|
حوار حول العصمة بين
أحمد الكاتب والسيد علي الموسوي السيد علي الموسوي
المحترم وعليكم السلام ورحمة
الله وبركاته أخي
العزيز العصمة
شرط قال به المتكلمون الاماميون في الامام ، واختلفوا في تفسير العصمة هل هي طوق من
الله يمنع الانسان من اقتراف الذنوب او صفة نابعة من الانسان من باب التقوى ، وهو
شرط اشترطوه في عموم الامام او الحاكم او الخليفة ، حيث لم يجوزوا حكومة الفقيه
العادل ، وهو ما أدى بفريق من الشيعة الامامية الى القول بنظرية التقية والانتظار للامام المهدي الغائب
المعصوم ، ولكن الشيعة منذ قرون تخلوا عن هذا الشرط التعجيزي والمثالي وقبلوا
بإقامة الحكومة في عصر الغيبة سواء بواسطة الملوك واجازة الفقهاء لهم او بواسطة
الفقهاء انفسهم كما هو حاصل في الجمهورية الاسلامية ، وقد تخلى الشيعة عمليا عن شرط
النص في الامام (رئيس الجمهورية) او السلالة العلوية الحسينية ، وقبلوا بالشورى
طريقا لانتخاب الرئيس ، وبصفة العلم والعدالة والكفاءة شروطا للقائد
والامام. وحسب
رأيي ان أهل البيت عليهم السلام لم يكونوا يتحدثون عن العصمة ولا يدعونها لأنفسهم ،
وهذا أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام يعلن في مسجد الكوفة بأنه ليس فوق
ان يخطيء ويطالب المسلمين بأن لا ينظروا اليه كمعصوم ولا يكفوا عن مقالة بحق او
مشورة بعدل. احمد
الكاتب اسمح لي أن أقول لك أن ردك كان
خطابياً لا يستند Ø
أخوك أبو هاشم سيد علي سيد موسى
الموسوي الأخ العزيز السيد ابا هاشم
الموسوي السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته
واذا عدنا الى الاجواء والظروف التي
نشأت فيها هذه الفكرة فاننا سنجد انها نشأت
كرد فعل على ادعاء بعض الأمويين لها وانها قامت على تأويلات خاطئة
للقرآن الكريم وبالخصوص
لآية الطاعة ، من منطلق الاطلاق في الطاعة لأولي
الامر وتجنبا للوقوع في الطاعة لهم في
الحرام والمعاصي لو أمروا بها ولم يكونوا
معصومين ، كما كان يقول الامويون واشكرك على ملاحظتك بتوخي الدقة
في الكتابة والنقل وقد اوضحت
لبعض الأخوة ان سبب الاشتباه الذي حدث هو نقلي
لرواية يذكرها المرتضى ، ولم اقل انه
يتبناها او يؤمن بها وربما كان في ذلك اشكالا
او خطأ ولكنه لا ينفي اساس الفكرة او الحديث بصورة عامة وبامكانك
حذف تلك الفقرة من الكتاب
فماذا تجد فيه بعد ذلك هل ينهار الموضوع برمته؟ اخوك احمد الكاتب بسم الله الرحمن
الرحيم الأخ الكريم السيد علي
الموسوي الأخ الكاتب المحترم كيف
تعصم الأمة أئمتها ؟ وما
هو دورنا في تطبيق نظام الشورى العاصم للحكام؟ أخي
العزيز السيد علي الموسوي لا
شك ان نظرية الامامة الالهية التي انطلقت في أواسط القرن الثاني الهجري واعتمدت على
العصمة والنص ، قامت على عدد من التأويلات والاجتهادات والروايات المنسوبة الى أهل
البيت ، ولكن تعثرها خلال المائة سنة الأولى من انطلاقها لعدم وضوح النص ووفاة بعض
الأئمة قبل استلام زمام الامامة او وفاتهم دون خلف ، وعدم تبني أهل البيت لها بل
ونفيهم لها ، ووصولها الى طريق مسدود مع وفاة الامام الحسن العسكري دون خلف ظاهر..
