أحمد
الكاتب
الإمام المهدي
"محمد
بن الحسن العسكري"
حقيقة
تاريخية ؟.. أم فرضية فلسفية ؟
الجزء
الثاني من كتاب
تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية
الفقيه
الطبعة
الخامسة
2007
حقوق
الطبع محفوظة
يمكن
الاطلاع على الكتاب كاملا على العنوان التالي
بسم الله الرحمن الرحيم
قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ؟ .. إن
تتبعون إلا الظن ، وان انتم إلا تخرصون ! ( يونس 36)
إن هي إلا أسماء سميتموها انتم وآباؤكم ، ما
أنزل الله بها من سلطان، إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم
الهدى .( النجم 23)
وما لهم به من علم .. إن يتبعون إلا الظن ..
وان الظن لا يغني من الحق شيئا .. ( النجم 28)
المقــــــــــدمة
هل الإمام المهدي "محمد بن الحسن
العسكري" حقيقة تاريخية؟..أم فرضية فلسفية؟
هذا سؤال مهم جدا ينبغي طرحه اليوم من أجل
التقدم في عملية بناء الأمة الإسلامية وتجديدها وتحريرها وتوحيدها.
ولكن ما هو الفرق؟ سواء كان المهدي حقيقة.. أم
فرضية؟ مولوداً؟ أم غير مولود؟ وماذا يهمنا من الأمر في حياتنا المعاصرة؟ إذا كان
ظهور المهدي أمراً غيبياً مستقبلياً؟
ولكن
من قال ذلك؟ ومن قال إن موضوع المهدي "محمد بن الحسن العسكري" أمر تاريخي أو مستقبلي غيبي، وليس أمرا سياسيا
فكريا معاصرا؟
صحيح.. إن فكرة المهدوية بصورة عامة مسألة
غيبية مستقبلية، وإن مسألة ولادة الإمام الثاني عشر "محمد بن الحسن
العسكري" مسألة تاريخية قديمة، ولكن الإيمان بهذا الإمام مسألة حيوية معاصرة
تدخل في عقيدة الشيعة الامامية الاثني عشرية، وتشكل العمود الفقري لها. كما انها
شكلت وتشكل الأرضية الأيديولوجية لفكرهم السياسي القديم والمعاصر، ومن ثم فإنها
تلعب دورا كبيرا في علاقاتهم الداخلية والخارجية مع الطوائف الإسلامية الأخرى،
وتدخل في صميم الوحدة الإسلامية والعملية الديموقراطية.
إن فكرة المهدوية لا تختص بشعب دون آخر، ولا
بأمة دون أخرى.. فقد عرفها جميع شعوب الأرض حتى من غير المسلمين أو الموحدين. وذلك
لأن كل شعب يتعرض للظلم والاضطهاد يحلم بغد أفضل وإمام عادل (مهدي) يملأ الأرض
قسطا وعدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا. ومن هنا فقد عرف المسلمون بمختلف طوائفهم
وأحزابهم كثيرا من الأئمة المهديين وأدعياء المهدوية الذين قادوا الحركات الشعبية
المطالبة بالعدالة، ونجح بعضهم في تحقيق أهدافهم في الوقت الذي فشل فيه آخرون.
وكان لكل (مهدي) قصة.. ولكن قصة "الإمام
المهدي محمد بن الحسن العسكري" تختلف عن جميع الأئمة المهديين أو أدعياء
المهدوية عبر التاريخ، وتحمل أبعادا كثيرة وخطيرة . فالإمام "الحجة بن
الحسن" ليس مجرد أمل يحلق في المستقبل، وإنما هو "إمام حي موجود ولد في
منتصف القرن الثالث الهجري ولا يزال يعيش اليوم وسوف يظهر في المستقبل".
وبالتالي فقد ترتبت وتترتب على هذه العقيدة أمور كثيرة فكرية وسياسية.
فقد ولدت على أثر الإيمان بوجود الإمام
"محمد بن الحسن العسكري" الفرقة الاثنا عشرية، بعد أن كاد المذهب
الإمامي يصل إلى طريق مسدود، وذلك بوفاة الإمام العسكري دون الإشارة إلى وجود ولد
له في الظاهر، ودون الإشارة إلى مصير الإمامة من بعده. ورغم وجود تيارات شيعية
أخرى تعتقد بسلسلة أخرى من الأئمة العلويين، أو تؤمن بنظام وراثي مرن يجيز
الانتقال إلى الاخوة وأبناء العم، إلا ان تيارا شيعيا مهما كان يعتقد بضرورة
انتقال الإمامة إلى الورثة بصورة عمودية، أي في الأعقاب وأعقاب الأعقاب أبداً إلى
يوم القيامة، اضطر إلى الإيمان بوجود ولد للإمام العسكري بصورة سرية، وخلافا
للظاهر، مما أدى إلى تشكل الفرقة الاثني عشرية. ولو لم يكن ذلك الفريق من الشيعة
يؤمنون بولادة ووجود "الإمام محمد بن الحسن العسكري" لما تكونت الفرقة
الاثنا عشرية، ولوصلت نظرية الإمامة إلى طريق مسدود، على الأقل في هذا الخط من
أبناء علي والحسين والكاظم.
ولما كان الشيعة الامامية يعتقدون بضرورة
اتصاف الإمام بالعصمة والنص عليه من الله، وأنهم آمنوا بوجود ذلك الإمام المعصوم
المعين من قبل الله، وهو "الإمام محمد بن الحسن العسكري" فقد تحتم عليهم
انتظار ذلك الإمام ، وعدم الخوض بأي نشاط سياسي ثوري أو حكومي إلا تحت قيادة ذلك الإمام
المنتظر. وعندما طلت غيبة ذلك الإمام، وامتد انتظار الشيعة الاثني عشرية له ؛ فقد
دخل الشيعة في غيبة سياسية، وانسحبوا من مسرح التاريخ قرونا طويلة من الزمن. ورغم
التطورات الإيجابية الحديثة التي حدثت في فكرهم السياسي فلا يزال قسم منهم يمتنع
عن الخوض في السياسة انتظارا لظهور الإمام المعصوم الغائب.
وفي هذه الأثناء، ومنذ أيام الغيبة الأولى ،
ظهرت في صفوف الشيعة دعوات أو ادعاءات بالنيابة الخاصة والعامة، عن الإمام المهدي
الغائب، واللقاء به وأخذ التوجيهات والتعليمات والعلوم الشرعية عنه. وقد اشتهر
حوالي أربعة وعشرين نائبا أو مدعيا للنيابة الخاصة عن الإمام المهدي في فترة ما
يسمى بالغيبة الصغرى، التي امتدت حوالي سبعين عاما من وفاة الإمام العسكري، وادعى بعض العلماء كالشيخ
المفيد، في القرن الخامس الهجري، استلام رسائل خاصة من الإمام المهدي، ثم ظهرت
نظرية النيابة العامة للفقهاء، أي كون كل فقيه نائبا عن الإمام المهدي حتى إذا لم
يسمه أو يعينه بالخصوص.
وفي ظل هذه الأجواء ظهرت المرجعية الدينية الشيعية التي اكتسبت هالة
قدسية، سواء بواسطة النيابة الخاصة أو العامة، وأصبح المرجع الديني يحتل في صفوف
الشيعة، موقعا متميزا لا يضاهيه إلا إمام معصوم.
ورغم حدوث تطور كبير في الفكر السياسي الشيعي
في العقود أو القرون الأخيرة، وميل كثير من الفقهاء والسياسيين إلى إنهاء موقف
الانتظار السلبي الممدود للإمام المهدي الغائب، واتخاذهم قرارا بالثورة أو إقامة
الدولة في (عصر الغيبة) إلا أن إيمانهم بوجود الإمام المهدي "محمد بن الحسن
العسكري" وأنه مصدر الشرعية الدستورية، دفعهم لإضفاء مسحة دينية على نشاطاتهم
السياسية، والاستغناء عن اكتساب أية شرعية شعبية أو ديموقراطية، وبالتالي إعطاء
أنفسهم صلاحيات مطلقة ديكتاتورية، وهو ما هدد ويهدد التجارب السياسية الحديثة التي
يقوم بها الشيعة، ويقف عائقا أمام التطور الديموقراطي للمجتمعات الشيعية.
وعلى رغم انخراط الشيعة في العراق في هذه
الأيام في عملية بناء النظام الديموقراطي، إلا أن بعض رجال الدين استغلوا فكرة
وجود الإمام المهدي ليدعوا علاقات خاصة لهم معه، تتيح لهم مكانة فوق ديكتاتورية،
وأبعد ما تكون عن الديموقراطية.
ومن هنا فإن مسألة وجود "الإمام المهدي
الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري" لم تعد مسألة غيبية تاريخية أو مستقبلية،
وإنما أضحت شأنا معاصرا حيويا فكريا سياسيا. وبالتالي فإن كثيرا من الأمور تصح إذا
كان وجود الإمام حقيقة تاريخية، وتختلف
إذا لم يكن كذلك.
ولقد ولد الكاتب ونشأ شيعيا إماميا أثني عشريا،
ثم قام بدراسة هذه المسألة فتوصل إلى أنها فرضية فلسفية وليست حقيقة تاريخية. وقام
بنشر دراسته قبل حوالي عشر سنين (في سنة 1997) ضمن كتاب "تطور الفكر السياسي
الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه" الذي كان يبحث بالإضافة إلى مسألة وجود الإمام
الثاني عشر، نظرية الإمامة لأهل البيت، وتطور الفكر السياسي الشيعي في عصر الغيبة.
وقد طبع ذلك الكتاب عدة طبعات، وأثار عاصفة من الردود والنقاشات لم تهدأ بعد، فقد
كتبت في الرد عليه عشرات الكتب والمقالات، ولا يزال النقاش مستمرا، ولكن كثيرا من
الردود اتجهت لمناقشة الجزء الأول من الكتاب وإثبات صحة نظرية الإمامة، وأغفل كثير
من الكتاب الحديث عن جوهر الكتاب وهو موضوع وجود الإمام الثاني عشر، وكنت أتمنى لو
يركز الباحثون على هذا الموضوع ففيه غنى لهم عن تجشم محاولة إثبات الموضوع الأول،
إذ لو ثبت وجود الإمام الثاني عشر لثبتت صحة نظرية الإمامة، نوعا ما، وإذا لم يثبت
وجوده يستحيل إثبات نظرية الإمامة بتلك الصورة المعروفة لدى الشيعة الامامية
الاثني عشرية.
ومن هنا شعرت بضرورة إخراج الكتاب بشكل جديد،
واختصار الجزئين الأول والثالث، مع التركيز على الجزء الثاني من كتاب "تطور
الفكر السياسي الشيعي" وهو:"الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري..
حقيقة تاريخية؟ أم فرضية فلسفية؟" وطباعته بصورة مستقلة. أملا في أن يساعد
نشر هذا الكتاب في إثراء البحث حول الموضوع، وتطوير الفكر السياسي الشيعي خطوات
أوسع نحو الديموقراطية، وتوحيد الأمة الإسلامية.
أحمد
الكاتب
11
آذار 2007
لندن
ملخص الجزء الأول[1]
نظرية
الإمامة الإلهية لأهل البيت
الشورى
نظرية أهل البيت السياسية
يشكل
"الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري" الرقم الثاني عشر في سلسلة
الأئمة المعصومين الذين يعتقد الشيعة الإثنا عشرية بتعيينهم من قبل الله، والذي
يقولون إنه ولد في منتصف القرن الثالث الهجري، بصورة سرية واختفى بعد وفاة والده الإمام
العسكري سنة 260 للهجرة، في سامراء.
والإثنا عشرية هم فريق من الإمامية الذين ولدوا
في القرن الثاني الهجري من بين عدد من الفرق الشيعية التي كانت تحارب الدولة
الأموية وتلتف حول عدد من الأئمة العلويين أو الفاطميين. وامتاز الإمامية بلقبهم
هذا لأنهم طوروا ولاءهم لأهل البيت من ولاء سياسي إلى عقيدة دينية، واعتقدوا بأن
الأئمة معصومين ومعينين من قبل الله. ورفضوا - بناء على ذلك- الشورى كطريق لانتخاب
الإمام.
وكان قولهم هذا رد فعل على تسلط الحكام الأمويين
بالقوة ، وتداولهم للسلطة بالوراثة ، وادعائهم للعصمة ومطالبتهم للأمة بالطاعة
المطلقة، فقالوا رداً على ذلك بأحقية أهل البيت من الأمويين بالخلافة، وضرورة
تداولها في أعقابهم. ولكن هذه النظرية لم تكن نظرية أهل البيت أنفسهم ولا عموم الشيعة
في القرون الأولى.
وقد انطلق الإماميون في بناء نظريتهم من كون
الإمام علي بن أبي طالب وصيا للنبي (ص) وهو أمر ثابت لا يختلف عليه المسلمون.[2] ولكنه
كان يتعلق بالأمور العادية والشخصية، ولم تكن له علاقة بالسياسة والإمامة أو
الخلافة الدينية.[3]
كما انطلقوا من "حديث الغدير" الذي ورد أن النبي قال فيه:"من كنت
مولاه فهذا علي مولاه". وهو حديث
يعترف المسلمون بصحته ولكنهم ينفون دلالته على الإمامة. ومن هنا فان الصحابة
(رضي الله عنهم) لم يفهموا من حديث الغدير أو غيره من الأحاديث معنى النص والتعيين
بالخلافة ، ولذلك اختاروا طريق الشورى ، وبايعوا أبا بكر كخليفة من بعد الرسول (ص).
وكان منهم الإمام علي نفسه الذي بايع أبا بكر وعمر وعثمان. ولم يستلم الخلافة إلا
بعد بيعة الناس له بيعة عامة في المسجد. وينقل الكليني رواية عن الإمام محمد
الباقر يقول فيها إن الإمام علي لم يدع إلى نفسه وإنه أقر القوم على ما صنعوا
وكتم أمره.[4] وعندما قتل
عثمان وجاء المهاجرون والأنصار إلى الإمام علي يطالبونه بتولي الخلافة ، دفعهم ، وقال
لهم: " دعوني والتمسوا غيري، واعلموا أنى إن أجبتكم ركبت بكم ما اعلم ، وان
تركتموني فأنا كأحدكم ، ولعلي أسمعكم واطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميرا".[5]
وهناك
رواية في (كتاب سليم بن قيس الهلالي) تكشف عن إيمان الإمام علي بنظرية الشورى وحق الأمة
في اختيار الإمام ، حيث يقول في رسالة له:" الواجب في حكم الله وحكم الإسلام
على المسلمين بعدما يموت إمامهم أو يقتل .. أن لا يعملوا عملا ولا يحدثوا حدثا ولا
يقدموا يدا ولا رجلا ولا يبدءوا بشيء قبل أن يختاروا لأنفسهم إماما عفيفا عالما
ورعا عارفا بالقضاء والسنة".[6]
وعندما
أصبح الإمام علي (ع) حاكما كان ينظر إلى نفسه كانسان عادي غير معصوم ، ويطالب
المسلمين أن ينظروا إليه كذلك ، ويقول لهم:" إني لست في نفسي بفوق أن أخطئ
ولا آمن ذلك من فعلي ، إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني، فلا تكفوا عن
مقالة بحق أو مشورة بعدل".[7]
وعندما ضربه عبد الرحمن بن ملجم ، دخل المسلمون على
الإمام علي، وطلبوا منه أن يستخلف ابنه الحسن ، فقال:" لا ، إنا دخلنا على
رسول الله فقلنا: استخلف ، فقال: لا ، أخاف
أن تفرقوا عنه كما تفرقت بنو إسرائيل عن هارون، ولكن إن يعلم الله في قلوبكم خيراً
يختر لكم" . وسألوه أن يشير عليهم بأحد ، فما فعل ، فقالوا له: إن فقدناك
فلا نفقد أن نبايع الحسن . فقال:" لا آمركم ولا أنهاكم . أنتم أبصر".[8]
وقد
قام الإمام أمير المؤمنين (ع) بالوصية إلى الإمام الحسن وسائر أبنائه، ولكنه لم
يتحدث فيها عن الإمامة أو الخلافة ، حيث كانت وصيته شخصية وروحية وأخلاقية.[9]
وذكر المؤرخون: انه لما توفي الإمام علي
(ع) خرج عبد الله بن العباس بن عبد المطلب إلى الناس فقال: إن أمير المؤمنين توفي
، وقد ترك خلفا ، فان أحببتم خرج إليكم ، وان كرهتم فلا أحد على أحد. فبكى الناس
وقالوا: بل يخرج إلينا.[10]
وبعد أن بايعه الناس قام الإمام الحسن بالتنازل
عن الخلافة إلى معاوية، واشترط عليه العودة بعد وفاته إلى نظام الشورى، حيث قال في
شروط الصلح: "...على انه ليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده، وأن يكون الأمر
شورى بين المسلمين".[11]
ولو كانت الخلافة بالنص من الله والتعيين
من الرسول ، كما تقول النظرية الامامية ، لم يكن يجوز للإمام الحسن أن يتنازل عنها
لأي أحد تحت أي ظرف من الظروف ، ولم يكن يجوز له بعد ذلك أن يبايع معاوية أو أن
يدعو أصحابه وشيعته لبيعته ، ولم يكن يجوز له أن يهمل الإمام الحسين وإنما كان يجب
أن يشير إليه من بعده .. ولكن الإمام الحسن لم يفعل أي شيء من ذلك وسلك مسلكا يوحي
بالتزامه بحق المسلمين في انتخاب خليفتهم عبر نظام الشورى.
وهكذا نجد ذات الفكر السياسي عند الإمام الحسين
الذي خرج على يزيد بن معاوية سنة 60 للهجرة، حيث لا توجد أية آثار لنظرية النص في
رسائله إلى شيعة الكوفة، ولم يكن يطالب بالخلافة كحق شخصي له "لأنه ابن الإمام
علي أو انه معين من قبل الله". ولذلك فانه لم يفكر بنقل "الإمامة" إلى
أحد من ولده ، ولم يوصِ إلى ابنه الوحيد الذي ظل على قيد الحياة (علي زين العابدين)،
وإنما أوصى إلى أخته زينب أو ابنته فاطمة ، وكانت وصيته عادية جدا تتعلق بأموره
الخاصة، ولا تتحدث أبدا عن موضوع الإمامة
والخلافة.[12]
وقد
اعتزل علي بن الحسين السياسة ، ورفض قيادة الشيعة الذين كانوا يطالبون بالثأر
لمقتل أبيه الحسين، ويعدون للثورة ، ولم يدّعِ الإمامة ، ولم يتصدَّ لها ، ولم ينازع
عمه محمد بن الحنفية فيها ، وكما يقول الشيخ الصدوق :" فانه انقبض عن الناس
فلم يلق أحدا ولا كان يلقاه إلا خواص أصحابه ، وكان في نهاية العبادة ولم يخرج عنه
من العلم إلا يسيرا".[13]
وعندما قام المختار بن عبيدة الثقفي
بحركته في الكوفة ، كتب إلى علي بن الحسين يريده على أن يبايع له ويقول بإمامته
ويظهر دعوته ، فأبى أن يجيبه عن كتابه ، فلما يئس المختار منه كتب إلى عمه محمد بن
الحنفية يريده على مثل ذلك ، واخذ يدعو إلى إمامته. وقد استلم محمد بن الحنفية قيادة الشيعة فعلاً ، ورعى قيام
دولة المختار بن عبيدة الثقفي في الكوفة.
لقد كان أئمة أهل البيت يعتقدون بحق الأمة
الإسلامية في اختيار أوليائها، وبضرورة ممارسة الشورى ، ويدينون الاستيلاء على
السلطة بالقوة. ولعلنا نجد في الحديث الذي يرويه الصدوق عن الإمام الرضا عن أبيه
الكاظم عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر عن علي بن الحسين عن الحسين بن
علي عن أبيه عن جده رسول الله (ص) والذي يقول فيه من جاءكم يريد أن يفرق الجماعة
ويغصب الأمة أمرها ويتولى من غير مشورة فاقتلوه ، فان الله عز وجل قد أذن ذلك"
[14].. لعلنا
نجد في هذا الحديث افضل تعبير عن إيمان أهل
البيت بالشورى والتزامهم بها. وإذا كانوا يدعون الناس إلى اتباعهم والانقياد إليهم
فإنما كانوا يفعلون ذلك إيمانا بأفضليتهم وأولويتهم بالخلافة في مقابل الحكام
الذين كانوا لا يتبعون الكتاب ولا يقيمون القسط ولا يدينون بالحق.
من
هنا وتبعا لمفهوم (الأولوية) قالت أجيال من الشيعة الأوائل، وخاصة في القرن الأول
الهجري:" إن عليا كان أولى الناس بعد رسول الله لفضله وسابقته وعلمه ، وهو
افضل الناس كلهم بعده ، و أشجعهم و أشجاهم وأرعهم وأزهدهم" . وأجازوا مع ذلك إمامة
أبى بكر وعمر وعدوهما أهلا لذلك المكان والمقام ، وذكروا: "إن عليا سلم لهما الأمر
ورضي بذلك وبايعهما طائعا غير مكره وترك حقه لهما ، فنحن راضون كما رضي المسلمون
له ، ولمن بايع ، لا يحل لنا غير ذلك، ولا يسع منا أحدا إلا ذلك ، وان ولاية أبى
بكر صارت رشدا وهدى لتسليم علي ورضاه ".[15]
وكانت
نظرتهم إلى الشيخين أبى بكر وعمر نظرة إيجابية ، إذ لم يكونوا يعتبرونهما "غاصبين"
للخلافة التي تركها رسول الله شورى بين
المسلمين، ولم ينص على أحد بالخصوص.
من
الشورى إلى .. الحكم الوراثي
وحتى بداية القرن الثاني
الهجري لم يكن الفكر السياسي الشيعي يعرف نظرية النص أو الإمامة الإلهية، حيث كان الإمام
محمد الباقر يجادل منافسيه من أبناء علي والحسين بالعلم وامتلاك سلاح رسول الله
وحق وراثة المظلوم ، اكثر مما كان يجادلهم بالنص الصريح أو الوصية الواضحة. وقد
اعتمد الإمام الباقر في الدعوة إلى نفسه ، باعتباره أولى من الجميع ، للثأر من
مقتل جده الإمام الحسين ، وبالتالي قيادة الشيعة لتحقيق هذا الهدف ، فكان يقول:"ومن
قُتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا" (الإسراء 17:33) [16] بينما كان أخوه الإمام زيد بن علي يعتمد في
إمامته على الجهاد ويقول: ليس الإمام منا من جلس في بيته و أرخى ستره وثبط عن
الجهاد ، ولكن الإمام منا من منع حوزته وجاهد في سبيل الله حق جهاده ودفع عن رعيته
وذب عن حريمه.[17]
ولم يكن الإمام الصادق يطرح نفسه كإمام مفترض
الطاعة من الله ، وإنما كزعيم من زعماء أهل البيت ، ولذلك فقد استنكر قول بعض
الشيعة في الكوفة "إنه إمام مفترض الطاعة من الله". وقال لمن سأله: ما
اعرف ذلك في أهل بيتي .[18] وقد
استطاع الإمام الصادق أن يثبت إمامته وجدارته في قيادة الشيعة بما كان يتمتع به من
خلق رفيع وعلم غزير ومحتد كريم . ولم يكن بحاجة ماسة للوصية أو الإشارة إليه لكي
يتبوأ ذلك المقام العظيم الذي احتله في المجتمع والتاريخ. ولا توجد في التراث الشيعي
أحاديث كثيرة عن موضوع النص عليه أو الوصية له من أبيه بالإمامة ، ما عدا رواية
تتحدث عن وصية عادية جداً .[19]
ونتيجة
لعدم تمتع الإمام الصادق بميزة "إلهية" خاصة ، وعدم معرفة الشيعة في ذلك
الزمان بوجود أي نص إلهي حوله بالإمامة ، فقد قام عمه الإمام زيد بن علي بقيادة
الشيعة، وفجر ثورة في الكوفة سنة 122هـ ، والتف الشيعة من بعده حول ابنه يحيى بن
زيد الذي قام بثورة أخرى ضد النظام الأموي سنة 125هـ.. وبعد فشل هاتين الثورتين
بثلاثة أعوام تفجرت ثورة شيعية أخرى واسعة عام 128 للهجرة ، بقيادة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار.
وهي الثورة التي عصفت بجماهير الشيعة في مختلف مدن العراق وامتدت إلى الماهين
وهمذان وقومس واصبهان والري وفارس ، وقد كان شعار الثورة : (إلى الرضا من آل محمد)
وهي دعوة عموم الشيعة في ذلك الحين ، وقد اتخذ عبد الله ابن معاوية من اصبهان
مركزا لدعوته وحركته ومناطق نفوذه ، وبعث إلى الهاشميين علويين وعباسيين يدعوهم إليه
ليساهموا معه في إدارة البلاد التي سيطر عليها فقدم عليه عدد كبير منهم.[20]
وبعد فشل هذه الثورة ذهب الشيعة إلى اتباع
الإمام محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ذي النفس الزكية الذي ظهر في المدينة في
أول رجب سنة 145هـ، في أيام المنصور العباسي. [21]
بوادر الفكر الإمامي
وفي تلك الأثناء، قام فريق صغير من المتكلمين
الشيعة بالغلو في أهل البيت، وادعى بعضهم كهشام بن الحكم الكندي وهشام بن سالم
الجواليقي ومحمد بن علي النعمان ، الملقب بمؤمن الطاق، وعلي بن إسماعيل بن شعيب بن
ميثم التمار ، وحمران بن أعين ، وأبي بصير
المرادي :" أن الإمامة مفروضة من الله ، وهي في أهل البيت ، وإنها متوارثة في
ذرية الحسين بصورة عمودية إلى يوم القيامة ، وإنها تثبت بالنص أو الوصية أو المعاجز
الغيبية".[22]
وكانوا يغلفون أقوالهم بلفائف من الكتمان ، ويدعون أن الأئمة كانوا يسرون لهم
بذلك، خلافا لما كانوا يعلنون ، ويفسرون نفيهم لهذه النظرية بالخوف والتقية.
فلسفة
العصمة
وقد انطلق أولئك المتكلمون في بناء نظريتهم
"الإمامية" من ضرورة "العصمة" في الإمام (أي الرئيس أو الخليفة
أو السلطان) وذلك بناء على مفهوم الإطلاق في الطاعة لأولي الأمر، وعدم جواز النسبية فيها. وهو المفهوم الذي كان الحكام الأمويون
يدأبون على ترويجه، ويطالبون المسلمين بطاعتهم طاعة مطلقة في الخير والشر ، على أساسه.
وهو ما أوقع فلاسفة الإمامية والمتكلمين في شبهة التناقض بين ضرورة طاعة الله الذي
يأمر بطاعة أولى الأمر، كما في الآية الكريمة: ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا
الرسول و أولي الأمر منكم ) النساء 59، وضرورة طاعة الحكام بصورة مطلقة حتى في
المعاصي والمحرمات. فقال المتكلمون بضرورة
أن يكون الإمام (مطلق الإمام) "معصوماً من الله" حتى لا يأمر بمعصية ولا
يقع المسلمون في حرج التناقض بين طاعته في ذلك وعصيان الله ، أو معصيته وعصيان
الله الذي يأمر بطاعته.[23]
وبالإضافة إلى قضية الطاعة وضرورة أن يكون
الوالي أو صاحب الأمر معصوماً ، ادعى بعض المتكلمين الشيعة عدم استطاعة المسلمين
التعامل مع القرآن والاستفادة منه مباشرة، وقالوا بوجود حاجة إلى مفسر للقرآن
الكريم يستقي علمه من الله.[24] ورفضوا
طريق الاجتهاد للحصول على العلم الشرعي.[25] ورأى بعضهم
ضرورة توفر شروط أخرى في الإمام ، وهي وجوب أن يكون أفضل المسلمين ، وعدم جواز إمامة
المفضول.[26]
وبعد
تقرير ضرورة اتصاف الإمام ، مطلق الإمام ، بالعصمة والأفضلية، وعدم جواز إمامة غير
المعصوم أو الجاهل أو المفضول ، وهو ما لا يوجد طريق للتعرف عليه سوى إرشاد الله
تعالى إليه، قام الفكر الإمامي بإسقاط الشورى طريقا لاختيار الإمام ، ليحل محلها
النص أو الوصية أو المعاجز الغيبية التي تميز الإمام المختار من قبل الله تعالى عن
غيره من البشر.[27]
يقول الشريف المرتضى:" إذا ثبت وجوب كون
الإمام عالما بكل الأحكام استحال اختياره ووجب النص عليه... وإذا ثبت أن الإمام
لنا في جميع الدين وعلومه وأحكامه ، وجب أن يكون افضل منا في جميع ذلك ، وفي ثبوت
كونه افضل واكثر ثوابا وجوب النص عليه ، لأن ذلك مما لا طريق إلى معرفته بالاختيار".[28] ويضيف:"
اعلم أن كلامنا في وجوب النص ، وانه لا بد منه ولا يقوم غيره في الإمامة مقامه ،
تقدم ، وذلك كافٍ في فساد الاختيار ، لأن كل شيء أوجب النص بعينه فهو مبطل
للاختيار".[29]
واختلف الشيعة الأوائل في امتداد الإمامة في
البيتين الحسني أو الحسيني، فقال بعضهم كالجارودية: إن حديث الثقلين يشمل الجميع. وبنوا
نظريتهم في جواز الإمامة في أبناء الحسن والحسين على ذلك الحديث .[31] وفضل
بعضهم أبناءَ الحسن على أولاد الحسين، وذهبوا إلى كون المهدي المنتظر منهم. فيما
قام فريق ثالث بحصر الإمامة في ذرية الحسين فقط دون دليل ظاهر. وقد ادعى هشام بن
سالم الجواليقي انه سأل الإمام الصادق كيف صارت الإمامة من بعد الحسين في عقبه
دون ولد الحسن ؟.. فقال:"إن الله تبارك وتعالى أحب أن يجعل سنة موسى وهارون
جارية في الحسن والحسين، ألا ترى انهما شريكين في النبوة كما كان الحسن والحسين
شريكين في الإمامة".[32] ولكن الشيعة
ظلوا يتساءلون عن سر حصر الإمامة في ذرية الحسين مع قيام أبناء الحسن بقيادة
الشيعة عمليا وتفجيرهم للثورات المختلفة هنا وهناك.[33] وكان عبد الله بن الحسن بن الحسن ينكر حصر الإمامة في البيت
الحسيني ، ويقول مستنكرا: "كيف صارت الإمامة في ولد الحسين دون الحسن وهما
سيدا شباب أهل الجنة ؟! وهما في الفضل سواء، إلا ان للحسن على الحسين فضلا بالكبر،
وكان الواجب أن تكون الإمامة إذن في الأفضل".[34]
نظرية الإمامة
في مواجهة التحديات
نقد فلسفة
العصمة
لم تكد نظرية الإمامة الإلهية تولد، حتى واجهت
سلسلة من التحديات التي وضعتها على محك الاختبار، وأثبتت استحالتها ، فمن جهة كان
مبدأ اشتراط "العصمة" في الإمام، الذي قامت عليه، مبدأ حادثاً، مرفوضا من قبل أهل البيت وعموم الشيعة ،
حيث كانت فلسفة العصمة تقوم على مبدأ الإطلاق في الطاعة لولي الأمر، وعدم جواز أو إمكانية
النسبية فيها ، وذلك مثل الرد على الإمام ورفض إطاعته في المعاصي والمنكرات لو أمر
بها ، والأخذ على يده عند ظهور فسقه وانحرافه . وهو المبدأ الذي كان الحكام الأمويون
يدأبون على ترويجه ومطالبة المسلمين بطاعتهم على أساسه طاعة مطلقة في الخير والشر
، وهو ما أوقع فلاسفة الامامية في شبهة التناقض بين ضرورة طاعة الله الذي يأمر
بطاعة أولى الأمر في الآية الكريمة: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا
الرسول وأولي الأمر منكم) النساء 59 ، وضرورة طاعة الحكام بصورة مطلقة حتى في
المعاصي والمحرمات.[45]
لكن هذا الأمر لم يثبت من إطلاق الآية الشريفة
، التي قد تفهم أيضا على أساس النسبية ، بل إن هذا ما يوحي به العرف والعقل والآيات
الأخرى في القرآن الكريم ، التي تؤكد على مبدأ :" لا طاعة لمخلوق في معصية
الخالق ". ومع إن آية (أولي الأمر) كانت تنطبق على أولي الأمر والولاة
والقادة الذين كان يعينهم الرسول الأكرم في حياته ، فان المسلمين الأوائل لم
يكونوا يفهمون منها : معنى الإطلاق ، والطاعة لأولي الأمر حتى في المعاصي
والمنكرات، وقد رفضت جماعة من المسلمين كان الرسول الأكرم قد أرسلها في سرية وأمّر
عليها رجلا ، طاعة ذلك الرجل عندما أمر الجماعة في وسط الطريق بدخول نار أشعلها ،
وطالبهم بالامتثال لأوامره ، وقالوا له: لقد فررنا من النار فكيف ندخل فيها .
