|
تحية
إجلال للشيخ الطوسي..رائد الاجتهاد والحوار الموضوعي أحمد
الكاتب كما
في المعارك العسكرية ، هناك في المعارك الفكرية ، رجال مهما اختلفت معهم فانك لا
تملك الا ان تطأطيء لهم رأسك وتقدم لهم التحية.. شعورا منك بعظمتهم وريادتهم
وشجاعتهم. ومن هؤلاء المفكرين الأبطال الشيخ أبو جعفر
محمد بن الحسن الطوسي الذي ولد بطوس في أواخر القرن الرابع الهجري ثم هاجر الى
العراق في أوائل القرن الخامس الهجرى وتتلمذ على يدي الشيخ المفيد والسيدة المرتضى
علم الهدى ، وتولى بعدهما الزعامة الدينية وأصبح علما من أعلام الشيعة وزعيما لهم
، وقد قصده العلماء وأولوا الفضل من
كل حدب وصوب للتتلمذ عليه والارتواء
من منهله العذب الفياض حتى بلغ عدد تلامذته أكثر من ثلاثمائة من مجتهدي الشيعة ومن
أهل السنة ما لا يحصى كثرة ، وبلغ به الأمر من العظمة ان جعل له الخليفة العباسي
(القائم بأمر الله عبد الله بن القادر بالله ) كرسي الكلام في
بغداد. وقد هاجر من بغداد الى النجف اثر اضطرابات
طائفية وأسس الحوزة العلمية فيها ، وتوفي سنة 460 هجرية وله من العمر 75
عاما. لم يكن الشيخ الطوسي مجتهدا كسائر
المجتهدين الذين كانوا يكتفون بعرض آرائهم فقط ، ويطلبون من الناس تقليدهم واتباعهم
، بل كان في مختلف المجالات التي يخوضها يقدم أولا أراء خصومه بأمانة ويستعرض
أقوالهم بدقة ثم يقدم رأيه في النهاية ويذكر حججه وأدلته وبراهينه ، ويطالب القارئ
او المستمع بالاجتهاد والتفكير والنظر الى مختلف الأدلة والبراهين ثم اختيار الرأي
الذي يراه أقرب الى الصواب بينه وبين الله. وفي الوقت الذي كان الاتجاه العام يميل نحو
التقليد وغلق باب الاجتهاد ، كان الشيخ الطوسي يحرم التقليد حتى على عامة الناس
ويطالبهم بالاجتهاد ، ويرفض عذرهم بالجهل أو العجز عن التفرغ للدراسة والبحث ،
فيقترح عليهم استعمال عقولهم والاستماع الى الآراء المتناقضة والأدلة المختلفة
واختيار أحدها عن وعي ويقين. وقد سادت بعد الشيخ الطوسي فترة أغلق فيها
باب الاجتهاد ولم يفتح منه الا كوة صغيرة ، وبرز نوع من "المجتهدين- المقلدين"
الذين يمارسون الاجتهاد في سطح من السطوح كالفقه ويقلدون الآخرين في علم الرواية
والدراية او الأصول أو الكلام أو اللغة. وخاض الشيعة معركة طويلة استمرت قرونا من
الزمن ضد المدرسة الأخبارية التي
كانت ولا تزال ترفض الاجتهاد من الأساس حتى استطاعوا قبل حوالي قرنين ان يثبتوا شرعية وضرورة الاجتهاد ، وخاصة
الاجتهاد في علم الرواية وتصنيف روايات الكتب الأربعة ( الكافي ومن لا يحضره الفقيه
والتهذيب والاستبصار) الى روايات ضعيفة وحسنة وقوية وضعيفة. ورفض الروايات التي تتعارض
مع القرآن الكريم أو العقل أو العلم وما شابه. وكانت
المدرسة الأخبارية المحافظة تتهم أنصار المدرسة الأصولية ( الاجتهادية) بالخروج من
