|
- من
الممكن ان يتحد المسلمون حول أية حركة تدعو الى الشورى والعدل
والحرية -
الحركات الاسلامية ورثت إرثا مثقلا بالنظريات الاستبدادية ولكنها انفتحت على
الديموقراطية -
بعض العلماء لا يزال يرفض الانتخابات ويطالب بولاية الفقيه
المطلقة -
التراث (السني الشيعي) ملك لجميع الامة وهو بحاجة الى غربلة وانتقاء
الأفضل - لعل من أهم أسباب الأزمة السياسية في العراق والعالم العربي والاسلامي هو
التباين الكبير بين فكر الحركات الاسلامية السياسي وبين الأنظمة العلمانية الحديثة
التي استوحت أفكارها من الفكر الديموقراطي الغربي. أين موقع الحركة الاسلامية في
العراق من الديموقراطية؟ وهل حدث نوع من التطور في نظريتها
السياسية؟ =
الحركات الاسلامية في العراق وفي كل مكان ورثت فكرا مثقلا بالنظريات الاستبدادية
ومعاديا للديموقراطية والحداثة الغربية ، ولكنها بدأت بالانفتاح على الفكر
الديموقراطي منذ وقت بعيد ، وقاد علماء الدين في النجف في مطلع القرن العشرين
الحركة الدستورية في ايران والدولة العثمانية ونجحوا في إقرار أول دستور في ايران
عام 1906 ثم أقاموا الجمهورية
الاسلامية في ايران على أساس الانتخابات العامة في كل شيء من رئاسة الجمهورية الى
المجالس التشريعية الى المجالس البلدية ، وهذا تطور كبير يقطع مع التراث
الاستبدادي. -
هل
يتفق جميع العلماء على القبول بالديموقراطية؟ أم ان لبعضهم مواقفهم
مختلفة؟ =
لا شك انهم يختلفون وينقسمون الى مستويات متعددة ، وقد اشتهر السيد كاظم اليزدي في
تأييد الاستبداد المطلق في مواجهة الشيخ كاظم الخراساني رافع لواء الدستورية ، ولا
يزال بعض العلماء حتى اليوم يرفضون الانتخابات ومجالس الشورى ويطالبون بولاية
الفقيه المطلقة ، ولكن التيار العام يميل الى الديموقراطية والانتخابات. واعتقد ان
المعركة مستمرة بين الطرفين فهناك من يجد مصلحته في الديكتاتورية وهناك من يجد
مصلحته في الديموقراطية ، وعندما يدخل الشعب طرفا في الصراع فان كفة الديمقراطية
والحرية والشورى ستميل الى هذا الجانب دون ذاك ، واذا كانت تتعثر أحيانا فلأن
الإصلاح الديموقراطي اقتصر على السطح السياسي ولم يترسخ عميقا في الفكر والثقافة
والمفاهيم الدينية ، ومن هنا أشعر بضرورة التنظير للديموقراطية في الفكر الديني
ومعالجة الرواسب الديكتاتورية والتخلص من النظريات المعادية للشورى. وربما كانت
قراءتي الجديدة لفكر أهل البيت السياسي وبحث موضوع وجود الامام الثاني عشر ( محمد
بن الحسن العسكري) محاولة لتأصيل نظرية الشورى في الفكر السياسي الاسلامي الحديث
والشيعي بالخصوص. -
بعد
أكثر من ثلاث سنوات على نشر كتابك (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية
الفقيه) الذي أنكرت فيه النظرية
الامامية والاثني عشرية وولادة الامام الثاني عشر ، هل تعتقد بحدوث تحول كبير في
الرأي العام الشيعي؟ ألم يكن كتابك قنبلة دخانية؟ =
التحولات العقائدية لا تحدث عادة بصورة سريعة ، وانما تأخذ وقتا طويلا وربما قرونا
من الزمن ، ولكن وسائل الاعلام الحديث قد تسرع نشر أية فكرة ، خاصة اذا كانت تعتمد
على حقائق موضوعية ومنطقية وأدلة وبراهين . وبالنسبة لموضوعنا فان الفكر السياسي
الشيعي يتقدم عمليا على ما كتبت وهو يستجيب لمتطلبات العصر والحياة وحركة الزمن.