وفهموا الطاعة في حدود العرف والعقل والشرع ، وليس خارج ذلك ، وعادوا فأخبروا
الرسول بما فعل القائد ، فأقرّهم على موقفهم العقلائي ،وحذرهم قائلا: لو دخلتم
فيها للبثتم فيها.
وهذا ما يؤيد إمكانية الفهم النسبي لآيات
القرآن الكريم في حدود العقل والعرف والسيرة والشرع، وعدم جواز فهمها فهما مطلقا
دائما حتى في حالات التعارض مع أحكام أخرى عقلية أو شرعية.
وإذا انتفى الإطلاق وثبتت النسبية في الطاعة لأولي
الأمر؛ لا تبقى حاجة إلى اشتراط العصمة في الإمام ، ويمكن للمسلمين انتخاب قائد
لهم على أساس العدالة الظاهرية والتقوى والكفاءة، ليطبق لهم الدين ويأمرهم
بالمعروف وينهاهم عن المنكر. وإذا انحرف هذا القائد (الإمام) فان لهم الحق في
عصيانه ومخالفة أوامره وإسقاطه عن منصب الإمامة ، ولا طاعة له من الله في أعناقهم.
ولكن المتكلمين الامامية رفضوا النسبية رفضا مطلقا وأصروا على مفهوم الإطلاق من الآية
، ولذلك بنوا نظريتهم في العصمة على هذا الأساس ، ثم أقاموا سائر المقولات على
قاعدة العصمة.[46]
وكان أهل البيت أنفسهم يرفضون
"العصمة " أشد الرفض ، ويصرحون أمام
الجماهير بأنهم أناس عاديون قد يخطئون وقد يصيبون وأنهم ليسوا معصومين من الذنوب ،
ويطالبون الناس بنقدهم وإرشادهم واتخاذ موقف المعارضة منهم لو صدر منهم أي خطأ أو أمروا
بمنكر لا سمح الله . وقد وقف الإمام أمير المؤمنين علي بن أبى طالب في مسجد
الكوفة وخاطب الجموع قائلا: "لا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظوا
مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة ولا تخالطوني بالمصانعة ولا تظنوا بي استثقالا
في حق قيل لي ولا التماس إعظام لنفسي لما لا يصلح لي ، فانه من استثقل الحق أن
يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما اثقل عليه .. فلا تكفوا عن مقالة
بحق أو مشورة بعدل ، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطيء ولا آمن ذلك من فعلي ، إلا أن
يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني . فإنما أنا وانتم عبيد مملوكون لرب لا رب
غيره يملك منا ما لا نملك من أنفسنا ، وأخرجنا مما كنا فيه إلى ما صلحنا عليه،
فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى وأعطانا البصيرة بعد العمى".[47]
وقال الإمام الصادق: " والله ما نحن إلا
عبيد ... ما نقدر على ضرّ ولا نفع ، إن رحمنا فبرحمته، وان عذبنا فبذنوبنا ، والله
مالنا على الله من حجة ولا معنا من الله براءة ، وإنا لميتون ومقبورون ومنشورون
ومبعوثون ومسئولون .. أشهدكم أنى امرئ ولدني رسول الله وما معي براءة من الله ، إن أطعت رحمني وان
عصيته عذبني عذابا شديدا".[48]
أزمة البداء
ومن جهة أخرى أصيبت النظرية الامامية الوليدة
، في منتصف القرن الثاني الهجري، بنكسة شديدة عندما توفي إسماعيل بن جعفر الصادق ،
وكان الاماميون في الكوفة قد التفوا حوله ونقلوا عن أبيه: أن إسماعيل خليفته من
بعده ، فلما توفي في حياة أبيه تبين أن تعيينه ليس من الله ، وإلا فانه لم يكن
ليموت قبل أبيه ، أو كان الإمام يوصي إلى من يعلم من الله انه سوف يبقى بعده. ولكن
الإمامية غطوا على هذه المشكلة، بالقول بالبداء ، والزعم بتغير إرادة الله بشأن إسماعيل
، بعد أن كان الإمام الصادق ، حسب قولهم، قد أشار إليه وعينه إماما من بعده.
ورفض الإمام الصادق بعد ذلك تحديد هوية الإمام
من بعده، فتوفي زرارة بن أعين ، وهو من أكبر أصحاب الإمامين الباقر والصادق ، دون أن
يعرف هوية الإمام الجديد ، فوضع القرآن على صدره وقال: اللهم اشهد أني أأتم بمن أثبت
إمامته هذا المصحف.[49] ولكن معظم الشيعة ذهبوا إلى القول بإمامة عبد
الله الأفطح بن الصادق، باعتباره أكبر أولاد الإمام.[50] وكاد أن
يحضى بإجماع الشيعة عليه بالرغم من عدم وجود نص واضح وصريح عليه من أبيه الإمام
الصادق.[51] إلا أن
عبد الله توفي بعد حوالي سبعين يوما من وفاة أبيه الصادق ، دون ان يخلف ولدا تستمر
الإمامة في ذريته ، وهذا ما خلق أزمة جديدة في صفوف الامامية الذين كانوا يعتقدون
أن الإمامة من الله ، وانها لا بد ان تستمر في الأعقاب وأعقاب الأعقاب هكذا أبدا إلى
يوم القيامة، فانقسموا إلى ثلاث فرق ، حيث تراجع قسم منهم وهم "الموسوية"
عن القول بإمامته وشطبوا اسمه من لائحة الأئمة. وانتقل قسم آخر إلى القول بإمامة أخيه
موسى من بعده ، وعرف هؤلاء بالفطحية، وكانوا من كبار أصحاب الإمام الصادق وبقية الأئمة
اللاحقين .[52]
وقد تجاوز هؤلاء مسألة الوراثة العمودية ، وأجازوا القول بإمامة الأخوين إذا لم
يكن للسابق ولد. بينما أصر فريق ثالث على ادعاء وجود ولد لعبد الله الأفطح ، في
السر ، وقد أخفاه للتقية ، وقالوا إن اسمه ( محمد بن عبد الله) وانه المهدي المنتظر ، وانه غائب في اليمن.
وقد كشفت هذه الأزمة عن شاشة وغموض نظرية النص
في الإمامة ، وصعوبة تحديد الامامية أو معرفتهم بالإمام المنصوص عليه من الله، أو
اتفاقهم عليه، وإمكانية القول بإمام لا تتوفر فيه شروط الإمامة ، ثم التراجع عنه
بعد ذلك ، مثل عبد الله الأفطح.
دليل المعاجز
ولما لم يكن الإمام موسى الكاظم يدعو إلى
نفسه، ولم يكن يوجد عليه أي نص خاص من الله أو من أبيه ، فقد لجأ الامامية إلى
سلاح "المعاجز وعلم الغيب" ليثبتوا وجود الارتباط الخاص بالسماء للإمام
الكاظم ، وتحديده من بين اخوته كوريث شرعي ووحيد للإمام الصادق.[53]ويقول
الكليني:"إن الإمام الكاظم كان يعلم متى يموت الرجل ويخبر أصحابه بذلك ، كما
يخبرهم بمصائرهم في المستقبل.[54] إلا ان هذا "الدليل" كان يعاني من مشكلة صعوبة إثباته لأي أحد، خاصة
في ظل نفي الإمام الكاظم له وإنكاره لمعرفة علم الغيب .
ولم تكد نظرية الإمامة تلتقط أنفاسها
بعد أزمة الوصية إلى إسماعيل والبداء فيه ، وأزمة عبد الله الأفطح ووفاته دون عقب
، ثم أزمة إثبات إمامة الكاظم، حتى وقعت في أزمة جديدة هي: وفاة الإمام موسى
الكاظم في سجن هارون الرشيد في بغداد سنة 183هـ بصورة غامضة ، وقول عامة الشيعة
الموسوية بهروب الإمام من السجن وغيبته ، وإنكار وفاته. وقد كانت وفاة الكاظم
غامضة حقاً بحيث التبس الأمر على معظم أبنائه و تلامذته وأصحابه.[55] وكان
السبب الرئيسي في (وقوف) الشيعة الموسوية على الإمام الكاظم ، ورفض الاعتراف بإمامة
ابنه الرضا ، هو وجود روايات كثيرة متداولة تلك الأيام بمهدوية الكاظم وحتمية
قيامه قبل موته.[56]
وقد تشبث الاماميون في عملية إثبات "الإمامة"
للرضا، بوصية الإمام الكاظم إليه ، ولكن الوصية كانت غامضة أيضا ، و غير صريحة بالإمامة
، خاصة وان الكاظم أشرك فيها بقية بنيه مع الرضا.[57] ونتيجة لغموض النص حول الإمام الرضا ، وعدم شيوع نظرية الإمامة الإلهية
بين أوساط الشيعة في عهده، فقد برز عدد من
الزعماء العلويين الآخرين كقادة للحركة الشيعية المعارضة ، كعلي بن عبيد الله بن
الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب ، و عبد الله بن موسى ، و محمد بن إبراهيم
ابن طبطبا بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبى طالب. وأعلن محمد الديباج بن الإمام
الصادق، نفسه: "أميرا للمؤمنين" في الحجاز ، وأخذ البيعة بعد صلاة
الجمعة لست خلون من ربيع الآخر سنة 200
للهجرة، وقد رجا أن يكون المهدي القائم .. ولكنه سرعان ما فشل وتنازل عن الخلافة
، وبايع المأمون.[58]
وما يهمنا من أمر محمد الديباج ، هو موقف
الطالبيين والشيعة عموما من حركته، وحشر الناس لبيعته ، وهو ما يدل على حجم
التأييد له بالنسبة إلى ابن أخيه الرضا ، وجهل عامة الشيعة بنظرية الإمامة الإلهية
القائمة على العصمة والنص التي كان يقول بها جماعة من المتكلمين في الكوفة بصورة
سرية.
وعندما
عرض المأمون العباسي الخلافة على الإمام علي بن موسى الرضا عام 201 للهجرة ، فانه
لم يعرضها عليه باعتباره الإمام الثامن في سلسلة الأئمة الاثني عشر ، وإنما بناء
على فضله وجلالته ، وكان المأمون قد عاهد الله ، خلال صراعه مع أخيه الأمين، أن
ينقل الخلافة إلى افضل آل أبى طالب، ثم أعلن: ان علي الرضا هو افضل العلويين. [59] وقد دعا
المأمون الإمام الرضا لاستلام الخلافة منه ، وعندما رفض الإمام ذلك ، عرض عليه ولاية العهد فقبلها.[60]
ومهما اختلف المؤرخون في تحليل موقف المأمون ،
فان مبايعة الإمام الرضا له وقبوله بولاية العهد، يكشفان عن موقف أيديولوجي ظاهر
بشرعية خلافة المأمون وواقعية إمامة الرضا، بعيدا عن نظرية "الإمامة الإلهية الخاصة في
أولاد علي والحسين" .
وقد تحدث الإمام الرضا عن نظرية الشورى بصراحة
وروى عن آبائه وأجداده الأطهار ، حديثا عن رسول الله (ص) أنه قال:" من جاءكم
يريد أن يفرق الجماعة ويغصب الأمة أمرها ويتولى من غير مشورة فاقتلوه فان الله قد أذن
ذلك".[61]
وهو ما يكشف عن نظرية الإمام الرضا السياسية الحقيقة المنسجمة مع الخط العام لأهل
البيت ، والتي تؤكد حق الأمة في الشورى واختيار حكامها وتدعو إلى قتل كل من
يغتصبها حقها ويستولي عليها بدون إرادتها ..
أزمة
الطفولة
ورغم
ذلك فقد كان الإماميون يتشبثون بأفكارهم المغالية بعيدا عن أهل البيت، ولكنهم
كانوا يصابون كل يوم بصدمة جديدة. وبينما كانوا يحاولون إثبات إمامة الرضا
"الإلهية" بالنصوص والمعاجز، توفي الإمام الرضا في خراسان سنة 203 هـ وكان ابنه (محمد الجواد) يبلغ من العمر سبع سنين
، مما أحدث أزمة جديدة في صفوفهم ، وشكل تحديا ً كبيراً لنظريتهم السرية الوليدة . حيث لم يكن يعقل ان ينصب الله تعالى لقيادة
المسلمين طفلا صغيراً غير مكلف شرعا، محجوراً عليه لا يحق له التصرف بأمواله
الخاصة حسبما يقول القرآن الكريم: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فان
آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) النساء 6، ولم تتح له الفرصة للتعلم من أبيه
الذي تركه في المدينة وله من العمر أربع سنوات.[62] وهذا ما
أدى إلى انقسام الامامية إلى عدة فرق :
أ - فرقة عادت إلى الوقف على موسى الكاظم.[63]
ب - وفرقة ذهبت إلى أخي الإمام الرضا ( أحمد
بن موسى) وكان على درجة من العلم والتقوى والورع ، كما يصفه الشيخ المفيد في
(الإرشاد). [64]
وقد نحا هؤلاء منحى الفطحية، ولم يلتزموا
بدقة بقانون الوراثة العمودية ، واعتبروا الجواد الذي كان طفلا صغيرا كأنه لم يكن.
وذهب قسم آخر منهم للالتفاف حول الإمام محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين بن
علي بن أبى طالب ، الذي كان يعيش في الكوفة ، وكان معروفا بالعبادة والزهد والورع
والعلم والفقه ، وفجر ثورة ضد الخليفة المعتصم في الطالقان سنة 218 هـ .[65]
ج - وفرقة قالت بإمامة الجواد ، ولكنها اضطربت
في الإجابة على مشكلَتَي العمر والعلم.[66]
ولما كان الاماميون يعتبرون الإمامة شبيهة بالنبوة،
وأنها من الله ، فلم يصعب عليهم الاستشهاد بآية من القرآن الكريم تقول: ( وآتيناه
الحكم صبياً) مريم 12، وقالوا: كما أعطى الله النبوة ليحيى وهو طفل صغير ، وكما أعطاها
لعيسى وهو طفل صغير، كذلك فلِمَ لا يجوز أن يعطي الإمامة لمحمد الجواد وهو ابن سبع
سنين؟ و رووا عن الجواد انه قال لمن استشكل في عمره :" إن الله تعالى أوحى إلى
داود أن يستخلف سليمان وهو صبي يرعى الغنم". [67]
وبالرغم
من عدم وجود نص صريح بالإمامة من الرضا على الجواد ، أو الوصية له ، وعدم ادعاء
الإمام الجواد نفسه بالإمامة، فقد اضطر الإماميون للقول بإمامته إنقاذا لنظريتهم
من التهاوي والسقوط ، وكان لا بد أن يبنوا قولهم على مجموعة من حكايات المعاجز
والعلم بالغيب .[68]
وقد تكررت مشكلة " صغر عمر الإمام" مرة أخرى مع ابن الجواد (علي الهادي) ، حيث توفي
الجواد في مقتبل عمره ولما يكمل الخامسة والعشرين ، وكان ولده علي صغيرا لم يتجاوز
السابعة. ولذلك أوصى أبوه بالأموال
والضياع والنفقات والرقيق إلى أحد أصحابه وهو: (عبد الله بن المساور) وأمره بتحويلها إلى الهادي عند البلوغ ، وشهد على
ذلك (أحمد بن أبى خالد) مولى أبى جعفر.[69] وهذا ما
دفع الشيعة أيضا إلى التساؤل: إذا كان الهادي بنظر أبيه غير قادر على إدارة الأموال
والضياع والنفقات لصغره ، فمن هو الإمام في تلك الفترة ؟.. وكيف يقوم بالإمامة طفل
صغير ؟.. ولم يقدم الإمامية دليلا على إمامة
الهادي ، سوى دعاوى المعاجز وعلمه بالغيب.[70]
مشكلة
البداء .. مرة أخرى
كانت مسألة الإمامة عند أهل البيت وعامة
الشيعة، تختلف في مفهومها عند "الامامية" الذين كانوا يشكلون فريقا
صغيرا وسريا في الشيعة ، فهي كانت إمامة عادية بشرية عند أولئك ، وإمامة ربانية
عند هؤلاء. ومن هنا كان أئمة أهل البيت
يشيرون أحيانا إلى أحد أبنائهم ، أو يتوقعون أن يخلفهم في مقامهم التوجيهي ، ويموت
في حياتهم ، فيشيرون إلى رجل آخر ، ولا يجدون في ذلك أي حرج أو تناقض. ولكن وفاة أحد
أبناء الأئمة المرشحين للخلافة كان يسبب أزمة في صفوف الامامية الذين كانوا
يعتقدون أن نصب الإمام يأتي من الله تعالى، ولذلك فقد كانوا يستغربون أن يموت الإمام
المقترح و"المعين" في نظرهم في حياة أبيه ، ويعتبرون ذلك تغييراً في الإرادة
الإلهية ، وهو ما عبروا عنه بـ:" البداء" مع انه كان من الصعب عليهم
الاعتراف بالبداء وتغيير الله لإرادته في هكذا موضوع (كالإمامة) ، وذلك لما يسببه
التغيير فيها من حرج وتشكيك للناس في صدقية الأئمة والتراجع عن اعتبار النص من
الله.
لقد فسر الامامية وفاة إسماعيل بن جعفر الصادق
، الذي كانوا قد رشحوه لخلافة أبيه ، بالبداء ، ورفض بعضهم قصة الترشيح من أساسها
في وقت لاحق ، بينما أنكر بعضٌ آخر الوفاة ، وأصر على اختفاء إسماعيل عن الأنظار.
وقد سببت وفاة إسماعيل هزة في الفكر الإمامي أدت إلى تراجع الكثير من الامامية عن
الاعتقاد بأن الإمامة تعيين من الله. وتكررت القصة مرة أخرى بعد مائة عام تقريبا ،
حيث أعلن الإمام الهادي عن ترشيح ابنه (السيد محمد) كخلف له، ولكنه توفي في حياته
، فأوصى إلى أخيه الحسن العسكري وقال له:" يا بني أحدث لله شكراً فقد أحدث
فيك أمرا".[71]
ومثلما حدث مع الإسماعيلية، فقد رفض قسم من شيعة الإمام الهادي الاعتراف بوفاة
ابنه محمد ، وأصروا على القول باستمرار حياته وغيبته ، وتفسير إعلان الهادي لوفاة
ابنه بأنه نوع من التقية والتغطية على الحقيقة.[72]
وتكررت أيضا قصة وفاة عبد الله الأفطح دون عقب ،
مع الإمام العسكري ، الذي توفي كذلك، دون أن يشير إلى وجود ولد له أو يوصي إلى أي أحد
بالإمامة ، مما أدى إلى وقوع الأزمة الكبرى والحيرة العظمى في صفوف الامامية ،
وتفرقهم إلى أربعة عشر فرقة ، كل يقول برأي مختلف.
التطور الإثنا عشري
إذا القينا نظرة فاحصة على تاريخ الشيعة في
القرنين الثاني والثالث، ورأينا تعاطفهم وتجاوبهم مع الثورات المختلفة التي كان
يقودها الأئمة من أهل البيت، كثورة الإمام زيد وابنه يحيى وابنه عيسى، وثورة محمد
بن عبد الله ذي النفس الزكية وأخيه إبراهيم ، وثورة الحسين شهيد فخ ، وثورة محمد
بن القاسم وغيرهم .. وغيرهم ، لوجدنا أن عامة الشيعة وجماهيرهم كانت تلتف حول (أهل
البيت) ولكن من دون تحديد الإمامة في سلسلة معينة ، أو الإيمان بالنص من الله على
واحد منهم ، فضلا عن تسلسلها في أبناء الحسن أو الحسين أو بشكل عمودي وراثي إلى
يوم القيامة ، ولوجدنا الشيعة بصورة عامة ، بعيدين عن نظرية "الإمامة الإلهية"
التي كان يقول بها بعض المتكلمين سراً ويلصقونها بأهل البيت ، الذين كانوا يبرؤن
منها في الحقيقة وفي الظاهر.
ولو القينا نظرة على تراث الامامية خلال ذينك
القرنين الثاني والثالث لوجدنا النظرية الامامية مفتوحة وممتدة إلى يوم القيامة ، وأنها
لم تكن محصورة في عدد محدد من الأئمة أو فترة زمنية خاصة . ومع إنها وصلت إلى طريق
مسدود عند وفاة الإمام الحسن العسكري في سنة 260 للهجرة، دون أن يخلف ولداً تستمر الإمامة
فيه ، ودون أن يشير أو يوصي إلى أي أحد من بعده ، فقد اعتقد الذين آمنوا بوجود ولد
مخفي له ، في البداية ، أن الإمامة ستسمر في ذرية ذلك الولد المخفي إلى يوم
القيامة، ولم يعتقدوا في ذلك الحين ، أنه الإمام
الأخير ، وأن الأئمة اثنا عشر فقط.
وتوجد
في التراث الشيعي العشرات بل المئات من الروايات التي تؤكد على استمرار الإمامة إلى
يوم القيامة ، مما يؤكد أن النظرية الامامية لم تكن محددة في عدد معين، خلال
القرنين الثاني والثالث. وان من يلاحظ تلك الروايات المتواترة التي تتحدث عن
امتداد الإمامة إلى يوم القيامة يجد أنها: عامة، ومطلقة، ومقصودة العموم والإطلاق .
أي إنها آبية عن التخصيص والتقييد. وهي تعبر عن النظرية الامامية الإلهية الموازية
لنظرية الشورى، الممتدة إلى يوم القيامة ، وذلك في مراحل نشوئها الأولى، وقبل أن
تصل إلى الطريق المسدود.
ونظراً لأن نظرية الإمامة كانت في بدو نشوئها
ممتدة إلى يوم القيامة ولم تكن محددة في عدد معين من قبل ، فقد كانت النظرية تقول
بأن النص قد حدث على الإمام علي فقط ، وان النص على الأئمة الآخرين يتم دائما من
قبل الأول للثاني وهكذا إلى يوم القيامة.[73] ولم تكن
تعرف وجود قائمة مسبقة بأسماء الأئمة (الإثني عشر).
وكانت النظرية الامامية، أيضا ، تعترف بعدم
وجود النص الصريح من بعض الأئمة على بعض ، فكانت تتشبث بالوصية العادية وتعتبرها
دليلا على الإمامة ، ولما لم تكن توجد أية وصية على بعض الأئمة الآخرين من آبائهم ،
كالإمام زين العابدين، أو كانت الوصية مشتركة بين عدد من الاخوة ، كأبناء الإمام
الكاظم، فقد كانت النظرية تقول: بأن دليل الإمامة الحاسم، هي المعاجز وعلم الغيب ،
أو الكبر ، أو العلم ، أو حيازة سيف رسول الله. بل إن روايات كثيرة تشير إلى عدم
معرفة الأئمة أنفسهم بإمامتهم، أو إمامة الإمام اللاحق من بعدهم، إلا عند وفاتهم .
فضلا عن جهل الشيعة الامامية أنفسهم ، الذين كانوا يقعون في حيرة واختلاف بعد وفاة
كل إمام ، وكانوا يتوسلون بكل إمام أن يعين اللاحق بعده ويسميه بوضوح ، لكي لا
يموتوا وهم لا يعرفون الإمام الجديد. ومع ذلك فكثيرا ما كانوا يقعون في الحيرة
والجهل.[74] وهو ما
يدل على امتداد نظرية الإمامة إلى يوم القيامة، في طورها الأول، وعدم اقتصارها على
عدد محدود.[75]
ميلاد
النظرية الإثني عشرية
ونظرا لوصول نظرية "الإمامة
الإلهية" إلى طريق مسدود بعد وفاة الإمام الحسن العسكري من دون ولد ظاهر،
والقول بوجود ولد له في السر وغيبته عن الأنظار، وعدم ظهوره لفترة طويلة جدا ..
شهد القرن الرابع الهجري تطورا جديدا في النظرية الامامية هو حدوث الإثني عشرية ،
وهي نظرية حدثت خاصة في صفوف الشيعة الموسوية ، وبالأخص في الجناح المتشدد الذي
كان يلتزم بقانون الوراثة العمودية، ولا يقبل أي تسامح فيه، وقد قال ذلك الجناح
بوجود قائمة مسبقة وتحديد أسماء الأئمة من قبل الرسول الأعظم باثني عشر إماما، هم:
علي بن أبي طالب ، والحسن والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق،
وموسى الكاظم، وعلي الرضا، ومحمد الجواد، وعلي الهادي، والحسن العسكري، وآخرهم الإمام
الغائب المهدي المنتظر:"محمد بن الحسن العسكري".
وكان الهدف من وراء تشكيل هذه القائمة
المسبقة، إثبات وجود الإمام الثاني عشر، الذي كان وجوده محل شك ونقاش في صفوف
الشيعة الامامية. وقد استعانوا بأحاديث "سنية"
ذكرها البخاري ومسلم حول حدوث هرج ومرج بعد الخليفة، أو الأمير الثاني عشر.
ولكي
ينسجم عدد الأئمة السابقين مع هذه الروايات فقد لجأ الإثنا عشريون إلى حذف اسم الإمام
زيد والإمام عبد الله الأفطح والإمام احمد بن موسى، الذين قال بإمامتهم كثير من
الشيعة الامامية في السابق ، كما رفضوا الاعتراف بإمامة جعفر بن علي الهادي ، وأضافوا
اسم (الإمام محمد بن الحسن العسكري)
ونظموا قائمة جديدة بأسماء تسعة من أولاد الحسين واحدا بعد واحد ، وقالوا بأن
هؤلاء الأئمة قد نصَّ عليهم الرسول وأعلن أسماءهم من قبل، وجاءوا على ذلك بعشرات الأحاديث
التي نسبوها إلى رسول الله (ص) والأئمة السابقين.
وقد أورد الكليني ، في مطلع القرن الرابع
الهجري ، في كتابه (الكافي) سبع عشرة رواية تتحدث عن "الاثني عشرية" بينما
ذكر الشيخ الصدوق ، بعد ذلك بنصف قرن ،
خمساً وثلاثين رواية حول الموضوع (في كتابه إكمال الدين) ، وأكملها الخزاز، في
كتابه (كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر) إلى مائتي رواية، في نهاية
القرن الرابع.
ولكن النظرية الاثني عشرية لم تستقر في أذهان
الشيعة الامامية بسهولة، إذ انتشرت بعض الأحاديث التي تقول: إن عدد الأئمة ثلاثة
عشر. (كما ورد في كتاب سليم بن قيس الهلالي والكافي للكليني) وقد قامت على أثرها
فرقة تسمى "الثلاث عشرية" بقيادة (أحمد بن هبة الله الكاتب، حفيد عثمان
بن سعيد العمري). وقد قال الصدوق بصراحة: "إننا لسنا مستعبدين في ذلك إلا بالإقرار
باثني عشر إماما ، واعتقاد كون ما يذكره الثاني عشر بعده". وروى عدة روايات
حول احتمال امتداد الإمامة بعد المهدي وعدم الاقتصار عليه، فروي عن الإمام أمير
المؤمنين رواية حول غموض الأمر بعد القائم، وأن رسول الله قد عهد إليه أن لا يخبر أحدا
بذلك إلا الحسن والحسين ، وأنه قال : " لا تسألوني عما يكون بعد هذا فقد عهد إلي
حبيبي أن لا أخبر به غير عترتي". [76]
الجزء الثاني
"الإمام
المهدي محمد بن الحسن العسكري"
حقيقة
تاريخية ؟.. أم فرضية فلسفية ؟
المدخل:
عصـــر الحيـــــــــــرة!
وفاة
الإمام العسكري
أدت
وفاة الإمام الحسن العسكري، في سامراء سنة 260 للهجرة، دون إعلانه عن وجود خلف له،
والوصية بتركته إلى أمه المسماة بـ:" حديث" إلى تفجر أزمة عنيفة في صفوف الشيعة الامامية الموسوية
، الذين كانوا يعتقدون بضرورة استمرار الإمامة الإلهية إلى يوم القيامة. وحدوث نوع من الشك
والحيرة والغموض والتساؤل عن مصير الإمامة
بعد العسكري ، وتفرقهم في الإجابة عن ذلك إلى
أربع عشرة فرقة. كما يقول النوبختي في (فرق الشيعة)، وسعد بن عبد الله الأشعري
القمي في (المقالات والفرق)، ومحمد بن أبي زينب النعماني في (الغيبة)، والصدوق في
(إكمال الدين)، والمفيد في (الإرشاد) والطوسي
في (الغيبة) ، وغيرهم .. وغيرهم..