المذهب الشيعي الإمامي والميل الى التسنن ، وذلك لاعتقادها بضرورة أخذ الأحكام الدينية من أخبار أهل
البيت فقط ، وعدم جواز استخدام العقل لحل المشاكل الجديدة والإجابة عن التحديات
المعاصرة ، ولكن المدرسة الأصولية التي افتتحها الشيخ المفيد والسيد المرتضى قبل
ألف عام كانت ترى مقتل الشيعة كحركة فكرية في غلق باب الاجتهاد ، وسمحت لنفسها في
ظل غيبة الامام المعصوم بممارسة الاجتهاد ، وذهب بعض الأصوليين الى إجازة أهل البيت
أنفسهم للشيعة بممارسة الاجتهاد في زمانهم ودعوتهم لتلاميذهم الى النظر واستنباط
الأحكام من القرآن الكريم. الا ان المدرسة الأخبارية كانت ترى ان عملية التشريع في
الحوادث الواقعة هو من اختصاص الأئمة المعصومين ، وكذلك عملية تنفيذ الشريعة
الاسلامية ، ولذلك دخلت في عزلة تامة عن الحياة ومرحلة من الجمود الفكري والسياسي ،
ولولا حدوث ثورة الاجتهاد التي قادها الثلاثي (المفيد والمرتضى والطوسي) لانقرض
الشيعة منذ مئات السنين ودخلوا في متحف
التاريخ. لقد
أعطى الشيخ الطوسي للشيعة معولا من ذهب ، يتمثل بمبدأ الاجتهاد الشامل في كل
القضايا الفقهية والكلامية لتحطيم العقبات والجدران التي تحول دون التقدم ، ولولا
ذلك المعول الذهبي لما استطاع علماء الشيعة ان يخرجوا من كهف الغيبة عن الحياة ،
ويطوروا نظرية المرجعية ثم نظرية ولاية الفقيه أو نظرية الشورى ، ويقيموا الجمهورية
الاسلامية في العصر الحديث . وعلى
رغم انتصار المدرسة الأصولية في القرنين الماضيين ، الا انه في الواقع ظل بعض
الجيوب الأخبارية يعمل في صفوف الأصوليين او بالأحرى تم القبول مبدئيا من قبل البعض
بالمنهاج الأصولي ولكنهم لم يمارسوا علم الاصول او يطبقوه في مختلف المراحل والسطوح
ففي حين بذل الفقهاء جهدا كبيرا في بحث مسائل فقهية فرعية هامشية كمسائل الطهارة
والنجاسة والحيض والاستحاضة ، مر الكثير من الفقهاء مرور الكرام على رواية اسحق بن
يعقوب عن الامام المهدي المشهورة بـ :"التوقيع" والتي تعطي الفقهاء مقام
النيابة العامة عن الامام المهدي ،
وتجعل من فتاواهم وأحكامهم مقدسة لا يجوز
حتى للفقهاء الآخرين معارضتها او رفضها ، فضلا عن عامة الناس
. وبالرغم من ان الشيخ الطوسي ورواد مدرسة
الاجتهاد عند الشيعة يقولون بأنهم اجتهدوا في مسائل كثيرة وان مبناهم الأساسي
للإيمان بقضايا مثل قضايا ولادة ووجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) هو العقل
والاعتبار وان الروايات التاريخية والحديثية التي يوردونها في هذا المجال هي روايات
ضعيفة يأتون بها لمساندة دليل العقل ، فان ظاهرة التقليد التي أعقبت عصر الطوسي
وطبعت الكثير من المجتهدين دفعت العلماء الى التسليم باجتهادات الطوسي وزملائه
الفلسفية ، واعتبار الروايات التي أوردها صحيحة وقوية ، ولم يجدوا الشجاعة الكافية
لدراسة تلك الروايات التي يصم الطوسي نفسه ، الكثير من رواتها بالضعف والغلو ، كما
