|
صدر عن دار الجديد:
نظريات الحكم في الفقه الشيعي الشيخ
محسن كديوار.. هل
الاجتهاد جريمة؟ ان
أية محاولة للتحرر من قبضة الاستبداد
الديني وإرساء نظام الجمهورية
الاسلامية على قاعدة الشورى و الشرعية الشعبية لا يمكن ان تتحقق الا بمناقشة وبحث
وتحليل الجذور الرئيسية للفكر الاستبدادي كتاب
الشيخ الإيراني السجين محسن كديوار (نظريات الحكم في الفقه الشيعي) الذي اعتقل
بسببه في السابع والعشرين من شباط العام الماضي ، وحوكم أمام محكمة رجال الدين
الخاصة في الشهر التالي وحكم عليه بالسجن ، لا يدعو الى الثورة ضد النظام الاسلامي
في ايران ولا ينطوي على أي نقد جريء للثورة او للفكر السياسي الشيعي ، وانما يقدم
فقط تصنيفا لنظريات الدولة المختلفة في الفقه الشيعي ويقارن بينها ، ولكنه يقول شيئا واحدا هو ان نظرية ولاية الفقيه
الحاكمة اليوم في ايران ليست الاولى ولا الأخيرة.. " وان أول شرط لتطور فكرنا
السياسي هو القبول بهذه المقولة البسيطة التي مفادها: ( ان النظريات المختلفة حول
الموضوع الواحد ممكنة) كما ان أي نظرية يمكن ان تكون غير نهائية
ايضا". ومع
ان الشيخ كديوار الأستاذ السابق في الحوزة العلمية (المدرسة الفيضية) في قم وجامعة
الامام الصادق الدينية الحديثة في طهران ، يستعين بنصوص من الامام الخميني يؤكد
فيها على ضرورة فتح باب الاجتهاد وتعريف الشعب الإيراني بنظريات الفقهاء السابقين
المختلفة السياسية والاقتصادية والثقافية والعبادية ، المكتوبة باللغة العربية ،
ويطالب أصحاب الرأي بعرض أفكارهم بحرية في أمور مثل حدود الحريات العامة والفردية
ومدى حاكمية ولاية الفقيه " واذا كانت بعض القضايا لم تعالج او لم تبحث في الماضي
فان على الفقهاء اليوم ان يبحثوا فيها ، وعليه فان باب الاجتهاد في الحكومة
الاسلامية يجب ان يبقى مفتوحا ، كما ان طبيعة الثورة والنظام تقتضي بأن تبقى وجهات
النظر الاجتهادية الفقهية في المجالات المختلفة معروضة بحرية وان تضاربت ، وليس
لأحد الحق في ان يحول دون ذلك".. مع ذلك فان الشيخ كديوار تعرض الى مضايقات كثيرة
من جهات تدعي حماية الثورة والنظام
في ايران تمثلت تلك المضايقات بفصله من التدريس في الحوزة والجامعة بمجرد نشر
أبحاثه في عدد من المجلات الإيرانية ومحاكمته بصورة سريعة بتهمة الإساءة الى
الاسلام واقتياده الى السجن. ولم يكن السر خافيا في ظل الصراع
المحتدم بين المحافظين والإصلاحيين في الجمهورية الاسلامية ، حيث كان البعض ولا
يزال يعتبر نظام ولاية الفقيه خطا أحمر لا يجوز الاقتراب منه ، ولا يسمح بأية
مناقشة له فضلا عن رفضه او الرد عليه ، ويحاول تصوير الأمر وكأنه من المسلمات
الثابت المطلقة التي تضاهي العقائد الأساسية في الدين. ومن هنا فان كتاب الشيخ كديوار وان كان لا
يتعرض بالنقد لنظرية ولاية الفقيه ويقوم فقط باستعراض النظريات السياسية الشيعية
المختلفة التي يقول انها بلغت تسعا ، الا انه يفتح نافذة للحوار على إمكانية تطوير
النظرية الحاكمة او إلغائها في المستقبل. ولعل