ويقول المؤرخون الشيعة: إن جعفر بن علي
الهادي، أخا الحسن العسكري، حاول أن يحوز كل تركة الإمام، ولما اتصل خبر وفاة
الحسن بأمه وهي في المدينة، خرجت حتى قدمت (سرّ من رأى) وادعت الوصية عنه، وثبت
ذلك عند القاضي.[77]
ويذكر المؤرخون الشيعة أيضا: أن جارية للإمام
العسكري، تسمى صقيل ، ادعت أنها حامل منه، فتوقفت قسمة الميراث. وحمل الخليفة
العباسي المعتمد الجارية صقيل إلى داره، وأوعز إلى نسائه، وخدمه
ونساء الواثق ونساء القاضي ابن أبى الشوارب بتعهد أمرها والتأكد من حملها
واستبرائها .. ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية ملازمين لها حتى تبين لهم بطلان
الحمل فقسم ميراث الحسن بين أمه وأخيه جعفر .[78]
ادعاء
جعفر بن علي بالإمامة
ولما كانت
الإمامة تثبت عادة بالوصية من الإمام السابق للّاحق، فقد استغل أخو الإمام العسكري
( جعفر بن علي الهادي ) الذي كان ينافس أخاه على الإمامة في حياته ، استغل الفراغ
الظاهري بعدم وجود ولد لأخيه ، وعدم وصيته أو إشارته إلى أحد، فادعى الإمامة لنفسه
بعد أخيه ، وقال للشيعة:" مضى أبو محمد أخي ولم يخلف أحدا لا ذكراً ولا أنثى
، وأنا وصيه" و كتب إلى بعض الموالين في قم - التي كانت مركزا للشيعة يوم ذاك
- يدعوهم فيها إلى نفسه ويعلمهم أنه القيّم بعد أخيه، ويدعي أن عنده من علم الحلال والحرام ما يحتاج إليه غيره وغير
ذلك من العلوم كلها.[79]
وينقل الصدوق حديثا عن (أبي الأديان البصري)
الذي يصفه بأنه خادم الإمام العسكري ورسوله إلى الشيعة في مختلف الأمصار، أن عامة
الشيعة عزّوا جعفر وهنئوه، وكان من ضمنهم "النائب الأول" عثمان بن سعيد
العمري. [80]
ويذكر النوبختي والأشعري القمي والمفيد، أن بعض
شيعة الإمام العسكري ، وخاصة الفطحية ، اعترفوا بالظاهر وسلموا بعدم وجود ولد
للعسكري ، وآمنوا بإمامة أخيه جعفر . وقالوا : إن الحسن بن علي توفي ولا عقب له والإمام
بعده جعفر بن علي أخوه ، وذهبوا في ذلك إلى بعض مذاهب الفطحية الذين جمعوا بين إمامة
عبد الله وموسى ابني جعفر الصادق، والذين لم يكونوا يشترطون الوراثة العمودية
دائما في الإمامة. وكان
رئيسهم والداعي لهم إلى ذلك رجل من أهل
الكوفة من المتكلمين يقال له (علي بن الطاحي الخزاز) وعلماء بني فضال، وأخت الفارس
بن حاتم بن ماهويه القزويني .[81]
وكاد أهل قم
أن يستجيبوا لجعفر، لأنهم لم يكونوا يعرفون غيره، وقد اجتمعوا إلى شيخهم احمد بن إسحاق،
وكتبوا إلى جعفر كتاباً، جواباً عن كتابه، وطلبوا منه أن يجيبهم على عدة مسائل؛
قالوا: إن" أسلافنا سألوا عنها آباءك
، فأجابوا عنها بأجوبة، وهي عندنا نقتدي بها ونعمل عليها، فاجبنا عنها بمثل ما أجاب
آباؤك المتقادمون، حتى نحمل إليك الحقوق التي كنا
نحملها إليهم". وأرسلوا وفدا منهم إلى جعفر لمحاورته، فأوصل الكتاب إليه
وسأله في البداية عن كيفية انتقال الإمامة إليه مع وجود خبر يقول بعدم جواز انتقال
الإمامة إلى أخوين بعد الحسن والحسين؟ فاعتذر جعفر بحدوث البداء من الله، لعدم
وجود ولد لأخيه الحسن. [82]
ويقول
الخصيبي (وهو أحد أركان الامامية في تلك الفترة): "إن الوفد أقام عليه مدة
يسال عن جواب المسائل فلم يجب عنها، ولا عن الكتاب بشيء منه أبدا".[83] ولكن الصدوق والطوسي، ومحمد الصدر لا
يتحدثون عن هذه المشكلة البسيطة التي لا تصعب على من يدعي الإمامة مثل جعفر، وإنما
يقولون:"إن الوفد سأل جعفر عن الغيب، وطالبوه بإخبارهم عن كمية الأموال التي
يحملونها من قم وعن أصحابها، وقالوا: إن الحسن كان يخبرهم بذلك ، فرفض جعفر التحدث
بالغيب واستنكر نسبته إلى أخيه".[84]
ويقول الخصيبي : إن جماعة من أهل قم، هم: (أبو الحسين بن
ثوابة وأبو عبد الله الجمال وأبو علي
الصائغ والقزويني) كانوا يأخذون الأموال باسم جعفر ويأكلونها ولا يوصلونها إليه
ويتهمونه بالكذب، مما يشير إلى أن قسما من شيعة قم آمنوا بإمامة جعفر ، بالفعل،
وأخذوا يرسلون إليه الأموال. [85]
القائلون بانقطاع الإمامة
وكما
يقول النوبختي والأشعري القمي، والكليني، والمفيد والصدوق، والطوسي، والحر
العاملي، فان قسماً آخر من الشيعة الامامية ذهب إلى القول بالتوقف وانقطاع الإمامة،
والقول بالفترة كالفترة بين الرسل ، وانهم اعتلوا في ذلك ببعض الأخبار عن الإمامين
الباقر والصادق، حول إمكانية ارتفاع الأئمة وانقطاع الإمامة ، خاصة إذا غضب الله
على خلقه، وقالوا: إن هذا عندنا ذلك الوقت.[86]
التراجع
عن إمامة العسكري
ويقول
المؤرخان الشيعيان المعاصران لتلك الفترة (النوبختي، والأشعري القمي): إن وفاة الإمام
العسكري عن دون ولد ظاهر، أدت إلى تراجع بعض الشيعة عن القول بإمامة العسكري نفسه
، كما تراجع بعض الشيعة الموسوية، قبل مائة عام، عن القول بإمامة عبد الله الأفطح
الذي أصبح إماما بعد أبيه الصادق، ولكنه
لم ينجب ولدا تستمر الإمامة فيه ، وقال هؤلاء:" إن القول بإمامة الحسن كان
غلطا وخطأ ، وجب علينا الرجوع عنه إلى إمامة جعفر ، وان الحسن قد توفي ولا عقب له،
فقد صح عندنا انه ادعى باطلا، لأن الإمام بإجماعنا جميعا لا يموت إلا عن خلف ظاهر
معروف يوصي إليه ويقيمه مقامه بالإمامة ، والإمامة لا ترجع في أخوين بعد حسن وحسين
..فالإمام لا محالة جعفر بوصية أبيه إليه ". [87]
وكان السبب
في تراجع هؤلاء عن القول بإمامة العسكري، هو إيمانهم بقانون الوراثة العمودية،
وعدم جواز انتقال الإمامة إلى أخ أو ابن أخ، أو عمّ أو ابن عمّ.
المحمدية
والنفيسية
وذهب قسم من
هؤلاء المتراجعين عن القول بإمامة الحسن، إلى القول بإمامة أخيه محمد، الذي كان قد
توفي قبل سبع سنوات، في حياة أبيه الهادي، فأنكروا وفاة محمد وقالوا :إن أباه قد
أشار إليه ونصّبه إماما ونص على اسمه وعينه ، وهذا ما يتفق عليه الجميع، ولا يجوز أن
يشير الإمام بالوصية والإمامة إلى غير إمام ...إذاً فإنه لم يمت ، بل إن أباه قد أخفاه (تقية) ، كما
أخفى الإمام الصادق ابنه إسماعيل ، حسب قول الإسماعيلية، وانه هو المهدي المنتظر. وعرفت هذه الفرقة بـ:(المحمدية).[88]
وقال
قسم من هذه الفرقة : إن محمد ابن علي قد توفي ، وانه أوصى إلى غلامٍ لأبيه اسمه
"نفيس" ، وكان ثقة أمينا عنده ، ودفع إليه الكتب والعلوم والسلاح وما
تحتاج إليه الأمة ، وأوصاه :إذا حدث به حدث الموت أن يؤدي ذلك كله إلى أخيه جعفر.[89]
وكانت هذه
الفرقة تتخذ موقفا عنيفاً من الإمام الحسن العسكري وتكفره ، كما تكفر من يقول بإمامته
، وتغلو في جعفر ، وتدعي انه القائم. وقد عرفت هذه الفرقة المتطرفة باسم
:(النفيسية).[90]
القائلون
بمهدوية العسكري
وقد ذهب قسم
آخر من الشيعة إلى إنكار وفاة الإمام العسكري ، والقول بمهدويته وغيبته . وذلك
بناء على عدم جواز وفاة الإمام دون ولد معروف ظاهر " لأن الأرض لا تخلو من إمام"
إمام واعتبروا اختفاء الإمام نوعاً من الغيبة عنهم . [91]
ومنهم
من اعترف بموت العسكري ، ولكنه قال بعودته إلى الحياة مرة أخرى .. وذلك استنادا إلى
حديث حول معنى (القائم) :" أنه يقوم
من بعد الموت ، ويقوم ولا ولد له"
، ولو كان له ولد لصح موته ولا رجوع ،
لأن الإمامة كانت
تثبت لخلفه ، ولا أوصى إلى أحد ..
فلا شك انه القائم ، وانه حي بعد الموت .
وقالوا: انه قد عاش بعد الموت !.. وقد
رووا : " أن القائم إذا بلغ الناس خبر قيامه قالوا : كيف يكون فلان إماما وقد بليت عظامه؟" فهو اليوم حي مستتر لا يظهر، وسيظهر ويقوم بأمر الناس ويملأ الأرض عدلا
كما ملئت جوراً". [92]
ومنهم من قال: إن
العسكري سيعود إلى الحياة في المستقبل ..وإنما سمي القائم لأنه يقوم بعد ما يموت .
وقد اختلق هؤلاء، أو استوردوا أحاديث بهذا
المضمون من بعض الحركات الشيعية الواقفية السابقة.[93]
ويقول الصدوق: إن هؤلاء سُمُّوا بــ :(الواقفية على الحسن ) ، وقد ادعوا:
أن الغيبة وقعت به، لصحة أمر الغيبة عندهم،
وجهلهم بموضعها. [94]
الحيارى
وقد
دفعت أزمة وفاة الإمام العسكري دون ولد ظاهر، بكثير من الشيعة الامامية، الذين
كانوا يعتقدون بضرورة استمرار الإمامة إلى يوم القيامة.. دفعتهم إلى البحث والتمحيص والتفتيش عن ولد يحتمل أن يكون الإمام الحسن
العسكري قد أخفاه لسبب من الأسباب ، كالخوف عليه من الأعداء مثلا، وأحجم بعضهم عن
القول بأي شيء ، انتظارا لجلاء الأزمة، فلم يقولوا بإمامة جعفر ولم يقولوا بانقطاع
الإمامة، ولم يقولوا بمهدوية الحسن العسكري، بل قالوا:" لا
ندري ما نقول في ذلك ..وقد اشتبه علينا الأمر، فلسنا نعلم أن للحسن بن علي ولداً أم
لا؟.. أم الإمامة صحت لجعفر أم لمحمد؟..وقد كثر الاختلاف ، إلا أنا نقول:إن الحسن بن علي كان إماما مفترض
الطاعة، ثابت الإمامة، وقد توفي وصحت وفاته ، والأرض لا تخلو من حجة. فنحن نتوقف
ولا نقدم على القول بإمامة أحد بعده ، إذ لم يصح عندنا أن له خلفا، وخفي علينا أمره
، حتى يصح لنا الأمر ويتبين ، ونتمسك بالأول
حتى يتبين لنا الآخر ، كما امرنا : ( انه إذا هلك الإمام ولم يعرف الذي
بعده فتمسكوا بالأول حتى يتبين لكم الآخر
) فنحن نأخذ بهذا ونلزمه، فانه لا خلاف بين الشيعة: أنه لا تثبت إمامة إمام إلا
بوصية أبيه إليه وصية ظاهرة".[95]
الجنينيون
وفي غمرة أجواء الشك والحيرة والخلاف والبحث عن الحقيقة هذه ، اعتمد بعض
الشيعة الامامية على دعوى الجارية (صقيل ) أو (نرجس) بالحمل من الحسن ، عند وفاته
، وقالوا بولادة ابن له ولد بعد وفاته بثمانية اشهر ، وانه مستتر ، لا يعرف اسمه
ولا مكانه ، واستندوا إلى حديث رووه عن الإمام الرضا ، يقول فيه : "إنكم
ستبتلون بالجنين في بطن أمه والرضيع ". [96]
وذهب قسم
من هؤلاء الذين قالوا بوجود الحمل بعد الوفاة ، إلى ادعاء استمرار الحمل في بطن أمه
إلى أمد غير منظور ، بصورة إعجازية ، وقالوا بحتمية ولادة الجارية لولد ذكر تستمر الإمامة
فيه وفي ذريته إلى يوم القيامة . واحتجوا بالخبر الذي روي عن الإمام الصادق: (إن
القائم يخفى على الناس حمله وولادته). [97]
وبقدر ما
كان احتمال الولادة بعد الوفاة أمراً وارداً وممكناً، فان دعوى استمرار الحمل في
البطن إلى ما يشاء الله، كانت غير معقولة، ومرفوضة جداً، خاصة وأن الجارية صقيل
(أو نرجس) اختفت في زحمة الأحاديث، أو توفيت فيما بعد، ولم يستطع أحد أن يشاهدها
وينظر إلى نتيجة حملها بعد ذلك. إلا انه لم يكن بعيداً ، في تلك الأزمة وأجواء
الغلو البعيدة عن العقل والعرف ، أن يقول أي فريق بما يشاء من أقوال وفرضيات
وأوهام.
القائلون
بوجود الولد المسبق
وبالرغم من
عدم توصل كثير من الشيعة الذين بحثوا عن ولد للعسكري، إلى أية نتيجة، وفيما كانت
الحيرة تعصف بعامة الشيعة الامامية، وكان الغموض يلف موضوع الخلف، والاختلاف يمزق
الناس يمينا وشمالا، كان بعض أصحاب الإمام العسكري يهمسون في آذان الشيعة، بتكتم
شديد، ويدعون وجود ولد له في السرّ، ولد قبل وفاة أبيه بسنتين أو ثلاث، أو خمس أو
ستّ، أو ثماني سنين، ويزعمون أنهم قد رأوه
في حياة العسكري، وأنهم على اتصال به،
ويطلبون من عامة الشيعة التوقف عن البحث والتفتيش عنه، أو السؤال عن اسمه، ويحرمون
ذلك. وكانوا يفسرون ادعاء الجارية صقيل بوجود الحمل عند وفاة العسكري، بأنها
محاولة منها للتغطية على وجود الولد في السرّ.
وكان منهم : عثمان بن سعيد العمري، وكيل الإمام
العسكري المالي، ومحمد بن نصير النميري ، وأبو القاسم الجعفري ، واحمد بن هلال
العبرتائي الكرخي ، واحمد بن إسحاق القمي .
وآخرون..وقد عرف هؤلاء الذين قالوا بوجود ولد مغمور للإمام العسكري، بعد
حوالي مائة عام، بـ:(الاثناعشرية ) .[98]
عصر
الحيرة
وقد كان القول بوجود ولد
للإمام العسكري، قولاً سرياً باطنياً، قال به بعض أصحاب الإمام العسكري، بعد
وفاته. ولم يكن الأمر واضحاً وبديهيا ، أو مجمَعاً عليه بين الشيعة في ذلك الوقت،
حيث كان جوٌ من الحيرة والغموض يلف مسألة الخلف، ويعصف بالشيعة بشدة. وقد كتب عدد
من العلماء المعاصرين لتلك الفترة كتباً تناقش موضوع الحيرة وسبل الخروج منها،
منهم الشيخ علي بن بابويه الصدوق، الذي ألَّف كتاباً أسماه: (الإمامة والتبصرة من
الحيرة).
وقد امتدت تلك الحيرة إلى منتصف القرن الرابع
الهجري، حيث أشار الشيخ محمد بن علي الصدوق، في مقدمة كتابه: (إكمال الدين وإتمام
النعمة) إلى حالة الحيرة تلك، التي عصفت بالشيعة وقال:" وجدت أكثر المختلفين
إليّ من الشيعة قد حيّرتهم الغيبة، ودخلت عليهم في أمر القائم الشبهة" "
وقد كلمني رجل بمدينة السلام (بغداد) فقال لي: إن الغيبة قد طالت، والحيرة قد
اشتدت ، وقد رجع كثير عن القول بالإمامة لطول الأمد".[99] وذكر
الكليني والنعماني والصدوق مجموعة كبيرة من الروايات التي تؤكد وقوع الحيرة بعد
غيبة صاحب الأمر، واختلاف الشيعة ، وتشتتهم في ذلك العصر، واتهام بعضهم بعضا بالكذب
والكفر، والتفل في وجوههم ، ولعنهم، وانكفاء الشيعة كما تُكفأ السفينة في أمواج
البحر، وتكسرهم كتكسر الزجاج أو الفخار.[100]
وقال محمد بن أبي زينب النعماني، يصف حالة
الحيرة التي عمّت الشيعة في ذلك الوقت:" إن الجمهور منهم يقول في الخلف: أين
هو؟ وأنى يكون هذا؟ والى متى يغيب؟وكم يعيش هذا، وله الآن نيّف وثمانون سنة؟..
فمنهم من يذهب إلى أنه ميت، ومنهم من ينكر ولادته ويجحد وجوده بواحدة، ويستهزئ
بالمصدق به، ومنهم من يستبعد المدة ويستطيل الأمد". ويقول النعماني:" أي
حيرة أعظم من هذه التي أخرجت من هذا الأمر الخلق العظيم والجمّ الغفير؟ ولم يبق
ممن كان فيه إلا النزر اليسير، وذلك لشك الناس". [101]
وهذا مما يدل على أن قضية وجود ابن للإمام
العسكري لم تكن قضية مجمعاً عليها بين صفوف الشيعة الامامية في ذلك العصر، أو ان
الشيعة الذين احتملوا وجوده بدءوا يتخلون عن إيمانهم هذا، بعد مضي سبعين عاماً على
وفاة العسكري، وان دعاوى الإجماع والتواتر والاستفاضة التي يدعيها البعض على
أحاديث وجود وولادة ومهدوية الإمام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) لم يكن لها
رصيد من الواقع في ذلك الزمان.
ومن هنا لا بد أن نضع علامة استفهام على دعاوى
الإجماع والتواتر المتأخرة، والمناقضة تماماً لحقائق التاريخ، خاصة وأن دعوى
الإجماع والتواتر ، لا تمنع من المراجعة والنقد والتمحيص. بالإضافة إلى أن الإجماع
لا يشكل لدى الشيعة الامامية الإثني عشرية حجة بديلة عن الأدلة العلمية... وحسبما
يقول علماء الأصول: فإن الإجماع يمكن أن يؤخذ به، في غياب الدليل الشرعي، فإذا
علمنا استناد دعوى معينة على أدلة نقلية أو عقلية، فعلينا مراجعة تلك الأدلة ،
وعدم التشبث بالإجماع. ومن المعروف أن دعوى ولادة الإمام الثاني عشر (محمد بن
الحسن العسكري) تأتي بأدلة عقلية ونقلية وتاريخية، فلا بد إذاً من مراجعتها
والتحقق منها بأنفسنا، وعدم الانسياق وراء المتكلمين الامامية، أو النفر الذين ادعوا وجود ولد للإمام العسكري في السر،
وعدم التسليم بدعاواهم وفرضياتهم واجتهاداتهم.
الفصل
الأول
أدلة
وجود الإمام المهدي (محمد بن الحسن العسكري)
المبحث
الأول:
الاستدلال
الفلسفي
المطلب
الأول : العقل أولاً ..
تقدم الفرقة (الإثناعشرية) التي قالت
بوجود ولد مستور للإمام الحسن العسكري ، واستمرار حياته إلى اليوم والى إن يظهر في
المستقبل .. تقدم عدة أدلة على ذلك ، وهي تنقسم إلى أنواع عديدة، ويأتي على رأسها
الدليل الأول : الفلسفي ، أو العقلي ، فماذا يقول هذا الدليل؟ وعلى ماذا يرتكز؟
إنه يقول :
أولاً : بضرورة وجود الإمام (أي الرئيس ) في
الأرض، وعدم جواز بقاء البلاد فوضى بلا حكومة.
ثانياً: ضرورة عصمة الإمام من الله ، وعدم
جواز حكومة الفقهاء العدول ، أو الحكام العاديين .
ثالثاً: وجوب حصر الإمامة في أهل البيت وفي
أبناء علي والحسين إلى يوم القيامة .
رابعاً : الإيمان بوفاة الإمام الحسن العسكري
، وعدم القول بغيبته و مهدويته .
خامساً: الالتزام بقانون الوراثة العمودية،
وعدم جواز انتقال الإمامة إلى أخوين بعد الحسن والحسين.
قدَّم المتكلمون الذين نظّروا لوجود (الإمام
محمد بن الحسن العسكري) قديما وحديثا ، دليل العقل كأهم الأدلة على وجوده ، وأولَوه
أهمية كبرى في عمليات الاستدلال . وقد نقل الشيخ الصدوق (توفي 381هـ) قول المتكلم
الشيعي المعاصر لتلك الفترة: (أبى سهل إسماعيل بن علي النوبختي) الذي استدل على "وجود"
ابن الحسن ، بالعقل ، وذكر في كتابه (التنبيه) ، الذي ألفه بعد ثلاثين عاما من
(الغيبة) :" إن الشيعة قد علموا بوجود ابن الحسن بالاستدلال ، كما عرفوا الله
والنبي وأمور الدين كلها بالاستدلال" .[102]
واعتبر الشيخ المفيد ( 338هـ - 413 هـ) :"
الدليل العقلي الذي يقتضي وجود الإمام المعصوم في كل زمان ... دليلاً كافياً على
وجود ابن الحسن وحصر الإمامة فيه" ، و قال:" إن هذا أصل لن يحتاج معه
إلى رواية النصوص لقيامه بنفسه في قضية العقول، وصحته بثابت الاستدلال" .[103]
واستخدم الشيخ الكراجكي ( - 427 هـ) الدليل
العقلي ، القائم على ضرورة الإمامة وضرورة العصمة في الإمام ، في عملية الاستدلال على
وجود ولد للإمام الحسن العسكري، وثبوت الإمامة فيه وصحة غيبته ، وذلك "لانحصار
(العصمة ) فيه مع عدم عصمة أدعياء الإمامة الآخرين" .[104]
وقال السيد المرتضى علم الهدى ( 355 هـ - 436
هـ):" إن العقل يقتضي بوجوب الرياسة في كل زمان ، وان الرئيس لا بد من كونه
معصوما.. وإذا ثبت هذان الأصلان فلا بد من القول : انه (صاحب الزمان) بعينه ، لأن
الصفة التي اقتضاها ودلّ على وجوبها لا توجد إلا فيه ، وتساق الغيبة بهذا سوقا
ضروريا لا يقرب منه شبهة.. ولأنه إذا بطلت إمامة من أثبتت له الإمامة بالاختيار،
لفقد الصفة التي دلّ العقل عليها ، وبطل قول من خالف من شذاذ الشيعة ، فلا مندوحة
عن مذهبنا ، فلا بد من صحته ، وإلا خرج الحق عن الأمة" .[105]
ونفى السيد المرتضى الحاجة إلى مشاهدة الإمام
للإيمان به ، بعد إمكانية التعرف عليه بالاستدلال العقلي ، و ردَّ على القاضي
المعتزلي عبد الجبار الهمداني الذي نفى في كتابه (المغني) وجود الإمام الثاني عشر
وقال : " إن قول الشيعة بالعصمة أداهم إلى إثبات أشخاص لا اصل لهم ، وانهم
اثبتوا في هذا الزمان إماما مختصا بنسب واسم من غير إن يعرف منه عين أو اثر"
فقال المرتضى في (الشافي):" إن قوله هذا مبني على مجرد دعوى ومحض اقتراح ،
وقد دللنا على وجوب الإمامة في كل زمان ، بما لا حيلة فيه ولا قدرة على دفعه"
.[106]
وقال الشيخ الطوسي ( 385هـ - 460 هـ) :"
إن كل من قطع على وجوب اعتبار الدليل العقلي قطع على وجود (صاحب الزمان) وإمامته.[107] وقال :"
إن الإمام اليوم هو : الخلف الحجة القائم المنتظر المهدي محمد بن الحسن صاحب
الزمان... وان المهدي حي موجود من زمان أبيه الحسن العسكري إلى زماننا هذا، بدليل:
إن كل زمان لا بد فيه من إمام معصوم ، مع إن الإمامة لطف واللطف واجب على الله
تعالى في كل وقت" .[108]
وقسم الشيخ الطوسي الأدلة على ولادة (صاحب
الزمان) إلى قسمين عقلية ونقلية ، وركز على أهمية القسم الأول بصورة مستقلة ،
فقال:" أما الكلام في ولادة صاحب الزمان وصحتها فأشياء اعتبارية وأشياء
إخبارية ، فأما الاعتبارية فهو: إذا ثبت إمامته بما دللنا عليه من الأقسام وإفساد
كل قسم منها إلا القول بإمامته ، علمنا بذلك صحة ولادته ، وان لم يرد فيه خبر
أصلاً ". [109]
وبعد إن استعرض دليل العصمة، وان الإمام لا بد
إن يكون معصوما وان الحق لا يخرج من الأمة، قال:" إذا ثبتت هذه الأصول ثبتت
إمامة صاحب الزمان ، لأن كل من يقطع على ثبوت العصمة للإمام قطع على انه الإمام"
. [110]
وقد تصدى الشيخ الطوسي لإبطال صحة ادعاءات
الفرق الشيعية المختلفة من الكيسانية والناووسية والفطحية والواقفية وغيرها من
الفرق التي ادعت العصمة لأئمتها ، واستنتج من ذلك: "ضرورة صحة إمامة ابن
الحسن ، وصحة غيبته" ، ونفى - مع ثبوت ذلك – "الحاجة إلى تكلف الكلام في
إثبات ولادته وسبب غيبته ، لأن الحق لا يجوز خروجه عن الأمة" . [111]
واستدل الفتال النيسابوري على وجود (صاحب
الزمان) وإمامته بـ :" ما يقتضيه العقل من الاستدلال الصحيح من استحالة خلو
الزمان من كون معصوم يكون لطفا للمكلفين" . [112]
وهكذا اعتبر الحسن بن أبى الحسن الديلمي :"
انحصار العصمة في أئمة أهل البيت ، دليلا على وجود الإمام الثاني عشر (الحجة بن
الحسن)" . [113]
واحتج عبد الله بن النصر ابن الخشاب البغدادي ،
لإثبات " وجود وإمامة القائم بالحق ابن الحسن، بما يقتضيه العقل بالاستدلال
الصحيح من : وجود أمام معصوم .. ووجوب النص على من هذه سبيله أو ظهور المعجز
عليه.. وعدم هذه الصفات من كل أحد سوى من اثبت إمامته أصحاب الحسن بن علي وهو ابنه
المهدي" وقال:" إن هذا اصل لا يحتاج معه في الإمامة إلى رواية النصوص
وتعداد ما جاء فيها من الأخبار ، لقيامه بنفسه في قضية العقول وصحته بثبات
الاستدلال" . [114]
و جاء بعد ذلك العلامة الحلي الحسن بن يوسف
المطهر ، ليستدل على وجود (ابن الحسن)
بالدليل العقلي الذي يتألف من :" وجوب الإمامة، ووجوب كون الإمام معصوما ،
ووجوب النص عليه أو ظهور المعجز على يديه". ثم اثبت إمامة علي وأولاده بالنص "المتواتر"
من النبي (ص) وقال: " إن الإمام الثاني عشر حي موجود من حين ولادته وهي سنة
256 هـ إلى آخر زمان التكليف ، لأن كل زمان لا بد فيه من إمام معصوم، لعموم الأدلة
، وغيره ليس بمعصوم ، فيكون هو الإمام ".[115]
وانطلق العلامة محمد باقر المجلسي في عملية
إثبات وجود (ابن الحسن) من قاعدة (الحسن والقبح العقليين) وقال:" إن العقل
يحكم بأن اللطف على الله واجب.. وان وجود الإمام لطف.. وانه لا بد إن يكون
معصوما... وان العصمة لا تعلم إلا من جهته... وان الإجماع واقع على عدم عصمة غير
صاحب الزمان .. فيثبت وجوده عليه السلام ". [116]
وقال السيد محمد صادق الصدر: " لقد عرفتَ
إن الأمة في حاجة ماسة إلى أمام معصوم... ولا شك إن هذه الحاجة ليست خاصة بوقت دون
وقت أو عصر دون عصر، فالضرورة إذا تلجئنا إن نؤمن بوجود الإمام المهدي.. إذ ليس
ثمة أمام يدعى وجوده سواه.. وهذه حقيقة واضحة" . [117]
واعتمد بعض المتكلمين على مبدأ:" ضرورة
وجود ولد للإمام لكي تستمر الإمامة في عقبه" للاستدلال على وجود ولد للإمام
الحسن العسكري . ونقل الشيخ الطوسي عن الإمام علي بن موسى الرضا قوله:" إن
صاحب هذا الأمر لا يموت حتى يرى ولده من بعده" وابطل بذلك قول من قال :(لا
ولد لأبي محمد العسكري) .[118]
المطلب
الثاني: خطوات نقلية على طريق العقل
ولا بد هنا من القول : إن " الدليل
العقلي" على وجود (الإمام محمد بن الحسن العسكري) ليس دليلا عقليا محضا ،
بحيث يستطيع أي عاقل مجرد إن يتوصل إليه تلقائيا ، وإنما هو يعتمد على مقدمات
نقلية عديدة. وقد قال الشيخ الصدوق :" إن القول بغيبة صاحب الزمان مبني على
القول بإمامة آبائه... وان هذا باب شرعي ، وليس بعقلي محض" . [119] ولذلك
فقد قام المتكلمون الإماميون بمناقشة كل فقرات " الدليل العقلي" كالعصمة وغيرها من نقاط الخلاف، التي كانت بينهم
وبين عامة المسلمين وسائر الفرق الشيعية ، وبالأخص الزيدية والواقفية الذين كانوا
يؤمنون بنظريات مهدوية أخرى ، والذين كانوا من أشد خصوم الشيعة الاثني عشرية في
عصر الحيرة.
ومن هنا فقد كانت المحطة الأولى في الاستدلال
النقلي على طريق العقل هي:
1 -
ضرورة وجود الإمام. وقد اعتمد علي بن
بابويه القمي (الصدوق) لإثبات هذه المقدمة ، على مجموعة كبيرة من الأحاديث ، ونقل
عن الإمام الباقر والصادق أحاديث تقول: بعدم جواز بقاء الأرض بغير أمام، أو بغير
أمام عادل " وان آخر من يموت الإمام لئلا يحتج أحد على الله انه تركه بغير
حجة".[120]
كما روى ابنه محمد الصدوق عن أبى عبد الله (ع)
انه قال:" إن الله أجل واعظم من إن يترك الأرض بغير عدل". [121] وأضاف
إليها حديثا آخر حول ضرورة " وجود
العالم الحي الظاهر في الأرض لكي يفزع إليه الناس في حلالهم وحرامهم" . وروى
عن أبى عبد الله قوله:" إن الأرض لو خلت طرفة عين من حجة لساخت بأهلها"
. [122]
وروى الطبري عن أبى عبد الله انه قال:"
ما تزال الأرض لله فيها حجة يعرف الحلال والحرام ويدعو الناس إلى سبيل الله عز وجل".
[123]
2- إثبات الإمامة في عترة الرسول (ص). وكانت الخطوة الثانية، هي إثبات الإمامة في أهل
البيت (ع)، وذلك استنادا إلى الحديث النبوي الشريف الذي يقول:" آني تارك فيكم
الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وهما الخليفتان من بعدي وانهما لن يفترقا حتى
يردا علي الحوض " . ولما كان لفظ :"العترة" عاما يشمل جميع أقرباء
الرسول ، فقد تم اللجوء ، كما يقول الصدوق ، إلى العقل والتعارف والسيرة في تفسير
الحديث بما يدل على إن الرسول الأكرم أراد علماء العترة دون جهالهم، والبررة الأتقياء
منهم دون الفساق والظالمين.[124] وروى
الطبري حديثا في تفسير قوله تعالى
:(أطيعوا الله أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) النساء 59، بأن المراد بهم :
الأئمة من ولد علي وفاطمة إلى إن تقوم الساعة. [125]
3- إثبات إمامة أمير المؤمنين (ع) ونفي
مهدويته. وذلك بإثبات النصوص عليه بالخلافة والإمامة من رسول الله (ص) . ونفي
القول بمهديته وغيبته - كما قال السبئية - وذلك اعتمادا على موته الظاهر والشهير
ورفض التفسيرات الباطنية .[126]
4- إثبات الإمامة في أبناء علي.
