووس في (ربيع الشيعة):ان أبا هاشم داود بن القاسم الجعفري كان من سفراء
صاحب الأمر وأبوابه المعروفين الذين
لا يختلف الامامية القائلون بإمامة الحسن بن علي (ع) فيهم. (راجع الفائدة الثانية من خاتمة مجمع الرجال
للقهبائي ، طبع دار الكتب العلمية بقم) ومع ان علماء الاثني عشرية اعتبروا
أبا هاشم الجعفري من الثقاة ، ولم يتوقفوا عند رواياته الأسطورية المخالفة لكتاب
الله المجيد ، والتي تدعي علم الأئمة بالغيب ، ولم يحققوا في دعاواه الأخرى التي لا
يمكن إثباتها من أي طريق لأنها تتحدث عن علم الأئمة بما في داخل نفسه ، الا ان
الكشي ذكر في ترجمته (أن روايته تدل على ارتفاع في القول) أي غلو ، وان الطوسي ذكر
في ترجمته في الفهرست: انه كان مقدما عند السلطان! فكيف
يمكن بعد ذلك ان نطمئن الى رواياته الغامضة والمشكوك فيها وان نصدق دعواه بوجود ولد
للامام العسكري؟ وأنه الامام المهدي؟ خاصة اذا ثبت انه كان يدعي النيابة عن ذلك
الولد الغائب الذي لم يظهر له أي وجود طيلة أكثر من ألف عام؟ وكيف
يمكن ان نعتبره شخصا موثوقا ونسلم برواياته في موضوع شائك كموضوع وجود ولد للامام
العسكري الذي لم يعترف بهذا الأمر أمام الناس ليكون حجة
عليهم؟ ألا
يجدر بنا ان نقول كما قال الشيخ الطوسي في الرد على روايات الفرق الشيعية الأخرى
التي ادعت مهدوية وغيبة عدد من
أئمتها ، وجاءت بروايات مختلقة او ضعيفة: بأن (هذه كلها أخبار آحاد لا يُعوَل على
مثلها في هذه المسألة ، لأنها مسألة علمية)؟ (الغيبة ص 108) ان
كل الدلائل التاريخية تشير الى عدم وجود ولد للامام العسكري ، وان القول بوجود ولد
له تم بعد وفاته على سبيل الافتراض الفلسفي الظني ، وكان يلف القائلين بذلك شك كبير
لوجود مصالح مادية لهم. وكان بعضهم يحتج بروايات الجعفري وهو لم يدع رؤية الولد او
اللقاء به ، فضلا عن وجود الشك بشخصه
وبرواياته المليئة بالغلو والمعاجز الاسطورية. أحمد الكاتب |