|
أدركني
ياعلي ! في
ميزان القرآن والعترة الحمد
لله الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، لا ندَّ
لهُ و لا شبيه ،
له الخلق والأمر ، ولا ينازعه في ملكه أحد....
والصلاة
والسلام على منقذ البشرية ، و معلم
الإنسانية و قدوتها ، نبي
الرحمة و رسولُهـا ، أبي
الزهراء محمد ، صلى الله عليه و جزاه خير ما جازى به نبياً عن أُمَّتــه ، و على آله الأطهــار ، أئـمـّــة
الـهـدى بالـحق ، الذين بذلوا أنفسهم لتكون كلمة الله هي العليا فكانوا مناراً يهتدى به و علمــاً يـشــار إلـيـه
.... ورضي
الله عن الخيرة الـمخـّيرة من
صحبــه الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه و ما بدلوا تبديلا ، وعلى كل من سعى بسعيهم و انتهج بـنـهـجـهـم حتى يرث الله الأرض و
من عليــهــا و هو خيــر الـوارثــيــن أمــا بعــدُ … يتعرض
هذا البحث الى موضوع الاستعانة و التوســل ضمن عقيدة الإسلام ، ويحلل بعض الألفاظ
الشائعة في المجتمع - الشيعي على وجه الخصوص - وموقف القرآن والسنة وأئمة أهل البيت
عليهم السلام منها ويبين خطورة هذه المسألة ودقتها في ميزان العقيدة باعتبارها إحدى أعمدة
التوحيــد الذي هو أساس الإسلام و
دعوة الأنـبـيــاء و جهاد الأئـمـة عليهم السلام . كذلك يتعرض الى بعض الشبهات التي
طُرِحَت لتبرير التوسل والاستغاثة بغير الله. ولا
يفوتنا أن ننبه هنا الى أننا
نرى أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
والأئمة من أهل بيته من بعده هم أهل الشفاعة والجاه
الذي لا يُرد الا بإذن الله ، ومنزلتهم منزلة
الشهداء الأحياء عند ربهم بأعلى ما تكون به
المنازل التي لا يعلمها الا الله بما آتاهم
الله من فضله وبما بلغوه من تقواهم له (( إن
أكرمكم عند الله أتقاكم ))(1) ، باعتبار
أن التقوى هي ميزان الكرامة عند الله ونحن نرى
أنهم كانوا أتقى خلق الله له ، ورسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم أتقاهم لله ، وهم يشكلون
المرآة الحقيقية لسيرته و خُلُقِهِ الذي كان
القرآن ، كما تقول بذلك السيدة عائشة ،
وبالتالي فنهجهم وسيرته صلى الله عليه وعليهم
تعكس أوامر القرآن وأحكام القرآن كنسيج واحد.
ونرى أيضاً جواز التوسل الى الله بهم كقول
القائل (( اللهم إني أسألك بحق نبيك وآل بيته
الطاهرين ..)) شرط أن يكون الخطاب موجهاً لله
وحده ، وإن كان التوسل الى الله باسمائه
الحسنى وصفاته العليا خير و أقرب الى أوامر
الله في كتابه
و
سنة المصطفى ونهج الأئمة من أهل البيت عليهم السلام ، ولكنها تبقى جائزة ، وانما
كلامنا عن توجيه النداء و الإستغاثة بذواتهم كما سنبين حكمه ان شاء
الله. صيغ
التوسل ومدلولاتها هناك
صيغتان من صيغ التوسل بالأنبياء و الأولياء و فيهما يـقع الخلط بين الناس ، الصيغة الأولى : هي صيغة التوسل بالجــاه، كأن يقول
القـائل : ( اللهم أدركني واكشف عني كربي
بحق رسولك و آله ) أو ( اللهم إني أسألك بجاه رسولك و آله ) وهي خطاب لله مباشرة ، ولا كلام لنا عن
هذه الصيغة وإن منعها بعض المسلمين ، لكنها وردت في بعض أدعية الأئمـة الـمـوثـقـة
و لا معارض لها من الكتاب و السنة ،
وللمسلم أن يناجي ربه بما شاء وبجاه من شاء ما دام خطابه موجهاً لله وليس لغيره ،
أمـا
الـصـيـغـة الثـانيـة فهي
صيغة التوسل المـبـاشـر والأستغاثة المباشرة
، كأن يقول القائـل : ( أدركني ياعلي ) أو ( الغوث يارسول الله) هذه
الصيغة منتشرة في مجتمعنا ، سواءً بين عامتهم
و مثقفيهم ، فهي إذن ليست من طرح الخيال ، بل
هي واقع ملموس و في عصرنا الحالي ، لذا يحق لنا
مناقشته . من التبريرات التي
أُلقيت حول هذه الـصيغ
هي أنهـا لطلب الشفاعة من الله لقضاء الحوائج
و تفريج الكرب ! وهذا تبرير بعيد عن الحقيقة
لعدة أسباب منها : أن ليس في نــص الصيغة ما
يدل على طلب الشفاعة ، لأن تلك صيغتها : (يا علي اشفع لي )! ..