5- إثبات الإمامة لعلي بن الحسين
. و نفي الإمامة والمهدوية عن محمد بن الحنفية ، وكذلك نفي الإمامة
والمهدوية والغيبة عن أبى هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية ، اللذين ادعى الشيعة
الكيسانية لهما ذلك. [127]
6- نفي إمامة أبناء الحسن الذين ادعى
بعضهم كمحمد بن عبد الله (ذي النفس الزكية) الإمامة والمهدوية ، وحصر الإمامة بدلا
من ذلك في أبناء الحسين فقط ، وذلك بناء على تفسير قوله تعالى : (وأولوا الأرحام
بعضهم أولي ببعض في كتاب الله) الأنفال 75 . [128]
7- عدم جواز اجتماع الإمامة في أخوين بعد
الحسن والحسين ، وذلك اعتمادا على تفسير قوله تعالى :( وجعلها كلمة باقية
في عقبه) الزخرف 28، بأن المقصود من (الكلمة) : الإمامة ، والمقصود من الضمير
المتصل بالعقب : هو الحسين بن علي ، وعدم جواز رجوع الإمامة إلى أخ أو ابن عم
وضرورة انتقالها من الوالد إلى الولد. [129] وقد تم
اعتماد هذا القانون من اجل نفي إمامة زيد بن علي وأبنائه الذين ادعوا المهدوية أو
ادعيت لهم ، وحصر الإمامة في الإمام محمد الباقر وابنه جعفر الصادق .
8- إثبات إمامة الصادق ونفي مهدويته ، وذلك
خلافا للشيعة الناووسية الذين أنكروا وفاة الصادق وادعوا مهدويته وغيبته . [130]
9- إثبات إمامة الكاظم ، ونفي مهدويته
، وذلك خلافا للشيعة الإسماعيلية الذين ساقوا الإمامة بعد الصادق في ولد إسماعيل ،
أو الفطحية الذين قالوا بإمامة عبد الله الأفطح ، وخاصة الفريق الذي قال بوجود ولد
مستور له هو (محمد بن عبد الله الأفطح) وادعى مهدويته وغيبته. وقد قام علي بن بابويه القمي بإيراد عدة روايات
حول إمامة الكاظم والنص عليه من أبيه ، ونفي إمامة عبد الله الأفطح وإبطال إمامة
إسماعيل الذي توفي في حياة الإمام الصادق ، وذلك من اجل حصر الإمامة في الكاظم
ونزعها من أبناء إسماعيل الذين ادعوا توارث الإمامة فيهم وادعوا ظهور المهدي من
بين صفوفهم.[131] وقام ابنه الشيخ الصدوق بإيراد مجموعة روايات
عن الإمام علي بن موسى الرضا تؤكد وفاة أبيه وتنفي مهدويته التي قال بها
(الواقفية) الذين رفضوا الاعتراف بوفاة الكاظم وقالوا بهروبه من سجن الرشيد ،
وغيبته عن الأبصار استعدادا للظهور في المستقبل.[132]
10-
إثبات إمامة بقية الأئمة كالرضا والجواد والهادي والعسكري ، حتى تصل إلى
(الإمام الثاني عشر : محمد بن الحسن العسكري).
11- نفي إمامة ومهدوية محمد بن علي الهادي
، التي قال بها قسم من الشيعة الإمامية في ذلك الزمان وهم (المحمدية) الذين رفضوا
الاعتراف بوفاته في حياة أبيه، وأصروا على القول بحياته وغيبته ومهدويته ، وذلك
اعتمادا على وصية أبيه إليه . وقد اعتمد الشيخ الطوسي في إبطال هذا القول، على موت
السيد محمد، الظاهر ، واعتبر إنكاره إنكاراً للضروريات. [133]
12
- إثبات إمامة الحسن العسكري ، ونفي مهدويته ، حيث كان ذلك ضرورياً على طريق
إثبات الإمامة والمهدوية لابنه المفترض ( محمد) . وقد توقف الشيخ الطوسي عند هذه
النقطة ملياً ، وجاء بعدة روايات عن الإمام الهادي يثبت فيها الإمامة والوصية
للعسكري. ونقل حديثا يتضمن حدوث البداء لله في إمامة محمد بن علي ونقلها إلى أخيه
الحسن العسكري .[134] واعتمد
الطوسي في عملية إثبات إمامة العسكري على مجموعة من (المعاجز) التي رواها أبو هاشم
الجعفري ، والتي تدور حول محور (علم الإمام بالغيب) . وكان لا بد من إثبات وفاة
الإمام العسكري اعتمادا على الظاهر ، ونفي مهدويته وغيبته ، وتأويل الأحاديث التي
تدعي القيام بعد الوفاة ، وذلك لقطع الطريق على الذين قالوا بغيبة الإمام الحسن
ومهدويته . [135]
13-
نفي إمامة جعفر بن علي الهادي . وقد اعتمدت هذه العملية على إسقاطه من أهلية
الإمامة فضلا عن المهدوية ، وذلك باتهامه بشرب الخمر والفسق والفجور والكذب .[136]
واعتمد الشيخ الطوسي في مناقشة الشيعة (الفطحية)
الذين قالوا بإمامة جعفر بن علي بعد وفاة أخيه الحسن العسكري ، على مبدأ الوراثة
العمودية في الإمامة ، وضرورة استمرارها في الأعقاب وأعقاب الأعقاب أبدا إلى يوم
القيامة ، وعدم جواز انتقالها إلى الاخوة أو أبناء العم ، لكي ينفي إمامة جعفر بن
علي الهادي. [137]
14-
ضرورة استمرار الإمامة إلى يوم القيامة. وكان لا بد من إثبات هذا المبدأ ، في
الطريق إلى القول بوجود (ابن الحسن) وذلك ردا على الفرقة التي قالت بانقطاع
الإمامة بعد وفاة الإمام الحسن العسكري ، وقد قام علي بن بابويه القمي بالرد على
هؤلاء بإيراد حديث عن رسول الله (ص) يذكر فيه استمرار الإمامة في أهل البيت إلى
يوم القيامة ، وعدم توقيتها لفترة محددة فقط .[138] واعتمد
الشيخ المفيد على عدم جواز خلو الأرض من حجة (أي : من إمام معصوم) في عملية
الاستدلال العقلي على وجود الإمام (صاحب الزمان المهدي المنتظر).[139] وروى
الطوسي حديثا عن الإمام الصادق (ع) يقول:" إن الأرض لو بقيت بغير أمام ساعة
لساخت" . [140] وتمسك
الكراجكي بضرورة استمرار الإمامة في أهل البيت ، وعدم جواز خلو الزمان من أمام ،
بعد وفاة العسكري ، في الاستدلال على ضرورة وجود (الإمام صاحب الزمان) وعدم
استحقاق غيره للإمامة. [141]
15-
نفي وفاة القائم. وكانت الخطوة الأخيرة في عملية إثبات وجود (ابن الحسن) هي
نفي وفاته ، وتأويل الأحاديث الكثيرة التي كانت متداولة في تلك الأيام ، والتي
تتحدث عن وفاة القائم وقيامه بعد الموت ، وهي الأحاديث التي طبقها أصحاب نظرية (مهدوية
الحسن العسكري) عليه ، وطبقها آخرون على ابنه، فقالوا: انه ولد ومات، وسيحيى ويظهر
في المستقبل. وقد ذكر الطوسي بعض تلك
الروايات في كتاب:(الغيبة) ولم يضعّفها ، ولكنه أوّلها بموت ذكره ، وأشار إلى
ضرورة التوقف فيها والتمسك بما هو معلوم. [142]
هذه هي فقرات "الدليل العقلي" ،
الذي يقدمه المتكلمون كأول وأهم دليل على وجود (محمد بن الحسن العسكري ) ويمكن
تلخيصه في: " نظرية الإمامة الإلهية لأهل البيت القائمة على العصمة و النص
والوراثة العمودية" . وهو يتركز أساسا على مبدأ "الوراثة العمودية"
وعدم جواز الجمع بين الأخوين في الإمامة ،
خلافا للشيعة الإمامية الفطحية الذين لم يؤمنوا بهذا المبدأ ، فذهبوا إلى القول
بإمامة جعفر بن علي ولم يشاركوا (الاثني عشرية) بالقول بوجود (ابن مغمور للحسن
العسكري) . رغم إيمانهم بعدد كبير من تلك المقدمات النظرية.
المبحث
الثاني :
الدليل
النقل على وجود ابن للعسكري
يعتمد الاستدلال على وجود الإمام الثاني
عشر (محمد بن الحسن العسكري) بالدليل النقل ، على القرآن الكريم ، و الأحاديث
الواردة عن الرسول الأعظم (ص) والأئمة من أهل البيت (ع) حول التبشير بالمهدي
المنتظر ، وهي تنقسم إلى عدة أقسام رئيسية:
القسم
الأول: القرآن الكريم
1- قوله تعالى: (وقضينا آلي بني إسرائيل في
الكتاب، لتفسدنَّ في الأرض مرتين، ولتعلُنَّ علواً كبيراً ، فإذا جاء وعد أوليهما
بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار ، ثم رددنا لكم الكرة
عليهم ..) الإسراء 4 – 6 ، حيث روى
الكليني عن أبى عبد الله (ع) : أنها نزلت في القائم .[143]
2 - قوله تعالى :( فاستبقوا الخيرات، أينما
تكونوا يأت بكم الله جميعا) البقرة 148، وقد روى الكليني عن أبى جعفر (ع) إن
المخاطب بها أصحاب القائم . [144]
3- قوله تعالى :( حتى يتبين لهم انه الحق)
فصلت 53، وقد روى الكليني أيضا : أنها تعني خروج القائم من عند الله .[145]
4- قوله تعالى :( ولتعلَمُنَّ نبأه بعد حين )
ص 88 ، وقد روى الكليني : إن ذلك عند خروج القائم. وقوله تعالى:( وقل جاء الحق
وزهق الباطل) الإسراء 81 ،أي إذا قام
القائم ذهبت دولة الباطل.[146]
5- قوله تعالى:( فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها
يركضون ، لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون) الأنبياء 12
– 13 . وقد روى الكليني عن أبى جعفر (ع) انه قال: إذا قام القائم وبعث إلى بني
أمية بالشام هربوا إلى الروم.. فإذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم طلبوا الأمان والصلح
فيقول أصحاب القائم : لا نفعل حتى تدفعوا إلينا من قبلكم منا فيدفعونهم إليهم ،
فذلك قوله:(لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ..) قال : ويسألهم عن الكنوز ،
وهو أعلم بها ، فيقولون:( يا ويلنا إنا كنا ظالمين ، فما زالت تلك دعواهم حتى
جعلناهم حصيدا خامدين ) بالسيف.[147]
6- قوله
تعالى :( حتى إذا رأوا ما يوعدون) مريم 75 ، وذلك بظهور القائم، كما يقول علي بن
إبراهيم القمي في تفسيره.[148]
7 - قوله تعالى:( يوم يسمعون الصيحة
بالحق ذلك يوم الخروج ) ق 42 ،أي صيحة
القائم من السماء . [149]
8 - قوله تعالى :( ليظهره على الدين كله
ولو كره المشركون) التوبة 33 ، قال الصدوق والخزاز: إن المقصود هو المهدي من ولد
فاطمة . [150]
9 - قوله تعالى:( وعد الله الذين آمنوا
منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض) النور 55.
10 - قوله تعالى :( ونريد إن نمن على
الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ) القصص 5.
وكل هذه الآيات، وان لم تكن صريحة ، إلا انها تُأوّل بالمهدي القائم . ويستدل بها على وجود
وولادة (محمد بن الحسن العسكري) بعد إثبات أنه (المهدي القائم) لا غيره.
القسم
الثاني: الأحاديث :
1-
الروايات الواردة حول المهدي والقائم . وذلك مثل:(المهدي يخرج في آخر
الزمان) و( ابشروا بالمهدي...) و (القائم لا يقوم حتى ينادي منادي السماء...) و(
لا تذهب الدنيا حتى يلي هذه الأمة رجل من أهل بيتي يقال له المهدي) و ( المهدي من
ولد فاطمة) و ( المهدي من ولد الحسين).. وهي روايات كثيرة يرويها الكليني في
(الكافي) والنعماني في :(الغيبة) والصدوق في (إكمال الدين) والطوسي في (الغيبة)
والمفيد في :(الإرشاد) ، وهي وان كانت عامة غير محددة بشخص معين إلا إن كثيرا من
المؤلفين حول الإمام الثاني عشر، يستخلصون منها دليلا على وجوده وولادته ، وذلك
بعد إضافة روايات أخرى عن الإمام الجواد والإمام الهادي: إن المهدي من أولادهما.[151]
2- الروايات الواردة حول الغيبة والغائب.
وذلك مثل :( المهدي من ولدي تكون له غيبة وحيرة) و( إن الثابتين على القول بالمهدي
في زمان غيبته لأعز من الكبريت الأحمر ) و ( المهدي.. له غيبة وحيرة تضل الخلق عن
أديانهم ) و ( للقائم منا غيبة أمدها طويل ) و ( لا بد لصاحب هذا الأمر من عزلة أو
غيبة) و ( إن للقائم غيبة قبل ظهوره) و ( إن لصاحب هذا الأمر غيبتين إحداهما تطول
حتى يقول بعضهم مات ، وبعضهم يقول : قتل ، وبعضهم يقول: ذهب ، فلا يبقى على أمره
من أصحابه إلا نفر يسير ).
وقد اتخذ القائلون بوجود الإمام الثاني عشر
(محمد بن الحسن العسكري) من تلك الأحاديث دليلا على صحة نظريتهم ، وقال محمد بن
أبى زينب النعماني في (الغيبة):" لو لم يكن يروى في الغيبة إلا هذا الحديث
(الأخير) لكان فيه كفاية لمن تأمله" . [152] واعتبر
الصدوق ، نقل الشيعة لتلك الروايات التي تتحدث عن (الغيبة) قبل وقوعها، دليلا على
صحتها. [153] وقال: إن عدم ظهور النص والخلف بعد الحسن
العسكري، وغيبة الإمام المهدي واختفاء شخصه ، واختلاف الشيعة ووقوع الحيرة من أمره
، كما جاء في الروايات الماضية دليل على (كون المهدي ووجوده وغيبته) . [154]
وقال الشيخ الطوسي في (الغيبة):" إن موضع
الاستدلال من هذه الأخبار ما تضمن الخبر بالشيء قبل كونه ، فكان كما تضمنه ، فكان
ذلك دلالة على صحة ما ذهبنا إليه من إمامة ابن الحسن ، لأن العلم بما يكون لا يحصل
إلا من جهة علام الغيوب ، فلو لم يُروَ إلا خبر واحد ووافق مخبره ما تضمنه الخبر
لكان ذلك كافيا" . [155] وقال
أيضا:" إن ما يدل على إمامة ابن الحسن وصحة غيبته، ما ظهر وانتشر من الأخبار
الذائعة عن آبائه، قبل هذه الأوقات بزمان طويل، من أن لصاحب هذا الأمر غيبة ، وصفة
غيبته، وما يجري فيها من الاختلاف ويحدث فيها من الحوادث ، وانه يكون له غيبتان
إحداهما أطول من الأخرى.. وان الأولى يُعرف فيها خبره ، والثانية لا يُعرف فيها
أخباره.. فوافق ذلك ما تضمنه الأخبار، ولولا صحتها وصحة إمامته لما وافق ذلك ، ولا
يكون ذلك إلا بإعلام الله تعالى على لسان نبيه" .[156]
3-
الروايات الواردة حول الاثني عشر إماما. وذلك مثل حديث النبي (ص):( يكون بعدي
اثنا عشر خليفة) أو ( لا يزال أمر أمتي ظاهرا حتى يمضي اثنا عشر خليفة كلهم من
قريش) أو ( يلي هذه الأمة اثنا عشر.. كلهم من قريش لا يرى مثله) أو ( يكون بعدي
اثنا عشر أميرا كلهم من قريش). وهذه روايات كلها من طرق أهل السنة ، وقد رواها
الصدوق وقال تعليقاً عليها:" نقل مخالفونا من أصحاب الحديث نقلا ظاهرا
مستفيضا من حديث جابر بن سمرة السوائي عن رسول الله... وقد أخرجت طرق هذا
الحديث... فدل على إن الأخبار التي في أيدي الإمامية عن النبي والأئمة بذكر الأئمة
الاثني عشر أخبار صحيحة" . [157]
كما رواها الكليني في (الكافي) والطوسي في
(الغيبة) . [158]
أما الروايات الشيعية الواردة حول موضوع
(الاثني عشرية) فقد ذكر الكليني في (الكافي) منها حوالي سبع عشرة رواية ، وذكر
الصدوق في (إكمال الدين) حوالي بضع وثلاثين رواية.. وروى الخزاز في (كفاية الأثر
في النص على الأئمة الاثني عشر) حوالي مائتي رواية ، وقال عنها : أنها متواترة ·
وذلك " لعدم إمكانية اتفاق صحابة رسول الله وخيار العترة والتابعين الذين
يُنقل عنهم شطرا من الروايات على الكذب" . [159]
وتعتمد النظرية الاثني عشرية حسب الرواية
الشيعية التي تذكر أسماء الأئمة الاثني عشر في قائمة مُعدَّة من قبل ، على كتاب
سليم بن قيس الهلالي الذي يقول : إن الشيعة كانوا يحتفظون بالقائمة الاثني عشرية
في بيوتهم خلال القرون الثلاثة السابقة.
وقد قال ابن أبى زينب النعماني عن كتاب سليم:"
انه ليس بين جميع الشيعة ممن حمل العلم ورواه عن الأئمة خلاف في إن كتاب سليم بن
قيس الهلالي أصل من كتب الأصول التي رواها أهل العلم وحملة حديث أهل البيت وأقدمها
، وهو من الأصول التي يرجع إليها الشيعة ويعوّل عليها" . [160]
واتخذ الصدوق وسائر المتكلمين من تلك الروايات
التي اعتبروها "متواترة" دليلاً على وجود وولادة (الإمام الثاني عشر
محمد بن الحسن العسكري) من حيث انه لا بد إن يكمل الرقم (12) المُخبَر به من قبل ،
ومن دونه يصبح عدد الأئمة (أحد عشر) خلافاً للأحاديث ، ومن حيث إن الروايات قد
جاءت بأن (المهدي) من أهل البيت ومن ولد الحسين ، وقد مضى الأئمة الأحد عشر ولم
يظهر واحد منهم ، فتحتم : انه المهدي الذي سوف يظهر ويملأ الأرض قسطا وعدلا كما
ملئت ظلما وجورا . [161]
واعتبر الطوسي إجماع الطائفتين
المختلفتين والفرقتين المتباينتين : (العامة) و (الإمامية) على : أن الأئمة بعد
النبي (ص) اثنا عشر ، لا يزيدون ولا ينقصون، دليل على ولادة (صاحب الزمان) وصحة
غيبته ، وقال: "إن الشيعة يروون تلك الأخبار على وجه التواتر خلفاً عن سلف".[162]
4- المهدي الإمام الثاني عشر. وإضافة
إلى ذلك توجد في التراث الشيعي اكثر من سبعين رواية عن رسول الله (ص) وأهل البيت
(ع) تتحدث عن (المهدي والقائم) بصراحة : انه (الإمام الثاني عشر أو التاسع من ولد
الحسين ) وبعضها يذكره بالاسم الصريح الكامل ، وبعضها يكتفي بالإشارة إليه بالكنية
واللقب . ومن تلك الروايات ما ذكره الصدوق في :(إكمال الدين) عن رسول الله (ص):
"إن خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي اثنا عشر أولهم أخي وآخرهم
ولدي المهدي). [163]
وما عنه أيضا:" إن الله عز وجل اختار...
من علي الحسن والحسين ، واختار من الحسين الأوصياء من ولده... تاسعهم قائمهم) .[164]
وما عن أمير المؤمنين (ع) :" آني فكرت في
مولود يكون من ظهري الحادي عشر من ولدي هو المهدي ". [165]
وما عن الحسين بن علي (ع) :" التاسع من
ولدي ...هو قائمنا أهل البيت يصلح الله تبارك وتعالى أمره في ليلة واحدة" .[166]
وما عن أبى عبد الله (ع):" إن الغيبة ستقع
بالسادس من ولدي ، وهو الثاني عشر من الأئمة الهداة بعد رسول الله ، أولهم أمير
المؤمنين، وآخرهم بقية الله في الأرض وصاحب الزمان" .[167]
وما عن الإمام الرضا (ع):" إن القائم
هو... الرابع من ولدي ". [168]
وما عنه أيضا:" الإمام بعدي محمد ابني ،
وبعده ابنه علي ، وبعد علي ابنه الحسن ، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر"
.[169]
وما عن الإمام الهادي (ع) :" إن الإمام
بعدي الحسن ابني وبعد الحسن ابنه القائم ". [170]
وما عن أبى عبد الله عن ، جابر بن عبد الله
الأنصاري، انه دخل على فاطمة الزهراء في حياة رسول الله ليهنئها بولادة الحسين ،
فرأى في يدها لوحا أخضر ، ورأى فيه كتابا شبه نور الشمس ، فسألها عن ذلك فقالت له
: هذا اللوح أهداه الله إلى رسول الله ، فيه اسم أبى واسم بعلي واسم ابني وأسماء
الأوصياء من ولدي ، فأعطانيه أبي ليسرني بذلك... وكان فيه أسماء الأئمة الاثني عشر
واحدا واحدا .. وان الأخير منهم (م ح م د ) يبعثه الله رحمة للعالمين" .[171]
5-
حتمية وجود الحجة في الأرض. وهناك أحاديث أخرى تؤكد على ضرورة وجود
الحجة في الأرض، وعدم جواز خلوها من الإمام ، مثل ما يروى عن رسول الله (ص) في كتب
السنة :" من مات بغير أمام مات ميتة جاهلية ، ومن نزع يداً من طاعة جاء يوم
القيامة لا حجة له" وما عن الإمام الصادق:" من مات وهو لا يعرف إمامه
مات ميتة جاهلية" الذي يرويه سليم بن قيس في كتابه ، والصدوق والكليني
والنعماني والمفيد.[172]
والحديث الآخر الذي يرويه كل من البرقي
والصدوق والمفيد ، عن الإمام الصادق :" لن تخلو الأرض من رجل يعرف الحق ،
فإذا زاد الناس فيه قال: زادوا ، وإذا نقصوا قال: قد نقصوا ، وإذا جاؤا به صدقهم ،
ولو لم يكن ذلك كذلك لم يعرف الحق من الباطل".[173]
وما يروى أيضا عن الإمام الصادق من " إن
الله جل وعز ، أجل واعظم من إن يترك الأرض بغير أمام " والذي يرويه كلٌ من
الصفار والكليني والصدوق .[174]
وما يروى عنه أيضا ، من انه قال:" ما ترك
الله عز وجل الأرض بغير أمام قط منذ قبض آدم (ع) يهتدى به إلى الله عز وجل ، وهو
الحجة على العباد ، من تركه ضلّ ومن لزمه نجا، حقاً على الله عز وجل". وما يروى أيضا عن الإمام الصادق من انه قال:"
لو خلت الأرض طرفة عين من حجة لساخت بأهلها" والذي يرويه الصفار والكليني والنعماني
والصدوق .[175]
إذن فان "الدليل النقلي" كان يتألف من عدة مجاميع من الآيات والروايات
التي تتحدث عن القائم والمهدي بصورة عامة ، وتلك التي تخصصه في أهل البيت وفي
أولاد الإمام علي (ع) وفي أولاد السيدة فاطمة الزهراء (ع) وفي أولاد الإمام الحسين
وفي أولاد الإمام الصادق وفي أولاد الإمام الجواد والهادي والعسكري ، إضافة إلى
الروايات التي كانت تتحدث عن عدد الأئمة الإثني عشر ، وعن ولادة (الإمام المهدي)
واسمه ، وهذا ما يؤدي ، في نظرهم ، إلى الإيمان بولادة ووجود (الإمام الثاني عشر
الحجة بن الحسن العسكري) واستمرار حياته ، بالرغم من عدم ظهوره في حياة أبيه أو
الوصية له أو الإشارة المباشرة منه إليه.
المبحث
الثالث
الدليل
التاريخي على ولادة (الإمام الثاني عشر)
المطلب
الأول: ولادة ابن الحسن
يعترف "الدليل التاريخي" بأن الظاهر
من حياة الإمام العسكري وسيرته ينفي إن يكون له ولد، ولكنه يقول : إن الظروف
السياسية لم تكن لتسمح للحسن العسكري بإعلان وجود ولد له ، وان الخوف عليه من
السلطات العباسية التي كانت تعلم من قبل انه الإمام المهدي الذي سوف يزلزل عرشها ،
هو الذي اجبر الإمام على إخفاء أمر ولادة ابنه ( المهدي المنتظر). ثم يذهب الدليل
التاريخي ليذكر تفاصيل ولادة (محمد بن الحسن العسكري) والظروف التي أحاطت بها ،
وقصص الذين شاهدوه ، بصورة سرية ، والتقوا به في مختلف مراحل حياته أيام أبيه وبعد
وفاته .
أم الولد
تختلف الروايات حول اسم أم ابن الحسن ، فبينما
يقول الشيخ الأقدم ابن أبى الثلج البغدادي في (تاريخ الأئمة) والمسعودي في (إثبات
الوصية) والطوسي في (الغيبة) والمجلسي في (بحار الأنوار) : أن اسمها :(نرجس) يقول
محمد بن علي الصدوق في :(إكمال الدين): " إن اسمها (مليكة) وهي بنت يشوعا بن
قيصر ملك الروم في ذلك الزمان ، وأنها رأت الإمام الحسن العسكري في المنام فأحبته
وتزوجته وهربت من أبيها الذي كان يريد تزويجها من ابن أخيه ، ووقعت في الأسر، حيث
أرسل الإمام الهادي نخاسا لشرائها من سوق الرقيق في بغداد".[176]
ولكن المسعودي يقول :" إنها كانت جارية
ولدت في بيت بعض أخوات أبى الحسن علي بن محمد، وربتها في بيتها، فلما كبرت وعبلت
دخل أبو محمد فنظر إليها فأعجبته ، وطلب من عمته أن تستأذن أباه في دفعها إليه ،
ففعلت" .[177]
ويقول الصدوق في رواية أخرى :" إن اسمها هو
(صقيل) وأنها ماتت في حياة الحسن العسكري".[178] وهناك
عدة أسماء أخرى يذكرها المجلسي هي (سوسن) و(ريحانة) و( خمط) و ينقل عن الشهيد
الأول في (الدروس): انها حرة وان اسمها (مريم بنت زيد العلوية) . [179]
تاريخ
ولادته
اختلفت الروايات حول تاريخ مولد (الإمام محمد بن
الحسن العسكري) وأخذ قوم من الشيعة الأوائل بدعوى الجارية (نرجس) بالحمل ، بعد
وفاة الإمام العسكري ، وقالوا: إنها ولدت (ابن الحسن) بعد ذلك بثمانية اشهر .[180]
ويقول الشيخ المفيد : انه ولد في الثامن من
شهر ذي القعدة سنة 257 هـجرية أو 258هـ ، ويضيف : انه كان له عند وفاة أبيه سنتان وأربعة
اشهر.[181]
كما يقول في رواية أخرى: انه ولد في النصف
من شعبان من سنة 255هـ. [182] ويقول في رواية ثالثة : انه ولد سنة 252 هـ
وكان سنه عند وفاة أبيه ثماني سنوات . [183] ولكن
الشيخ الصدوق يقول: إن مولده كان في 8 شعبان سنة 256 هـ . [184] أما الشيخ
الطوسي فيقول : انه ولد في النصف من رمضان .[185] دون إن
يحدد السنة، ويتفق في رواية أخرى مع الشيخ المفيد : في انه ولد في النصف من شعبان
سنة 255 هـ.[186]
وهكذا تختلف هذه الروايات في تحديد تاريخ مولد
(ابن الحسن) الذي تقول انه ولد بصورة سرية
وظل أمره مخفيا..
كيفية
ولادته
يعتمد الصدوق والطوسي والمسعودي والخصيبي
الذين يروون قصة ولادة (ابن الحسن) على رواية واحدة ينسبونها إلى حكيمة (أو خديجة)
عمة الإمام العسكري ، وتقول فيها:
" بعث
إلي أبو محمد الحسن بن علي ، فقال: يا عمة اجعلي إفطارك هذه الليلة عندنا فإنها
ليلة النصف من شعبان ، فان الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة ، قالت:
فقلت له: ومن أمه؟ فقال لي : من نرجس ، قلت له: جعلني الله فداك ما بها أثر ،
فقال: هو ما أقول لك.
" قالت
فجئت .. فلما سلمتُ وجلستُ جاءت تنزع خفي وقالت لي: يا سيدتي وسيدة أهلي : كيف
أمسيت؟ ..فقلت لها: بل أنت سيدتي وسيدة أهلي ، قالت : فأنكرت قولي وقالت : ما هذا
يا عمة؟! .. فقلت لها: يا بنية إن الله تعالى سيهب لك في ليلتك هذه غلاما سيدا في
الدنيا والآخرة. قالت فخجلت واستحيت.. فلما أن فرغت من صلاة العشاء الآخرة أفطرت وأخذت
مضجعي فرقدت ، فلما كان في جوف الليل قمت إلى الصلاة .. ففرغت من صلاتي ، وهي
نائمة ليس بها حادث ، ثم جلستُ معقبة.. ثم اضطجعتُ.. ثم انتبهتُ فزعة وهي راقدة..
ثم قامت فصلت ونامت" .
" قالت
حكيمة: وخرجت أتفقد الفجر فإذا أنا بالفجر الأول كذنب أتسرحان ، وهي نائمة ،
فدخلني الشك، فصاح أبو محمد (ع) من المجلس فقال: لا تعجلي يا عمة فهاك الأمر قد
قرب".
" قالت
: فبينما أنا كذلك إذا انتبهت فزعة فوثبت إليها فقلت: اسم الله عليك ، ثم قلت لها:
أتحسين شيئا؟ قالت: نعم ، يا عمة. فقلت
لها: اجمعي نفسك واجمعي قلبك فهو ما قلت لك ".
" قالت:
فأخذتني فترة فانتبهت بحس سيدي، فكشفت الثوب عنه فإذا أنا به ساجدا يتلقى الأرض
بمساجده ، فضممته إلي فإذا أنا به نظيف متنظف ، فصاح بي أبو محمد هلمي إلي ابني يا
عمة ، فجئت به إليه فوضع يديه تحت إليتيه وظهره ووضع قدميه على صدره ، ثم أدلى
لسانه في فيه وأمرّ يده على عينيه وسمعه ومفاصله ، ثم قال: تكلم يا بني ، فقال:
اشهد إن لا اله إلا الله وحده لا شريك له ، واشهد إن محمدا رسول الله ، ثم صلى على
علي أمير المؤمنين وعلى الأئمة إلى إن وقف على أبيه ثم أحجم .. ثم قال أبو محمد:
يا عمة اذهبي به إلى أمه ليسلم عليها وائتيني به، فذهبت به فسلم عليها ورددته
فوضعته في المجلس ، ثم قال: يا عمة إذا كان يوم السابع فأتينا" .
" قالت
حكيمة: فلما أصبحت جئت لأسلم على أبى محمد وكشفت الستر لأتفقد سيدي فلم أره ، فقلت
: جعلت فداك ما فعل سيدي؟ فقال: يا عمة استودعناه الذي استودعته أم موسى"..
" قالت
حكيمة: فلما كان في اليوم السابع جئت فسلمت وجلست ، فقال: هلمي إلي ابني ، فجئت
بسيدي وهو في الخرقة ، ففعل به كفعلته الأولى ، ثم أدلى لسانه في فيه كأنه يغذيه
لبنا أو عسلا ، ثم قال: تكلم يا بني ، فقال: اشهد إن لا اله إلا الله وثنى بالصلاة
على محمد وعلى أمير المؤمنين وعلى الأئمة الطاهرين حتى وقف على أبيه ، ثم تلا هذه
الآية :( بسم الله الرحمن الرحيم ونريد إن نمن على الذين استضعفوا في الأرض
ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما
منهم ما كانوا يحذرون ) القصص 5 – 6". [187]
وتقول حكيمة في رواية أخرى يذكرها الصدوق: إن
نرجس لم يكن بها أي أثر للحمل وإنها لم تكن تعرف ذلك ، وعندما قالت لها حليمة إنها
ستلد هذه الليلة استغربت وقالت:" يا مولاتي ما أرى شيئا من هذا".[188] حتى إذا كان آخر الليل وقت طلوع الفجر وثبت
فزعة وقالت:" ظهر بي الأمر الذي أخبرك مولاي". وتقول الرواية : إن حكيمة
أقبلت تقرأ على نرجس القرآن فأجابها الجنين من بطن أمه .. يقرأ مثلما تقرأ وسلّم
عليها. مما أثار فزعها . ولكن الرواية
تقول: إن نرجس غُيّبت عن حكيمة فلم ترها كأنه ضرب بينها وبين نرجس حجاب ، مما أثار
استغرابها وصراخها ولجوئها إلى أبى محمد ، حيث قال لها: ارجعي يا عمة وستجدينها في
مكانها.