كل ذلك أدى الى انقراضها واضمحلالها وتخلي الشيعة الامامية انفسهم عنها ، وقبولهم
بتأسيس الحكومة الاسلامية دون امام
معصوم ، والاكتفاء بالفقيه العادل. وحسب
اعتقادي فان أهل البيت عليهم السلام كانوا يدعون الى الشورى والى انتخاب الفقيه
العادل ، وهم أفضل من جسد ذلك ، ولم يكونوا يتحدثون عن صفة العصمة او شرط النص على
الامام ولم يقولوا بالملكية الوراثية العمودية كالامويين والعباسيين وغيرهم ، ولن
يستطيع أحد ان يحيي نظرية الامامة المنقرضة حتى لو جاء بالف دليل ودليل ، وذلك
لتكذيب الواقع التاريخي لها وعدم ظهور امام معصوم منصوص عليه منذ أكثر من ألف عام.
وهذا ما دفع الشيعة الامامية الى التخلي عن النظرية المثالية الوهمية البائدة التي
حسبوا انها نظرية أهل البيت ، والعودة الى نظرية الشورى وانتخاب الفقيه العادل ،
بدلا من انتظار الامام المعصوم الغائب الذي لم يأت ولن يأتي. ان بإمكانك ان تأخذ كثيرا من
الاشكالات على نظرية الشورى ولكنك لن تجد أفضل منها ، في حين ان بامكانك تطويرها
نحو الأفضل. ان جميع الأنظمة الديموقراطية في العالم
تعاني من ثغرات واشكالات ولكنها لا شك أفضل من الأنظمة العسكرية والوراثية
والديكتاتورية ، ومع الأسف الشديد وقع بعض المتكلمين الامامية في مطب نقد نظام
الشورى الى درجة رفضه بالكامل ، ولكنه لم يقدم للشيعة سوى نظرية الانتظار التي حرمت الثورة واقامة الدولة وتطبيق
الشريعة الاسلامية وأداء صلاة الجمعة (في عصر غيبة الامام المهدي) الا ان الاجيال
الجديدة من الشيعة الامامية قامت بثورة ضد الفكر الامامي المثالي العقيم ، وانتجت
نظرية ولاية الفقيه او الشورى ، وتخلت عن نظرية الانتظار السلبية المكبلة والمثبطة
والحمد لله. فماذا
تريد ان تقول يا أخي العزيز الموسوي؟ هل
تريد ان تعود الى الوراء لتثبت صحة نظرية أكل الدهر عليها
وشرب؟ أليس
من الأفضل ان نبحث سويا عما يعصم حكام المسلمين الذين يتصرفون بحرية مطلقة
ويفعلون ما ييشاءون دون رادع او
مانع؟ وان تقوم الأمة بوضع القيود والحدود على تصرفاتهم؟ ألا
ترى ان نظرية انتظار الامام المعصوم من الله قد غيبت دور الامة في ممارسة الرقابة
الشعبية على الحكام ووضع قوانين عاصمة لهم من الانحراف والوقوع في
الخطأ؟ لماذا
لا تبادر اخي الكريم الى ممارسة دورك السياسي في تحديد الصلاحيات المطلقة التي
يتمتع بها الحكام ، بدلا من التنظير للطاعة المطلقة او الدعوة الى نظريات غير عملية
لا وجود لها في أرض الواقع؟ واذا
كنا نحن المسلمين لم ندرك ، بعد ، أهمية مجالس الشورى ولم نهضم المباديء
الديموقراطية ، فان من الجدير بنا اقتباس التجارب الانسانية الايجابية والمفيدة من
سائر الحضارات في العالم ، بدلا من
الاستمرار في اجترار النظريات الديكتاتورية الخاطئة والعقيمة
والبائدة. واني
اجلك وأجل مذهب أهل البيت العظيم من نسبة نظرية العصمة او النص اليهم ، وأؤكد لك
بأن لا علاقة لهم بها ، وانما هي من صنع المتكلمين الذين كانوا ينسجونها وينسبونها
اليهم دون دليل وتحت غطاء مزيف من دعوى التقية. وادعوك اخي الكريم الى التعرف على مذهب أهل
البيت الحقيقي والتفريق بينه وبين
مذاهب المتكلمين المثالية الوهمية الباطلة. احمد
الكاتب بسم الله
الرحمن الرحيم أمير القزويني وهو بحق
من أعظم وأنفس وهو منقول من كتاب
مناظرات عقائدية فإليك بهذا البحث
العلمي الرفيع
... والرجاء أن يكون ردك
مفصلاً الإجمال
والعموم نظراً لأهمية