أجرأ عبارة وردت في الكتاب الذي أزعج المحافظين هو قول الشيخ:" ان قيام الحكومة
الدينية في ايران وتصدر علماء الدين والفقهاء سدة الحكم ، جعلا من الفقه الشيعي
ملازما لنظرية واحدة في الحكم ، حتى أضحى الاعتقاد راسخا بأن النظرية السياسية
الوحيدة في الفقه الشيعي هي نظرية (ولاية الفقيه التعيينية
المطلقة)". ان الشيخ كديوار يكتفي باستخراج النظريات
السياسية الشيعية الأخرى وتصنيفها ووصفها وتحليلها تحليلا إجماليا ، وغايته من ذلك
هو ان يؤدي عمله هذا الى إثارة سؤال في منتهى البساطة مفاده التالي: أي واحدة من
تلك النظريات تستجيب لمفهوم الجمهورية الاسلامية. ولكن ذلك الحذر الشديد في الكتابة
لم يشفع للشيخ كديوار أمام المحكمة الخاصة برجال الدين التي وجدته " مذنبا ومتآمرا
خطيرا" فأودعته سجن أوين الشهير مع اللصوص وتجار المخدرات والمجرمين ، ليكتب في
مقدمة الطبعة العربية من كتابه : أنه لم يحد قيد أنملة عن رأيه الداعي الى رفع
مكانة فكر الجمهورية الاسلامية وتطهير هذا الفكر من آفة الاستبداد الديني ،ويعلن
بأن سلامة السلطة السياسية وخصوصا عندما تصطبغ بصبغة الدين رهن ببقائها قيد الرقابة
والمساءلة وعرضة للنقد والحوار. وهذا
بالضبط ما يرفضه المحافظون في ايران الذين يريدون ان يبقى رجال الدين وخاصة المرشد
(الولي الفقيه) فوق النقد والمحاسبة وفوق ارادة الامة ، ولذلك فقد سعوا الى اعتقال
عدد آخر من الكتاب والمفكرين والمثقفين ، بالإضافة الى الشيخ كديوار ، وإرهابهم
وتهديدهم بالقتل وتحطيم أقلامهم ،
ولكن ذلك لم ينفعهم في تضليل الشعب الذي اختار الإصلاحيين ليمثلوه في مجلس
الشورى الجديد ، ويدعموا الرئيس الإصلاحي السيد محمد خاتمي ، ويقاموا الاتجاه
الاستبدادي الذي يختفي وراء برقع المحافظة على القيم
الدينية. ان
الحرية والعدالة والأمانة والصدق والشفافية واحترام ارادة الأمة هو جوهر الدين
وهدفه الأساسي ، ولا يمكن لأية حكومة تدعي الاسلام ان تسحق تلك الشعارات وتحافظ على
هويتها الدينية ، إذ ان الحكم الاسلامي ليس شعارا مجردا وانما ممارسة عملية وتطبيق
، وان أي حاكم يتجاوز القانون الأساسي ويصادر حريات الناس المشروعة ويستبد بالأمر
ويطغى فانه لا يستحق حتى لقب المحافظة على الدين ، ومن هنا كان اعتقال الشيخ محسن
كديوار لمجرد نشره لأفكار قد تفتح باب الاجتهاد لمراجعة نظرية ولاية الفقيه الحاكمة
، يعتبر تعديا غير مشروع من قبل المحكمة الخاصة برجال الدين على حرية الفكر
والاجتهاد ، ويكشف عن لا مشروعية المحكمة المخالفة للدستور وللشريعة
الاسلامية. وفي
الحقيقة ان نفس وجود المحكمة الخاصة برجال الدين ، يشكل دليلا على الحاجة لتطوير
ومراجعة نظام ولاية الفقيه ، وهو ما يحاول الشيخ كديوار ان يصل الى مناقشته من خلال
فتح الباب أمام مناقشة النظام وحدود ولاية الفقيه ومدى صلاحيات المرشد. وهذا ما
يفسر رفض التيار المحافظ لفتح هذا الباب ، والتشدد مع المفكر الإصلاحي الشاب الشيخ
محسن كديوار. يتعرف