" قالت
حكيمة: فرجعت .. فلم ألبث أن كشف الغطاء الذي كان بيني وبينها ، وإذا أنا بها
وعليها من أثر النور ما غشي بصري ، وإذا بالصبي ساجداً لوجهه" . [189]
وتضيف هذه
الرواية موضوعا آخر هو: تحليق عدد من الطيور فوق رأس الوليد ، وقول الحسن لطير
منها: احمله واحفظه ورده إلينا في كل أربعين يوما ، فتناوله الطير وطار به في جو
السماء ، مما جعل أمه تبكي لفراقه .
" قالت
حكيمة: فقلت: وما هذا الطير؟ فقال: هذا روح القدس الموكل بالأئمة يوفقهم ويسددهم
ويربيهم بالعلم . فلما كان بعد أربعين يوما رد الغلام وكان يمشي كأنه ابن سنتين ،
مما دفعها للتساؤل بدهشة فقال لها أخوها الحسن: إن أولاد الأنبياء والأوصياء إذا
كانوا أئمة ينشئون بخلاف ما ينشأ غيرهم ، وان الصبي منا إذا كان أتي عليه شهر كان
كمن أتي عليه سنة ، وان الصبي منا ليتكلم في بطن أمه ويقرأ القرآن ويعبد ربه عز
وجل وعند الرضاع تطيعه الملائكة وتنزل عليه صباحا ومساءا ".
وتواصل
الرواية نقلا عن حكيمة : " أنها لم تزل ترى ذلك الصبي في كل أربعين يوما إلى
إن رأته رجلا ، قبل مضي أبى محمد بأيام قلائل، فلم تعرفه ، وقالت لأبن أخيها : من
هذا الذي تأمرني إن اجلس بين يديه؟! فقال لها: هذا ابن نرجس ، وهذا خليفتي من بعدي
، وعن قليل تفقدوني فاسمعي له أطيعي" .
" قالت
حكيمة: فمضى أبو محمد بعد ذلك بأيام قلائل وافترق الناس كما ترى .. ووالله آني
لأراه صباحا مساءا وانه لينبئني عما تسألون عنه فأخبركم، ووالله آني لأريد إن
اسأله عن الشيء فيبدأني به وانه ليرد عليّ الأمر فيخرج إلي منه جوابه من ساعته من
غير مسألتي ".. [190]
رواية
الطوسي لقصة الولادة
ويورد الطوسي في :(الغيبة) قصة ولادة (ابن
الحسن) ، ولكن لا يذكر قصة الطيور وروح القدس وأخذ الوليد آلي السماء ..بل يقول:
إن حكيمة ودعت أبا محمد وانصرفت إلى منزلها في أعقاب ولادة المهدي ، وعندما اشتاقت
له بعد ثلاثة أيام رجعت ففتشت عنه في غرفته فلم تجد له أثرا ولا سمعت له ذكرا
فكرهت إن تسأل ، ودخلت على أبى محمد فبدأها بالقول: · هو يا عمة في كنف الله أحرزه
وستره حتى يأذن الله له ، فإذا غيّب الله شخصي وتوفاني ورأيتِ شيعتي قد اختلفوا ،
فأخبري الثقاة منهم .. وليكن عندك مستورا وعندهم مكتوما ، فان ولي الله يغيبه الله
عن خلقه ويحجبه عن عباده فلا يراه أحد حتى يقدم له جبرائيل فرسه ليقضي الله أمرا
كان مفعولا . [191]
ويضيف الطوسي في رواية أخرى قول الحسن لعمته:"
استودعناه الذي استودعته أم موسى، والطلب منها إن تأتي في اليوم السابع ، حيث يعود
المهدي فتراه حكيمة" . [192]
ويقول في رواية ثالثة:" إن حكيمة دخلت
بعد ثلاثة أيام فرأت الولد في المهد وعليه ثوب اخضر وكان نائما على قفاه غير محزوم
ولا مقموط ففتح عينيه وجعل يضحك لها ويناجيها بإصبعه ، ثم غاب بعد ذلك".. [193]
ويقول في رواية رابعة:" إن حكيمة وجدت
على ذراع المهدي عند ولادته مكتوبا :"( جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان
زهوقا) ص 88 ، كما وجدته مفروغاً منه (أي مختونا) وانه رفع بينها وبين المهدي مع
أبيه الحسن كالحجاب ، فلم ترَ أحدا ، فقالت: أين مولاي؟!.. فقال لها الحسن: أخذه
من هو أحق منك ومنا . وعندما عادت بعد أربعين يوما وجدت المهدي يمشي في الدار فلم
ترَ وجها أحسن من وجهه ولا لغة افصح من لغته ، وعندما تعجبت من ذلك وقالت: أرى من
أمره ما أرى وله أربعون يوما؟! تبسم أبو محمد وقال: يا عمتي أما علمت أنا معاشر
الأئمة ننشأ في اليوم كما ينشأ غيرنا في السنة؟ فقامت وانصرفت ولم تره بعد ذلك. [194]
ويروي الطوسي عن خادمتين للإمام العسكري، هما:
(نسيم ومارية) انهما قالتا: لما خرج صاحب الزمان من بطن أمه سقط جاثيا على ركبتيه
رافعا سبابته نحو السماء ، ثم عطس فقال: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد
وآله داخرا لله غير مستنكف ولا مستكبر ، ثم قال: زعمت الظلمة إن حجة الله داحضة ،
ولو أُذن لنا في الكلام لزال الشك .[195]
ويضيف المسعودي والخصيبي جانبا آخر إلى قصة
ولادة ابن الحسن، فيقولان: إن المهدي ولد من فخذ أمه ، وينقلان عن الإمام العسكري
قوله لعمته حكيمة : إن الأئمة لا يحملون في البطون وإنما يحملون في الجنوب . [196]
ويتفق المسعودي مع الصدوق والطوسي في إن حكيمة
نامت في تلك اللحظات وهي قاعدة ووقع عليها سبات لم تتمالك نفسها منه ولم تحس إلا
على صوت الوليد تحت نرجس وصوت أبيه يناديها:
" يا عمتي هاتي ابني" ويقول : إن الوليد اختفى في ذلك اليوم وعاد
بعد أسبوع ، فرأته حكيمة مرة أخرى ثم اختفى ، ولم تره حتى أربعين يوما ، حيث
شاهدته يمشي.[197]
ويختلف المسعودي مع الصدوق الذي ذكر في
روايته: إن الإمام ينشأ في الشهر كما ينشأ غيره في السنة، ومع الطوسي الذي ذكر: إن
الإمام ينشأ في اليوم كما ينشأ غيره في السنة ، فيقلل المسعودي النسبة ، وينقل عن
العسكري قوله لحكيمة: أو ما علمت يا عمتي أنا معاشر الأوصياء ننشأ في اليوم مثل ما
ينشأ غيرنا في الجمعة؟ وننشأ في الجمعة مثل ما ينشأ غيرنا في الشهر وننشأ في الشهر
مثل ما ينشأ غيرنا في السنة؟ [198]
ويروي المسعودي أخيرا عن أبى محمد العسكري انه
قال: لما ولد الصاحب بعث الله (عزّ وجلّ) ملكين فحملاه إلى سرادق العرش حتى وقف
بين يدي الله فقال له: مرحبا بك.. بك أعطي وبك أعفو وبك أعذب .[199]
سرية
الولادة
ومع إن رواية حكيمة السابقة تقول : إن أمر
الولادة ظل سريا مكتوما عن الجميع ، وان الإمام الحسن طلب منها إذا رأت اختلاف
الشيعة بعد وفاته، أن تخبر الخواص فقط ، إلا إن الصدوق يذكر ان الإمام الحسن العسكري
اخبر كبير الشيعة في قم : (أحمد بن إسحاق) ، وانه كتب له:" وُلد لنا مولود
فليكن عندك مستورا وعن جميع الناس مكتوما ، فانا لم نظهر عليه إلا الأقرب لقرابته
والمولى لولايته ، أحببنا إعلامك ليسرك الله به مثل ما سرنا به ، والسلام ". [200]
وفي رواية أخرى يقول الصدوق : إن احمد بن
إسحاق دخل على الإمام العسكري يوما فسأله عن الإمام والخليفة بعده ، فنهض مسرعا
فدخل البيت ثم خرج وعلى عاتقه غلام من أبناء الثلاث سنين ، وقال له: يا أحمد لولا
كرامتك على الله عز وجل وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا .[201]
ويقول الفضل بن شاذان في (كشف الحق) إن الحسن
قال: ولد ولي الله وحجته على عباده وخليفتي من بعدي ليلة النصف من شعبان وكان أول
من غسله رضوان خازن الجنة ثم غسلته حكيمة .
ويقول الصدوق : إن من الذين علموا بخبر
الولادة أبو الفضل الحسن بن الحسين العلوي ، الذي يقول: انه دخل على أبى محمد بسرّ
من رأى ، وهنأه بولادة ابنه . وكان منهم أيضا: (أبو هارون) الذي يقول: انه رأى
صاحب الزمان وانه كشف عنه الثوب فوجده مختونا . [202]
ويؤكد الطوسي هاذين الخبرين في :(الغيبة).[203]
ويقول الشيخ المفيد : إن الحسن العسكري كان
يعرضه على أشخاص بمفردهم حين يزورونه ، كعمرو الأهوازي . [204]
وفي رواية أخرى: إن الإمام العسكري أرسل أموالا
إلى بعض الشيعة وأمرهم إن يعقوا عن ابنه.[205]
رؤية
المهدي في حياة أبيه
وعلى أي حال فان المؤرخين الشيعة ينقلون قصصا
كثيرة عن مشاهدة الإمام الثاني عشر ( محمد بن الحسن العسكري) في حياة أبيه وعند
وفاته ، حيث ينقل الكليني والصدوق والطوسي عن رجل من أهل فارس كان يخدم في بيت
الإمام العسكري : انه شاهد يوما جارية تحمل غلاما ابيض ، وقول الإمام له:"
هذا صاحبكم" وعدم رؤيته بعد ذلك. [206]
كما ينقل الصدوق والطوسي ، عن مجموعة من أصحاب
الإمام العسكري ، فيهم: عثمان بن سعيد العمري: انه عرض عليهم ابنه وقال لهم: هذا
إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم ..أطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا ،
أما إنكم لا ترونه بعد يومكم هذا ، قالوا : فخرجنا من عنده فما مضت إلا أيام قلائل
حتى مضى أبو محمد . [207]
كما ينقل الصدوق في (إكمال الدين) قصصا عن رجل
اسمه (يعقوب بن منقوش ) : انه دخل على الإمام العسكري يوما فسأله: من صاحب هذا الأمر؟
فكشف له الإمام سترا عن بيت ، فخرج غلام خماسي وجلس على فخذ أبى محمد ، فقال
ليعقوب: هذا صاحبكم ، ثم قال للغلام : يا بني ادخل إلى الوقت المعلوم . فدخل البيت
واختفى فيه . وينقل عن (نسيم) خادمة الإمام العسكري : أنها دخلت على صاحب هذا الأمر
بعد مولده بليلة فعطست عنده ، فقال لها: يرحمك الله .[208]
وينقل عن خادم آخر هو (طريف أبو نصر) : انه
دخل على صاحب الزمان فطلب منه إن يأتيه بصندل أحمر ثم قال له: أنا خاتم الأوصياء ، وبي يدفع الله البلاء عن
أهلي وشيعتي. وينقل عن رجل سوري اسمه (عبد الله): انه ذهب إلى بستان بني عامر فرأى
فتى جالسا على مصلى واضعاً كمّه في فيه ،
فقال: من هذا ؟ فقيل له :( م ح م د ) ابن الحسن .[209]
وينقل الصدوق رواية مطولة جدا عن سعد بن عبد
الله القمي : انه دخل مع احمد بن إسحاق على الإمام العسكري، فرأى غلاما على فخذه
وبين يديه رمانة ذهبية يلعب بها ، وبيد الحسن قلم إذا أراد إن يكتب شيئا قبض
الغلام على يده فيدحرج الرمانة بين يديه ويشغله بردها، كيلا يصده عن كتابة ما أراد
، وكان مع احمد بن إسحاق جراب فيه هدايا الشيعة والموالي ، فوضعه بين يدي العسكري
، فقال للغلام : فضّ الخاتم ، فرفض ، وقال:
أيجوز إن أمدّ يدا طاهرة إلى هدايا نجسة وأموال رجسة قد شيب حلالها
بحرامها؟! فأخرجها احمد بن إسحاق ليميز بينها ، فأخذ الغلام يحكي قصة الأموال
والهدايا واحدة فواحدة.. [210]
وفي رواية أخرى ينقلها الصدوق عن احمد بن
إسحاق يقول فيها : انه سأل الإمام عن الخليفة بعده وانه جاء بابنه وعرضه عليه ،
ولكنه لم يطمئن فسأل : يا مولاي هل من علامة يطمئن إليها قلبي؟ فنطق الغلام بلسان
عربي فصيح فقال: أنا بقية الله في أرضه والمنتقم من أعدائه ، فلا تطلب أثرا بعد
عين. فقال الإمام العسكري: هذا سر من سر
الله ، فخذ ما آتيتك أكتمه وكن من الشاكرين .[211]
ويروي الطوسي عن كامل بن إبراهيم المدني: انه
ذهب إلى الإمام العسكري ليسأله عن بعض المسائل ، وبينما هو جالس في الدار ، وإذا
بالريح تكشف ستراً مرخى على باب ، وإذا هو
بفتى كأنه فلقة قمر ، فقال له: يا كامل بن إبراهيم جئت إلى ولي الله وحجته وبابه
تسأله كذا وكذا ، فقال: أي والله . ثم رجع الستر إلى حالته ، فلم يستطع كشفه ، ولم
يعاينه بعد ذلك. [212]
وينقل أيضا عن إسماعيل بن علي النوبختي : انه
دخل على الإمام العسكري قبيل وفاته بساعة ، وانه طلب من خادمه (عقيد) إن يدخل
البيت ويأتيه بصبي فيه ، فقال له أبو محمد: أبشر يا بني ، فأنت صاحب الزمان وأنت
المهدي وأنت حجة الله على أرضه وأنت ولدي ووصيي وأنا ولدتك ، وأنت محمد بن الحسن
... وأنت خاتم الأئمة الطاهرين ، وبشر بك رسول الله وكناك بذلك عهد إلي أبى عن
آبائك الطاهرين . [213]
رؤيته عند
وفاة أبيه
وينفرد محمد بن علي الصدوق من بين المؤرخين
القدامى بذكر قصص أخرى كقصة (أبى الأديان البصري) الذي يقول: كنت اخدم الحسن بن
علي واحمل كتبه إلى الأمصار فدخلت عليه في علته التي توفي فيها فكتب معي كتبا
وقال: امضِ بها إلى المدائن فانك ستغيب خمسة عشر يوما وتدخل إلى (سر من رأى) يوم
الخامس عشر ، وتسمع الواعية في داري وتجدني على المغتسل .
فقلت: يا سيدي إذا كان ذلك فمن؟ ..
قال: من طالبك بجواب كتبي فهو القائم بعدي.
فقلت: زدني.
قال: من يصلي علي فهو القائم بعدي .
فقلت: زدني.
فقال: من اخبر بما في الهميان فهو القائم
بعدي.
وخرجت بالكتب إلى المدائن، وأخذت جواباتها،
ودخلت (سرّ من رأى) يوم الخامس عشر ، كما ذكر لي ، فإذا أنا بالواعية في داره وإذا
به على المغتسل، وإذا أنا بجعفر بن علي أخيه بباب الدار والشيعة من حوله يعزونه
ويهنؤنه ، فقلت في نفسي: إن يكن هذا الإمام فقد بطلت الإمامة ، لأني كنت اعرفه
يشرب النبيذ ويقامر في الجوسق ويلعب بالطنبور ، فتقدمت فعزيت وهنيت ، فلم يسألني
عن شيء ثم خرج عقيد فقال: يا سيدي قد كفن أخوك فقم وصل عليه ، فدخل جعفر بن علي
والشيعة من حوله يقدمهم السمان (عثمان بن سعيد العمري) فلما صرنا في الدار إذا نحن
بالحسن على نعشه مكفنا ، فتقدم جعفر بن علي ليصلي على أخيه فلما همّ بالتكبير خرج
صبي بوجهه سمرة بشعره قطط بأسنانه تفليج فجذب برداء جعفر وقال: تأخر يا عمّ فأنا
أحق بالصلاة على أبى ، فتأخر جعفر ، وقد اربد وجهه واصفرّ.. فتقدم الصبي وصلى عليه
ودفن إلى جانب قبر أبيه ، ثم قال: يا بصري هات جوابات الكتب التي معك ، فدفعتها
إليه ، فقلت في نفسي: هذه بينتان ، بقي الهميان ، ثم خرجت إلى جعفر وهو يزفر، فقال
له حاجز الوشاء: يا سيدي من الصبي لنقيم عليه الحجة؟ فقال: والله ما رأيته قط ولا
اعرفه. فنحن جلوس إذ قدم نفر من قم فسألوا عن الحسن بن علي فعرفوا موته، فقالوا:
فمن نعزي؟ فأشار الناس إلى جعفر بن علي فسلموا عليه وعزوه وهنئوه ، وقالوا: إن
معنا كتبا وأموالا فتقول ممن الكتب؟ فقام ينفض أثوابه ويقول: تريدون منا إن نعلم
الغيب؟!
قال: فخرج الخادم فقال: معكم كتب فلان وفلان
وفلان وهميان فيه ألف دينار وعشرة دنانير منها مطلية ، فدفعوا إليه الكتب والمال ،
وقالوا: الذي وجه بك لأخذ ذلك هو الإمام . [214]
وينقل الصدوق هذه القصة برواية أخرى عن سنان
الموصلي : انه لما قبض العسكري وفد من قم والجبال وفود بالأموال، ولم يكن لديهم
خبر وفاة الحسن، فسألوا عن وارثه فقيل لهم: انه أخوه جعفر وقد ذهب يتنزه في دجلة
مع المغنين ، فأرادوا إن يرجعوا ، ولكن أبا العباس محمد بن جعفر الحميري القمي قال
لهم: قفوا بنا حتى ينصرف هذا الرجل ونختبر أمره بالصحة. وانهم طالبوا جعفر بالتحدث غيبيا عن تفاصيل
الأموال وأصحابها ، فأنكر علم الغيب ... ولما
إن خرجوا من البلد خرج إليهم غلام فنادى: يا فلان ويا فلان بن فلان أجيبوا مولاكم
، قالوا فسرنا معه حتى دخلنا دار مولانا الحسن بن علي فإذا ولده القائم سيدنا قاعد
على سرير كأنه فلقة قمر عليه ثياب خضر ، فسلمنا فرد علينا السلام ثم قال: جملة
المال كذا وكذا .. حمل فلان كذا وحمل فلان كذا . ولم يزل يصف حتى وصف الجميع.. ثم
وصف رحالنا وثيابنا وما كان معنا من الدواب ، فخررنا سجداً لله عز وجل شكرا لما
عرفنا ، و قبلنا الأرض بين يديه ، وسألناه عما أردنا فأجاب ، فحملنا إليه الأموال
، وأمرنا إن لا نحمل إلى ( سرّ من رأى) بعدها شيئا من المال ، فانه ينصب لنا
ببغداد رجلا يحمل إليه الأموال ويخرج من عنده التوقيعات.[215]
محاولة
القبض على المهدي
وهناك رواية تاريخية ينقلها عدد من المؤلفين
عن شرطي اسمه (رشيق) يتحدث عن محاولة المعتضد العباسي للقبض على (المهدي) وإرساله
ثلاثة من الشرطة ، وذهابهم إلى بيت الإمام الحسن العسكري في سامراء ، ورؤيتهم في
البيت بحرا من الماء ورجلا على حصير على الماء، قائما يصلي ، وغرقهم عند محاولتهم
التقدم نحوه ، ثم اعتذارهم وتراجعهم.[216]
وينقل المجلسي و الصدر قصة أخرى مشابهة ،
وهي تجريد المعتضد لحملة أكبر وكبس البيت وسماع العسكر لصوت قراءة من السرداب ،
واجتماعهم عند مدخله لإلقاء القبض على صاحب الصوت ، وخروجه من بين أيديهم. [217]
المطلب
الثاني:
شهادة
(النواب الأربعة)
لعل أهم دليل تاريخي على ولادة ووجود
(الإمام محمد بن الحسن العسكري) هو شهادة (النواب الأربعة الخاصين) الذين ادعوا
(النيابة ) عنه ، في فترة (الغيبة الصغرى) من سنة 260 إلى سنة 329 هجرية . حيث كان
هؤلاء (النواب) يدعون مشاهدته واللقاء به وإيصال الأموال إليه و نقل الرسائل و
(التواقيع) منه إلى المؤمنين به.
وكان الجيل الأول من (النواب ) أو (السفراء
والوكلاء) رجال من أصحاب الإمامين علي بن محمد الهادي ، والحسن بن علي العسكري ،
وكان على رأسهم عثمان بن سعيد العمري ، الذي كان وكيلا للإمامين في قبض الأموال من
الشيعة وإيصالها إليهما في حياتهما ، والذي يصفه الشيخ الطوسي بأنه : "الشيخ
الموثوق به ، ومن السفراء الممدوحين للأئمة" . [218]
ويقال : انه كان محل ثقة الإمامين العسكريين ،
ولم يكن وكيلا لهما في جمع الأموال فقط ، وإنما كان يقوم بأدوار أكبر في إيصال
رسائل الإمامين إلى الشيعة ، وكان يحتل مرتبة عظيمة عندهما . وينقل الشيخ
الطوسي رواية عن احمد بن اسحق القمي ،
قال: دخلت على أبى الحسن علي بن محمد ، في يوم من الأيام ، فقلت: يا سيدي أنا أغيب
واشهد ، ولا يتهيأ لي الوصول إليك إذا شهدت في كل وقت ، فقول من نقبل ، وأمر من
نمتثل؟ فقال لي: " هذا أبو عمرو الثقة الأمين ، ما قاله لكم فعني يقوله ، وما
أداه إليكم فعني يؤديه" . فلما مضى أبو الحسن وصلت إلى أبى محمد الحسن
العسكري ، ذات يوم ، فقلت له مثل قولي لأبيه ، فقال لي: " هذا أبو عمرو الثقة
الأمين ثقة الماضي وثقتي في المحيا والممات ، فما قاله لكم فعني يقوله ، وما أدى
إليكم فعني يؤديه" .[219]
وهذه الرواية تكشف عن أن العمري لم يكن وكيلا
في جمع المال فقط ، وإنما كان يقوم بأدوار اكبر في إيصال رسائل الإمامين الهادي
والعسكري إلى الشيعة ، ويحتل مرتبة عظيمة عندهما.
وينقل الطوسي أيضا عن احمد بن علي بن نوح أبو
العباس السيرافي ، قال : اخبرنا أبو نصر عبد الله بن محمد بن احمد المعروف بابن
برنية الكاتب ، قال : حدثني بعض الأشراف من الشيعة الإمامية أصحاب الحديث ، قال :
حدثني أبو محمد العباس بن احمد الصائغ ، قال : حدثني الحسين بن احمد الخصيبي ، قال
: حدثني محمد بن إسماعيل وعلي بن عبد الله الحسنيان ، قالا: دخلنا على أبى محمد
الحسن بسرّ من رأى ، وبين يديه جماعة من أوليائه وشيعته ، حتى دخل عليه بدر خادمه
، فقال: يا مولاي بالباب قوم شعث غبر ، فقال لهم: هؤلاء نفر من شيعتنا باليمن (في
حديث طويل يسوقه ) إلى إن ينتهي إلى أن قال الحسن لبدر: فامض ائتنا بعثمان بن سعيد
العمري ، فما لبثنا إلا يسيرا حتى دخل عثمان ، فقال له سيدنا أبو محمد : امض يا
عثمان فانك الوكيل والثقة المأمون على مال الله ، واقبض من هؤلاء النفر اليمنيين
ما حملوه من المال ( ثم ساق الحديث إلى إن قال ) ثم قلنا بأجمعنا : يا سيدنا والله
إن عثمان لمن خيار شيعتك ، ولقد زدتنا علما بموضعه من خدمتك وانه وكيلك وثقتك على
مال الله ، قال: نعم ، واشهدوا على أن
عثمان بن سعيد العمري وكيلي ، وان ابنه محمد وكيل ابني مهديكم . [220]
ويلاحظ إن هذه الرواية تشتمل ، إضافة
إلى وثاقته ووكالته ، على وثاقة ابنه ووكالته .
ويروي الطوسي عن أبى محمد هارون بن موسى، قال
، وقال جعفر بن محمد بن مالك الفزاري عن جماعة من الشيعة، منهم علي بن بلال ،
واحمد بن هلال ، ومحمد بن معاوية بن حكيم ، والحسن بن أيوب بن نوح (في خبر طويل
مشهور) قالوا جميعا: اجتمعنا إلى أبى محمد الحسن بن علي نسأله عن الحجة من بعده ،
وفي مجلسه أربعون رجلا ، فقام إليه عثمان بن سعيد العمري ، فقال له : يا ابن رسول
الله أريد إن أسألك عن أمر أنت اعلم به مني ، فقال له: اجلس يا عثمان ، فقام مغضبا
ليخرج ، فقال: لا يخرجن أحد ، فلم يخرج منا أحد إلى ان كان بعد ساعة ، فصاح (ع)
بعثمان ، فقام على قدميه ، فقال: أخبركم بما جئتم ؟.. جئتم تسألوني عن الحجة من
بعدي ، قالوا: نعم ، فإذا غلام كأنه قطع قمر أشبه الناس بأبي محمد ، فقال: هذا
إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم.. اقبلوا من عثمان ما يقوله وانتهوا إلى أمره
واقبلوا قوله ، فهو خليفة إمامكم ، والأمر إليه .[221]
ويقول الطوسي ، نقلا عن حفيد العمري (هبة الله
) : إن الحسن بن علي لما مات حضر غسله
عثمان بن سعيد وتولى جميع أمره في تكفينه وتحنيطه وتقبيره مأمورا بذلك للظاهر من
الحال... وكانت توقيعات صاحب الأمر تخرج على يدي عثمان بن سعيد وابنه أبى جعفر،
إلى شيعته وخواص أبيه بالأمر والنهي ، والأجوبة عما يسأل الشيعة عنه إذا احتاجت
إلى السؤال فيه ، بالخط الذي كان يخرج في حياة الحسن ، فلم تزل الشيعة
مقيمة على عدالتهما إلى إن توفي عثمان بن سعيد.[222]
وهكذا اصبح العمري (نائبا خاصا) عن (الإمام
المهدي) بعد إن ادعى وجوده وولادته والنيابة له . وقد سأله احمد بن إسحاق ، فقال
له: أنت الآن ممن لا يشك في قوله وصدقه ، فأسألك بحق الله وبحق الإمامين اللذين
وثقاك ، هل رأيت ابن أبى محمد الذي هو صاحب الزمان ؟ .. فبكى ثم قال: على إن لا
تخبر بذلك أحدا وأنا حي ، قال: نعم ، قال: قد رايته ، وعنقه هكذا ( يريد: أنها
اغلظ الرقاب حسنا وتماما ) قال: فالاسم ؟ .. قال: نهيتم عن هذا .[223]
وقد توفي عثمان بن سعيد العمري بعد وفاة الإمام
العسكري بسنتين، وخلف ابنه محمد (سفيرا) بين الإمام المهدي والشيعة.
وينقل الكليني والطوسي ( تواقيع ) واردة من
الإمام ، بتوثيقه وتزكيته وتنصيبه في منصب (النائب الخاص) .[224]
ويقول عبد الله بن جعفر الحميري القمي ، زعيم
الشيعة في قم : إن المهدي قد أرسل إلى العمري الابن ( توقيعا ) جاء فيه : " إنا
لله وانا إليه راجعون ، تسليما لأمره ورضاء بقضائه.. عاش أبوك سعيدا ومات حميدا ،
فرحمه الله وألحقه بأوليائه ومواليه ، فلم يزل مجتهدا في أمرهم ساعيا في ما يقربه
إلى الله عز وجل ، نضّر الله وجهه وأقاله عثرته.. . وكان من كمال سعادته إن رزقه
الله تعالى ولدا مثلك يخلفه من بعده ويقوم مقامه بأمره ويترحم عليه ، واقول :
الحمد لله ، فان الأنفس طيبة بمكانك وما جعله الله عز وجل فيك وعندك ، أعانك الله
وقوّاك وعضدك ووفقك وكان لك وليا وحافظا وراعيا وكافيا" .[225] وقال الحميري : لما مضى أبو عمرو (عثمان بن سعيد
) أتتنا الكتب بالخط الذي كنا نكاتب به بإقامة أبى جعفر مقامه. [226]
وقال محمد بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي :
انه خرج إليه بعد وفاة أبى عمرو :" والابن وقاه الله لم يزل ثقتنا في حياة
الأب رضي الله عنه وأرضاه ونضّر وجهه ، يجري عندنا مجراه ، ويسدّ مسده ، وعن أمرنا
يأمر الابن ، وبه يعمل ، تولاه الله ، فانتهِ إلى قوله وعرّف معاملتنا ذلك" .[227]
وروى الطوسي عن إسحاق بن يعقوب : قال سألت
محمد بن عثمان العمري ، أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه مسائل اشكلت علي ، فوقع
(التوقيع) بخط مولانا صاحب الدار: " وأما محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه
وعن أبيه من قبل ، فانه ثقتي وكتابه كتابي" . [228]
وكان العمري إذا سُئل : هل رأيت المهدي ؟ يقول:"
نعم ، وآخر عهدي به عند بيت الله الحرام ، وهو يقول :" اللهم أنجز لي ما
وعدتني" ، ورايته متعلقا بأستار الكعبة في المستجار، وهو يقول : "اللهم
انتقم لي من أعدائي ".. والله إن صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كل سنة يرى
الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه" .[229] ويقول الطوسي: إن التوقيعات كانت تخرج على يد
العمري طول حياته بالخط الذي كانت تخرج في حياة أبيه ، لا يعرف الشيعة في هذا
الأمر غيره. [230]
واستمر العمري (الابن) في هذا المنصب حوالي
خمسين عاما حيث توفي في مطلع القرن الرابع الهجري سنة 305 هـ ، وأوصى إلى (الحسين
بن روح النوبختي) الذي كان واحدا من عشرة وكلاء له في بغداد . وهكذا أوصى النوبختي
الذي توفي سنة 325 هجرية إلى النائب الرابع (علي بن محمد السمري ، أو الصيمري)
كخليفة من بعده بالوكالة عن الإمام المهدي الغائب . [231]
والى جانب هؤلاء (النواب الأربعة) ادعى
النيابة حوالي أربعة وعشرين رجلا آخر من أصحاب الإمامين الهادي والعسكري ، أو من
أتباعهم كالحسن الشريعي ، ومحمد بن نصير النميري ، وأبي هاشم داود بن القاسم
الجعفري ، واحمد بن هلال العبرتائي ، ومحمد بن علي بن بلال، وإسحاق الأحمر، وحاجز
بن يزيد ، ومحمد بن صالح الهمداني ، ومحمد بن جعفر بن عون الأسدي الرازي ، ومحمد
بن إبراهيم بن مهزيار، والحسين بن منصور الحلاج، وجعفر بن سهيل الصيقل، ومحمد بن
غالب الأصفهاني ، واحمد بن إسحاق ألا شعري القمي، والقاسم بن محمد بن علي بن إبراهيم
الهمداني، ومحمد بن صالح القمي ، والقاسم بن العلاء وابنه الحسن، ومحمد بن علي
الشلمغاني ابن أبى العزاقر ، وأبو دلف الكاتب .