و ( أدركني ) غير ( (اشفع لي ).. ( أدركني )
هي صيغة اليائس من حوله و قوته إلى حول و قوة
من هو أقدر منه ، أمـا ( إشفع لي ) فهي طلب
الوساطة في أمرٍ الحكمُ فيه لطرفٍ ثالث .
فدعاء ( إشفع لي ) فيه ثلاثة أطراف ؛
المـسـتـشـفِع و المـسـتـشـفَع به و
المـسـتـشـفَع عنده ، أمـا دعاء ( أدركني )
ففيه طرفان فقط : الـمـُـسـتغـيـث
و المُـسـتـغـاث به و
لا واسطة بينهما ، و كلا
الـصـيـغـتان ( إشفع لي أو أدركني ) غير جائزة لأنهـا
خطاب مباشر ( لطلب تفريج الكرب
أو قضاء حاجة)
لمن لا يسمع الدعاء .. فإن قيل : أن الأنبياء و
الأئمــة والأوليــاء إنمــا هم شهـداء
والـشهـداء أحـيــاء و يـشـفـعـون
لأوليــائهـم ! نـقـول : نعم والله ، إنهم
لأحـيــاء و إنهم لأهـلٌ للـشـفــاعـة ، و
لكنهم أحـيــاءٌ عند ربهم و ليس عندنــا أو بين ظهرانينـا. لا
يستطيعون سماعي و سماعـكـم وسماع هذا أو ذاك ! لأن
هذه من صفات الله جلَّ و علا وهو الذي لا
يشغله سمع عن سمع و لا يغلِطُهُ كثرة
الـســائـلــين و هو أقرب إلينــا من
حبل الـوريــد ... و لم يبلـغـنــا أن الله
تعالى مكّنَ الأنبـيــاء والأولـيــاء من سماع نداء
المسـتـغـيـثــيـن ولا أنه قد منحهم بعضاً من
صفاته ! لا جرم و
لا جدال أنهم أهل الشـفـاعة عند الله بعهد
الله و ميثاقه ، فإن كنّــا نبغي الـشـفـاعـة
بقولنــا ( يا علي اشفع لي ) فالأولى و أدبـاً
مع الله أن نطلب الـشـفــاعـة منه مـبـاشـرة
ونقول : ( اللهم شـفـعـنـي في رسولك أو شفعني
في علي). هذا فيما يخص دعاء أو صيغة (
إشفع لي ) وهو أخف وطأة من صـيـغـة (
أدركني ) ، غير أنه لم يمـر علـينا فيما
مضى صيغة ( إشفع لي يا علي ) بين أوساط الشيعة بل
صيغة ( أدركني يا
علي ) هي المهيمنة وهي التي جرت على
ألسن الناس ، وهنا الطامة الكبرى . الإستغاثة
في ميزان القرآن ! من
غير الصحيح القول بأن الشيعة الذين يتحدثون بطريقة ( أدركني ياعلي ) يقصدون توجيه
الخطاب إليه أن يدركهم بالشـفــاعــة ، فليس في ذلك ما يدل عليهـا ولا توجد قرينة
ولا بينة لذلك ، وليسأل أحدنا نفسه : ساعةَ
أن يردد ( أدركني
ياعلي ) هل يفكر في الله أم يفكـر
في علي ؟! .. (( مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ
قَلْبَيْنِ فِيْ جَوفِهِ )) (2)! ولا يمكن
تبرير هذه الصيغ و إسنادها إلى النيّـات ، لأن
النية غير كافية إذا كان العمل غير مشروع ! .
