الأمير طلال والعودة الى الملكية في العراق

شكل حديث الأمير طلال بن عبد العزيز في برنامج (بلا حدود) الذي بثته قناة الجزيرة الفضائية يوم 7 حزيران ، بادرة جريئة وفريدة من نوعها  ، لما تضمنه من نقد للمؤسسة القضائية والدينية في المملكة العربية السعودية ، والتي اتهمها بالجمود وبعض التجاوزات والتعديات ، وطالب بأن تكون هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عينا للنظام بدلا من ان تقوم بالتحقيق والاحتجاز والضرب ، واستنكر التمييز في السماح للمرأة بقيادة السيارة في الريف والصحراء وعدم السماح لها بقيادة السيارة في المدن . وكان حديث الأمير  طلال ، مهما جدا ، نظرا الى ما تضمنه ايضا من دعوة للإصلاح الإداري والاقتصادي والسياسي ، واعطاء الحق المزيد من الحرية للمواطنين وضمان الحق لكل انسان في ان يقول ما يريد ويمارس ما يريد ، وفصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.

   واعترف الأمير الذي أصبح واحدا من أعضاء مجلس العائلة السعودية المالكة ، الذي أعلن مؤخرا ، بأن بعض ما تقوله منظمات حقوق الإنسان عن السعودية فيه شيء من الحقيقة ، ودعا الى المبادرة لمعالجة الحالات الشاذة بدلا من الانتظار ، وكشف عن اتخاذ المملكة العربية السعودية لقرار بالسماح بتشكيل هيئة أهلية لمراقبة حقوق الإنسان وتأسيس هيئة اخرى حكومية رديفة لها. ودعا في هذا المجال الى احترام طقوس المذاهب الاسلامية المختلفة في السعودية واعطاء الأقليات المذهبية حقوقها كاملة واحترام عقائدها دون تدخل.

   وقال: ان الأنظمة يمكن ان تتطور الى ان تصل الى مبتغاها ، وان الاصلاحات سوف تأتي في يوم من الأيام ، ولكن لا بد ان تكون على جرعات مدروسة ، وبدون طفرة.

   ولعل أهم ماء جاء في حديث الأمير طلال هو تأكيده على مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها وانتخاب الأنظمة التي تراها أصلح لها سواء كانت جمهورية أم ملكية ، وإعلانه بصراحة انه ضد الفكرة الوراثية ، وخاصة في الأنظمة الجمهورية.

   ومع انه كان يميل نوعا ما الى الأنظمة الجمهورية الا انه انتقد بشدة الانقلابات العسكرية والأنظمة الجمهورية التي قضت على هامش الحرية والديموقراطية وتداول السلطة والانتخابات التي كانت في الأنظمة السابقة (الملكية) وقال: ان الأنظمة الملكية كانت أرحم بمراحل من الأنظمة الجمهورية. وعبر عن اعتقاده بأن النظام الأفضل هو الملكية التقليدية.

  وفي حين امتدح الجمهورية الاسلامية الإيرانية وتجربة الشورى والانتخابات النظيفة التي أسفرت عن فوز الإصلاحيين ، أبدى تحفظه على تكرار التجربة في العراق ، وأعلن عن خشيته من سيطرة الأكثرية الشيعية على السلطة في ظل الجمهورية والديموقراطية في العراق ، وقال بصراحة: أنا مع عودة الملكية ، لأن العراق له وضع خاص وظروف مختلفة ، وان الحل الوحيد لأزمة العراق الراهنة يتمثل في عودة الملكية الدستورية.

    وقد شكل تصريح الأمير طلال هذا ، صدمة لكثير من المستمعين اليه لما يعرفونه عنه من فكر ديموقراطي وروح قومية منذ ايام (الامراء الاحرار) في الستينات ، ليس لأن تصريحه يعد تدخلا سافرا في شؤون العراق يخالف سياسة الأسرة السعودية الحاكمة ، فقد أصبح الشأن العراقي منذ حرب الخليج الثانية شأنا إقليميا ودوليا ولم يبق بلد معني بالعراق الا وتدخل فيه بشكل من الأشكال ، كما ان العراق يشكل امتدادا للجزيرة العربية ، بحيث لم يجد الشعب العراقي في ثورة العشرين أية غضاضة في استيراد أمير حجازي (هو فيصل الأول) ليصبح ملكا على العراق ، فضلا عن حق أي مثقف عربي او مسلم في إبداء وجهة نظره حول الأزمة العراقية واقتراح الحلول لها.