وكان الكثير من هؤلاء يدعي وجود "علاقة
خاصة" بينه وبين الإمامين الهادي
والعسكري ومن ثم (الإمام المهدي) كما يدعي القدرة على اجتراح المعاجز و العلم
بالغيب ، ويخرج رسائل سرية يقول أنها وردته من الإمام الغائب ، ويقوم على أساسها
باستلام الأموال والحقوق الشرعية . وقد اختلف الشيعة الإمامية القائلون بوجود
الإمام الثاني عشر، فيما بينهم ، حول صدق أولئك النواب وصحة ادعائهم بالنيابة ،
فذهب فريق إلى تصديق (النواب الأربعة ) الأوائل ، وذهب فريق آخر، كالنصيرية، إلى
تصديق الشريعي والنميري ، كما ذهب آخرون إلى تصديق مجموعة أخرى.
وعلى أي حال فان البعض يعتبر وجود (النواب
الأربعة) وغيرهم ، شهادة تاريخية على وجود ابن للإمام الحسن العسكري هو ( الإمام
المهدي) إضافة إلى تلك الروايات التاريخية التي تحدثت عن ولادته ومشاهدته في حياة
أبيه واللقاء به بعد ذلك .
يقول السيد محمد باقر الصدر في كتابه :(بحث
حول المهدي) انه ليس من المعقول إن يكذب أولئك النواب الثقاة العدول في دعواهم
النيابة أو في وجود الإمام المهدي . بعد أن اجمع الشيعة على صدقهم وورعهم وتقواهم.
وقد اعتبر بعض المحدثين السابقين كالنعماني
محمد بن أبى زينب : إن وجود أولئك النواب الخاصين الأربعة في فترة (الغيبة الصغرى)
وانقطاعهم في فترة (الغيبة الكبرى ) الممتدة منذ ذلك الحين إلى يوم الظهور،
وانسجام الفترتين مع الروايات التي تتحدث عن وجود غيبتين صغرى وكبرى للإمام المهدي
، دليلا على وجود (محمد بن الحسن العسكري) وصحة غيبته.
المطلب
الثالث: رسائل المهدي
ذكر الصدوق
والطوسي وابن شهرآشوب والطبرسي عددا من الرسائل التي قالوا: إن (الإمام محمد بن
الحسن العسكري) قد بعث بها إلى عدد من (وكلائه) في عصر (الغيبة الصغرى) . منها ما
رواه الطوسي في :(الغيبة) عن احمد بن إسحاق ألا شعري القمي الذي يقول انه كتب إلى
(ابن الحسن) رسالة حول دعوة جعفر بن علي الهادي لأهل قم لأتباعه بعد وفاة أخيه .
ويقول فيها : إن (صاحب الزمان) كتب إليه كتابا يتضمن اتهام جعفر بالجهل بالدين،
وبالفسق وشرب الخمر والعصيان لله ، وبعدم امتلاكه لأية حجة ، ودعوة لامتحانه ،
وتأكيدا على عدم جواز اجتماع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين. [232]
كما ينقل الطوسي رواية ثانية عن ابن أبى غانم
القزويني، انه وجماعة من الشيعة اختلفوا حول وجود (الخلف) وتشاجروا ، ثم انهم
كتبوا في ذلك كتابا أنفذوه إلى ( الناحية)[233]
وأعلموه بما تشاجروا فيه ، فورد جواب كتبهم بخطه (ع) وكان يتضمن أسفا وحرقة عليهم
، ودعوة للتسليم وعدم محاولة الكشف عن أستار الغيبة. [234]
وتوجد رسالة ثالثة يرويها الصدوق عن إسحاق بن يعقوب ، قال: سألت محمد بن عثمان
العمري إن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل اشكلت عليّ ، فورد التوقيع (الجواب)
بخط مولانا صاحب الدار ، وكان فيه:" وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى
رواة حديثنا ، فانهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله عليهم" كما كان يتضمن التوقيع تزكية وتوثيقا للعمري ،
وإباحة للخمس في عصر الغيبة ، ونهيا عن السؤال عن سبب الغيبة . [235]
وينقل الصدوق رسالة أخرى من (الإمام المهدي)
إلى (النائب الأول): عثمان بن سعيد العمري وابنه محمد (النائب الثاني) يذكر فيها أخبار
الخلاف بين الشيعة حول (الخلف) وقول بعضهم بعدم وجود غير جعفر بن علي ، ويطالب
الشيعة بعدم البحث عما ستر عنهم لكي لا يأثموا ، وعدم كشف ستر الله لكي لا يندموا
، والاقتصار على الإجمال والتعريض ، دون التفسير والتصريح . [236]
وقد ذكر ابن شهر آشوب في (المناقب) والطبرسي
في (الاحتجاج) : أن المفيد اخرج نسخا من رسائل ، قال إن الإمام المهدي قد بعثها
إليه بيد أعرابي وبخط رجل آخر ، وكان
المهدي يخاطب فيها المفيد بالأخ السديد والمولى الرشيد والمخلص الناصر ، وملهم
الحق ودليله والعبد الصالح الناصر للحق والداعي إليه بكلمة الصدق.[237]
هذه أهم القصص التي تروى عن مشاهدة
(الإمام محمد بن الحسن العسكري) عند ولادته وفي حياة أبيه وعند وفاته وبُعيد ذلك..
وهناك قصص أخرى كثيرة تروى عن مشاهدته في البيت الحرام في الطواف أو في شعب من
شعاب الطائف أو في المدنية أو هنا وهناك ، وهي أقل دلالة من هذه القصص وأضعف
سنداً.. وربما كانت قصة حكيمة وأبي الأديان البصري هما اشهر القصص التي تروى
عن ولادة ووجود (الإمام الثاني عشر) .
المبحث
الرابع
الدليل الإعجازي
على وجود (المهدي)
وبالإضافة إلى الأدلة
العقلية، والنقلية، والتاريخية، على وجود (محمد بن الحسن العسكري) فان المؤيدين
لهذه النظرية يوردون دليلا رابعا هو: (المعاجز) التي يقولون إن (النواب الأربعة)
كانوا يقومون بها أو (علم الغيب ) الذي كانوا يتحدثون عنه .
وقد استعرضنا كثيرا من تلك ( المعاجز )
في أثناء الحديث عن الروايات التاريخية حول ولادة (ابن الحسن) ووجوده ، في الفصل
الماضي ، وسوف نقوم الآن باستعراض (المعاجز) التي قدمها (النواب الأربعة: عثمان بن
سعيد العمري ومحمد بن عثمان ، والحسين بن روح النوبختي وعلي بن محمد السمري) وكلاء (الإمام المهدي) في فترة :(الغيبة الصغرى)
التي امتدت حوالي سبعين عاما من 260 للهجرة إلى 329 هـ تاريخ وفاة (النائب
الرابع).
وقد ذكر الشيخ المفيد قصة محمد بن إبراهيم
بن مهزيار ، الذي شكك في وجود (الإمام المهدي) بعد وفاة الإمام العسكري ، والذي
يقول :" إن أباه قد أوصى إليه بمال جليل وأمره إن يتقي الله فيه ويسلمه
لخليفة الإمام العسكري ، فقال في نفسه: احمل هذا المال إلى بغداد واكتري دارا على
الشط ولا اخبر أحدا بشيء ، فان وضح لي شيء كوضوحه في أيام أبى محمد، انفدته ، وإلا
أنفقته في ملاذي وشهواتي". فقدم بغداد واكترى دارا على الشط وبقي أياما فإذا
برقعة مع رسول ، وفيها: يا محمد معك كذا وكذا... حتى قصّ عليه جميع ما معه وذكر في
جملتها شيئا لم يحط به علما، فسلم المال إلى الرسول ، وبقي أياما، ثم خرج إليه إعلان
بنصبه ( وكيلا ) مقام أبيه .[238]
وذكر الكليني والمفيد والطوسي أمثلة كثيرة على
" معاجز" النواب ، وعلمهم بالغيب ، كدليل على ارتباطهم بالإمام المهدي ،
وعلى وجود المهدي وارتباطه بالسماء .
منها قيام الإمام المهدي برفع جمل وما عليه في
السماء .
ومنها : نهي المهدي لرجل عن ختان ابنه ، وموت
الطفل بعد ذلك بقليل .
ومنها نهي رجل عن السفر في البر والبحر وأمره
بالإقامة بالكوفة ، وخروج القراصنة وقطاع الطرق على القوافل في ذلك الوقت .
ومنها قصة معرفة العمري بموضع أمانة نسيها
الرسول بين أمتعته ، مع عدم حمل الرسول لأية تذكرة أو كتاب حول الموضوع.
ومنها أخبار العمري بتاريخ وفاته في اليوم
والشهر والسنة.
ومنها أخبار العمري الناس بالأجوبة العجيبة ، وإخباره
لرجل بتفاصيل خلاف سري بينه وبين زوجته .
ومنها قدرة النائب الثالث: الحسين بن روح
النوبختي على قراءة رسالة بيضاء ومعرفته بمحتوياتها، والإجابة عليها بسرعة.
ومنها أخبار علي بن بابويه الصدوق بولادة
ولدين صالحين له في المستقبل .
ومنها : أخبار النوبختي لعدد من الناس بحل
قضاياهم في المستقبل بالتحديد وبالتفصيل ، وبموت بعض الأشخاص في أوقات محددة من
قبل .
ومنها : معرفة النوبختي باللغات الأجنبية
والتكلم بها ، من دون تعلم ، بالمعجزة .
ومنها : أخبار النائب الرابع السمري ، لأصحابه
، وهو في بغداد ، بنبأ وفاة علي بن الحسين بن بابويه في قم في نفس اليوم .
ومنها أخبار الشيعة بتاريخ وفاته بعد ستة
أيام.
ومنها أخبار الوكيل القاسم بن العلاء بقرب
وفاته بعد أربعين يوما ، وإرجاع بصره إليه بعد فقده لمدة طويلة ، و إخباره ببقاء
ولده وعدم موته كأخوته السابقين .
ومنها علم النواب بمصدر الأموال التي كانت ترد
إليهم .
ومنها إخبار محمد بن زياد الصيمري بوفاته
وموته في الوقت المحدد .[239]
ويشير الطوسي إلى "دليل المعاجز"
ويعتبره : دليلا على إمامة ابن الحسن وثبوت غيبته ووجود عينه ، " لأنها أخبار
تضمنت الإخبار بالمغيبات وبالشيء قبل كونه على وجه خارق للعادة لا يعلم ذلك إلا من
أعلمه الله على لسان نبيه (ص) ووصل إليه من جهة مَن دلّ الدليل على صدقه ، لأن
المعجزات لا تظهر على يد الكذابين ، وإذا ثبت ذلك دلّ على وجود من اسندوا ذلك إليه"
. [240]
المبحث
الخامس: دليل الإجماع
بعد الدليل
الفلسفي (العقلي ، أو الاعتباري ) والدليل الروائي (النقلي) والدليل التاريخي ،
ودليل (المعاجز الغيبية) الخارقة للعادة.. بعد كل ذلك ، يأتي دليل الإجماع الذي
يشير إليه بعض القائلين بنظرية وجود (محمد بن الحسن العسكري) وولادته. الذي كان
أول من أشار إليه، سعد بن عبد الله إلا شعري القمي، في القرن الثالث الهجري.[241] وكذلك النوبختي، الذي قال:" إن الشيعة
اجمعوا جميعا على إن الإمام الحسن العسكري قد خلف ولدا هو الإمام " وقال: "إن كل من قال بإمامة الأحد عشر من
آباء القائم لزمه القول بإمامة الثاني عشر ، لنصوص آبائه عليه باسمه ونسبه وإجماع
شيعتهم على القول بإمامته ، وانه القائم الذي يظهر بعد غيبة طويلة فيملأ الأرض
قسطا وعدلا". [242]
وهو ما يتبادر إلى الأذهان اليوم ، حيث يحتج
الكثير من الناس بأن قضية وجود (الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري) هي من
الأمور "المجمع عليها" بين صفوف الشيعة الإمامية الاثني عشرية على
الأقل.
المبحث
السادس
لماذا
الغيبة ؟
بعد تقديم جميع الأدلة
العقلية والنقلية والتاريخية على " وجود " (محمد بن الحسن العسكري )
وولادته في منتصف القرن الثالث الهجري ، فان غيبته عن الأنظار وعدم خروجه وتصديه
لقيادة الأمة الإسلامية والاضطلاع بمهام الإمامة ، يشكل تحديا كبيرا للقائلين
بوجوده ، ولذلك كان عليهم إن يفسروا " سرّ الغيبة" . وقد قدموا عدة
نظريات في تفسير ظاهرة الغيبة المحيرة ، وهي كما يلي:
1 - نظرية الحكمة المجهولة . وقد مال
الشيخ الصدوق إلى هذه النظرية ، وحتّم وجود حكمة في غيبة الإمام ، انطلاقا من آثار
حكمة الله في حججه المتقدمين ، وقال:" إن إيماننا بعصمة الإمام المهدي يقتضي
منا التسليم بوجود حكمة وراء غيبته".[243]
وقد نفى السيد المرتضى علم الهدى ، ضرورة
معرفة سبب الغيبة على وجه التعيين ، وكفاية علم الجملة بوجود سببٍ ما للغيبة ، مع الإيمان
بعصمة الإمام ، واعتبر العلم في ذلك كالعلم بمراد الله من الآيات المتشابهات في
القرآن الكريم. [244] وهكذا
قال الشيخ الطوسي بضرورة افتراض سبب لغيبة (صاحب الزمان) واستتاره ، والقول بوجود
حكمة مسوّغة وان لم نعلمها مفصلا ، كما يتم افتراض أسباب وحكم لخلق الله (عز وجل)
للبهائم والمؤذيات والصور القبيحة وإيلام الأطفال ، وان لم نعلم وجه حكمتها
بالتفصيل ، وقال:" إذا علمنا إمامته بدليل وعلمنا عصمته بدليل آخر، وعلمناه
غاب ، حملنا غيبته على وجه يطابق عصمته ، فلا فرق بين الموضعين".[245] وقال
الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء:" إن السؤال عن الحكمة ساقط ، إذا قامت البراهين
على وجوب وجود الإمام في كل عصر ، وان الأرض لا تخلو من حجة ، وان وجوده لطف
وتصرفه لطف آخر" واعتبر المقام أدق واغمض من ذلك ، كما اعترف بجهل الحكمة
وعدم الوصول إلى حاقّ المصلحة .[246]
2 - نظرية التمحيص . وهناك
نظرية أخرى في تفسير (غيبة الإمام ) هي نظرية (التمحيص) أي تمحيص الشيعة وتمييزهم
وغربلتهم من اجل التعرف على حقيقة إيمانهم بالمهدي وصبرهم على البلاء. وقد روى
الصدوق والطوسي روايات عديدة في هذا المضمون عن الإمامين الباقر والصادق، ويتحدث بعض تلك الروايات عن عدم ظهور صاحب الأمر
إلا بعد ذهاب ثلثي الناس ، وعدم بقاء أحد إلا القليل ، وعن غربلة الشيعة كما يغربل
الزوان من القمح . [247]
وتقول رواية منها:" انه لا بد لصاحب هذا الأمر
من غيبة يغيبها، حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به ، إنما هي محنة من الله
امتحن بها خلقه ، وان عقولكم تصغر عن هذا الأمر، وأحلامكم تضيق عن حمله ، ولكن إن
تعيشوا تدركوه ".[248] وتشبه
رواية أخرى منها " غيبة المهدي" بإبطاء العقوبة التي استنزلها نوح من
السماء حتى أخذت طوائف من المؤمنين به ترتد طائفة بعد أخرى .. وكذلك القائم فانه
تمتد أيام غيبته ليصرح الحق عن محضه ويصفو من الكدر بارتداد كل من كانت طينته
خبيثة من الشيعة الذين يخشى عليهم النفاق إذا أحسوا بالاستخلاف والتمكين والأمن
المنتشر في عهد القائم .[249] ولكن
لم يأخذ بهذه النظرية سوى الصدوق ، وقد أهملها المفيد والمرتضى والطوسي . وان
كانوا قد ذكروا بعض الروايات المتضمنة لها ، وفسر الطوسي تلك الروايات الواردة حول
امتحان الشيعة في حال الغيبة بأنها تعني اتفاق ذلك في أثنائها لا انه سبب لها.[250]
3- نظرية الخوف. وهذه أقوي نظرية
في تفسير سبب الغيبة، وقد روى الكليني والصدوق، مجموعة روايات عن الإمام الصادق ،
تشير إلى أن سبب الغيبة هو الخوف على الحياة والتقية .[251]
وقال الشيخ المفيد:" خلف الحسن ابنه
المنتظر لدولة الحق وكان قد أخفى مولده ، وستر أمره، لصعوبة الوقت وشدة طلب سلطان
الزمان له واجتهاده في البحث عن أمره ، ولِما شاع من مذهب الإمامية فيه وعرف من
انتظارهم له ، فلم يظهر ولده في حياته ولا عرفه الجمهور بعد وفاته" .[252]
واعتبر المفيد أن الظروف المحيطة بغيبة
(الإمام المهدي) اصعب بكثير من الظروف التي أحاطت بالأئمة السابقين من أهل البيت،
الذين لم يختفوا عن الأنظار، وكانوا يتحصنون بالتقية ، وان سلاطين الزمان كانوا
يعلمون قيام المهدي بالسيف ، ولذلك كانوا احرص على ملاحقته واستيصال شأفته ، وان
السبب الذي كان يمنعه من الخروج هو قلة الأعوان والأنصار" . [253]
وأكد السيد المرتضى:" إن سبب غيبته إخافة
الظالمين له ومنعهم يده عن التصرف فيما جعل إليه التدبير والتصرف فيه ، فإذا حيل
بينه وبين مراده سقط عنه فرض القيام بالإمامة ، وإذا خاف على نفسه وجبت غيبته ولزم
استتاره ". [254]
وقال الكراجكي :" إن السبب في غيبة
الإمام إخافة الظالمين له وطلبهم بسفك دمه، وإعلام الله انه متى أبدى شخصه لهم
قتلوه ، ومتى قدروا عليه أهلكوه ، وإنما يلزمه القيام بواجباته بشرط التمكن
والقدرة وعدم المنع والحيلولة، وإزالة المخافة على النفس والمهجة ، فمتى لم يكن
ذلك فالتقية واجبة، والغيبة عند الأسباب الملجئة إليها لازمة ، لأن التحرر من
المضار واجب عقلا وسمعا" . [255]
وحصر الطوسي أسباب الغيبة في الخوف ،
وقال:" لا علة تمنع من ظهوره (ع) إلا خوفه على نفسه من القتل ، لأنه لو كان
غير ذلك لما ساغ له الاستتار، وكان يتحمل المشاق والأذى ، فان منازل الأئمة وكذلك الأنبياء
(ع) إنما تعظم منزلتهم لتحملهم المشاق العظيمة في ذات الله ".[256]
ولكن لماذا يخاف الإمام (محمد بن الحسن) على
نفسه من القتل ، وقد خرج الإمام الحسين وضحّى بنفسه في كر بلاء؟ إن السيد
المرتضى والشيخ الطوسي والكراجكي يجيبون على ذلك بالقول:" إن أحدا من البشر
لا يقوم مقام الإمام المهدي ، لأنه آخر الأئمة ولأن مصلحة المكلفين مقصورة عليه.!".
[257]
وهذا الجواب يفترض عدة أمور هي :
1 - تحديد مهدوية الإمام الثاني عشر من قبل
الأئمة السابقين ، والإشارة إليه من قبل .
2 - وجود أزمة سياسية وعداوة وخوف لدى السلطات
العباسية من المهدي ، ووجود خوف شديد واعظم لدى الإمام من المخاوف التي كانت في
عصور الأئمة السابقين، في ظل الحكام الأمويين والعباسيين.
3 - خاتمية الإمام الثاني عشر للأئمة وانحصار
الإمامة فيه.
4 - تحريم التقية للمهدي قبل قيامه و ظهوره .
وإلا فإذا قلنا : إن الأئمة السابقين لم
يحددوا هوية المهدي من قبل ، فلا حاجة له للغيبة منذ ولادته. وإذا ثبت إن العلاقة
بين أهل البيت والعباسيين في تلك الفترة كانت طبيعية وإيجابية ولا يوجد فيها ضغط
أو توتر سياسي ، فلا حاجة أيضا إلى الغيبة. وإذا قلنا إن الإمام الثاني عشر هو
واحد من الأئمة وليس آخرهم ، كما كان الاماميون يعتقدون في البداية وحتى نهاية
القرن الثالث ، فلا توجد ضرورة للغيبة ، لأن الأئمة السابقين كانوا جميعا معرضين
للقتل ولم يغيبوا. وإذا قلنا إن الإمام الثاني عشر (المهدي) يجوز له استخدام
التقية كسائر الأئمة فرضاً ، فانه كان بمقدوره إن ينفي هويته ومهدويته إلى أن يظهر
، ولم يكن بحاجة إلى الغيبة منذ ولادته.
المطلب
الثاني: أين مكان الغيبة؟
إن معظم الروايات التي تتحدث عن (المهدي محمد
بن الحسن العسكري) تشير إلى انه كان في بيت أبيه في (سرّ من رأى) عاصمة الخلافة العباسية
يوم ذاك ، وان الذين شاهدوه في حياة أبيه شاهدوه فيها ، وتقول بعض الروايات : انه
خرج للصلاة على جثمان أبيه الذي توفي ودفن في (سامراء) وانه التقى بعد ذلك بوفد قم
الذي جاء يبحث عن الإمام الجديد ، وانه ظل مقيما في البيت إلى أعوام طويلة حتى
دهمته قوات المعتضد العباسي، فغاب في (السرداب). وقد بنى الخليفة العباسي الناصر
بالله قبة على ذلك السرداب ، لا تزال
موجودة حتى اليوم ، ويزورها الشيعة من كل مكان ، وهي القبة المعروفة بقبة سرداب
الغيبة ، في جوار قبر الإمامين الهادي والعسكري في مدينة سامراء شمالي بغداد .
ويورد
الشيخ المفيد قصة رجل اسمه (علي بن الحسين) يقول : انه زار الإمام المهدي في بيته
في سامراء ، وجلس عنده ثلاثة أيام ، كما يذكر قصة (الحسن بن الفضل ) الذي يقول انه
ورد العسكر (أي : سامراء) فبعث إليه الإمام المهدي صرة فيها دنانير. وينقل المفيد عن الحسن بن عبد الحميد انه شك في
أمر أحد وكلاء المهدي واسمه (حاجز بن يزيد) فذهب إلى العسكر ، فخرج إليه ما يؤكد
صحة دعوى ذلك الوكيل وينهاه عن الشك. [258]
المطلب
الثالث: كم هي مدة الغيبة؟
لقد كانت مدة الغيبة في الأيام الأولى محددة
بزمن قصير، وكانت تتأرجح بين أيام وشهور أو سنين لا تتجاوز عدد أصابع اليدين ، كما
تقول روايات كثيرة يذكرها الكليني والطوسي . بينما كانت روايات أخرى، تقول : أنها
ستطول حوالي ثلاثين أو أربعين عاما. وأشار بعض الروايات إلى تحديد مدة الغيبة بوقت قصير جدا، وحداثة
عمر الإمام المهدي عند الظهور، وقد فسرها النعماني بحداثة عمره وقت إفضاء الإمامة
إليه. ونقل الطوسي رواية أخرى عن الإمام الباقر: إن صاحب هذا الأمر لا يتجاوز
الأربعين . وقالت روايات أخرى: إن عمره قد يجاوز المائة والعشرين . بينما روى الطوسي في مكان آخر،عن أبى عبد الله (ع) : انه قال: ما
تنكرون إن يمد الله لصاحب هذا الأمر في العمر كما مد لنوح في العمر؟ . وردّ على من
استشكل طول مدة الغيبة وخروجها عن العادة ، بأن الأمر ليس على ما قالوه ، ولو صح
لجاز إن ينقض الله العادة لضرب من المصلحة. واستشهد الصدوق والطوسي بغيبات الأنبياء
السابقين مثل موسى بن عمران ويوسف بن
يعقوب ويونس بن متى ، وأصحاب الكهف وصاحب الحمار ، ونوح وسلمان الفارسي والدجال
ولقمان بن عاد وربيع بن ضبع ويعرب بن قحطان ، الذين قيل انهم غابوا عن أقوامهم
لفترات من الزمان . [259]
المطلب
الرابع: كيفية التأكد من هوية المهدي
وعلى أي حال فان الغيبة الطويلة أدت و تؤدي
إلى مشكلة موضوعية أخرى ، وهي : كيفية التعرف على المهدي عند الظهور ، والتأكد من
هويته. ولم تكن هذه المشكلة مطروحة في
البداية وخاصة في عصر (الغيبة الصغرى) ولكنها بدأت تفرض نفسها مع توالي الزمان ..
ومرور الأعوام. وقد كانت مدار بحث ونقاش بين الرافضين لوجود المهدي والقائلين به ، في ذلك الوقت. وقد
تصدى الشيخ الصدوق لمناقشتها ، وقال ردا على المعتزلة والمعارضين الذين كانوا
يغمزون من هذه القناة:" انه قد يجوز بنقل من تجب بنقله الحجة من أوليائه ،
وقد يجوز إن يظهر معجزا يدل على ذلك، وهذا الجواب الثاني هو الذي نعتمد عليه ونجيب
الخصوم به ، وان كان الأول صحيحا" .[260]
وقد أشار المفيد والمرتضى والطوسي إلى هذه
المشكلة :(مشكلة التعرف على المهدي والتأكد من هويته عند الظهور) بذكر مجموعة
كبيرة من المعاجز والآيات الكونية الغريبة التي تسبق الظهور كعلامات على قيامه .
وعالج السيد المرتضى المشكلة في معرض مناقشته لإمكانية الظهور المؤقت أثناء فترة
الغيبة ، فاشترط ظهور آيات تدل على صدقه. [261]
المطلب
الخامس: علائم الظهور
يذكر الكليني والصدوق والمفيد والطوسي
والعياشي : مجموعة كبيرة من الروايات تربط بين الظهور وبين حدوث علائم سماوية ،
تتعلق بتوقف حركة الأفلاك ، وتغير في قوانينها ، وما شابه من المعاجز غير الطبيعية
، كركود الشمس وقت الزوال إلى وقت العصر ، وخروج صدر رجل ووجهه في عين الشمس ،
وكذلك وقوع الكسوف والخسوف بصورة غير طبيعية ، ككسوف الشمس في النصف من شهر رمضان
وخسوف القمر في آخره. أو تكلم العلم والسيف مع (الإمام المهدي) ومناداته بعدم جواز
القعود بعد ذلك الوقت. فيخرج ويقتل أعداء الله حيث ثقفهم ، ويقيم حدود الله ويحكم
بحكم الله . إضافة إلى طلوع الشمس من المغرب ، وطلوع نجم بالمشرق يضيء كما يضيء
القمر... وخروج جراد في أوانه وغير أوانه.. وخروج العبيد عن طاعة أسيادهم وقتلهم
مواليهم.. ومسخٍٍ لقوم من أهل البدع حتى يصيروا قردة وخنازير ، وغلبة العبيد على
بلاد السادات.. ونداء من السماء يسمعه أهل الأرض كلهم ، كل أهل لغة بلغتهم ، وأموات
ينشرون من القبور حتى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون فيها ويتزاورون..
ويذكر المفيد : إن جبرائيل ينزل على القائم
لمبايعته عند الظهور ، ويقول الطوسي: إن أصحاب القائم سوف ينقلون إلى مقر المهدي
من بيوتهم بصورة إعجازية كلمح البصر.!
ويتحدث المفيد عن بعض العلائم الكونية التي
سوف تحدث عند ظهور (المهدي) كامتداد طول اليوم إلى عشرة أضعاف ليكون 240 ساعة ! وهذا
ما يفسره الطوسي بحديث مشابه ، حيث يقول: "إذا قام القائم .. يأمر الله الفلك
في زمانه فيبطيء في دوره حتى يكون اليوم في أيامه كعشرة من أيامكم ، والشهر كعشرة
اشهر ، والسنة كعشر سنين من سنيكم ".
ويروي الكليني حديثا عن الإمام الباقر، يتنبأ
فيه باستعمال الشيعة لطريقة (التلفون التلفازي) في التحدث مع القائم ومشاهدته عن
بعد ، ومن مختلف الأقطار، وذلك عند ظهوره.
وتقول بعض الروايات: إن القائم إذا قام ،
أشرقت الأرض بنور ربها واستغنى العباد عن ضوء الشمس ، وذهبت الظلمة ، ويعمر الرجل
في ملكه حتى يولد له ألف ولد ذكر لا يولد فيهم أنثى.!
وأخيرا تتحدث الروايات الواردة حول ظهور
المهدي عن مدة ملكه ، فتقول إحداها : انه سيحكم سبع سنين تكون أشبه بسبعين سنة من
سنينا . بينما تقول رواية أخرى: إن القائم يملك ثلاثمائة وتسع سنين ، كما لبث أهل
الكهف في كهفهم ، وتقول رواية ثالثة: انه
يحكم تسعة عشر عاما فقط.[262]
الفصل
الثاني
مناقشة
النظرية (الاثني عشرية)
المطلب الأول:
غموض هوية
المهدي عند أهل البيت (ع)
تتألف النظرية (المهدوية الاثني عشرية) من قضيتين
منفصلتين هما: الإيمان بوجود الإمام الثاني عشر : ( محمد بن الحسن العسكري) و انه
:( المهدي المنتظر ) . وهي تعترف بعدم إعلان الإمام الحسن العسكري عن وجود ولدٍ له
في الظاهر، وتدعي أنه أخفاه في السر خوفاً عليه من السلطات العباسية، التي يفترض أنها
كانت تعلم مسبقاً بأنه المهدي المنتظر الذي سوف يزلزل عروشها ، وأنها كانت تبحث
عنه لتقضي عليه وهو في المهد.
ولكن الدراسة التاريخية المتعمقة لقصة
نشوء هذه النظرية تكشف عن وجود فاصل زمني طويل بين جزئي النظرية، حيث كانت في
البداية تتركز أساساً حول وجود ولد للإمام العسكري ، يرثه في الإمامة ، ثم تحولت
بعد ذلك إلى القول أنه المهدي المنتظر الغائب . ووجدت في (غيبة المهدي) تفسيرا
لعدم إعلان أبيه عن ولادته ، وعدم ظهوره بعد ذلك .