الموضوع فنحن لسنا
على عجلة من أمرنا... لعل البحث يهديك إلى
الطريق القويم... أو ردك عليه يهديني
الطريق القويم... فهل يا أخي أنني طالب حق
والله يشهد على ما والتأويل وووو ..بل
وأنا على أتم كنت محقاً ... فليس
والله أحب لي والله يهدينا إلى ما
يحبه ويرضاه... أقتنع برأيك أو تقتنع
فيما أعتقد به والسلام...مع فائق
الاحترام، أخوك
الموسوي. التجربة
التاريخية أفضل دليل الأخ
السيد علي الموسوي المحترم السلام
عليكم ورحمة الله وبركاته من
الممكن ان يقع الإنسان في الخطأ وهو يقوم بعملية تفكير او اجتهاد معينة حول موضوع
معين ، نتيجة الاشتباه في فهم بعض النصوص والمعاني وتأويلها او تركيبها وتحليلها
والجمع بينها ، مما يؤدي به الى استنتاجات خاطئة وغير صحيحة. وان
افضل ما يستطيع ان يلجأ اليه الإنسان
للتثبت من صحة أفكاره هو عرضها على الواقع والتجربة التاريخية ، او النظر بصورة
شمولية كاملة الى مقدماتها ومؤخراتها وتفاصليها الدقيقة التامة. ولتقييم صحة نظرية
الامامة الالهية لأهل البيت القائمة على العصمة والنص والوراثة العمودية في السلسلة
العلوية الحسينية ، لا يكفي ان نتوقف عند بعض الآيات الكريمة او النصوص النبوية
وتأولها او نقرأها بشكل معين لنتوصل الى صحة نظرية الامامة بصورة قاطعة بحيث نجعلها
ركنا من أركان العقيدة الاسلامية ، وانما لا بد ان ننظر الى تلك النصوص بالمقارنة
مع النصوص الأخرى المضادة في الفهم والتأويل والتعبير ، ونذهب الى الواقع لنتأكد من
وجود نظرية الامامة حقا في الخارج ، وندرس مسيرة النظرية من نشوئها الى تطورها
وتشعبها حتى انتهائها او وصولها الى
طريق مسدود. وغني
عن البيان اننا يجب ان ندرس كل فقرة من فقرات النظرية بدقة علمية ولا نتسامح في
الالتزام بأية فقرة فكرية بناء على إيماننا الشديد بفقرة سابقة ، خاصة وان نظرية
الامامة في التاريخ قد واجهت منعطفات سياسية وفكرية عديدة تشعبت على إثرها الى
إسماعيلية وفطحية وموسوية وواقفية وقطعية ومحمدية واثني عشرية وغيرها وغيرها.
فبالإضافة الى نظرية العصمة لا بد ان ندرس موضوع النص ونتأكد من وجوده على كل إمام
إمام ، كما يجب ان نتعرف على كيفية انتقال الامامة من واحد الى آخر ، وكذلك موضوع التقية
والبداء وصغر عمر بعض الأئمة وطريقة حصولهم على العلم ، وأخيرا لا بد ان نتحقق من
وجود الامام المعصوم في الخارج ، وخاصة الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري)
فاذا لم نستطع ان نثبت ولادته بصورة علمية يقينية ، فان جميع الفقرات السابقة من
العصمة الى النص الى الوصية الى إمامة الأئمة السابقين تتعرض الى السؤال والمراجعة
واعادة النظر ، حيث يصبح الحديث عن الامامة حديثا عقيما غير ذي فائدة عملية يشبه
الاستدلال على وجود فيل في غرفة معينة دون القدرة على مشاهدته أو جزيرة لا أثر لها
في بحر ، او نهر وهمي في صحراء ، ولا يفيد الإتيان بألف دليل ودليل على شيء اذا كان
الواقع الخارجي يكذب وجوده ، او كانت التجربة التاريخية تتناقض مع النتيجة الفلسفية
بصورة قاطعة. وان مما يفند نظرية الامامة الالهية
هو عدم وجود او ظهور إمام من ولد الامام الحسن العسكري منذ وفاته في منتصف القرن الثالث الهجري
حتى اليوم ، بالرغم من ادعاء ولادة ووجود وغيبة ابن له هو (الامام محمد بن الحسن
العسكري) وذلك لتساوي الغيبة مع العدم في ترك الامة في فراغ سياسي دفعها ويدفعها