ولا يوجد من يعترض على مبدأ الشورى الا فئات متقوقعة صغيرة. -
هل
تمتلك أدلة على عدم وجود ولد للامام العسكري؟ ولماذا ترفض احتمال وجوده؟ ولماذا لا
تأخذ بنظر الاعتبار الظروف السياسي المحيطة بولادة الامام المهدي والتي يقال انها
أجبرت والده على إخفاء أمر ولادته من أجل المحافظة عليه؟ =
لست بحاجة الى الاستدلال على عدم الوجود ، فالدليل على المدعي ، كما تقول القواعد
القضائية ، والمسألة ليست مسألة احتمالات فنحن بحاجة الى حصول العلم واليقين لكي
نؤمن بأية عقيدة ، وقد انتقد القرآن الكريم النصارى على القول بصلب السيد المسيح
دون ان يحصل لهم علم بذلك ، كذلك لا يجوز ان نؤمن بولادة انسان بالظن والتخمين ،
خاصة اذا لم تمكن مشاهدته ولم يعترف به أبوه ولا أهل بيته. -
ولكن
يقال ان والد المهدي عرضه على بعض خواصه وأصحابه وانه كان يتصل بهم بعد وفاة
أبيه؟ =
ان التاريخ ينقل لنا روايتين إحداهما ظاهرية والأخرى باطنية ، تقول الرواية الاولى
التي ينقلها جميع المؤرخين حتى الشيعة الامامية الاثني عشرية : ان الامام الحسن
العسكري لم يدع وجود ولد لديه في حياته القصيرة ، ولم يشاهد أحد ذلك ، وانه أوصى
عند وفاته بأمواله الى أمه ولم يوص الى أحد من بعده ، ولذلك فقد ذهب اتباعه الى
القول بإمامة أخيه جعفر بن علي الهادي وتفرقوا عدة فرق . وهناك رواية اخرى سرية
(باطنية) نقلها بعض أصحاب العسكري تقول ان لديه ولد مستور وهو الامام من بعده وانه
المهدي المنتظر ، وقد برر ذلك البعض كتمان هذا الأمر المهم بسبب الخوف والتقية ،
ولكنه لم يستطع تقديم أية أدلة على صحة دعواه . وكانت هناك شبهات تحوم حول ادعاء
أربعة وعشرين شخصا بالنيابة الخاصة عن الامام الغائب ، وعن علاقتهم بالسلطات
العباسية التي كانت لديتها مصلحة سياسية في الترويج لإمام مهدي غائب في مقابل
الحركات الشيعية المعارضة التي استطاعت ان تقيم دولا في اليمن وطبرستان وشمال
أفريقيا في ذلك الزمان. ولولا تلك الإشاعات التي روجتها السلطات العباسية عن غيبة
الامام الثاني عشر ، لقضى عليها البويهيون الذين سيطروا على مركز الخلافة أكثر من
مائة عام. واذا افترضنا جدلا وجود ظروف سياسية حرجة
منعت الامام العسكري من الإعلان عن وجود ولد له ، فان عدم ظهور ذلك الولد في أيام
الدولة البويهية الشيعية ألقى ظلالا من الشك على الموضوع ودفع الشيعة الى التساؤل
عن سبب الغيبة ، والتراجع عن الايمان بوجود الامام المهدي. -
ما
هي الفائدة من وراء إثارة قضايا طائفية ميتة كوجود الامام المهدي؟ وماذا سيتغير في
الدنيا سواء كان الامام الثاني عشر مولودا في القرن الثالث الهجري أم لم يكن؟
وبعبارة اخرى: ألا توجد قضايا أكثر حيوية لإثارتها بين الناس؟ =
أحسنتم، هناك قضايا كثيرة أكل الدهر عليها وشرب وهي ليست من جوهر الدين ولا من
ضروراته.. وهناك قصة مشابهة هي حكاية وجود ولد للامام عبد الله الأفطح بن جعفر الصادق ، وقد اختلف الشيعة
حولها فمنهم من أثبتها ومنهم من أنكرها ، ونحن لا نوليها اهتماما كبيرا ، ولكن قصة
وجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) دخلت في صلب تكوين الطائفة (الاثني
عشرية) وعززت نظرية الامامة الالهية
في مقابل نظرية الشورى ، وقام البعض بإعادة قراءة التاريخ الاسلامي وتاريخ وفكر أهل
البيت لكي يثبت نظرية النص ، ولا يزال البعض حتى الآن يرفض حق الأمة في الانتخاب
واقامة مؤسسات ديموقراطية ويحاول ان يجعل من نفسه وصيا على الأمة وعلى الدين باسم
النيابة العامة عن ذلك الامام الغائب (المهدي المنتظر). -
تقصد
المرجعية الدينية وأصحاب نظرية ولاية الفقيه؟ ولكن ألا ترى ان التجربة الاسلامية