ولكي نتأكد من حقيقة هذه النظرية التي لعبت
دورا كبيرا في التاريخ الإسلامي ، وفي صياغة الفكر السياسي الشيعي الإمامي الاثني
عشري ، لا بد أن نفكك أجزاء هذه النظرية وندرسها على حدة ، وبدقة وموضوعية. ولا بد
أن نرى أولاً : هل كانت النظرية المهدوية الشيعية قبل منتصف القرن الثالث الهجري ،
واضحة ومعروفة ومحددة بشخص (الإمام الثاني عشر: محمد بن الحسن العسكري)؟ أم كانت
غامضة وعامة وفكرة مجردة ؟
إن تاريخ أئمة أهل البيت (ع) و رواياتهم
التي يحتفظ بها التراث الشيعي الإمامي، تؤكد غموض هوية الإمام المهدي، وعدم
التصريح باسمه أو زمان خروجه ، ليس بسبب الخوف عليه ، وإنما بسبب عدم تحديده من
قبل، لأن فكرة (المهدوية) كانت اسماً عاماً وأملاً يحلق فوق رأس كل واحد منهم ،
وقد بزغ هذا الأمل مع تولي الإمام علي للخلافة ، واشتد بعد مقتل الإمام الحسين بن
علي في كربلاء ، حيث أخذ كثير من الشيعة يعد العدة للثأر والانتقام ويعمل من اجل
إسقاط النظام الأموي ، والخروج المسلح ، ويلتف حول هذا الإمام أو ذاك من أئمة أهل
البيت ، ويطلق عليه صفة المهدوية ، فيقوم وينجح أو يدركه الموت قبل أن يخرج ،
وربما يقول البعض : انه اختفى وغاب وسوف يظهر في المستقبل .
ولو كانت هوية المهدي قد حددت من قبل منذ زمان
رسول الله (ص) وأجمع الشيعة عليها ، لما ذهبوا يمينا وشمالا ، واحتاروا وتساءلوا
عن هوية المهدي .
ولو كانت هوية المهدي قد حددت من قبل منذ زمان
رسول الله (ص) وأجمع الشيعة عليها ، لما ذهبوا يمينا وشمالا ، واحتاروا وتساءلوا
عن هوية المهدي .
يقول الإمام محمد بن علي الباقر مخاطبا
الشيعة:" لا تزالون تمدون أعناقكم إلى الرجل منا تقولون: هذا هو ، فيذهب إلى
ربه حتى يبعث الله لهذا الأمر من لا تدرون
ولد ؟ أم لم يولد؟ خلق؟ أم لم يخلق؟" .[263]
ويقول الكليني : إن الحكم بن أبى نعيم جاء إلى
الإمام الباقر في المدينة فقال له:
- عليّ نذر بين الركن والمقام إن أنا لقيتك أن
لا اخرج من المدينة حتى اعلم انك قائم آل محمد أم لا ؟ فقال له الإمام الباقر:
- يا حكم
..كلنا قائم بأمر الله . ولكن الحكم لم يرتضِِ هذا الجواب العام فسأله بالتحديد:
- فأنت المهدي؟ فأجابه الباقر جوابا عاما
أيضا:
- كلنا نهدي إلى الله ، وعاد الحكم ليسأل
بتحديد ووضوح:
- فأنت صاحب السيف ، وأجابه الإمام للمرة
الثالثة بغموض:
- كلنا صاحب السيف ووارث السيف ، فسأل الحكم
بوضوح تام:
- فأنت الذي تقتل أعداء الله؟ فقال الإمام
الباقر:
- يا حكم .. كيف أكون أنا وقد بلغت خمسا وأربعين
سنة؟! وان صاحب هذا الأمر اقرب عهدا باللبن مني وأخف على ظهر الدابة.[264]
ويقول
الكليني والنعماني : إن الإمام الصادق كان يرفض تحديد هوية المهدي ، وان أبا حمزة
- أحد أصحابه - سأله مرة: أنت صاحب هذا الأمر ؟ فقال : لا ، فقال: فولدك؟ .. قال
:لا ، قال: فولد ولدك هو؟ فقال : لا ، فقال: فولد ولد ولدك ؟ فقال: لا ، قال: من
هو؟ قال : الذي يملأها عدلا كما ملئت ظلما وجورا على فترة من الأئمة كما إن رسول
الله (ص) بعث على فترة من الرسل .[265]
يؤيد ذلك إن الإمام الصادق عندما اقنع الشاعر
السيد الحميري الذي كان يعتقد بمهدوية محمد بن الحنفية ، بوفاته ، لم يقل له من هو
الإمام المهدي بالتحديد ، وقد انشد الحميري أبياتا من الشعر سجل فيها تحوله عن
القول بمهدوية ابن الحنفية ، ولكنه لم يشر إلى هوية المهدي ، حيث قال:
وما كان
قولي في ابن خولة مطنباً معاندة مني لنسل المطيب
ولكن روينا
عن وصي محمد وما كان فيما قال بالمكذب
بأن ولي الأمر
يفقد لا يرى ستيرا كفعل الخائف المترقب
فتقسم
أموال الفقيد كأنما تغيبه بين الصفيح المنصّب
فلما روى :
إن ابن خولة غائب صرفنا إليه قولنا لم
نكذب
وقلنا هو
المهدي والقائم الذي يعيش به من عدله كل مجدب
فان قلت لا
فالحق قولك والذي أمرت ، فحتم غير ما متعصب
واشهد ربي
إن قولك حجة على الناس طرا من مطيع ومذنب
فان ولي
الأمر والقائم الذي تطلع نفسي نحوه بتطرب
له غيبة لا
بد من إن يغيبها فصلى عليه الله من متغيب
فيمكث حينا
ثم يظهر حينه فيملك من في شرقها والمغرب
بذاك أدين
الله سرا وجهرة ولست وان عوتبت فيه بمعتب
ومع إن الإمام الصادق في الرواية السابقة لم
يكن ينفي فكرة القيام عن نفسه ولم يؤكدها ، فان الصدوق يروي عن ابن أبى يعفور انه
سمع الصادق يقول:" ويل لطغاة العرب من أمر قد اقترب". ويروي أيضا عن
سدير عن أبى عبد الله انه قال:" يا سدير الزم بيتك وكن حلسا من احلاسه واسكن
ما سكن الليل والنهار ، فإذا بلغك إن السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك"
.[266] مما
يوحي أن الإمام الصادق كان يحدث أصحابه بقرب قيامه. ولكن محمد بن الحسن الصفار
يروي عن أبى بصير انه جاء يوما إلى أبى عبد الله وقال له:
- جعلت فداك ، إني أريد إن المس صدرك ( وكان
أبو بصير أعمى) فقال له:
- افعل ، قال: فمسست صدره ومناكبه ، فقال:
- و لِمَ يا أبا محمد ؟ فقال أبو بصير:
- جعلت فداك .. إني سمعت أباك وهو يقول: إن
القائم واسع الصدر مسترسل المنكبين عريض ما بينهما ، فقال الإمام الصادق:
- يا أبا محمد .. إن أبى لبس درع رسول الله (ص)
وكانت تسحب على الأرض ، وأنا لبستها فكانت وكانت .. وأنها تكون من القائم كما كانت
من رسول الله مشمرة كأنه ترفع نطاقها بحلقتين ، وليس صاحب هذا الأمر من جاز
أربعين. [267]
ويروي الطوسي حوارا جرى بين الإمام الصادق وبين
أبي بصير الذي سأله: أ لهذا الأمر أمد نريح إليه أبداننا وننتهي إليه؟ فقال له الإمام: بلى.. ولكنكم أذعتم فزاد الله
فيه. ويروي رواية أخرى اكثر صراحة يقول فيها الإمام الصادق :كان هذا الأمر فيّ
فأخره الله ، ويفعل بعد في ذريتي ما يشاء.[268] مما يكشف إن أمل المهدوية كان معلقا على الإمام
الصادق في عصره ، ولذلك عندما توفي ولم تتوفر له الظروف لتحقيق الأمل المطلوب
والكامن في قلوب الشيعة ، رفض بعض أصحابه ، ومنهم خاصته ، أن يصدق نبأ وفاته ،
وأصرّ على أنه قد غاب وسيظهر عما قريب ، وقال : انه المهدي المنتظر . وكان على رأس
هؤلاء زعيم الشيعة في البصرة : عبد الله بن ناووس .
الأمل
بمهدوية الكاظم. ومع اشتداد الضغط
السياسي العباسي على الإمام موسى بن جعفر الكاظم ، ازداد أمل الشيعة الذين قالوا
بإمامته ، بخروجه وقيامه ، وتفجير الثورة في وجه الحكم العباسي.. واعتقد معظم
الشيعة قويا بأن موسى هو القائم المهدي ، و رووا روايات كثيرة عن الباقر والصادق
في تحديد شخصه ، وربما أضافوا إليها من عند أنفسهم الشيء الكثير ، انطلاقا من
شوقهم وحرصهم ومعاناتهم . وعندما توفي الإمام الكاظم بعد خمس وثلاثين سنة من
الانتظار والأمل ، لم يصدق عامة الشيعة الموسوية نبأ وفاته ، ورفضوا إلا الإصرار
على القول بغيبته وحياته والتأكيد على انه المهدي المنتظر، وانه سوف يخرج ويملأ
الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.
الرضا ينفي
احتمال المهدوية فيه. وقد عاد ذلك الأمل إلى الشيعة بعد حوالي عشرين
عاما ، وذلك عندما دعا الخليفة العباسي المأمون ، الإمام علي بن موسى الرضا إلى
خراسان ، وقلده ولاية العهد عام 201 للهجرة ، وهذا ما أحيي الأمل في نفوس الشيعة
ودفعهم للاعتقاد بإمكانية إن يصبح الرضا: المهدي المنتظر.
ينقل الكليني : إن أيوب بن نوح جاء إلى الإمام
الرضا وقال له: إني أرجو أن تكون صاحب هذا
الأمر.. وان يسوقه الله إليك بغير سيف ، فقد بويع لك وضربت الدراهم باسمك . ولكن
الإمام الرضا بدد توقعه ونفى أن يكون هو المهدي .[269]
وعندما جاء الشاعر دعبل الخزاعي إلى الإمام
الرضا وانشده القصيدة المعروفة : (مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر
العرصات) أشار إلى المهدي بصورة غامضة وقال: (خروج إمام لا محالة خارج يقوم على
اسم الله والبركات ، يميز فينا كل حق وباطل ويجزي على النعماء والنقمات ) ولم يسمه
بالاسم .
إن تحديد هوية ( الإمام المهدي ) بالثاني عشر
من أئمة أهل البيت ، كما هو معروف لدى الشيعة الاثني عشرية اليوم ، قد حدث في وقت
متأخر بعد وفاة الإمام الحسن العسكري ، والقول بوجود ولد له في السر ، بفترة طويلة
، أي في بداية القرن الرابع الهجري تقريبا. وذلك في أعقاب تطور نظرية "الإمامة
الإلهية" وتحولها من التسلسل
اللامحدود ، إلى الاقتصار على (اثني عشر) وتكوّن الفرقة الاثني عشرية .
وقد ذكر الشيخ الصدوق في كتاب :(إكمال الدين)
الذي ألفه في منتصف القرن الرابع الهجري ، مجموعة كبيرة من الروايات عن النبي
الأكرم (ص) وأئمة أهل البيت (ع) ، يشير بعضها إلى القائم أو المهدي دون تحديد اسمه
واسم أبيه، ويؤكد بعضها تحديد رقمه الثاني عشر وانه ابن الحسن العسكري ، كما في
الرواية التي يقول فيها: إن الإمام الرضا سأل الشاعر دعبل الخزاعي ، بعد إن ألقى
قصيدته وأشار فيها إلى المهدي بصورة غامضة ، فقال له: هل تدري من هذا الإمام ؟
ومتى يقوم؟ فقال: لا يا مولاي ، إلا أني سمعت بخروج إمام منكم يطهر الأرض من
الفساد ويملأها عدلا كما ملئت جورا. فقال له : يا دعبل .. الإمام بعدي محمد ابني ،
وبعد محمد ابنه علي ، وبعد علي ابنه الحسن ، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر
في غيبته ، المطاع في ظهوره . [270] وهذه الروايات ضعيفة المتن والسند ، ولا تصمد أمام
البحث العلمي ، وسوف نناقشها في الفصل الخاص بنقد الأدلة الروائية (النقلية) ونثبت
عدم صحتها واختلاقها فيما بعد.
المطلب الثاني
ظاهرة
المهدوية في التاريخ الإسلامي
ومما يؤكد غموض هوية
المهدي عند أهل البيت ، ولدى جماهير الشيعة والمسلمين في القرون الثلاثة الأولى ،
هو تكرر دعوات المهدوية هنا وهناك .. حتى جاوزت العشرات ، وحتى اصبح لكل فرقة
وطائفة اكثر من مهدي واحد.. حيث تدلنا هذه الظاهرة على تماهي مصطلح (الإمام
المهدي) مع معنى الثورة والحرية والعدالة وانبثاقه كرد فعل على الواقع الفاسد الذي
كان يتدهور إليه المجتمع الإسلامي مرة بعد أخرى.
لقد كانت معظم قصص المهدوية في القرون
الإسلامية الأولى، مرتبطة ومنبثقة من حركات سياسية ثورية تتصدى لرفع الظلم
والاضطهاد، وتلتف حول زعيم من الزعماء ، وعادة ما يكون إماما من أهل البيت (ع) ،
وعندما تفشل الحركة ويموت الإمام دون أن يظهر ، أو يقتل في المعركة ، أو يختفي في
ظروف غامضة.. كان أصحابه يختلفون ، فمنهم من يسلّم بالآمر الواقع ويذهب للبحث عن
أمام جديد ومناسبة جديدة للثورة.. ومنهم من كان يرفض التسليم بالأمر الواقع فيرفض
الاعتراف بالهزيمة ويسارع لتصديق الإشاعات التي تتحدث عن هروب الإمام الثائر
واختفائه وغيبته. وعادةً ما يكون هؤلاء من بسطاء الناس الذين يعلقون آمالاً كبيرة
على شخص أو يضخمون مواصفات ذلك الزعيم فيصعب عليهم التراجع بعد ذلك، لأنه كان يعني لديهم الانهيار
والانسحاق النفسي.
مهدوية
الإمام علي
فقد كان شيعة الإمام علي بن أبى طالب (ع)
الذين ثاروا على الحكم الأموي، وقاتلوا في معركة الجمل، وحاربوا معاوية في صفين ،
واشتبكوا مع الخوارج في النهروان، يأملون إن يستمر حكم الإمام العادل إلى فترة أطول
ينعمون خلالها بالعدل والمساواة.. وكان أملهم في الإمام كبيرا.. ولذلك فان البعض
منهم صدم بخبر اغتياله ولم يكد يصدق نبأ وفاة الإمام .
يقول مؤرخو الشيعة الإمامية (كالنوبختي
والاشعري القمي والكشي) : إن جماعة من الشيعة رفضوا التصديق بوفاة الإمام ،
وقالوا: إن عليا لم يقتل ولم يمت ولا يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملأ
الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا .
هذا القول بمهدوية الإمام علي وغيبته، يمكن إن
نفسره بالصدمة والمفاجأة والأمل الكبير.. حيث لم يتحمل أولئك النفر الذين كانوا
بعيدين عن الكوفة، خبر استشهاد الإمام ، بعد إن كانوا يأملون إن يحقق الإمام
العدالة الكونية على الأرض ، فأدى بهم ذلك إلى تصورات بعيدة عن الواقع.
مهدوية ابن
الحنفية
وبعد مجزرة كربلاء
تجمع الغضب الشيعي حول قيادة محمد بن الحنفية أخي الإمام الحسين ، من اجل الثأر
والانتقام لشهداء كربلاء.. وعندما توفي محمد في ظروف غامضة عام 81 هـ ، قالت جماعة
من أنصاره (الكيسانية) : انه لم يمت وانه مقيم بجبال رضوى بين مكة والمدينة ،
واعتقدوا انه (الإمام المهدي المنتظر) الذي بشّر به النبي (ص) أنه يملأ الأرض قسطا
وعدلا.[271]
ويفسر السيد المرتضى دعوى الكيسانية بمهدوية ابن الحنفية بالحيرة
التي ألجأتهم إلى القول بها.[272] وربما
كانت الحيرة قد أصابتهم نتيجة عقدهم الأمل على ابن الحنفية لكي يسترجع السلطة من أيدي
الأمويين ، وقد أصيبوا بالخيبة بعد موته قبل تحقيق الهدف المنشود ، فاضطر أتباعه
من الشيعة الكيسانية إلى اختراع القول بمهدويته واستمرار حياته وغيبته، في محاولة
منهم للمحافظة على الأمل متقداً في صدورهم ، خاصة وان الشيعة يوم ذاك لم يكونوا
يعرفون شخصية معينة محددة من قبل على أنها (المهدي المنتظر) .
مهدوية أبى
هاشم
وقد تراجع هذا القول بمهدوية ابن الحنفية
عندما برز أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية ، كقائد جديد للشيعة في نهاية القرن
الأول الهجري ، وتعلق الأمل الكبير به لتحقيق ما عجز أبوه عن تحقيقه.. وتكررت
الأزمة من جديد عندما توفي أبو هاشم دون أن يظهر.. وهذا ما أدى إلى اعتقاد قسم من
شيعته باختبائه وغيبته والقول انه (المهدي المنتظر) وانه حي لم يمت .[273]
أما الذين
اعترفوا بوفاة أبى هاشم فقد حافظوا على الأمل في نفوسهم أيضا وذلك بانتظار قيام
أحد أبناء محمد بن الحنفية في المستقبل ، ولم يحددوا شخصا معينا. [274]
مهدوية
الطيار
وسرعان ما التف الشيعة الذين كانوا يشكلون
المعارضة الرئيسية للحكم الأموي، حول قائد جديد من أبناء أهل البيت، هو عبد الله
بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار ، الذي نجح في إقامة دولة شيعية في اصفهان،
في أواخر العهد الأمر ، ولكنه انهزم بعد ذلك وقتل في ظروف غامضة.. ولم يتحمل بعض
الشيعة نبأ انهيار الدولة الشيعية ، فقالوا إن الطيار حي لم يمت وانه مقيم في جبال
اصفهان لا يموت أبدا حتى يقود نواصيها إلى رجل من بني هاشم من ولد علي وفاطمة. [275]
انحصار
المهدوية في البيت الفاطمي
لم تكن النظرية المهدوية عند الشيعة قبل
هذه الحركة محصورة في البيت الفاطمي ، حيث كان (الكيسانية) الذين يمثلون مرحلة
تاريخية من تطور الشيعة ، يحصرونها في البيت العلوي، ويجيزونها في محمد بن الحنفية وأولاده ، أو
يحصرونها فيهم ، ثم امتدت إلى خارج البيت العلوي ، إلى عبد الله بن معاوية الطيار
، ثم تطورت لتنحصر في البيت الفاطمي من أبناء الحسن والحسين.. ولم تكن محصورة في
ذلك الوقت في أي واحد من البيتين. لذلك اعتقد قسم من الشيعة بمهدوية زيد بن علي ،
كما اعتقد قسم آخر بمهدوية محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن (ذي النفس الزكية)
، وإذا كان زيد قد قتل بسرعة .. فان أتباعه انظموا إلى النفس الزكية . وكان عبد
الله بن الحسن أبوه قد سمّى ابنه (محمدا) وتنبأ عند ولادته ، بأن يكون (المهدي
الموعود) الذي بشّر به النبي وقال عنه إن:(اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبى ) حسبما
كان مشهورا في تلك الفترة.
مهدوية ذي
النفس الزكية
كان (النفس الزكية) يأمل إن يثور ضد الحكم الأمر
، حيث بايعه بنو هاشم ، وكان فيهم إبراهيم الإمام والسفاح والمنصور ، ولكن سرعان
ما قامت الدولة العباسية فانتفض عليه من بايعه، والتف حوله قسم من الشيعة ، فخرج
في المدينة سنة 145 وسيطر على الحجاز واليمن ، وقتل بعد شهور . وهنا أصيب قسم من
شيعته بالصدمة ولم يتحملوا نبأ الهزيمة ولم يصدقوا بمقتل (المهدي ) الذي كانوا
ينتظرون خروجه منذ فترة طويلة ، فقالوا: انه حي لم يمت ولم يقتل وانه مقيم بجبل
العلمية ، وهو جبل بين مكة ونجد، حتى يخرج
. وتشبثوا بالحديث النبوي الذي يقول:(القائم اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبى ).
ولما لم تكن هناك أحاديث صريحة ومحددة
ومعروفة توضح هوية المهدي ، فقد طبّق أتباع النفس الزكية أحاديث المهدوية عليه ،
وتأوّلوا الأحاديث الواردة به ، وربما اختلقوا بعض الروايات أو نسبوها إلى النبي
لتعزيز نظريتهم وتأييد زعيمهم المنتظر.
مهدوية
الباقر
وتقول بعض الروايات: إن قسما من الشيعة اعتقد
بمهدوية الإمام محمد بن علي الباقر (ع) اعتمادا على رواية تقول : إن النبي (ص) قال
لجابر بن عبد الله الأنصاري: (انك تلقاه فاقرأه مني السلام).[276] ويقول
الكليني : إن الإمام الباقر كان يسرّ إلى أصحابه بقرب القيام والخروج ويوصيهم
بالكتمان ، وان بعضهم قد ترك أعماله انتظارا لساعة الصفر .[277]
مهدوية
الصادق
وبعد
وفاة الإمام الباقر، وهزيمة محمد بن عبد الله ذي النفس الزكية، وانتصار العباسيين
، وتألق الإمام جعفر بن محمد الصادق ، شاعت روايات كثيرة حول مهدويته.[278] وينقل
النوبختي : إن بعض الشيعة روى عن الإمام الصادق انه قال :" إن رأيتم رأسي قد
أهوى عليكم من جبل فلا تصدقوه فإني أنا صاحبكم" وانه قال:" إن جاءكم من
يخبركم عني انه مرضني وغسلني وكفنني فلا تصدقوه فإني أنا صاحبكم صاحب السيف".[279]
من هنا رفض قسم من شيعة الإمام الصادق،
الاعتراف بموته وقالوا:" انه المهدي المنتظر، وانه حي لم يمت" وعرفت هذه
الفرقة بـ :(الناووسية) نسبة إلى عجلان بن ناووس.[280] وكان منهم: أبان بن عثمان الأحمر، الذي يعده
الكشي من (أصحاب الإجماع) ، أي من اقرب المقربين إلى الإمام الصادق . [281]
مهدوية
إسماعيل
من هذا يبدو إن النظريات المهدوية المختلفة
كانت تولد مع الزمن وفي الظروف المختلفة.. وكانت اقرب إلى الأمل والرجاء منها إلى
الاستناد إلى أحاديث قاطعة وصريحة ، وكان القول بـ :(الغيبة) يبرز عند وفاة الإمام
المنتظر دون إن يظهر .. ولم يكن الشيعة يجمعون دائما وأبدا ومنذ البداية على
مهدوية إمام معين من قبل.. ففي الوقت الذي كان بعضهم يؤمن بمهدوية الإمام الصادق
كان البعض الآخر يذهب ليعلق الأمل على مهدوية ابنه إسماعيل ، وعندما توفي إسماعيل
في حياة أبيه الإمام الصادق رفض أصحابه التسليم بوفاته، واخترعوا القول بغيبته،
وفسروا تشييع الإمام له ودفنه أمام أعين الناس، بأنه مسرحية تستهدف التغطية على
هروب إسماعيل واختفائه، والإعداد لظهوره في المستقبل !. [282]
ومن المعروف إن الشيعة اختلفوا بعد وفاة
الإمام الصادق إلى ست فرق ، فذهب الإسماعيلية إلى القول بحياة إسماعيل وإمامته
ومهدويته وغيبته ، ثم قال فريق منهم بعد إن يئسوا منه، بمهدوية ابنه محمد .. ثم
نقلوا المهدوية في أبناء إسماعيل إلى أن ظهر واحد منهم ، في نهاية القرن الثالث، وأقام
الدولة الفاطمية في شمال أفريقيا.
مهدوية
الديباج
وادعى محمد بن جعفر الصادق (الديباج) الذي خرج
في مكة عام 200 انه المهدي المنتظر، وأعلن نفسه خليفة للمسلمين واخذ البيعة وتسمى بأمير
المؤمنين.[283]
إذن.. نستطيع إن نقول إن النظرية المهدوية
كانت تعني الثورة والقيام والخروج ولم تكن محددة في شخص معين.. وان نظرية الغيبة
كانت تبرز عندما يفشل أي أمام منتظر أو يموت دون تحقيق أهدافه.
مهدوية
محمد بن عبد الله ألا فطح
الحالة الاستثنائية الوحيدة التي نجدها
خلاف تلك القاعدة في ذلك الوقت، هي نظرية :( مهدوية محمد بن عبد الله بن جعفر
الصادق ) .. وهذا الشخص لم يولد أساسا، ولم يكن له وجود ، وقد اختلق بعض الشيعة
الفطحية قصة وجوده في السر، بعد وفاة أبيه عبد الله ألا فطح ، الذي آمن أولئك
الشيعة انه الإمام بعد أبيه الصادق ، وقد أصيبوا بأزمة عندما توفي الأفطح دون عقب
يرثه في الإمامة ، وكانوا يعتقدون بضرورة استمرار الإمامة في الأعقاب ، وأعقاب
الأعقاب ، أي بتوارثها بصورة عمودية ، ولذا لم يستطيعوا بسبب هذه الأزمة الفكرية،
أن ينتقلوا إلى القول بإمامة أخي عبد الله : موسى بن جعفر ، فاخترعوا قصة وجود ولد
له في السر! ، وقالوا : إن اسمه يطابق الحديث النبوي المشهور :"اسمه اسمي
واسم أبيه اسم أبى" . [284]
ولا يستبعد أن يكون بعض المصلحيين والمنافقين
من أصحاب الأئمة، قد اخترع هذه القصة الوهمية (أسطورة المهدي المنتظر محمد بن عبد
الله بن الصادق) لكي يتاجر بها ويدعي الوكالة له، ويقبض الأموال باسمه ، حيث كان
يروّج الإشاعات عن وجود ذلك المهدي الموهوم في اليمن ، وانه سوف يظهر ويملأ الأرض
قسطا وعدلا بعد إن تملأ ظلما وجورا.
مهدوية
الكاظم
ومع انقلاب الدولة العباسية على أهدافها
الإصلاحية، وانتشار الظلم والفساد، كان من الطبيعي أن يلتف المعارضون لها حول
شخصية عظيمة من زعماء أهل البيت هو الإمام موسى بن جعفر الكاظم الذي كان رمز
التقوى والعلم والعبادة.. وان يعظم الأمل بخروجه وقيامه.. وهكذا فقد انتشرت روايات
كثيرة جدا حول مهدوية الكاظم وانه (قائم آل محمد) .. وراح البعض من الشيعة ينقل
روايات عن الصادق :" أن من المحتوم أن ابني هذا قائم هذه الأمة وصاحب السيف"
و" وان موسى هو القائم وهذا حتم من الله" " وان يدهده رأسه عليكم
من جبل فلا تصدقوا فانه القائم" " وان القائم اسمه حديدة الحلاق" "
وكأني بالراية السوداء صاحبة الرقعة الخضراء تخفق فوق رأس هذا الجالس" وما
إلى ذلك من الروايات التي فاقت حد "التواتر"!
وعندما اعتقل هارون الرشيد الإمام الكاظم،
احتسب معظم الشيعة الموسوية ، ذلك غيبة أولى أو صغرى ، ولما توفي في السجن وألقي
بجثمانه على الجسر في بغداد ، رفضوا
التصديق بذلك وقالوا: أنها مسرحية عباسية، وقالوا: إن الإمام الكاظم قد غاب غيبته
الثانية وهرب من السجن ، وانه حي لم يمت ولا يموت حتى يملك شرق الأرض وغربها،
ويملأها كلها عدلا كما ملئت جورا، وانه القائم المهدي. [285]
وقد قال معظم أولاد الإمام الكاظم بذلك ، وكذلك
معظم أصحابه المقربين كالمفضل بن عمر، وداود الرقي، وضريس الكناني، وابوبصير،
واعين بن عبد الرحمن بن أعين، وحديد الساباطي، والحسن بن قياما الصيرفي، وكتب
اثنان من أصحابه هما علي بن أبى حمزة و علي بن عمر الأعرج ، كتبا حول (الغيبة) .
وقد عُرف أولئك الشيعة بالواقفية ، أي الذين
وقفوا على الإمام الكاظم ورفضوا الإيمان بإمامة ابنه علي بن موسى الرضا. وقد قام
أحد هؤلاء الواقفة، وهو: داود الرقي، بمحاورة الإمام الرضا، والاحتجاج ضده بتلك الروايات
"المتواترة" التي تحدد المهدوية بالكاظم وتقول :"إن سابعنا قائمنا"
فقال له الإمام الرضا: إن الأمل بقيام الكاظم كان معلقا على مشيئة الله ولم يكن من
المحتوم . [286]
وظل الواقفية يؤمنون بمهدوية وغيبة الإمام
الكاظم، إلى وقت طويل .. ولكنهم تقلصوا شيئا فشيئا حتى ماتت النظرية وانقرضوا ،
خاصة عندما أكد الإمام الرضا وفاة أبيه وقال لهم:"إن الحجة لله على خلقه لا
تقوم إلا بإمام حي يعرف..سبحان الله!.. مات رسول الله ولم يمت موسى بن جعفر؟!..
بلى والله لقد مات وقُسّمت أمواله ونكحت جواريه" واتهم من قال بعدم وفاته
بالكذب وقال:" انهم كفار بما انزل الله عز وجل على محمد (ص). ولو كان الله
يمدّ في اجل أحد من بني آدم لحاجة الخلق إليه لمدّ الله في اجل رسول الله (ص)"
. [287]
مهدوية
محمد بن القاسم
وفي مطلع القرن الثالث الهجري في سنة 219 وفي
أيام خلافة المعتصم ، حدثت ثورة علوية في الطالقان بقيادة محمد بن القاسم ، فهزمه المعتصم
، واعتقله وحمله إلى بغداد فحبسه في قصره ، ولكن الثائر العلوي استطاع الهرب . فاختلف
الناس في أمره ، وقال بعضهم: مات أو هرب ، وقال بعض الشيعة : انه حي، وانه سيخرج
وانه مهدي هذه الأمة . [288]
مهدوية
يحيى بن عمر
وبعد سنوات خرج في الكوفة إمام علوي آخر،
هو يحيى بن عمر ، ضد الخليفة العباسي المستعين بالله ، فوجه إليه الحسين بن
إسماعيل فقتله ، إلا إن بعض أصحاب يحيى رفض الاعتراف بالهزيمة، وقال انه لم يقتل وإنما
اختفى وغاب، وانه المهدي القائم وسوف يخرج مرة أخرى. [289]
مهدوية
محمد بن علي الهادي والعسكري
واختلف الشيعة الإمامة في منتصف القرن الثالث الهجري
في هوية الإمام المهدي المنتظر فقال قسم منهم : بأنه محمد بن علي الهادي ، الذي
توفي فجأة في الدجيل ، وقالوا بغيبته كغيبة إسماعيل بن جعفر ، ورفضوا التصديق
بوفاته.. وذهب قسم آخر إلى القول بمهدوية الإمام الحسن العسكري ، بينما قال قسم
ثالث بوجود ومهدوية ولد له في السر هو الإمام (محمد بن الحسن العسكري) .. وقال
آخرون : انه غير محدد وانه سوف يكون واحداً من أهل البيت لا على التعيين وانه سوف
يولد ويظهر في المستقبل . [290]
مهدوية
القائم المجهول
وأخيرا يذكر المؤرخان الشيعيان المعاصران
لوفاة الإمام العسكري (النوبختي، والأشعري القمي): إن فرقة من أتباع الإمام
العسكري قالت:" إن الحسن بن علي قد مات وصح موته ، وانقطعت الإمامة إلى وقت
يبعث الله فيه قائما من آل محمد ممن قد مضى ، إن شاء بعث الحسن بن علي وان شاء بعث
غيره من آبائه. ولا بد من ذلك .. لأن قيام القائم وخروج المهدي حتم من الله ،
وبذلك وردت الأخبار وصحت الآثار واجمع عليه الأمة فلا يجوز بطلان ذلك ، ولأن وفاة
الحسن بن علي قد صحت وصح أنه لا خلف له ، فقد انقطعت الإمامة ولا عقب له ، وإذ لا
يجوز إلا أن يكون في الأعقاب ، ولا يجوز إن ينصرف إلى عم ولا ابن عم ولا أخ بعد
الحسن والحسين ، فهي (الإمامة) منقطعة إلى القائم منهم، فإذا ظهر وقام اتصلت إلى
قيام الساعة".[291]
كل ذلك التعدد والتنوع في الحركات المهدوية
يعبر عن غموض مفهوم (الإمام المهدي) واحتمال كونه أي واحد من أئمة أهل البيت ، وهو
من يقوم بالسيف ويخرج ويقيم دولة الحق.. وقد كانت كل فرقة شيعية تعتقد انه من هذا
البيت الهاشمي أو ذاك البيت العلوي أو الفاطمي أو الحسني أو الحسيني أو الموسوي..