الشيخ كديوار في البدء بأن الفكر السياسي الاسلامي عانى من فترة ركود نسبي لقرون
طويلة كان طوالها محروما من النمو والتقدم ، وان الفقه الشيعي لم يتطرق الى موضوع
الولاية والإمارة والسياسة بشكل مستقل قبل القرن الثالث عشر الهجري ، وانه لا يزال
يشكو من الضعف على صعيد الاهتمام بالقضايا الاجتماعية والأحكام المتعلقة بالحقوق
العامة ولا سيما الحقوق الأساسية ، وان نظرة الفقهاء الى القضايا العامة غالبا ما تنطلق من زاوية الأمور الفردية ،
وقلما تتطرق الى المؤسسات الاجتماعية ، ويلاحظ الكاتب ان قضايا الحكم والدولة غالبا
ما كانت تأتي في سياق الحديث عن شروط الحاكم ووظائفه ومن يجب ان يحكم ، وليس عن
كيفية نظام الحكم وبناء الدولة ، ويقول: " من المثير حقا ان يتوجه الفقه الشيعي الى
بحث المسائل الجزئية الدقيقة في حين يهمل موضوعات الدولة ووظائفها ، وغالبا ما يعزو
الباحثون هذا الأمر الى عوامل عديدة مثل ان الشيعة أقلية او الى أجواء الإرهاب التي
كانوا يتعرضون اليها او الى ابتعادهم عن السلطة ومؤامرات الاستعمار ، وهي عوامل
محتملة وقابلة للنقاش". ولكن كديوار يعيد السبب الأول في جمود الفكر السياسي الشيعي
الى نظرية الامامة الالهية ومفهوم الغيبة ، ويقول:" ان من نافلة القول ان اشتراط
العصمة في الامام واعتبار أي قيام في عصر غيبة الامام المهدي ، نوعا من الضلالة ،
من العوامل التي أدت الى جمود الفكر السياسي الشيعي ، ولقد أدى التزام الفقهاء
الشيعة بنظرية الانتظار الى الابتعاد عمليا عن ساحة الحكم والإدارة الاجتماعية طوال
القرون الماضية ، ومن هنا فان الفقهاء لم يجدوا أنفسهم مطالبين بتغيير هذا
الوضع". وقبل ان يستعرض الشيخ كديوار
النظريات السياسية الشيعية التسع يقدم لمحة عن تاريخ تطور الفكر السياسي الشيعي ،
فيقول:: ان الفقه الشيعي اتخذ من الدولة موقفين سلبي وإيجابي ، ونعنى بالأول:
الموقف من الحكومات والأنظمة المفتقدة الى الشرعية ، وقد رسم الفقهاء الشيعة بعناية
ودقة بالغتين ، شتى الأبعاد الحقوقية للنضال السلبي ضد الحكومات الجائرة ، ووضعوا
الحدود الفقهية الفاصلة تجاهها حيث كانت وجهة نظرهم حاسمة وقاطعة من قضايا من قبيل
جوائز السلطان والولاية من قبل
الجائر وإعانة الظالمين أراضي الخراج ، ولعل هذا الموقف هو من الأسباب التي
حفظت استقلال الهوية الشيعية طوال قرون. واذا كان الفقهاء الشيعة يتفقون على الموقف
السلبي المعارض للأنظمة الجائرة عموما بالرغم من اختلافهم في بعض الجزئيات فانهم
يختلفون بصورة كبيرة في موقفهم الإيجابي ، ونعني بالموقف الإيجابي إجاباتهم على
الاسئلة التالية: هل يجب على المسلمين في عصر غيبة الامام الثاني عشر اقامة الدولة
وادارة شؤون المجتمع؟ وهل حدد الشارع المقدس نوعا خاصا من انظمة الحكم؟ أم ان
المطلوب هو النموذج العقلائي؟ وهل عين الشارع صنفا أو أفرادا معينين لتولي شؤون
الحكم؟ وما هي الضوابط السياسية؟ وما الى ذلك". ثم يقسم الكاتب الفقهاء الشيعة في موقفهم