الإيرانية التي قامت على أساس هذا الفكر هي أول تجربة ديموقراطية اسلامية وتنطوي
على انتخابات عديدة رئاسية ونيابية وبلدية؟ حتى المرشد الأعلى يتم انتخابه من مجلس
خبراء منتخب من الأمة؟ =
هذا مما لا شك فيه ، ونحن نأمل تطوير هذه التجربة الاسلامية الرائدة الى الأمام ،
ولكن بعض القوى في ايران يرفض هذه التجربة ويحاول القضاء عليها وإفراغ المؤسسات
الديموقراطية من محتواها ، وقد قام المحافظون بمنع مجلس الشورى المنتخب من النظر في
قانون الصحافة ، وهناك من ينادي بحل المجلس وتحجيم رئيس الجمهورية وإعلان ايران
(إمارة اسلامية) تشبه حكومة طالبان ، و المشكلة في ايران هي حدود صلاحيات المرشد
الواسعة والمطلقة. لقد قطعت التجربة الإيرانية شوطا كبيرا الى الامام ولكن تعثرها
يعود الى نظرية (النيابة العامة عن الامام المهدي) التي تعطي الحاكم صلاحيات إلغاء
ارادة الا/ة من طرف واحد. ومن
هنا يكتسب الحديث عن موضوع وجود الامام الثاني عشر معنى سياسيا معاصرا ، إضافة الى
انه يحل عقدة تاريخية عقائدية بين الشيعة والسنة وهي مسألة الامامة والموقف من
الشورى ، حيث يقوم بإعادة النظر في الفكرة (الاثني عشرية) ويؤدي بالتالي الى قراءة
جديدة لتراث أهل البيت تعتمد على نظرية الشورى ، وهو ما يقرب الشيعة الى أهل السنة
ويوحد بين المسلمين. ولا
أدعي انني قمت باكتشاف تاريخي عظيم ،وانما فقط راجعت نظريات بعض المتكلمين الامامية
الذين افترضوا وجود ولد للامام العسكري وأدخلوا الشيعة في نفق طويل ، وزينوا لهم
انتظار الامام الغائب ، ومنعوهم لقرون من اقامة دولة اسلامية. واعتقد ان الشيعة
اليوم قد تخلوا عن تلك النظريات السلبية المخدرة ، وبدءوا يميلون الى الفكر
الديمقراطي. -
ولكن
ماذا يبقى من المذهب الشيعي اذا نسفت نظرية وجود الامام الثاني
عشر؟ =
الايمان بوجود الامام الثاني عشر الغائب ليس من صلب المذهب الشيعي الجعفري ، وقد
حدث بعد وفاة الامام العسكري . وبني الايمان به على أساس الظن والتخمين والافتراض
الفلسفي وليس على أدلة تاريخية علمية يقينية او شرعية ، وان فر تراث أهل البيت
عليهم السلام نقاط إيجابية كثيرة يمكن للمسلمين جميعا وليس الشيعة فقط الاستفادة
منها ، كروح التضحية والشهادة في سبيل الله والتواضع والزهد في الدنيا والدعوة الى
الشورى ، وهي تمثل جوهر مذهب أهل البيت ولا يختلف عليها المسلمون من جميع المذاهب ،
وقد رأينا مؤخرا التفاف السنة والشيعة حول حزب الله وتأييده لجهاده ضد المحتلين
اليهود. ومن الممكن ان يتحد المسلمون أيضا وراء أية حركة ديموقراطية تدعو الى
الشورى والعدل والحرية في أي مكان. -
صدرت
عدة كتب في الرد على كتابك ، هل اطلعت عليها؟ وهل دفعتك الى إعادة النظر في موقفك
من وجود الامام الثاني عشر؟ وهل حاورت أصحابها بصورة مباشرة؟ =
اطلعت أثناء البحث على كثير من الكتب المؤلفة حول الموضوع منذ أكثر من ألف عام ،
واطلعت على معظم الكتب الصادرة حديثا ، ولم أجد فيها شيئا جديدا سوى تكرار المقولات
الكلامية السابقة. قرأت كتابا للمرجع الديني السيد محمد الشيرازي ينقل فيه حرفيا
الروايات الواردة حول الموضوع دون ذكر السند فضلا عن البحث فيه ، وقرأت كتابا للسيد
محمد تقي المدرسي يورد فيه الأحاديث السنية التي تتحدث عن ظهور إمام مهدي في
المستقبل ولم يبحث مسألة ولادته في القرن الثالث الهجري واستمرار حياته الى اليوم ،
وقرأت أربعة كتب للسيد سامي البدري يناقش فيها أمورا جزئية ثانوية وجانبية وعندما
يصل في الجزء الأخير الى صلب الموضوع يعتمد على نظريات فلسفية وأحاديث عامة مثل