وانه هذا أو ذاك .. ولو كانت هوية المهدي قد حددت من قبل ، منذ زمان رسول الله (ص)
أو الأئمة الأحد عشر السابقين لما اختلف المسلمون ولا الشيعة ولا الإمامية ولا
شيعة الإمام الحسن العسكري ، في تحديد هوية المهدي ، ولما اعتقد بعضهم
بكونه:(الإمام الحسن العسكري) نفسه .
نستنتج من كل ذلك : إن هوية المهدي كانت غامضة
وغير محددة في حياة أهل البيت ، وان القول بأنه (ابن الحسن العسكري) نشأ بعد
افتراض وجوده في السر، وفي محاولة لتفسير (غيبته) عن الأنظار وعدم إعلان أبيه عن
ولادته ، باعتبار (الغيبة) صفة من صفات (المهدي).
المبحث الثاني
العوامل
الفلسفية
لنشوء
فرضية (الإمام الثاني عشر)
إذا قمنا بقراءة الرواية التاريخية لما حدث
للشيعة الإمامية بعد وفاة الإمام الحسن العسكري سنة 260 هجرية ، والقينا نظرة على "
الدليل العقلي" الذي قدمه ذلك الفريق الذي قال بـ :" وجود ولد مخفي
للإمام ، هو الإمام من بعده وهو المهدي المنتظر" ، فأننا سنكتشف أزمة نظرية
مرّ بها ذلك الفريق من الإمامية ممن يشترط توارث الإمامة بصورة عمودية ، وعدم جواز
انتقالها إلى أخ أو ابن أخ ، أو عمّ أو ابن
عمّ ، واضطراره إما إلى التنازل عن هذا الشرط ، أو التسليم بانقطاع الإمامة بعد
وفاة العسكري دون خلف ، كما هو الظاهر من حياته ، أو افتراض وجود ولد له في السر ،
بالرغم من عدم التصريح به ، أو الإعلان عنه ، أو وجود أي دليل عليه، وتفسير هذا
الغموض والكتمان بالتقية والخوف من السلطة ، بالرغم من عدم وجود مؤشرات تستدعي ذلك
.
تقول الرواية التاريخية، التي يعترف بها
وينقلها المؤرخون والمتكلمون (الاثنا عشريون): إن الإمام العسكري توفي دون إن يخلف
ولدا ظاهرا ، وأوصى بأمواله إلى أمه المسماة بـ :"حديث ". وهذا ما سمح
لأخيه جعفر بن علي بأن يدعي الإمامة من بعده ويدعو الشيعة الإمامية إلى اتباعه
كخليفة له ، كما اتبعوا الإمام موسى بن جعفر بعد وفاة أخيه الأكبر (عبد الله الأفطح) الذي اصبح إماما لفترة وجيزة بعد وفاة أبيه الصادق ، ولم ينجب ولدا تستمر
الإمامة في عقبه .
ويقول النوبختي والاشعري القمي والمفيد : إن
كثيرا من الشيعة الامامية لبوا نداء جعفر وكادوا يجمعون على القول بإمامته .[292] وذلك لأن عامة الشيعة لم يكونوا يعرفون أحداً
غير جعفر من أبناء الإمام الهادي ، ولم يكونوا شاهدوا أي ولد للإمام العسكري ،
وهذا ما تؤكده رواية (أبى الأديان البصري) رسول الإمام العسكري إلى أهل المدائن ، وآخر
شخص يودع الإمام ، والذي يقول : إن العسكري لم يخبره باسم خليفته ، وإنما أعطاه
بعض العلامات للتعرف عليه ، ويقول: انه عاد إلى سامراء يوم وفاة الإمام العسكري
فرأى جعفر وحوله عامة الشيعة وعلى رأسهم عثمان بن سعيد العمري ، وهم يعزونه
ويهنئونه ، وانه ذهب وعزاه وهنأه كواحد منهم، كما يقول: إن وفدا من شيعة قم قدموا
في ذلك اليوم إلى سامراء وسألوا عن الإمام الحسن وعرفوا موته ، فقالوا : من نعزي؟
فأشار الناس إلى جعفر ، فسلموا عليه وعزوه وهنئوه. [293] وهو ما
تؤكده أيضا رواية (سنان الموصلي) التي تتحدث عن قدوم وفد بقيادة أبى العباس محمد
بن جعفر الحميري القمي ، إلى سامراء ، بعد وفاة الإمام العسكري ، وسؤالهم عنه وعن
وارثه ، وقول الناس لهم: إن وارثه جعفر بن علي ، وعدم وجود مانع يحول دون قولهم بإمامته سوى عدم معرفته بعلم الغيب.[294]
وبناء على ذلك فقد أرسل جعفر إلى أهل قم ،
التي كانت مركزا للشيعة فأجابه ، يدعوهم إلى نفسه، ويُعلمهم : أنه القيّم بعد
أخيه. وقد اجتمع أهل قم عند شيخهم (احمد
بن إسحاق) وتداولوا في الموضوع ، وقرروا إرسال وفد إليه لمناقشته و " سؤاله
بعض المسائل التي كانوا يسألون آباءه عنها من قبل والتأكد من دعواه" كما يقول الخصيبي والصدوق والطبرسي والصدر.[295] مما
يعني أن أهل قم لم يكونوا يعرفون هوية الإمام الجديد من قبل، ولم يكونوا يعرفون بوجود ولد للإمام العسكري ،
ولم يكن يوجد لديهم أي مانع لقبول إمامة جعفر بن علي ، أي انهم لم يكونوا يلتزمون
بقانون الوراثة العمودية في الإمامة ، وإنما كانوا أقرب إلى الفطحية، ويجيزون
إمامة الأخوين .
وكانت العقبة الرئيسية التي حالت دون إيمان
بعض الشيعة بإمامة جعفر، هو المبدأ القديم المشكوك فيه، الرافض لاجتماع الإمامة في
أخوين بعد الحسن والحسين ، وقد طرحه وفد قم على جعفر بن علي أثناء الحوار، فأجابهم
: " إن الله قد بدا له في ذلك"
، كما يقول الخصيبي. [296]
وتقول بعض الروايات التي ينقلها الصدوق
والطوسي : إن وفد قم طالب جعفر بالكشف عن كمية الأموال التي كان يحملها معه، وأسماء
أصحابها ، غيبياً ، كما كان يفعل أخوه العسكري ، وان جعفر رفض ذلك الطلب و الادعاء،
واتهم الوفد بالكذب على أخيه ، أنكر نسبة علم الغيب إليه.[297] كما
تحاول بعض الروايات أن تتهم جعفر بالفسق وشرب الخمر والجهل وإهمال الصلاة.[298] وذلك من
أجل إبطال دعواه في الإمامة ، ولكن عامة الشيعة لم يأخذوا بتلك الاتهامات ، ولم
يطرحوا مسألة علم الغيب ، وقد عزوه وهنئوه بالإمامة . وكانت المشكلة الرئيسية لدى
البعض منهم هي مسألة :(الجمع بين الأخوين في الإمامة ). وقد ارتكز الطوسي عليها في
عملية الاستدلال على نفي إمامة جعفر و افتراض وجود ولد للحسن ، وادعى عدم الخلاف
حولها بين الامامية .[299]
وكانت هذه المشكلة قد تفجرت في صفوف الشيعة
الامامية ، لأول مرة ، بعد وفاة الإمام عبد الله الأفطح بن الصادق ، الذي أجمع
فقهاء الشيعة ومشايخهم على القول بإمامته ، ولكنه توفي دون عقب، مما أوقع الامامية
في أزمة، وفرّقهم إلى ثلاث فرق ، فمنهم من تمسك بمبدأ:" عدم جواز الجمع بين الأخوين
في الإمامة" واضطر إلى افتراض وجود ولد موهوم لعبد الله، قال إن اسمه (محمد)
وهو مخفي ، وانه سيظهر في المستقبل. ومنهم
من تجاوز هذا المبدأ وأجاز لنفسه الانتقال إلى الأخ ، إذا لم يكن للإمام السابق
ولد ، وقال نتيجة لذلك بإمامة موسى بن جعفر بعد أخيه عبد الله الأفطح . ومنهم من تراجع عن القول بإمامة الأفطح ،
واستنتج من عدم وجود عقب له : انه لم يكن إماما وشطب اسمه من قائمة الأئمة بالمرة.
وقد تكررت هذه المشكلة مرة أخرى عند وفاة
الإمام الحسن العسكري دون ولد ، مما أدى إلى اختلاف الشيعة الامامية حول مسألة
الخلف إلى عدة فرق : فمنهم من جمع بين الأخوين وقال بإمامة جعفر بن علي بعد أخيه
الحسن ، ومنهم من تراجع عن القول بإمامة العسكري وقال:" إن القول بإمامة
الحسن كان غلطاً وخطأ ، وجب علينا الرجوع عنه إلى إمامة جعفر ، وان الحسن قد توفي
ولا عقب له فقد صح عندنا انه ادعى باطلا ، لأن الإمام بإجماعنا جميعا لا يموت إلا
عن خلف ظاهر معروف يوصي إليه ويقيمه مقامه بالإمامة ، والإمامة لا ترجع في أخوين
بعد الحسن والحسين .. فالإمام لا محالة جعفر بوصية أبيه إليه" كما يقول
النوبختي والاشعري القمي . [300]
ومنهم من أصرّ على إمامة الحسن والتمسك الشديد
بذلك المبدأ أو الشعار الرافض للجمع بين الأخوين في الإمامة . وانقسم هؤلاء إلى
عدة أقسام : فمنهم من قال بمهدوية العسكري وغيبته ، ومنهم من قال برجوعه إلى
الحياة بعد الموت ، ومنهم من قال بالفترة ، ومنهم من احتار وتوقف ، وقال:" لم
يصح عندنا إن للحسن خلفا ، وخفي علينا أمره ، ونحن نتوقف ونتمسك بالأول حتى يتبين
لنا الآخر ، كما أمرنا، انه إذا هلك الإمام ولم يعرف الذي بعده فتمسكوا بالأول حتى
يتبين لكم الآخر، فنحن نأخذ بهذا ونلزمه ، ولا ننكر إمامة أبى محمد ولا موته ، ولا
نقول انه رجع بعد الموت ، ولا نقطع على إمامة أحد من ولد غيره ، فانه لا خلاف بين
الشيعة :" انه لا تثبت إمامة أمام إلا بوصية أبيه إليه وصية ظاهرة " .[301]
ومنهم من وجد نفسه مضطرا لافتراض وجود ولد
مخفي للإمام العسكري ، وقال انه الإمام من بعده ، وانه المهدي المنتظر ، وفسر عدم
إشارة أبيه إليه في حياته وعدم وصيته إليه ، وعدم ظهوره من بعده ، وغيبته .. فسر
كل ذلك ، تعسفاً ، بالتقية والخوف من الأعداء .
وكان الدافع الرئيسي لهذا القول ، هو التمسك
الشديد بقانون الوراثة العمودية ، وعدم جواز انتقال الإمامة إلى أخوين بعد الحسن
والحسين . وبالرغم من أن هذا كان قولا ضعيفا، ولم يجمع الشيعة الإمامية عليه في
ذلك الوقت ، خلافا لما ادعى الطوسي بعد ذلك بمائتي عام ، فان المتكلمين الذين
التزموا به ، جعلوا منه حجر الزاوية في عملية الاستدلال على وجود ( ولد ) للإمام
الحسن العسكري. وقد نسجوا منه ، ومن بقية القضايا الكلامية التي توجب العصمة في
الإمام، أو توجب النص في أهل البيت ، دليلا ً أسموه بـ : "الدليل العقلي"
، أو "الفلسفي" .
وقد استعرضنا في الفصل الأول، من هذا الجزء،
أقوال المتكلمين والمؤرخين الذين استدلوا بالعقل على وجود وولادة :(محمد بن الحسن
العسكري) وكان دليلهم يعتمد على نظرية العصمة والنص والوراثة العمودية في الإمامة
. ولكنه في الحقيقة كان يعتمد فقط على المبدأ الأخير :(الوراثة العمودية) ، وذلك
لأن كثيرا من الشيعة الإمامية (الفطحية) الذين كانوا يتفقون معهم في الإيمان
بالعصمة والنص ويؤمنون بإمامة الحسن العسكري أيضا ، لم يجدوا أنفسهم مضطرين للإيمان
بوجود ولد له في السر ، خلافا للظاهر ، وآمنوا بدلا من ذلك بإمامة أخيه جعفر بن
علي الهادي ، لأنهم لم يكونوا يؤمنون بقوة بضرورة الوراثة العمودية وعدم جواز
إمامة الأخوين .
إذن .. فان " الدليل العقلي" كان أشبه بالافتراض الفلسفي العاري عن الإثبات
التاريخي . وكان ذلك يتجلى في استناد بعض المتكلمين على الحديث الرضوي القائل :(
إن صاحب هذا الأمر لا يموت حتى يرى ولده من بعده ) لإثبات وجود الولد للإمام
العسكري ، كما يقول الشيخ الطوسي. [302]
وذلك بالرغم من إمكانية الاستدلال بنفس الحديث
لنقض إمامة العسكري ، كما فعل قسم من الشيعة الذين تراجعوا عن القول بإمامة
العسكري ، واتخذوا من عدم إنجابه ولدا تستمر الإمامة فيه دليلا على عدم صحة إمامته
، كما تراجع الشيعة الموسوية ، في منتصف القرن الثاني ، عن القول بإمامة عبد الله الأفطح
، لأنه لم ينجب ، وشطبوا اسمه من قائمة الأئمة . واعتبر ذلك الفريق من الشيعة،
التراجع عن إمامة العسكري والقول بإمامة جعفر بعد أبيه الهادي مباشرة ، أهون من
افتراض ولد موهوم للعسكري .
والغريب إن السيد المرتضى علم الهدى ، يتهم
الذين قالوا بوجود ولد للإمام عبد الله الأفطح ، باللجوء إلى اختراع شخصية وهمية
اضطراراً ، من اجل الخروج من الحيرة والطريق المسدود.[303] ولكنه يمارس نفس الشيء في عملية افتراض وجود ولد
للحسن العسكري ، وذلك اضطرارا من اجل
الخروج من الحيرة التي عصفت بالشيعة الإمامية في منتصف القرن الثالث الهجري.
ولا بد بعد ذلك من الإشارة إلى أن تسمية عملية
الاستدلال النظري على وجود ولد للحسن العسكري ، بالدليل "العقلي" ، هو
من باب التسامح والاستعارة ، وإلا فانه ابعد ما يكون عن الاستدلال العقلي ، إذ
يعتمد على مجموعة مقولات نقلية ، وبعضها أخبار آحاد بحاجة إلى إثبات الدلالة
والسند، كمقولة (الوراثة العمودية وعدم جواز انتقال الإمامة إلى أخوين بعد الحسن
والحسين) .. ومن هنا فقد قال الشيخ الصدوق :" إن القول بغيبة صاحب الزمان
مبني على القول بإمامة آبائه ... وان هذا باب شرعي وليس بعقلي محض" . [304] وهذا
يعني أن المناقشة في أية مقدمة من مقدمات الدليل "العقلي" الطويلة ،
كضرورة العصمة في الإمام ، وضرورة النص عليه من الله ، وثبوت الإمامة في أهل البيت
، وانحصارها في البيت الحسيني ، وكيفية انتقالها من إمام إلى إمام ، ودعاوى بقية
الأئمة الذين ادعوا الإمامة والمهدوية كمحمد بن الحنفية وابنه أبى هاشم ، وزيد بن
علي، ومحمد بن عبد الله ذي النفس الزكية ، وإسماعيل بن جعفر وأبنائه ، وعبد الله الأفطح
ومحمد بن علي الهادي .. وما إلى ذلك من التفاصيل الجزئية في نظرية الإمامة الإلهية
، من البداية إلى النهاية ، حتى وفاة الإمام الحسن العسكري .. ان المناقشة في أية
مقدمة من تلك المقدمات تسد الطريق على الوصول إلى فرضية: ( وجود ولد للحسن
العسكري)..
ومن هنا كان إثبات وجود (الإمام المهدي محمد
بن الحسن العسكري) بصورة عقلية لسائر الناس أو سائر المسلمين ، أو سائر الفرق
الشيعية ، أو حتى لسائر الفرق الإمامية التي لم توافق على مبدأ: " الوراثة
العمودية" ، صعبا أو مستحيلا .. ولذلك كان علماء الكلام (الاثنا عشريون)
يمتنعون عن خوض النقاش مع سائر الناس حول إثبات شخصية (ابن الحسن) إلا بعد التسليم
بالمقدمات النقلية الطويلة السابقة ، والإيمان بكل واحدة.. واحدة منها .
وقد قال عبد الرحمن بن قبة الرازي ، في الرد
على علي بن احمد بن بشار:" لا نتكلم في فرع لم يثبت اصله ، وهذا الرجل (ابن
الحسن) الذي تجحدون وجوده ، فإنما يثبت له الحق بعد أبيه .. فلا معنى لترك النظر
في حق أبيه والاشتغال بالنظر معكم في وجوده ، فإذا ثبت الحق لأبيه ، فهذا ثابت
ضرورة عند ذلك بإقراركم ، وان بطل أن يكون الحق لأبيه، فقد آل الأمر إلى ما تقولون
، وقد أبطلنا". [305] وقال
السيد المرتضى :" إن الغيبة فرعٌ لأصولٍ ، إن صحت فالكلام في الغيبة اسهل شيء
وأوضحه ، إذ هي متوقفة عليها ، وان كانت غير صحيحة فالكلام في الغيبة صعب غير ممكن".
[306]
وهذا اعتراف صريح بعد وجود أية أدلة تاريخية
مستقلة، أو علمية وشرعية، تثبت وجود ولد
للإمام العسكري، الذي توفي دون أن يشير إلى ذلك، بل أوصى بأمواله إلى أمه ، ولم
يتحدث عن أي وريث آخر. وان افتراض وجود ولد له، كان مبنياً على " ضرورة
استمرار الإمامة الإلهية إلى يوم القيامة ووجوب توارثها بصورة عمودية".
بالرغم من أن الإيمان بنظرية الإمامة، أو التسليم
بإمامة الحسن العسكري ، لم يكن يؤدي بالضرورة إلى وجوب الإيمان بوجود ولد له. وهذه حقيقة يعترف بها زعيم الحوزة العلمية في قم
، المعاصر، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في كتابه :(المهدي : الثورة الكبرى) حيث
يقول:" إن الاستدلال الفلسفي يمكن إن يثبت قضايا كلية عامة، ولكنه لا يستطيع
إن يضع إصبعه على إنسان في الخارج ، ويثبت وجوده".[307]
وهو في النهاية، ليس إلا افتراضاً وهمياً ،
وظناً بغير علم . وقد نهانا الله عزّ وجلّ
عن اتباع الظن، وخاصة في الأمور العقدية، حيث قال تعالى:" ولا تقفُ ما ليس لك
به علم ، إن السمع والبصر والفؤاد، كل أولئك كان عنه مسئولاً" (الإسراء 36)
وقال منتقداً أصحاب الديانات الأخرى الذين
يبنون عقائدهم على الظن والتخمين والافتراض :" قل هل عندكم من علم، فتخرجوه
لنا ؟ .. إن تتبعون إلا الظن ، وان انتم إلا تخرصون!" ( يونس 36)
وقال:" إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم
وآباؤكم ، ما أنزل الله بها من سلطان، إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ، ولقد
جاءهم من ربهم الهدى".( النجم 23)
وقال:" وما لهم به من علم ، إن يتبعون إلا
الظن ، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ". ( النجم 28)
المبحث الثالث
نقد
الدليل الروائي (النقلي)
لسنا بحاجة لمناقشة الاستدلال بالقرآن الكريم،
أو الأحاديث العامة التي تتحدث عن (المهدي) أو (القائم) من دون تحديد هوية ذلك
الشخص.. فان هدف دراستنا ليس نفي مبدأ خروج المهدي في المستقبل من الأساس .. وإنما
نهدف إلى القول إن شخصاً باسم (محمد بن الحسن العسكري) لم يولد ولم يوجد بعد ،
وبالتالي فان تلك الآيات أو الأحاديث العامة، لا تثبت ولادة ذلك الإنسان أو وجوده
، بالرغم من إمكانية المناقشة في دلالة الآيات الكريمة على الموضوع.
أما الروايات الواردة حول (الغيبة) و(الغائب)
فهي أيضا لا تتحدث عن "غائبٍ" بالتحديد.. ولا تذكر اسم (محمد بن الحسن
العسكري) ولا تشير إلى غيبته بالخصوص.. وبالتالي فإنها لا يمكن إن تشكل دليلا على
(غيبة الحجة بن الحسن) لأنه لم يولد بعد .. ولم يغب .. وهي لا تتحدث عن أمر قبل
وقوعه حتى يكون ذلك إعجازاً ودليلا على صحة الغيبة ، كما قال الشيخ الصدوق.
ولا توجد في تلك الروايات أية دلالة على ما
ذهب إليه المتكلمون الإماميون ، لأنها لم تتضمن الإخبار بالشيء قبل كونه ، كما قال
الشيخ الطوسي ، ولم يحصل أي إخبار مسبق من جهة علام الغيوب.. وذلك لأن تلك
الروايات كانت تتحدث عن أشخاص آخرين كانوا موجودين فعلا ، وادعيت لهم المهدوية ، وغابوا
في الشعاب والجبال والسجون، كمحمد بن الحنفية، ومحمد بن عبد الله بن الحسن (ذي
النفس الزكية)، والإمام موسى الكاظم .. وقد حدث في ظل غيبتهم أن تفرق شيعتهم
واختلفوا واحتاروا.. وقد صنع أصحابهم تلك الروايات من وحي الواقع ولأهداف خاصة ،
وبالذات الشيعة الواقفية الذين كانوا يؤمنون ، بقوة ، بمهدوية الإمام الكاظم ،
ولما اعتقله الرشيد قالوا بغيبته ، ولما توفي الإمام رفضوا الاعتراف بوفاته،
وادعوا هروبه من السجن وغيبته غيبة كبرى لا يُرى فيها، واعتبروا مرحلة السجن غيبة
صغرى. وقد كانت الغيبة الكبرى أطول من الغيبة الصغرى ، لأنها امتدت وامتدت بلا
حدود.
وكان الواقفية قد استعاروا أحاديث الغيبة، ممن
سبقهم من الحركات المهدوية ، وطبقوها على الإمام الكاظم .
وإذا توقفنا عند الرواية التي يذكرها النعماني
حول الغيبة ، والتي يقول عنها :" لو لم يكن يروى في الغيبة إلا هذا الحديث،
لكان فيها كفاية لمن تأملها" لوجدنا
أنها تتحدث عن الوفاة والقتل والذهاب، لإمام موجود ومعروف سابقا.. بينما يحتاج هو
(أي النعماني) أن يثبت وجود (الإمام محمد بن الحسن العسكري) أولاً، حتى يستطيع أن
ينسب إليه تلك الأفعال لاحقاً.
لقد كان المتكلمون الإماميون في البداية
( في القرن الثالث الهجري) يحاولون إثبات صحة فرضية ( وجود الإمام الثاني عشر ابن
الحسن ) ولم يكونوا يتحدثون عن (المهدي والمهدوية). إذ انهم كانوا بحاجة إلى إثبات
وجود العرش قبل إثبات النقش.. ولكن الأزمة التي وقعوا فيها ، بعد القول بوجود (ابن
الحسن) ، وهي :(عدم ظهور الإمام للقيام بمهمات الإمامة ) دفعتهم إلى البحث
والتنقيب في تراث الفرق الشيعية القديمة كالكيسانية والواقفية، والتفتيش عن مخرج
للأزمة والحيرة، ووجدوا في أحاديث المهدوية القديمة أفضل حل للخروج من أزمة عدم
الظهور ، ودليلاً جديداً على إثبات فرضية (وجود ابن الحسن) في نفس الوقت.
ومن هنا فقد تطورت الفرضية التي كانت مهتمة
بإثبات (وجود الإمام الثاني عشر) إلى الحديث عن (مهدويته) واصبح الحديث يدور حول
(وجود الإمام المهدي الحجة ابن الحسن العسكري). وذلك انطلاقا من حالة الفراغ
والغيبة وعدم المشاهدة ، والاستنتاج منها:" إن الشخص المفترض انه الإمام
والذي لا يُشاهد : هو المهدي صاحب الغيبة ، وان سبب عدم مشاهدته هو : الغيبة"!
وإذا كان يصح الاستدلال بتلك الروايات على
مهدوية الأئمة السابقين المعروفين، الذين غابوا في السجون أو الشعاب أو في سائر أنحاء
الأرض ، فانه لا يمكن الاستدلال بها على صحة فرضية (وجود ابن الحسن) .. وذلك لأن
وجوده كان موضع شك واختلاف بين أصحاب الإمام العسكري، وان عملية الاستدلال بها على
(مهدوية ابن الحسن) بحاجة أولاً إلى الاستدلال على وجوده واثبات ذلك، قبل الحديث
عن إمامته ومهدويته وغيبته وما إلى ذلك.
إن الاستدلال بالغيبة على الوجود ، بدون إثبات
ذلك من قبل ، يشبه عملية الاستدلال على وجود ماء في إناء ، بالقول :" إن
الماء لا رائحة له ولا لون.. ونحن لا نشم رائحة ولا نرى لونا في هذا الإناء.. إذن
فان فيه ماء !".
وإذا كان ذلك لا يجوز، إلا بعد إثبات وجود شيء
سائل في الإناء ، ثم القول :" إن هذا السائل ليس له لون ولا رائحة.. فإذن هو
ماء " ، فان عملية إثبات وجود (ابن الحسن) ، كذلك تحتاج أولاً إلى إثبات
وجوده وإمامته ومهدويته.. ثم إثبات غيبته ، لا إن يتم عكس الاستدلال ، فيُتخذ من
المجهول والعدم و (الغيبة) دليلا على إثبات الوجود والإمامة والمهدوية لشخص لا
يزال موضع بحث ونقاش!.
إذن فلا يمكن ، في الحقيقة ، الاستدلال
بأحاديث ( الغيبة ) العامة والغامضة والضعيفة، على إثبات وجود (الإمام محمد بن
الحسن العسكري) .
وقد حاول بعض المنظّرين لموضوع (الغيبة) إن
يستشهدوا بحديث الغيبتين الصغرى والكبرى، ليثبتوا صحة (فرضية وجود ابن الحسن).
ولكن حكاية (الغيبتين) نفسها لم تثبت في التاريخ ، ولا يوجد عليها دليل سوى موضوع
(النيابة الخاصة) التي ادعاها بعض الأشخاص ، وهي لم تثبت لهم في ذلك الزمان ، وكان
الشيعة القائلون بوجود (ابن الحسن) يختلفون فيما بينهم حول صحة ادعاء هذا الشخص أو
ذاك بالنيابة الخاصة، التي كان قد ادعاها حوالي عشرين شخصا أكثرهم من الغلاة . ومن
هنا فان الحد الفاصل بين الغيبتين : الصغرى والكبرى، كان حداً وهمياً لم يثبت في
التاريخ . ويلاحظ أن الاستشهاد بـ :(الغيبتين) قد ابتدأه النعماني في منتصف القرن
الرابع الهجري ، بعد انتهاء عهد (النواب الخاصين) ولم يشر إليه من سبقه من
المؤلفين حول (الغيبة) الذين اكتفوا بالإشارة إلى الغيبة الواحدة . وذلك لأنهم لم
يعرفوا من قبل بحدوث غيبتين.
وقد اعترف السيد المرتضى علم الهدى والشيخ
الطوسي، لدى الحديث عن أسباب الغيبة، أن من الضروري أولاً: بحث موضوع الوجود
والإمامة لـ : ( ابن الحسن العسكري) ، قبل الحديث عن الغيبة وأسبابها. وقالا:" إن من شك في إمامة ابن الحسن يجب أن
يكون الكلام معه في نص إمامته ، والتشاغل بالدلالة عليها ، ولا يجوز مع الشك فيها أن
نتكلم في سبب الغيبة ، لأن الكلام في الفرع لا يسوغ إلا بعد إحكام الأصول" . [308]
دليل "الإثني
عشرية"
وهذا دليل متأخر .. بدأ المتكلمون الإماميون يستخدمونه بعد اكثر من نصف قرن من الحيرة ، أي
في القرن الرابع الهجري ، ولم يكن له أثر في القرن الثالث، عند الشيعة الامامية ،
حيث لم يشر إليه الشيخ علي بن بابويه الصدوق في كتابه:( الإمامة والتبصرة من
الحيرة) كما لم يشر إليه النوبختي في كتابه:(فرق الشيعة) ولا سعد بن عبد الله
الاشعري القمي في:(المقالات والفرق).. وذلك لأن النظرية (الاثني عشرية) طرأت على
الامامية في القرن الرابع ، بعد ان كانت النظرية الامامية ممتدة إلى آخر الزمان،
بلا حدود ولا حصر في عدد معين ، كما هو الحال عند الشيعة الإمامية الإسماعيلية
والزيدية.. لأنها كانت موازية لنظرية الشورى وبديلا عنها.. فمادام في الأرض مسلمون
ويحتاجون إلى دولة وإمام ، وكان محرماً عليهم اللجوء إلى الشورى والانتخاب ، كما
تقول النظرية الامامية، كان لا بد ان يعين الله لهم إماما معصوما منصوصا عليه ..
فلماذا إذن يحصر عدد الأئمة في اثني عشر واحدا فقط؟
من هنا لم يكن الاماميون يقولون بالعدد
المحدود في الأئمة ، ولم يكن حتى الذين قالوا بوجود (الإمام محمد بن الحسن
العسكري) في البداية ، يعتقدون أنه خاتم الأئمة ، وهذا هو النوبختي يقول في كتابه
(فرق الشيعة):" إن الإمامة ستستمر في أعقاب الإمام الثاني عشر إلى يوم
القيامة".[309]
وتشير روايات كثيرة يذكرها الصفار، والكليني ، والحميري ، والعياشي ، والمفيد ، والحر العاملي، وغيرهم.. وغيرهم .. إلى ان الأئمة أنفسهم لم يكونوا يعرفون بحكاية القائمة المسبقة المعدة منذ زمان رسول الله (ص) ولم يكونوا يعرفون بإمامتهم ، أو بإمامة الإمام اللاحق من بعدهم ، إلا قرب وفاتهم ، فضلا عن الشيعة أو الإمامية أنفسهم ، الذين كانوا يقعون في حيرة واختلاف بعد وفاة كل إمام ، وكانوا يتوسلون لكل إمام ان يعين اللاحق بعده ويسميه بوضوح لكي لا يموتوا وهم لا يعرفون الإمام الجديد.[310] حيث يروي الصفار في (بصائر الدرجات) باب: ان الأئمة يعلمون إلى من يوصون قبل وفاتهم مما يعلمهم الله ، حديثا عن الإمام الصادق يقول فيه:" ما مات عالم حتى يعلمه الله إلى من يوصي" .[311] ، كما يرويه الكليني في (الكافي) عنه أيضا :" لا يموت الإمام حتى يعلم مَن بعده فيوصي إليه".