يقص لنا القرآن أخبار الأمم الـسـابـقـة ليس
على سبيل التسلية بل للعبرة و الاتعاظ والنهي
عن التشبه
بأفعال أهل الضلال لئلا ننتهي إلى ما
انتهوا إليه (( لَقَدْ كَانَ فِيْ
قَصَصِهِم عِبْرَةً لأُولي الألبابْ ))(3)
وقوله (( وتـلكَ الأمْثَالُ
نَضْرِبُهَا للنَّاسِ لَعَلّهُم يتفكرُون ))(4) .. والله قص خبر
المشركين و أخبر عن نيـِّـاتهم بأنهـا التقرب
إلى الله زلفى و أن هذه الأوثان إنمــا هم
شفعاؤهم عند الله (( وَ يَعْبُدُونَ مِنْ
دوُنِ اللهِ مَالايَنْفَعُهُمْ شَيْئَاً
وَلايَضُرُّهُمْ ويَقُولوُنَ هَؤلاءِ
شُفَعاؤنَا عِنْدَ الله ))(5) فما علتهم إذن ؟ . هل كان
الاعتراض على أنهم لم يوفقوا
في اختيار الشفيع أم على
أسلوب الشفاعة ؟ ... ولكن مهلاً ... قد يقول قائل
هنا : كيف نـقارن بين المشركين والمؤمنين
الذين آمنوا بالله ورسوله وكـتابه وأقاموا
الصلاة ؟! والجواب هو أننا لا نقارن و إنما
نبينُ الأمْرَ كَي لا نقع فيه ، ألم يقل الله
تعالى مخاطباً الـمـؤمنين (( يَا أيُّهَا
الّذيْنَ آمَنُوا لاتَكُـوْنـوا كَالّذيْنَ
كَفَرُوا ...))(6) ! كيف
خاطبهم بصيغة الإيمان ثم شَبَّه فعلهم بفعل
الكافرين ؟! إنـها صيغة تحذير من التشبه
بأفعال الكافرين ، لأن الشيطان يسير بخطوات و
لا يستطيع أن ينقل المؤمن إلى النقيض بخطوة
واحدة ، يقول
إحذروا هذه
الخطوة لأن بعدها خطوة وبعدها خطوة وهكذا ..
هذا هو أسلوب القرآن ..((يَاأيـُّـهـا
الّذيْنَ آمَنُوا لاتَكُونُوا كَالّذين
كَفَرُواْ ...)) .. ونحن نقول يا إخواننا لا
تكونوا كالذين أشركوا في إتباعهم الأسلوب
الخطأ في الدعاء إلى الله ، لأن دعاء غير الله إشراك
به ، قال تعالى : ((
قُلْ ادْعُـوا الَّذيْنَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونــِهِ فَلا يَمْلِكُوْنَ كَشْفَ
الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحويْلاً )) (8) ((
أمَّنْ يُـجِيْبُ المُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ ويَكْشِفُ السُّــوْءَ
؟))(9) ((
إنَّ الَّذيْنَ تَدْعوُنَ مِنْ دُوْنِ اللهِ عِبَادٌ أمْثَالُكُمْ .. فَادْعوُهُم
فَلْيَسْتَجِيْبُوا لَكُم إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ !))(10)
وفي
هذا ردٌّ على الذين يزعمون أن نهي القرآن إنما جاء عن الأصنام فقط ! والقرآن مليء بهذه الآيات و أمثالها .