من قضايا الدولة الى مجموعتين: الأولى: مجموعة الفقهاء الذين لم يؤمنوا بضرورة
اقامة الدولة في عصر الغيبة ، والثانية: مجموعة الفقهاء الذين اقترحوا نظرية إيجابية في
المجال السياسي واستنبطوا شكلا خاصا لنظام الحكم في (عصر الغيبة)
. ويستعرض في المقدمة المراحل التي مر
بها تطور الفكر السياسي عند الشيعة منذ غيبة الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن
العسكري) ووفاة النائب الخاص الرابع علي بن محمد الصيمري سنة 329 فيجعلها أربع
مراحل: الأولى:
مرحلة ازدهار الفقه الفردي التي يقول انها امتدت من بداية القرن الرابع الهجري حتى
بداية القرن العاشر ، واتسمت هذه المرحلة بعدم الاهتمام بالفقه العمومي والقضايا
السياسية والحقوق الأساسية. وان الآثار المتبقية من فقهاء تلك المرحلة لا توحي
بوجود اية نظرية سياسية متكاملة ، بل يمكننا القول ان هذا الباب من أبواب البحث كان
بعيدا جدا عن أذهان فقهاء ذلك العصر. الثانية:
مرحلة السلطة والولاية ، وهي تمتد من القرن العاشر الهجري حتى القرن الثالث عشر ،
وتبدأ مع جلوس السلالة الصفوية على العرش في فارس الى بداية الحركة الدستورية
(المشروطة). ولم تكن ولاية الفقيه في تلك الفترة تعنى
حسب الفقه الشيعي نظرية مستقلة للدولة او نظاما للحكم ، بل لم يدع أحد من العلماء
حتى ذلك الحين شيئا من ذلك ، وعندما
كان الفقهاء يتصدون لمهام مثل القضاء واقامة الحدود وصلاة الجمعة او يقومون بالأمور
الحسبية فانهم كانوا يمارسون كل ذلك من باب الولاية او القدر المتيقن الجائز
للفقهاء ليس الا ، أي دونما تعرض لموضوعات مثل تشكيل مؤسسة الدولة او نظام الحكم.
ومن هنا فان أبعد شيء عن قصدهم من عبارة ولاية الفقيه معنى الولاية السياسية وحكومة
الفقهاء". ويقول: ان ما يمكن تسجيله لبعض الفقهاء في
تلك المرحلة هو تفكيكهم الأمور العرفية عن الأمور الشرعية ، ففي حين اعتبروا القضاء
وتطبيق الحدود والأمور الحسبية من مسؤولية الفقهاء اعتبروا السياسة والأمن من جملة
الأمور العرفية ومن واجبات المسلمين من ذوي الشوكة أي
السلاطين. وفي هذه المرحلة تطور الفكر السياسي الشيعي
من ولاية الفقهاء على الأيتام
والسفهاء والمجانين الى ولايتهم على الحكام باعتبارهم نوابا عامين عن الامام الغائب
المهدي المنتظر ، وكان ذلك على يدي الشيخ علي عبد العالي الكركي (توفي سنة 940هـ)
الذي كان أول من طبق هذه النظرية بإعطاء إجازة للشاه الصفوي طهماسب بن إسماعيل لكي
يحكم بالوكالة عنه. الثالثة:
مرحلة المشروطة ، وهي تبدأ مع بداية القرن الرابع عشر الهجري ، حيث قامت في ايران
حركة المشروطة التي نجحت في إقرار الدستور وتقييد سلطة الملوك وصلاحياتهم
المطلقة. وقد
انقسم الفقهاء خلال تلك المرحلة الى فريقين عبر أحدهما عن رفض التطور الديموقراطي
بصورة مطلقة ، ودافع عن المسار السياسي التقليدي السابق الذي يقوم على الفصل بين
السلطة الدينية في الأمور الحسبية والسلطة السياسية في الأمور العرفية ، وهو ما
تبلور تحت عنوان (الحكومة الشرعية) فيما ذهب الفريق الآخر الى الدعوة للتطور