لنقض أسس نظرية الامامة والبحث عن البديل وهو اختيار إمام غير معصوم ولا منصوص عليه
من خارج السلالة العلوية
الحسينية ، وهو ما يعرف بنظرية الشورى او ولاية الفقيه ، ولا يجدي القول بأن الفقيه
هو نائب الامام ، لأن النيابة العامة لم تثبت أساسا وهي ان ثبتت فإنها تشكل نقيضا
تاما يتعارض مع أهم أركان نظرية الامامة كالعصمة والنص والسلالة
العلوية. لقد
كان مقدرا لنظرية الامامة ان تتبخر مع وفاة الامام الحسن العسكري دون ولد ظاهر
يخلفه في الامامة ، ولكنها ظلت عائشة في أذهان بعض الناس نتيجة شبهة وقعت في معنى
الامامة ودور الامام. وقد تطور مفهوم الامامة من الامامة
السياسية الذي يرادف مفهوم الخليفة والحاكم والسلطان الذي يطبق الشريعة الاسلامية
ويقيم الحدود ويحفظ الأمن وينشر العدل ، وتغير الى مفاهيم اخرى انسجمت مع نظرية
الغيبة التي حدثت في أواخر القرن الثالث الهجري. فبعد ان كان (الامام) يعني الحاكم
المكلف بتشكيل الحكومة الاسلامية اصبح الامام الغائب يتكفل بحفظ الكرة الأرضية من
الخسف والارتطام بالكواكب الأخرى ، مما حول نظرية الامامة من نظرية سياسية خاصة
تشترط مواصفات معينة في الامام (الخليفة او السلطان) الى نظرية دينية هلامية غيبية
لا علاقة لها بالسياسة ، أو أكبر من القضية السياسية. وراح بعض المفكرين الشيعة
المعاصرين كالسيد مرتضى العسكري والسيد سامي البدري ، يبحث عن مخرج لإنقاذ نظرية
الامامة التي تفتقر الى المصداق الخارجي منذ اكثر من ألف عام ، ويحاول ان يعطي
الامامة تفسيرا جديدا يفصل بين الدور الديني الروحي والدور السياسي ، فيقول بالنص
والوصية في الامامة الدينية والروحية ، ويقول بالشورى والاختيار في الامامة
السياسية ، جوهر الفكر الإمامي القديم الذي كان يشترط فيها العصمة
والنص. ومن
هنا لا بد ان نبحث أولا في معنى "الامام" ومصطلح الامامة ، قبل ان نغوص في
التفاصيل. واعتقد ان افضل ما عمله الباحث السيد أمير محمد الكاظمي القزويني في بحث
(الامامة) الذي أرسلته الي ، هو تحقيقه في مفهوم الامامة ، حيث عرف (الامام) في
أكثر من مناسبة بأنه (في الشرع واللغة) : المتقدم فيما يوجب لصاحبه الطاعة المطلقة
فيما تقدم فيه ، وانه الحافظ للأحكام الالهية من الضياع والمنفذ لأوامر الله
ونواهيه بعد النبي (ص) وانه إمام الزمان ، والسلطان او خليفة المسلمين. وقد أكد
السيد القزويني معنى الامام في معرض استدلاله على ضرورة كونه معصوما ، واستشهد بعدد
من النصوص والأدلة العقلية والإجماع ، فقال:" ان معرفة الامام بعد النبي _ص) من
أعظم الواجبات في الدين وأكبر الفرائض في الاسلام بعد معرفة الله تعالى ومعرفة
رسوله (ص) لأن به تحفظ الأحكام الالهية من الضياع وتنفذ أوامره ونواهيه بعد النبي
(ص)". وذكر حديث النبي " من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية" و " من خرج عن السلطان شبرا مات ميتة
جاهلية" و " من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة ثم مات مات ميتة جاهلية " و " ليس أحد
من الناس خرج من السلطان شبرا فمات عليه الا مات ميتة جاهلية" و " من مات وليس في
عنقه بيعة مات ميتة جاهلية". ورفض القزويني تأويل البعض لمفهوم الامام
الوارد في الآية والحديث ، بالقرآن الكريم ، قائلا:" ان في بعض تلك الأحاديث لفظ
السلطان والخروج عن الطاعة وليس في عنقه بيعة ، وذلك لا يصح ان يراد به القرآن
إطلاقا لأنه لا يفيده فلا يمكن حمله عليه". وقال:
" لا خلاف بين المسلمين أجمعين في ان معرفة أئمة الدين وخلفاء المسلمين بعد النبي ،
واجبة على العموم ، كوجوب غيرها من فرائض الاسلام ، لم يختلف في ذلك اثنان من أهل
الايمان ، وقد نقل ذلك غير واحد من علماء أهل السنة حتى اصبح ذلك متواترا عندهم ،
فمنهم صاحب (المواقف) الذي قال: "
تواتر اجماع المسلمين في الطبقة الأولى على امتناع خلو الوقت من خليفة وإمام يقوم
بأمر الدين والدنيا" وقالت هيئة كبار العلماء في الجامع الأزهر في رسالتها … "أجمعت
الصحابة على وجوب نصب الامام … وقد أجمع المسلمون على امتناع خلو الوقت من إمام ،
ونقل إلينا ذلك بطريق التواتر فلا سبيل الى الإنكار". واستدل
السيد الكاظمي القزويني على معنى الامام وضرورته بالعقل ايضا ، فقال: انا نعلم
بالضرورة انه يستحيل على الله تعالى الحكيم اللطيف ان يترك المكلفين من عباده مع ما
هم عليه من حب الأثرة والأطماع وطلب العزة والجاه ، واختلاف الطباع والأهواء ، مع
بقاء التكليف عليهم بعد زمان النبي (ص) من أوامر ونواه ، بلا زعيم يقوم المعوج منهم
ويقيم الحدود وينفذ الأحكام ويهديهم الى سبيل الرشاد ويرشدهم الى الطريق المنجي في
العاجل والآجل على ضوء ما انزل الله تعالى من الدين وبعث به نبيه سيد المرسلين 0ص)
بينما نجد انه تعالى لم يخلق جوارح الإنسان الا وجعل لها مرجعا يصرفها الى أفعالها
وأميرا يحكم في متشابهاتها ، أعنى بذلك القلب ، فكيف يكون معقولا ان يترك
الناس المنتشرين في الإطار والبقاع
في شعاب الجهل وحيرة الضلال يحكم فيهم سلطان الهوى والجهل
والعمى؟ ثم انتقل السيد القزويني من هذه المقدمة
وهي ضرورة الحاكم او الخليفة او الزعيم او الامام ، ليؤكد ان الله تعالى قد جعل
للأمة أئمة هداة بعد نبيه وأوجب عليهم معرفتهم ودلهم على أشخاصهم على لسان نبيه 0ص)
دلالة موجبة لرفع الالتباس. وكان السيد القزويني قد استعاد
الفكر الامامي ويحث المقدمة الثانية التي يأتي بها المتكلمون بعد موضوع 0ضرورة وجود
الامام في الأرض) وهي (العصمة) ففسر
آية ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) بأنها تعني
الطاعة لأولي الأمر على سبيل الجزم والإطلاق ، لاقتران طاعتهم بطاعة الله وطاعة
الرسول ، كما تعني العصمة ، وذلك لأن أولي الأمر ان لم يكونوا معصومين لأمروا
بالخطأ فتجب طاعتهم في أمرهم بالخطأ ، ولا شيء من الخطأ تجوز طاعتهم فيه ، ولما أمر
الله تعالى بطاعتهم مطلقا كطاعة نفسه تعالى وطاعة نبيه (ص) علمنا انهم لا يخطئون ،
ومن لا يخطئ في قوله وفعله يكون معصوما. وأصر القزويني على مفهوم الإطلاق من الطاعة
، رافضا التخصيص في الطاعة في الأمور المعروفة ، قائلا :" التخصيص مناف لظاهر الآية
وتخصيص بلا مخصص ، وكلاهما باطلان ، وهو يقتضي التفكيك بين فقرات الآية بغير دليل ،
وهي تأبى ذلك كل الإباء ، ولأن كون ما يفعله او يأمر به معصية لا يعرف الا من طريق
النبي او الامام الذي يقوم مقامه ، فلا يمكن أخذه شرطا فيه وتقييده ، ولأنه لو
ارتكب المعصية لوقع التضاد بين وجوب طاعته فعلا ، كما هو مفاد عموم إطلاق الآية
، وبين وجوب زجره وردعه لعموم وجوب
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، للامام والرعية. واعتبر
القزويني جواز ارتكاب الامام للمعاصي ظلم يتنافى مع مهمة الامامة التي قال الله
عنها (لا ينال عهدي الظالمين) وان مخالفة الامام اذا أمر بمعصية يتناقض مع وجوب