ليست هذه مسألةٌ فقهيه تعتمد أسس الاستنباط أو تحتاج إلى ذوي الاختصاص حتى
يُخْـتَلَف في تأويلها و تفسيرها ،
هذه من صلب عقيدة التوحيد التي لم يجعل القرآن فيها مجالاً للشك أو التأويل لأنها
حجة على الخلق أجمعين ، و آياتُ اللهِ تصرخ
و تصيح في كل موضع و في كل سورة ؛ أن الذين تدعون من دون الله لا يسمعونكم
و لا يستجيبون لكم فأخلصوا الدعاء لله وحده : ((
قُلْ أمَرَ رَبـِّي بِالْقِسْطِ وَأقِيْمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
وادْعُوهُ مُخْلِصِيْنَ لَهُ الدّينَ )) (12) (( ادْعُوا رَبــّـَكُم .. تَضَرُّعَاً وَ
خُفْيَةً ))(13) ((لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ وَالذّيْنَ
يَدْعوُنَ مِنْ دُونــِهِ لايَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيءٍ
))(15) ((
قُلْ هَلْ يَسْمَعُونَكُم إذْ تَدْعُوْن ؟ ))
(16) ((
إنَّ اللهَ يَقْضِي بِالْحَقِّ ، والّذيْنَ يَدعُونَ مِنْ دُونــِهِ لا
يَسْتَجِـيْبُونَ لَهُم بِشَيءٍ..
إنَّ اللهَ هُوَ السّمِيْعُ البَصِيْرُ ))(17) سميعٌ لنداء المضطرين والمكروبين .. بصيرٌ
بحالهم ! وَقَالَ
رَبـُّكُم ادْعُونــِيْ أسْتَجِبْ لَكُمْ )) (18) (( وَمَنْ أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ
دُونِ اللهِ مَنْ لايَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَومِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِم
غَافِلُونَ ))(20) (
لتتبعُنَّ سُنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع ) ؟! نحن نقول أن الأمة غير
معصومة والواجب تنبيهها و تحذيرها ، وخطوات الشيطان كثيرة ، تبدأ من تخفيف حدة
العبادة و تقليل النوافل و تنتهي بالأشراك بالله والعياذ بالله . هذا لا يعني أن
اخواننا مشركون يعتقدون بوجود اله
آخر كما يلوح به أصحاب العقول الغليظة! هؤلاء الناس لشدة حبهم لرسول الله ولأهل
بيته عليه وعليهم السلام اندرجت هذه الألفاظ على ألسنتهم دون أن يعوا خطرها
العقائدي ، هؤلاء لا يعرفون الخطوط الحمراء بين الله وبين اولياؤه لضعف علاقتهم
بالقرآن من جهة ولوجود تلك الطبقة التي تعيش على لعق الدين مابقي يدرّ معايشهم على
حسب تعبير سيد الشهداء الحسين من جهة اخرى. إن
الله بين لنا في قرآنه التناقض
الشديد الذي يقع فيه الإنسان حين تدهمه الكرب والملمات حيث يلجأ ، بفطرته التي فطره
الله عليها ، فيدعو الله وحده ويخصه بالدعاء وحده ، حتى إذا ما كشف الكرب عنه أعرض
و جعل لله أنداداً ، وكل شيء يضعه الإنسان بديلاً أو شريكاً لله فهو ندٌ له ، من
دون فرق بين كون ذلك الند ملكاً أو نبياً أو ولياً أو صنماً! يقول تعالى : أرسل
الله الـرسل ليطاعوا .. لا ليستغاث
بهم ! (( وما أرسلنا من رسول إلا
ليطاع بإذن الله
))(37) ((
ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه .. ونحن أقرب إليه من حبل الوريد
))(38) شبهات
حول بعض الآيات ! يتوهم
البعض ورود بعض الآيات القرآنية التي
تبيح أو تشير الى مشروعية الإستغاثة بالنبي وأهل
بيته عليه وعليهم الصلاة والسلام ، منها قوله تعالى : ((ياأيها
الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ))(39) والوسيلة تأتي بمعنى الدرجة وبمعنى القربة بالطاعات ،
وقد أجمع على هذا كبار المفسرين من السنة والشيعة. يقول
ابن كثير في تفسيره : والوسيلة
القربة التي ينبغي أن يطلب بها, والوسيلة درجة في الجنة, وهي التي جاء الحديث
الصحيح بها في قوله عليه الصلاة والسلام: (فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة).