والتغيير والتوفيق بين المشروطة والمشروعة مع المحافظة على نظرية الدولة الملكية
القائمة على الإذن العام الصادر عن الفقهاء. وبالرغم
من تقدم الفكر السياسي الشيعي في هذه المرحلة وخصوصا على يدي الشيخ محمد حسين
النائيني صاحب كتاب (تنزيه الامة وتنزيه الملة) وقطعه لشوط كبير باتجاه التوفيق بين
الواجبات الشرعية والحقوق الشعبية فانه أصيب بانتكاسة كبرى مع تعثر التجربة
الدستورية وسقوطها حيث تنامت من جديد الآراء التي تنكر على الفقهاء حقهم في الولاية
السياسية. وامتدت هذه المرحلة الى أواخر القرن
الرابع عشر الهجري ، وبداية المرحلة الرابعة التي شهدت تبلور نظرية ولاية الفقيه
التي قال بها الامام الخميني وأقام على ضوئها الجمهورية
الاسلامية. وكانت نظرية الامام الخميني في
الحكومة الاسلامية تقوم على أربعة أركان : أولا:
حاجة الاسلام الى قيام الدولة من أجل تطبيق قسم كبير من
أحكامه. ثانيا:
ان اقامة الحكومة الاسلامية وإعداد مقدماتها ومن بينها المعارضة العلنية للظالمين
من واجبات الفقهاء العدول ، وان اتباع الناس لهم من الأمور
الواجبة. ثالثا:
ان الحكومة الاسلامية تعني ممارسة الفقهاء العدول لولايتهم في كل الجوانب الحكومية
التي كانت للنبي والإمام المعصوم. رابعا"
ان الحكومة الاسلامية والقوانين الصادرة عنها تعتبر من الأحكام الأولية وتتمتع
بالأولوية على جميع الأحكام الفرعية. ولقد كان لهذه النظرية وخاصة الركن
الثاني دور مهم في نجاح الثورة
الاسلامية الإيرانية ،ويعتبر الركن الثاني منها أهم الأركان وهو الذي يحمل سر الانتصار ،
ويشكل فارقا جوهريا بين الامام الخميني وسائر الفقهاء الذين كانوا يشترطون لممارسة
السلطة تهيؤ الظروف المناسبة ويعتبرون التمهيد لمقدمات الحكومة بمثابة شرط وجوب ،
كالاستطاعة بالنسبة الى الحج او النصاب بالنسبة الى وجوب الزكاة ، بينما كان
الخميني يعتبر حكم الشرط (الوجوب) من قبيل الوضوء للصلاة ، أي وجوب تمهيد المقدمات
وتهيئة شروط الثورة من أجل اقامة الحكم الاسلامي. وكان
الامام الخميني ، بحسب كديوار ، أول فقيه شيعي يستخدم مصطلح (الحكومة الاسلامية)
واذا كان المبدأ الذي تقوم عليه نظرية ولاية الفقيه قد قال به فقهاء سابقون كالشيخ
أحمد النراقي والشيخ محمد حسن صاحب الجواهر والبروجردي فان توسيع صلاحيات الفقيه من
الولاية العامة الى الولاية المطلقة هو مما اختص به الامام
الخميني. والى جانب النظرية المحورية للامام
الخميني (ولاية الفقيه التعيينية المطلقة) يقول الشيخ كديوار ان المرحلة الرابعة
شهدت طرح عدد آخر من النظريات السياسية من قبل الفقهاء الشيعة في العراق وإيران
ولبنان . وهي تختلف عن نظرية الامام الخميني في انها تعتمد على مبدأ الشرعية
الالهية الشعبية. كنظرية (خلافة الامة تحت إشراف الفقهاء) التي قدمها السيد محمد
باقر الصدر في كتابه (الاسلام يقود الحياة) ونظرية (شورى الفقهاء) التي قدمها السيد
محمد الشيرازي ، ونظرية (الحكومة الاسلامية المنتخبة) التي قدمها كل من الشيخ محمد