طاعته بصورة مطلقة ، بمقتضى الآية ، وحينئذ تبطل الفائدة من إمامته والمصلحة في
نصبه ، ولذلك وجب كون الامام معصوما على الإطلاق حتى لا يأمر
بمعصية. ثم انتقل السيد أمير محمد الكاظمي
القزويني الى الفقرة الثالثة من نظرية الامامة وهي النص ، حيث ألغى في البداية
إمكانية اختيار الامام المعصوم من
قبل الأمة عبر الشورى ، لعدم القدرة على معرفة صفة العصمة فقال:" ولما كانت العصمة
من الأمور الخفية التي لا يطلع عليها الا الله تعالى وحده ، وثبت اعتبارها في
الامام بحكم ما تقدم من الأدلة ، امتنع نصبه من الامة كلها فضلا عن بعضها لأنه غير
مستطاع لهم معرفته والاطلاع عليه ، فلا يمكنهم عقده". ولكي يثبت القزويني هذه
الحقيقة نسف أساس حق الأمة في اختيار الامام بناء على تأويل عدة آيات قرآنية لا
تتحدث بصراحة عن الامامة ، كآية
: 1-
(وربك
يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم
الخيرة) القصص 68 وآية : 2-
(
ألا له الخلق والأمر) الأعراف 54 وآية : 3-
(وما
كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله أمرا ان يكون لهم الخيرة من أمرهم ، ومن
يعص الله ورسوله فقد ذل ضلالا مبينا) الأحزاب 36 وآية: 4-
(يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي
الله ورسوله) الحجرات 1 وآية: 5-
(يقولون هل لنا من الأمر شيء قل ان الأمر
كله لله) آل عمران 154 وخلص بعد ذلك الى إثبات موضوع النص وان
الامامة بجعل الله ، بناء على الآيات
الكريمة التالية: 1-
قال
اني جاعلك للناس اماما ، قال : ومن ذريتي؟ قال لا ينال عهدي الظالمين) البقرة 124 ،
التي قال عنها انها صريحة في ان الامامة عهد من الله تعالى فلا يناله اختيار الناس
مطلقا ، وثبت عدم جواز اختيار الناس للامام. 2-
(اتبعوا ما أتزل الله إليكم من ربكم ولا
تتبعوا من دونه أولياء) الأعراف 3 وقال: ان اتباع شخص الخليفة المختار من
الناس اتباع من دون الله ، وقد نهت الآية عن ذلك وحرمت
عمله ، فاختيارهم له بحكم الآية محرم مأثوم فاعله ، ولأن الناس كل الناس تابعون
لتصرف الشريعة بهم فليس لهم ان يجعلوا من يتصرف في أموالهم وأعراضهم ودمائهم من ليس
له ولا من حقه ان يتصرف في شؤون نفسه من نفسه ، ان ذلك ملا يمكن ان يكون
جائزا. وبالرغم من وجود عدة معاني لكلمة
(الامام) كالقدوة والهادي والزعيم فقد رد القزويني على من قال ان آية (اني جاعلك
للناس اماما( تريد النبوة من لفظ الامام في منطوقها ، فقال: لو كان يريد النبوة من
لفظ الامام لكان من المناسب ان يعبر
بها لكي تفيده ، وتشبث القزويني بالمعنى المطابقي لكلمة
الامام. وبالرغم
من ان القزويني يعترف بأن الآية الاولى 0 وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم
الخيرة) نزلت في رسول الله (ص) ردا على اعتراض المشركين وقولهم (لولا نزل هذا
القرآن على رجل من القريتين عظيم)
الزخرف 31 ، الا انه يقول ان سبب النزول وخصوصية المورد لا يوجبان تخصيص الوارد مع
عموم الحكم المستفاد من عموم اللفظ في الآية ، لأن العبرة بعمومه لا بخصوص
سببه! وبالرغم من ان الآية الثالثة ( وما كان
لمؤمن ولا مؤمنة…) قد نزلت في قضية الحكم والقضاء ، فان القزويني يسحبها على
الامامة ويقول: " الامام ان كان مما قضى الله تعالى ورسوله بترك منصبه فلا يحوز
للناس الخيرة بنصبه ، وان كان مما قضيا بنصبه كان كغيره من الوظائف الدينية
والأحكام الشريعة التي قضيا بها ولم يتركاها فليس للناس الخيرة في نفيها او إثباتها