أما
قوله تعالى (( قُلْ
ادْعُـوا الَّذيْنَ زَعَمْتُمْ مِنْ
دُونــِهِ فَلا يَمْلِكُوْنَ كَشْفَ
الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحويْلاً ، أؤلئك
الذين يدعون يبتغون الى ربهم الوسيلة أيهم
أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ))(40) فقد أجمع جمهور
المفسرين على أن المقصود من الآية هو أن هؤلاء
الصالحين الذين يدعوهم المشركون ، أقربهم الى
الله يبتغي الوسيلة اليه بالطاعة والقربة ،
فكيف بغير الأقرب ! كما قال بذلك الطبرسي في جوامع الجامع والكاشاني في الصافي
وغيرهم ، وقال السيد محمد
حسين فضل الله في تفسيره من وحي القرآن :
والظاهر أن المراد من الوسيلة ، هي العمل
الصالح الذي أراده الله سبيلاً للقرب منه
فيما يتقرب الناس اليه لا الأشخاص الذين
يتخذهم الناس وسائل!! الإستغاثة
في ميزان العترة المطهرة ! لقد
أورثنا الأئمـة تراثاً من الأدعية تُكتب بحروف من ذهب على صفحات من نور ، وقد بلغوا
الذروة في أساليب التوسل و التضرع إلى الله لم يسبقهم إليها أحد ولم يأتي بشبيه لها
من بعدهم أحد ، وهذه أدعية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و صحيفة الإمام السجاد عليهم السلام بـين أيدينا وليس فيها صيغة استدراك أو
سؤال لغير الله ، فهل فاتهم سؤال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطلب الأستدراك
منه ؟! ونحن نقرأ دعاء (( كُمَيل )) كل حين ، فهل نقرأه لأننا معجبون بشخصية الإمام
عليه السلام أم للتدبر بهذا التراث
الخالد. بماذا توسل الأمام في بداية
دعائه ؟ برحمة الله وقوته و جبروتهِ
و وقدرتهِ وعظمتهِ وأسمائهِ ونور وجهه و صفاتهِ ، وخطابهُ و مناجاتهُ كلها للهِ
وحده ولم يسأل أحداً غيره ، ولو جاز ذلك لكان هو الأولى بسؤال رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم وهو الأخلص نية والأصفى قلباً ! يقول الأمام علي بن أبي طالب يصف
لنا آداب التوسل والدعاء : ((
ان أفضل ما توسل به المتوسلون الى الله سبحانه وتعالى الإيمان به وبرسوله والجهاد
في سبيله فأنه ذروة الإسلام ، وكلمة الإخلاص فإنها الفطرة ، وإقامة الصلاة فإنها
الملة ، وإيتاء الزكاة فإنها فريضة واجبة ، وصوم شهر رمضان فإنه جُنة من العقاب ،
وحج البيت واعتماره فإنهما ينفيان الفقر ويرحضان الذنب ، وصلة الرحم فإنها مثراة في
المال ومنساة في الأجل ، وصدقة السر فإنها تكفر الخطيئة ، وصدقة العلانية فإنها
تدفع ميتة السوء ، وصنائع المعروف فإنها تقي مصارع الـهـوان )) ويقول
الإمام السجاد الذي سطر أخلص وأصفى
تعابير التوسل و الإستغاثة في أدعيته ، يقول في الدعاء الذي رواه عنه أبو حمزة
الثمالي : ((..