   منبع الصدمة جاء من تناقض تصريحات الأمير طلال ، التي يعطي في جانب منها الحق للشعوب في اختيار نوع أنظمتها الملكية او الجمهورية وتأكيده على احترام عقائد الأقليات وحقوقها السياسية والثقافية ، ورفضه الفكرة الوراثية ، الى درجة تدفع المرأ لتوقع قيام الأمير طلال بإعلان المملكة العربية السعودية جمهورية ديموقراطية في المستقبل ، ويسلب في جانب آخر منها حق الشعب العراقي في تطوير نظامه الجمهوري ، اذ يطالب بإلغاء الجمهورية والعودة للملكية ، خوفا من تولي الشيعة لمقاليد الحكم في المستقبل ، كما يقول. ويقترح اقامة نظام ملكي دستوري تكون الهيمنة فيه للطائفة السنية.او لعائلة "سنية" معينة.

وأود في البداية ان اذكر الأمير طلال بأن الشيعة في العراق هم أول من دعا الى الملكية الدستورية ، في ثورة العشرين ، ولم يجدوا أية غضاضة في كون الملك فيصل الأول بن الشريف حسين سنيا ، بل أستطيع ان أؤكد انهم لم ينظروا الى الهوية الطائفية للملك او رئيس الوزراء ، وان قادتهم من مراجع الدين (وبالذات مرجعهم شيخ الشريعة) رفضوا استلام السلطة من قبل المحتل البريطاني في مقابل التعاون معه ، بالرغم من تهديدهم بإعطاء السلطة الى الطائفة السنية . وقد بايع الشيعة الملك فيصل على ان يلتزم بمجلس تشريعي منتخب وان يحافظ على استقلال العراق ، ولكنه ضيع الاستقلال بمعاهدات ذليلة مع الاستعمار ، وحول المجالس النيابية الى مسرحيات هزلية ومزق الوحدة الوطنية بممارسة الطائفية ، وقضى على المشروع الوطني الديموقراطي العراقي الحر ، مما دفع بجماهير الشعب العراقي ذات الأغلبية الشيعية الى الثورة على النظام الملكي  وإسقاطه عام 1958.

   واذا كان العراق قد فقد في ظل النظام الجمهوري الجديد هامش الحرية والتعددية الحزبية والحياة الديموقراطية الصورية التي كانت متوفرة في النظام الملكي السابق وتحول الحكم الى بوليسي وعسكري سافر ، فليس لأن طبيعة النظام الملكي أفضل من النظام الجمهوري ، وانما لأن الثورة لم تكتمل ولم يتحقق النظام الجمهوري الا بالاسم ، حيث وقع العراق تحت قبضة العسكر الذين أمعنوا في سياستهم الطائفية وخاصة في أيام الحالي ، ولم يستلم الشعب العراقي مقاليد الأمور بنفسه يوما من الأيام.

 لقد كان النظام الملكي يغتصب السلطة من الشعب ويحتكرها بالكامل بين يديه ، ويلعب بالوزارات والمجالس النيابية ، ولم يكن يسمح للجماهير بالتعبير عن نفسها او انتخاب ممثليها الحقيقيين ، او القيام بدور المراقبة والمحاسبة والمشاركة في السلطة ، وكان يجعل من  الأمراء طبقة خاصة مستعلية ومتكبرة تتمتع بامتيازات مالية دون ان تقوم بأي عمل في خدمة الوطن.

   وكانت الأنظمة العسكرية " الجمهورية" امتدادا للنظام الملكي في كونها قائمة على القوة والبعد عن ارادة الشعب ، ولذا فلم يكن من المستغرب ان تتحول الى انظمة عائلية وراثية تحتكر السلطة وتتصارع فيما بينها عليها وتورثها للأجيال القادمة.

   واذا كانت السياسة الديكتاتورية والعلمانية والطائفية (الملكية والجمهورية) قد دفعت قطاعات من الشعب العراقي (الشيعي) الى الالتفاف حول المرجعية الدينية وأطروحة ولاية الفقيه ، او حتى التحالف مع الجمهورية الاسلامية الإيرانية ، و التفكير بتغيير النظام العراقي بالقوة واقامة نظام إسلامي (شيعي) شبيه بالنظام الإيراني ، فان ذلك لم يكن يعبر عن رأي غالبية الشعب العراقي او عامة الشيعة في العراق ، وبصورة دائمة ، إذ عاد الجميع ليؤكد على الالتزام بالإطار الوطني العراقي العام وبالخيار الديموقراطي والتعددية السياسية وتبادل السلطة بشكل سلمي.

  ويعتبر التزام  الشيعة بالديموقراطية والانتخابات تحولا أيديولوجيا جذريا وتطورا باتجاه الأيديولوجية السنية التاريخية (الشورى)  ، بصورة تطوي الخلاف التاريخي التقليدي بين الطائفتين (السنية والشيعية) حول شكل النظام السياسي وشروط الحاكم. وتتجاوز حتى نظرية الحكم الشيعية الحديثة (ولاية الفقيه) إذ تتفق مع سائر الطوائف والقوميات والأحزاب على تبني هيئة تنفيذية ونظام تشريعي على أرضية وطنية اسلامية عامة ، لا شيعية خاصة. في حين تشكل الدعوة الى اقامة نظام ملكي في العراق ردة عن الفكر السني وابتعادا عن نموذج الخلافة الراشدة وطريقة تولي الخلفاء الراشدين للسلطة.