جواد مغنية والشيخ محمد مهدي شمس الدين ، ونظرية (ولاية الفقيه المنتخبة
المحدودة)
التي تبناها الشيخ حسين علي المنتظري ، ونظرية
(وكالة الملاك الشخصية المشاعة) التي
اقترحها الشيخ الدكتور مهدي الحائري اليزدي في كتابه
(الحكمة والحكومة). بعد ان يستعرض الشيخ محسن كديوار
تلك النظريات السياسية المختلفة يطرح هذا
السؤال: هل يمتلك الفقه الشيعي نظرية
سياسية واحدة؟ أم ان هناك عدة نظريات؟ وهل نستطيع ان نستنبط من هذا الفقه نظريات
مختلفة؟ ويجيب: ان دراسة آراء الفقهاء تبين لنا بوضوح بأن المائة سنة الأخيرة شهدت
نشوء نظريات متعددة حول الدولة من جانب الفقهاء في الحوزات العلمية الدينية ، وان
تعدد هذه النظريات دليل على انه ليس من اجماع على نظرية واحدة للدولة تكون بمثابة
الضرورة التي لا بد منها للدين
او للمذهب ، بحيث يستوجب إنكارها العقوبة ، بل انه لا اتفاق او اجماع في
الرأي بين الفقهاء في هذا المجال. ويعتبر جواب الشيخ كديوار هذا خطوة
متقدمة في ظل النظام الحاكم في ايران ، وهو وان لم يشكك في صحة نظرية ولاية الفقيه
، الا انه سلب منها صفة الضرورة والوحدانية ، كما تحاول بعض الجهات في ايران ان
توحي بذلك ، وفتح نافذة أمام باب الاجتهاد والنظر ، وربما قبول نظريات اخرى ، مما
يعتبر بحد ذاته جريمة يستحق كاتبها العقاب حسب أعراف نظام رجال الدين في ايران ، او
التيار المحافظ على الأقل. واذا
كانت هذه الخطوة البسيطة الحذرة غير الجريئة والتي لا تغوص في جذور الفكر السياسي
الشيعي ولا توجه أي انتقاد لنظرية ولاية الفقيه قد قادت الشيخ محسن كديوار الى سجن
أوين ، فلنا ان نتصور الى أين كان يمكن ان تقوده خطوات اخرى أجرأ لو كان قد قام
مثلا بنقد نظرية ولاية الفقيه نقدا حادا ، أو مزق الهالة الدينية المقدسة والمزيفة
التي تتلفع بها باعتبارها نيابة عامة عن الامام المهدي الغائب ، ولو كان قد قام
بمراجعة نظرية الامامة الالهية نفسها او نفى وجود وولادة الامام الثاني عشر (محمد
بن الحسن العسكري) الذي يستمد النظام شرعيته الالهية منه ، او أنكر غيبته الصغرى
والكبرى. …
… … ان هذا ما يدفعنا لتفهم قصر الشيخ محسن
كديوار لبحثه على العرض والتصنيف وعدم الغوص في جذور الفكر السياسي الإمامي او
مناقشة مصدر الشرعية الالهية التي يستمدها النظام الإيراني الراهن من الفكر الشيعي القديم ، ولكننا ينبغي ان
نسجل هنا ان أية محاولة جذرية للتحرر من قبضة المحافظين وسياسة الاستبداد
الديني وإرساء نظام الجمهورية
الاسلامية على قاعدة الشرعية الشعبية والشورى لا يمكن ان تتحقق الا بمناقشة وبحث
وتحليل الجذور الرئيسية للفكر الاستبدادي ، حيث لا يكفي إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية
لاقامة المجتمع المدني الديموقراطي الاسلامي ما دامت السلطة الحقيقية بيد رجال
يشبهون الباباوات في القرون الأوربية الوسطى. أحمد
الكاتب * اذا كنتم ترغبون بحذف اسمكم من قائمة البريد يرجى اخبارنا بذلك
وشكرا
|