و الحمد لله الذي أناديه كلما شئت لحاجتي ، وأخلوا به حيث شئت لسري .. بغير شفيعٍ ،
فيقضي لي حاجتي.. ويقول في مناجاة
المطيعين: ((
ولا وسيلة لنا اليك إلا أنت )) !! ويقول
أيضاً : (( أنت المدعو للمهمات وأنت المفزع في
الملمات )) !! ويقول
أيضاً: (( لا يشركك أحد في رجائي ولا يتفق أحد
معك في دعائي ولا ينظمه وإياك ندائي ))
!! ويقو
ل الإمام جعفر الصادق عليه السلام: عجبت
لمن أدركه الهمَّ .. ولم يفزع إلى قول الحقِّ
سبحانه : شبهات
حول بعض الأحاديث ! يستشهد
الذين يرون جواز التوسل و
الإستغاثة بالأنبياء مباشرة بحديث
الأعمى الذي سأل رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم أن يدعو اللهَ له ليرد اليه بصره ، روى الحديث أحمد في مسنده : (
حدثنا روح قال حدثنا شعبة عن أبي جعفر المديني قال سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت
يحدث عن عثمان ابن حنيف أن رجلا ضريرا أتى النبي صلى اللهم عليه وسلم فقال يا نبي
الله ادع الله أن يعافيني فقال إن شئت أخرت ذلك فهو أفضل لآخرتك وإن شئت دعوت لك
قال لا بل ادع الله لي فأمره أن يتوضأ وأن يصلي ركعتين وأن يدعو بهذا الدعاء اللهم
إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى اللهم عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد إني
أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضي وتشفعني فيه وتشفعه في قال فكان يقول هذا
مرارا ثم قال بعد أحسب أن فيها أن تشفعني فيه قال ففعل الرجل فبرأ )
. ان الأعمى طلب من النبي
أن صلى الله عليه وسلم أن له ليرد اليه بصره
فعلمه النبي صلى اله عليه وسلم دعاء أمره فيه
أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه. فهذا يدل
على ان النبي صلى الله عليه وسلم شفع فيه
وأمره أن يسأل الله قبول شفاعته ، فقوله (يا
محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضي
وتشفعني فيه وتشفعه في ) فطلب من الله أن يشفع
فيه نبيه، وقوله ( يامحمد اني أتوجه بك الى
ربي) هي كما يقول المصلي ( السلام عليك أيها
النبي ورحمة الله وبركاته ) وكقولنا ( السلام
عليك يا أبا عبد الله ) فهو نداء يطلب به استحضار
المنادى في القلب فيخاطب
لشهوده في القلب ، وليس فيه
صيغة سؤال أو استعانة أو استغاثة ! بقي أن
نعرف أن هذا الحديث مرفوع ! ويعارضه الحديث
الصحيح الآخر الذي رواه الترمذي عن ابن عباس: الخلاصة إن
الأنبياء والأولياء أحياء ولكن عند ربهم في كرامته ،
و لا نعرف شيئاً عن كنه
حياتهم أو طبيعتها ، وهم لا
يستطيعون كشف الضر أو تفريج الكرب أو عون المحتاجين لأنهم عباد وبشر مثلنا وقد انتقلوا الى
عالم آخر ، لا يسمعون دعائنا ولا نداءاتنا و لا استغاثاتنا ! يقول الإمام الصادق في
الحديث الذي رواه الكليني في كتاب الروضة من الكافي : ((
والله ما نحن الا عبيد..
ما نقدر على ضر ولا نفع ، إن رحمنا فبرحمته ، وإن عذبنا فبذنوبنا ، والله مالنا على
الله من حجة ولا معنا براءة ، وإنا لميتون ومقبورون ومنشورون ومبعوثون ومسؤولون ،
اشهدكم أني امرؤٌ ولدني رسول الله وما معي براءة من الله ، إن أطعت رحمني وإن عصيت
عذبني عذاباً شديداً )) وكتاب الله الذي استعرضنا قبساً من آياته ،
وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأقوال العترة المطهرة كلها تظافرت على منع الإستغاثة بغير الله والدعاء والطلب