   ومن هنا فلا بد ان نعيد النظر الى الخارطة الطائفية في العراق ونتوقف عن الأسماء والمسميات والنسب والمصطلحات الوهمية. ان الشعب العراقي شعب مسلم وعربي في غالبيته ، وهو كله يوالي أهل البيت ، ولكنه لا يفقه ولا يلتزم بالنظريات التاريخية البائدة ، ويرفض التقسيمات الطائفية المتحجرة ، ويبحث عن نظام يوفر له العدل والحرية والمساواة والكرامة ، ولا يهتم بعد ذلك بأن تكون هوية الحاكم شيعية او سنية وما الى ذلك من التسميات الموروثة الفارغة. وينقل عن المرجع الشيعي الراحل السيد محسن الحكيم قوله لأحد الزعماء العراقيين : انه لا يبالي فيما اذا كان الرئيس سنيا او شيعيا اذا كان عادلا ولا يفرق بين أبناء الشعب ، وانه يرفض أي حاكم يمارس الديكتاتورية والتمييز الطائفي حتى اذا كان يحمل هوية شيعية.

وفي الحقيقة ان المواطنين العراقيين العاديين (او الشيعة ) يختلفون كثيرا عن التصورات النمطية السلبية الجاهزة والموروثة والمستنبطة من الكتب التاريخية ، او المأخوذة عن بعض الفرق المنقرضة المغالية والمتطرفة . وبالتالي فان الفوارق بينهم وبين المواطنين (السنة) هي فوارق وهمية او ضئيلة ، بحيث لا تشكل مادة للتقسيم السياسي او مبررا للتمييز الدستوري ، بل ان كثيرا من السنة  او الشيعة في العراق لا يكادون يعرفون هويتهم الطائفية ، ولا يستطيع أحد ان يميز بينهم ، فهم يشتركون في العادات  والتقاليد والولاء لأهل البيت ، ولو كان النظام العراقي منذ تأسيسه في عشرينات القرن الماضي ، يلتزم بالديموقراطية والمساواة لما بقي للروح الطائفية أي أثر ، ولكن النخبة السياسية العلمانية التي احتكرت السلطة وقضت على الديموقراطية ، مع الأسف الشديد ، سعت لإحياء العصبية الطائفية الضيقة في مواجهة الجماهير العراقية ، فأشعلت بذلك الروح الطائفية لدى بعض الأوساط الأخرى ، وان أية عودة الى   الديموقراطية والمساواة كفيلة بتذويب المخلفات الطائفية الموروثة.

   ان الشعب العراقي يريد ان يبني مستقبله السياسي في القرن الواحد والعشرين على أسس حضارية وإنسانية تقدمية ، وان أي حل طائفي يكرس التمييز والاستعلاء سوف يذكي روح الفتنة ويبقي الأزمة العراقية مشتعلة على الدوام.

واذا كان الشيعة يشكلون أكثرية الشعب العراقي مثلا ، ويريدون نظاما جمهوريا ديموقراطيا ، فلماذا يقبلون بأن يحكمهم ملك او رئيس سني؟ وهل يستطيع أحد ان يفرض عليهم حلا مرفوضا من قبلهم؟ ولماذا لا يتم الالتزام باحترام إرادتهم؟ وهل يتفق ذلك مع المبادئ التي ينادي بها الأمير طلال من احترام ارادة الشعوب في اختيار الأنظمة التي تريدها والحكام الذين تريدهم؟

ان المخاوف من الديموقراطية او ترسيخ النظام الجمهوري وتفعيله في العراق ربما كانت  في الأساس مخاوف وهمية من  تحالف الشعب العراقي (الشيعي) مع الجمهورية الاسلامية الإيرانية او خضوع العراق وإيران لقيادة دينية واحدة ، ولكن التطورات الداخلية الإيرانية ذات المغزى القومي والديموقراطي ، إضافة الى تاريخ الشعب العراقي ومشاعر الشيعة العربية تؤكد صعوبة الاندماج بين الدولتين او ذوبان الشيعة العراقيين وخضوعهم لإيران ، كما تؤكد العلاقات الداخلية العراقية الطيبة بين السنة  والشيعة على ضمان التعايش والإخاء والمحبة بين المواطنين  العراقيين بغض النظر عن هوياتهم المذهبية الرقيقة او الوهمية.

  وبناء على ذلك آمل من الأمير طلال بن عبد العزيز ان ينظر الى الشيعة عن قرب وان يعيد النظر في مخاوفه من الحكم الجمهوري وحق الشعب العراقي في ممارسة الديموقراطية واختيار النظام الذي يريد.