أحجموا عن مناقشة الأدلة الاعتبارية الفلسفية او العقلية التي أثبت الجيل الأول
وجود المهدي من خلالها . ان
من يطلع مثلا على كتاب الغيبة للشيخ الطوسي وهو من أعظم ما كتب في هذا المجال
، يجد الطوسي يستعرض مختلف الآراء
الشيعية التاريخية حول المهدي بدءا من قول بعض الشيعة بمهدوية الامام علي بن ابي طالب وإيمانهم بغيبته
ومرورا بالقول بمهدوية محمد بن الحنفية ، ومحمد بن عبد الله (ذي النفس الزكية)
والإمام جعفر بن ومحمد الصادق ، ومحمد بن عبد الله الأفطح والإمام موسى بن جعفر
الكاظم ومحمد بن علي الهادي والإمام الحسن العسكري ويتحدث عن اختلاف الشيعة وحيرتهم
بعد وفاة الامام العسكري وتعدد النظريات الشيعية الامامية حول الامام التالي
والمهدي وعدم إجماعهم في البداية على شخص معين ، ومع ان الشيخ الطوسي يختار الرأي
القائل بولادة ابن الإمام العسكري هو الامام من بعده وهو المهدي المنتظر ، الا انه
يؤكد انه يبني قوله ذلك على أساس الاجتهاد ، حيث لم يكن الأمر واضحا ومبينا بصراحة
. ومن هنا فان الطوسي لا يعتبر ذلك من
ضروريات الدين أو المذهب ، ولا يسلب الصفة الإسلامية أو الشيعية نم الذين يخالفونه
في الاجتهاد ، وكيف وهو يرفض التقليد ويطالب العامة بالاجتهاد ويعلن احترامه للآراء
المخالفة؟ ومع الأسف الشديد هناك اليوم في صفوف
الحوزة العلمية من يغلق باب الاجتهاد على عقله ولا يسمح لأحد بالتفكير ويسارع الى
اتهامه بالكفر والفسق والخروج من مذهب اهل البيت ، لمجرد النظر والاجتهاد في بعض
القضايا التاريخية التي لا تمس بجوهر الدين من الايمان بالله تعالى واليوم الآخر
ورسله وأنبيائه وكتبه وملائكته ، ويضخم القضايا الاجتهادية المختلف فيها الى درجة
العقائد أصول الدين ، ويغضب أشد الغضب اذا قال أحد مثلا ان المهدي لم يولد بعد وسوف
يولد في المستقبل وان هذا رأي لم
يحسم تماما عند الشيعة. لو
استسلمنا لمنطق هؤلاء الأخباريين والمقلدين الذين يرفضون فتح باب الاجتهاد او قصره
على المسائل الفقهية الجزئية ، لأخرجنا شيخ الطائفة الطوسي من مدرسة أهل البيت ،
لأنه قال بالاجتهاد ولأخرجنا الامام الخميني وكل من يقول بولاية الفقيه ، أو قيام
الدولة في عصر الغيبة ، كما قال الشيخ الصدوق ، وكذلك لصدقنا بخروج من يناقش ولادة
الامام المهدي او مفهوم العصمة أو مفهوم آخر من دائرة
التشيع. ولكننا اذا درسنا تراث أهل البيت بعمق وتشبعنا بروحهم
السمحة وأخلاقهم العالية لاتسع أفق تفكيرنا وتطورت نظرتنا الى الأمور ولأدركنا
بسرعة ان بعض الاجتهادات التي تخالف موروثاتنا قد يخدم مذهب أهل البيت ويقترب منهم أكثر ،
خاصة اذا كان يحاول معالجة مشاكل حياتية مزمنة ويقدم لها الحلول
الأفضل. ترى
ماذا سيقول الشيخ الجليل محمد بن الحسن الطوسي لو عاد اليوم والتقى بالفقهاء الذين
يحرمون الاجتهاد ويوجبون التقليد على العلماء؟
|