من غيره ، والتشيع لأهل البيت عليهم
السلام يقتضي السير على نهجهم
واقتفاء أثرهم والعمل بهديهم ، ولا يلتفت الى أقوال الغلاة الذين يستأكلون بهم ويحرفون الكلم عن مواضعه
ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ! إن الذين يحاولون تبرير الإستغاثة بغير الله من الأنبياء
والأولياء سيجدون أنفسهم أمام عقبتين
رئيسيتين : أولهما : أن يثبتوا أن
المقصود بالاستغاثة بهم على أحسن حالات حسن النية انما هو ليشفعوا للمستغيث عند
الله بدعائهم وليس طلب مباشرة
حقيقة الفعل كالنصرة ورفع الضر وكشف
الكرب والشفاء ! أي اثبات (( حسن النية )) بإرادة شفاعتهم ودعائهم ، وهذه لا يمكن
احتباسها وتقنينها لأن النيات موكلة
الى رب العباد ، وجب النظر عندها الى صيغة الإستغاثة وتنزيهها عن اللبس ، فتبطل
عندئذ (( أدركني ياعلي )) و (( أغثني
ياعلي )) و (( مدد يا ابو الحسن ))
لتحل محلها (( أدركني ياعلي بشفاعتك عند الله )) و (( أغثني يا أبو الحسن بدعائك
عند الله )) ، وفيها تقرير النية التي تسلم من حقيقة الشرك . فإذا سلمت من هذه وجدوا العقبة الأخرى
: ثانيهما : أن يثبتوا
بالدليل أن الأئمة عليهم السلام ، في حياتهم الأخرى عند الله يسمعون المنادي ،
ويسمعونه على أية حال كان وفي أي مكان وفي أي وقت ، وليس المنادي فقط بل يسمعون
الجميع ، جميع من يناديهم ، بأصواتهم جهراً أو همساً ، سراً وعلانيةً ، بلغاتهم
المختلفة ! فإذا نودي الإمام من قبل مائة شخص في آن واحد سمعهم جميعاً . وهذه الصفة
مختصة بالله وحده لا شريك له فيها !
وعلم هذا في الغيب وحده ومصدر الغيب الذي بين أيدي المسلمين هو القرآن
فليشتقوا دليلهم منه وليس من غيره! فإن عدموا الدليل – وهو معدوم – ثبت عند ذلك
ان هذه صفات الله وحده وتسقط عندها صيغة (
أدركني يا علي بشفاعتك ) لتحل محلها ( أدركني
يا الله بشفاعة علي أو بحبك اياه ) وهذا ما
نـقول به . أما محاولة ليّ أعناق النصوص
وتفسير الكلام بغير مدلوله والإدعاء بأن ((
أدركني يا علي )) أو (( الغوث يا أبا الحسن ))
هي إنما لطلب دعائهم الله لنا لكشف الكرب
والغم وإن الكاشف والمغيث هو الله ، فهي كالتصريح
بمشروعية قولنا (( اغفر لي ياعلي )) أو (( ارحمني
ياعلي )) والإدعاء بأن الغافر والراحم هو الله
! ((إنْ
تَدْعُوهُمْ لايـَسْمَعُوا دُعَائَكُمْ ..وَلــَوْا سَـمِعُوا مااسْتَجَـابُوا
لَكُمْ وَيومَ القِيَامَةِ يَكْفــرُونَ بِشـِـرْكِكُمْ .. وَلا يُنَبَّـئُكَ
مِثْلُ خَبِـيْـرٍ )) . ظافر
أبو الحارث 17
ربيع الأول 1421 هـ
الموافق 20/6/2000م (1) : سورة الحجرات
13 (2) : الأحزاب 4 (3) : يوسف
111 (4) : الحشر
21 (5) : يونس 18 (6) : آل عمران
156 (7) : فاطر
13-14 (8) : الاسراء
56 (9) : النحل
62 (10) : الأعراف 149 (11) : الأنعام 41 (12) :الأعراف 29 (13) :الأعراف 55 (14) : الأعراق 180 (15) : الرعد 14 (16) : الشعراء 72 (17) : غافر 20 (18) :غافر 60 (19) :غافر 65 (20) : الأحقاف 5 (21) : الجن 20 (22) : الجاثية 6 (23) : الجن 18 (24) : يونس 31 (25) : الزمر 8 (26) : الزمر 49 (27) : الإسراء 67 (28) : الإنعام 40 (29) :يونس 22 (30) :العنكبوت 65 (31) :لقمان 32 (32) :الإنعام 63 (33) :يونس 12 (34) : الروم 33 (35) : الأنفال 17 (36) :يونس 31 (37) : النساء 64 (38) : ق16 (39) : المائدة 35 (40) :الأسراء 57 (41) : الأنبياء 83-84
|