، كما ليس لهم الخيرة في غيرها من أحكام الله تعالى لا سلبا ولا
إيجابا". بعد
ان يسلب القزويني من الامة الحق في اختيار أئمتها ويلغي نظام الشورى يقول" ان الله
قد جعل للأمة أئمة ودل عليهم دلالة موجبة لرفع الالتباس. ويتوقف دون ان يبحث في
النصوص ويتأكد من مدى صحتها ودلالتها ، معتمدا فيما يبدو على الأحاديث التي تقول :
ان النبي الأكرم _ص) سمة اثني عشر اماما ، ولكنه لا يبحث في إمامة كل إمام من
الأئمة الاثني عشر والمشاكل والتحديات التي واجهها ، ومن جهل عامة المسلمين وعامة
الشيعة وأهل البيت لوجود هكذا نصوص صريحة بالإمامة على الأئمة الاثني عشر ، واختلاف
الشيعة وتفرقهم بعد وفاة كل إمام ، ووصية عدد من الأئمة الى بعض أبنائهم ثم وفاتهم
في حياتهم قبل ان يصل الدور إليهم ، كما حدث مع إسماعيل والسيد محمد بن علي الهادي
، واضطرار الشيعة الامامية الى اختراع نظرية البداء من أجل تبرير الاضطراب الحاصل
في أمر الامامة ، إضافة الى غموض أمر الوصية وتعددها وذهاب معظم شيعة الامام الصادق
بعد وفاته الى ابنه الأكبر عبد الله الأفطح ، ثم تراجع قسم منهم بعد وفاته دون ولد
، وذهاب قسم آخر منهم الى اختراع ولد موهوم له والقول انه الامام بعده ، ثم مواجهة
مشكلة السن في عدد من الأئمة الذين كانوا أطفالا صغارا عند وفاة آبائهم كالإمام
الجواد والإمام الهادي اللذين كانا دون العاشرة وكان موصى عليهما لا يستطيعان
التصرف بأموالهم وأنفسهم فضلا عن قيادة المسلمين وإمامتهم. لقد بدأت مشكلة الامامية من تفسيرهم لآية
الطاعة تفسيرا مطلقا والتشبث بالظاهر خلافا للفهم العقلي للآية الذي حددها في حدود
العرف والحلال ، وخلافا لما كان
يفهم الصحابة والعقلاء من أمر الرسول لهم بطاعة أي وال ينصبه عليهم ، حيث
كانوا يفهمون الطاعة في حدود الشريعة والأمور العرفية ولم يكونوا يفهمونها بصورة
مطلقة. وبالتالي لم يكونوا يشعرون بوجود أي تناقض ، وعندما اصبح أبو بكر خليفة قال
: أطيعوني ما أطعت الله فيكم ولم يقل لهم أطيعوني بصورة
مطلقة. وهناك
نص صريح يطالب فيه الامام أمير المؤمنين أصحابه بمعارضته لو أمر بباطل كاعتقال او
قتل أي معارض بريء ،وهناك نص آخر اكثر صراحة يقول فيه: اني في نفسي لست بفوق ان
أخطي فلا تكفوا عن مقالة بحق او مشورة بعدل. إذن فقد كانت نظرية العصمة نظرية وهمية لا
يقبلها أهل البيت أنفسهم ، وقد جابهت نظرية الامامة تحديا رئيسيا بعد وفاة الامام
العسكري دون ولد ظاهر ، وهو ما أدخل الشيعة الامامية في حيرة وأدت بهم الى اختراع
القول بوجود ولد له في السر وغيبته منذ أواسط القرن الثالث الهجري الى
اليوم. وقد ترك ذلك القول الشيعة الامامية بين
أمرين: 1-
التمسك
بالنظرية الامامية واشتراط العصمة والنص في الامام وحرمة المبادرة الى اختيار إمام
غير معصوم وانتظار الامام الغائب (المهدي المنتظر) الذي يحق له وحده اقامة الحكومة
الاسلامية. 2-
التخلي عن نظرية الامامة لجهة الالتزام
بالشروط المثالية من اتصاف الامام المعاصر بالعصمة والنص ، والاكتفاء بأي حاكم عادل
او أي إمام او بشرط الفقه والعدالة. وقد
التزم المتكلمون الشيعة في البداية كالصدوق والمفيد والطوسي والمرتضى والحلي
بالموقف الأول ، ثم تطور موقف العلماء والمتكلمين المتأخرين الى الالتزام بالموقف
الثاني. واذا لا حظنا الامامة اليوم عند الشيعة
فسوف نجد انها ليست مطلقة ، وانما محدودة في إطار الشريعة الاسلامية والحق والمعروف