حديث الثقلين والاثني عشرية ويحاول ان يستنتج منها فرضية وجود ولد للامام العسكري
ولا يقدم أية أدلة تاريخية سوى رواية (النواب الخاصين الأربعة) المشكوك فيهم. وهو
ما يؤكد قولي من ان أساس المسألة هو افتراض فلسفي ظني وليست حقيقة تاريخية. وهناك
بعض الأساتذة في حوزة قم والنجف مثل الشيخ محمد باقر الايراواني والسيد محمد سعيد
الحكيم يرفضون مجرد الحوار في الموضوع او الاجتهاد فيه ، بحجة انه من الضروريات
والبديهيات والمسلمات التي لا تحتاج الى نقاش ، وانه خط أحمر لا يجوز الاقتراب
منه. وكنت
قبل بضع سنوات قد دعوت الحوزة العلمية في قم الى عقد ندوة علمية لدراسة موضوع وجود الامام الثاني عشر ، ولكني لم
أتلق يا جواب لحد الآن ، وقد سمعت بعقد بعض الندوات والمؤتمرات هنا وهناك ولكن من
دون سماح للرأي الآخر بالتعبير عن نفسه والاكتفاء بترديد المقولات القديمة. وهو ما
يجعلها منابر إعلامية بعيدة عن روح الحوار العلمي الموضوعي. وفي الحقيقة انا لا أتوقع كثيرا من
التجاوب من رجال الدين الذين اصبحوا طبقة تعتمد في وجودها المالي والسياسي والشرعي
على نظرية وجود الامام الثاني عشر ، ولكني أتوقع من الحركة الإصلاحية في ايران
والفقهاء المجددين في العالم العربي ان يناقشوا جذور نظرية ولاية الفقيه المطلقة التي يستغلها المحافظون
لممارسة الديكتاتورية باسم الدين وباسم الامام المهدي. -
ألا
تخشى ان يستغل بعض الأنظمة الديكتاتورية والفئات الطائفية كتابك لتأجيج الصراع
الطائفي او ضرب الحركات الاسلامية التي تتبنى نظرية ولاية الفقيه؟ او إحداث شرخ
داخلي في صفوف الشيعة؟ =
الديكتاتورية والإرهاب والاستبداد هي التي تختلق الصراع والصراع الطائفي ، بينما
الديموقراطية تفتح ذراعيها لكل حوار ولك فكرة ، ولا توجد في نظري مبررات لصراع
داخلي بين الشيعة او بينهم وبين السنة حول وجود الامام الثاني عشر او نظرية الامامة
او غيرها من النظريات التي لا تمس جوهر الدين. واذا كان بعض الأنظمة الديكتاتورية
او الفئات الطائفية يحاول ان يستخدم هذه الفكرة او تلك في صراعه مع المواطنين الذين
يحملون هوية معينة فان خلاصة كتابي وهي (الشورى) توقظ روح الحرية والديموقراطية في
الامة وتستدعي من الأنظمة الديكتاتورية التنازل لمصلحة شعوبها كما تحث الفئات
الطائفية على توسيع أفقها والقبول بالرأي الآخر واحترام الاجتهادات
الأخرى. أما
الحركات الاسلامية التي تتبنى نظرية ولاية الفقيه ، فان الكتاب يعزز مسيرتها
الاسلامية النهضوية نحو حل إشكالية العلاقة بين الحاكم والمحكوم وتطوير فكرها
الديموقراطي ، خاصة وان تلك الحركات فشلت في إقناع الغالبية من الشعوب كالشعب
العراقي مثلا بنظريتها ، وربما كانت نظريتها هذه سببا من أسباب فشلها في العراق ذلك
البلد المتعدد الطوائف والأحزاب والقوميات. ومن هنا اشعر بأن الحركات الاسلامية ستكون
أقوى في مواجهة الديكتاتورية والطائفية اذا التزمت بنظرية الشورى وناضلت من أجل
الديموقراطية. ولا اعتقد بأن التركيز على مسالة وجود الامام الثاني عشر الغائب او
التشبث بنظرية الامامة سوف يحل المشكلة الطائفية والديكتاتورية. وان من الخطأ
الإحجام عن مناقشة بعض الأمور خوفا من ردود الأفعال الجانبية ، بدلا من مناقشتها
بصورة موضوعية. واسمح
لي ان أقول لك: ان التراث الاسلامي كله (السني والشيعي) تراث يخص المسلمين جميعا
وهو ليس ملكا لطائفة خاصة ، ومن الواضح وجود أفكار إيجابية في ذلك التراث الى جانب
الأفكار السلبية ، ولا شك ان امتنا تحتاج الى غربلة ذلك التراث وانتقاء الأفكار
المفيدة وإهمال الأفكار السلبية من أجل بناء الحضارة الاسلامية من
جديد. *
نشرت بتاريخ 27/11/2000
|