، خلافا للتأويل التعسفي (الإطلاق) الذي ارتكبه المتكلمون السابقون ومنهم السيد
القزويني . وما دامت الطاعة للامام ليست مطلقة
وانما محدودة ، فان الامام لا يجب ان يكون معصوما ، وانما يجوز ان يكون عادلا حسب
الظاهر ، وبالتالي فانه يمكن التعرف عليه من خلال سيرته الظاهرية ولا يحتاج الى ان
يعرفه الله او النبي ، ولو ارتكب
الامام اية معصية أو أمر بباطل فانه لا يجب طاعته (لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية
الخالق) حسبما يقول الامام امير المؤمنين ، ولا يقع أي تناقض بين مفاد الآية غير
المطلقة ووجوب زجر الامام وردعه ، لأنه سوف يسقط عن الامامة. وقد أرسل النبي (ص)
سرية وأمر عليها رجلا وأمر المسلمين بطاعته ، فلما كان في منتصف الطريق أشعل نارا
وأمر المسلمين بدخولها فأبوا طاعته ، ثم شكوه الى رسول الله فقال لهم : لو دخلتم
فيها للبثتم فيها ، وذلك لأن أمر الرسول كان في حدود العقل والعرف والطاعة ولم يكن
مطلقا ليشمل هكذا أمور محرمة ، وهكذا هي الآية الكريمة (آية
الطاعة). وما
دامت العصمة أمرا غير ضروري فان النص ايضا يصبح غير ضروري ، فنعود الى آية الشورى (
وأمرهم شورى بينهم) التي أهملها السيد القزويني ولم يشر اليها أبدا في معرض تنظيره
لمسألة النص. واذا
لم يمكن إثبات النص بصورة قاطعة وصريحة
على إمامة كل إمام ، وليس في فترة خلافة الرسول فقط ، فانه لا بد من إعطاء
الخيار للأمة واستثناء أمر الامامة
من الأمور التي لا خيار للمسلمين فيها ، وعدم تعميم تلك الموارد التي نزلت
فيها آية القضاء ، خلافا لتأويلات الإمامين لعدد من الآيات الكريمة كآية (ان الأمر
كله لله ) وآية (له الخلق والأمر) وآية ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة) وآية (ما كان
لهم الخيرة) خاصة اذا كان الامام المختار ملتزما بالشريعة الاسلامية ومنفذا لأوامر
الله تعالى. ومن هنا ينتقض القول بأن اتباع الخليفة
المختار اتباع من دون الله ، بل يمكن ان يكون اتباعا لله ولما انزل الله ، وبالتالي
فانه ليس بمحرم ولا مأثوما فاعله ، وهكذا تنهار نظرية الامامة بكل تفاصيلها
وفلسفتها وتأويلاتها. ان
عدم القدرة على إثبات وجود الامام الثاني عشر ينسف النظرية الامامية الاثني عشرية
بالدرجة الاولى ، ويهز نظرية الامامة
بالدرجة الثانية ويجعلها نظرية تاريخية بائدة ووهمية ، واذا كان الشيعة الامامية قد
تخلوا عنها اليوم وآمنوا بالنظرية المضادة لها وهي نظرية الشورى او ولاية الفقيه ،
فانه يجدر بنا اليوم تعزيز هذه النظرية وتطويرها نحو الأفضل ونحو أكبر قدر من
المشاركة الشعبية ، وإزالة ما ترتب على نظرية الامامة من آثار سلبية على صعيد
العلاقة مع سائر الطوائف الاسلامية او الموقف من الصحابة الكرام الذين يتهمهم
الاماميون بتجاهل النصوص واغتصاب " حق أهل البيت والإمام علي " بالخلافة بالنص من
الله. خاصة وان الامام علي وأهل البيت لا يتحدثون عن العصمة ولا عن النص ولم يورثوا
الخلافة الى أبنائهم قط ، وكانوا في طليعة المنادين بالشورى وممارسة الامة لحقها في
اختيار أئمتها. وبكلمة
اخرى لا بد ان نتخلص من رواسب المتكلمين وفلسفاتهم العقيمة ونعود الى فكر أهل البيت
الصحيح والسليم الأقرب الى الشورى والديموقراطية. بسم الله الرحمن
الرحيم وفقك الله أخي
أحمد...أعد النظر في ردك مرة أخرى وركز وابتعد عن الأخ السيد علي
الموسوي حفظه الله |