|
عندما
يستخدم المحافظون (الامام المهدي) سلاحا في مواجهة
الإصلاحيين احمد
الكاتب 28-9-1999 وزير
الثقافة الإيراني يدعو الحوزة الى الحوار حول ولادته ووجوده الى أي مدى يستعد المحافظون
في إيران في الاستمرار باللعبة الديموقراطية في صراعهم مع الإصلاحيين؟ وهل هم على
استعداد للتخلي عن سيطرتهم على مجلس الشورى في الانتخابات القادمة؟ أم انهم
سيستميتون في الدفاع عن مواقعهم مهما كلف الثمن ولو كان يعني ذلك التضحية بما تبقى
من مظاهر الحياة الديموقراطية ؟ هذا هو السؤال الذي بات يشغل
المراقبين لتطور الصراع بين المحافظين والإصلاحيين في إيران ، بعد سلسلة من الخطوات
الهجومية التي قام بها المحافظون مؤخرا كإغلاق صحيفة نشاط المقربة من الرئيس خاتمي
، وتوجيه رئيس مركز وثائق الثورة القاضي في محكمة رجال الدين الشيخ حسينيان ،
الاتهام للإصلاحيين بأنهم يقفون وراء اغتيال عدد من المثقفين في العام الماضي ،
وتبرئة ساحة المحافظين (والمعتقلين منهم) من المسؤولية عن ذلك ،إضافة الى استغلال
المحافظين قضية المسرحية الناقدة التي كتبها طالب شاب في مجلة (موج) الصادرة عن
اتحاد الطلبة في جامعة أمير كبير الصناعية حول المهدي ، وتضخيمها الى حد اعتقال
الكاتب والناشر بتهمة الإساءة والاستهزاء بالإمام المهدي والمقدسات الإسلامية ،
ومبادرة الشيخ مظاهري مدير حوزة أصفان بإصدار حكم الإعدام عليهما قبل ان يعرف
هويتهما او يخضعهما الى محاكمة ولو صورية ، ثم حديث أحد أقطاب المحافظين الشيخ أحمد
جنتي في صلاة الجمعة في طهران حول الموضوع وإثارة عواطف الجماهير بالبكاء في الخطبة
، وتعبئة المصلين ودفعهم الى التظاهر في طهران وقم والمدن الإيرانية الأخرى انتصارا
للإمام المهدي. واذا كانت هذه الخطوات طبيعية في
العرف الثوري الإيراني فان تصريحات قائد استخبارات شرطة طهران محمد رضا نقدي يوم
الأحد الماضي أمام حشد من قوات الشرطة ، ونشرها بصورة علنية ، اعتبرت خطوة فريدة من
نوعها وعلامة ملفتة على حدوث تحول جذري في الصراع الدائر منذ سنتين في إيران ،
واستعداد المحافظين الذين يمسكون بمفاتيح السلطة العسكرية والتشريعية والقضائية
والدينية في إلغاء النظام الديموقراطي والقضاء على الحركة الإصلاحية (الخاتمية)
بالضربة القاضية ، والتهديد باستخدام كل الوسائل المتاحة بلا حدود.حيث يصعب اعتبار
تصريحات نقدي شخصية او صادرة في حالة انفعال او انهيار عصبي ، لأنها كانت أمام حشد
من الشرطة أعلنت من قبل قائد للشرطة يفترض فيه ان يحافظ على القانون ويدعو جنوده
للالتزام بالقانون والمحافظة عليه كذلك ، فاذا به يتحدى القانون ويتدخل بالسياسة
بشكل سافر ، ويطالب وزراء بالاستقالة ، ويدافع عن مجزرة الحرم الجامعي في تموز
الماضي ، ويقول بالحرف الواحد وبفم ملآن:" سأقوم أنا محمد رضا نقدي من دون ان أعير
أي انتباه للباسي او رتبتي او منصبي بتنفيذ حكم الله فيهم وسأنفذ حكم الله ف يكل من
يدافع عن المسيئين مهما كان منصبه او موقعه، سأنفذ حكم الله بكل المسيئين وحتى لو
سجنوا عشرين عاما سأقتلهم بعد خروجهم من السجن"! لم تكن تبلغ الجرأة او الجنون بقائد
استخبارات الشرطة الى هذا الحد من تحدي القوانين والمحاكم والمسؤولين واستغلال
موقعه للتهديد بقتل كل من يدافع عن الطلبة المعتقلين ، لو لم يكن مدعوما بقوة ، او
بالأحرى مدفوعا بقوة من جهات عليا – كما صرح هو علنا وقال : انه يحمل ترخيصا من
المرشد خامنئي – لأنه يعرف جيدا ان حكمه من دون ذلك هو الإعدام الفوري في محاكم
الثورة والانضباط العسكري بتهم أقلها الفساد في الأرض وإشاعة الرعب في المجتمع
وتحدي القوانين والتمرد .وهذا ما يؤكد انه لم يكن يتصرف بشكل فردي او انفعالي ،
وانما كان يحمل رسالة من المحافظين والمرشد الخامنئي الى كل من يفكر بالمقاومة
السلمية والإصلاح ، وإشاعة جو من الإرهاب النفسي لفرض التراجع على الإصلاحيين
وإفهامهم بعبثية التمسك بمظاهر اللعبة الديموقراطية او التفكير بخوض معركة
الانتخابات البرلمانية القادمة والتعويل على الفوز فيها بنسبة
كبيرة. في هذا الإطار تم استغلال قضية
المسرحية الناقدة التي نشرتها مجلة ( موج) الطلابية التي يزعم انها أساءت الى
الامام المهدي لشن حملة إعلامية ونفسية وسياسية واسعة لا تغطي فقط على شبكة وزارة
الاستخبارات المعتقلين بتهمة الإرهاب والاغتيالات السياسية ، ولا على تصريحات
القاضي حسينيان المثيرة ضد الإصلاحيين باستثارة ضمير الإيرانيين وإقناعهم بوجود خطر
حقيقي على معتقداتهم الدينية وعلى رأسها (الامام المهدي) الذي يكن له عامة
الإيرانيين حبا وولعا وتقديسا. وليس من المعروف حتى الآن ماذا كتب
الطلبة بالضبط في مجلتهم المحدودة الانتشار (موج)؟ ومن كتب بالفعل؟ وهل أساءوا حقا
الى الامام المهدي؟ أم انهم انتقدوا المحافظين الذين يستغلون قضية المهدي لتعزيز
قبضتهم على السلطة بدعوى (النيابة العامة) عنه؟ الا ان منطق الصراع لا يعرف ولا
يتوقف عند هذه الأمور التفصيلية . وقد أصدر المحافظون أحكام الإعدام بسرعة قصوى ضد
الطالبين المتهمين بالكتابة ونشر المسرحية قبل التحقيق معهما ، في الوقت الذي لا
يزال فيه المحافظون يرفضون تقديم الشبكة الإرهابية من موظفي وزارة الاستخبارات
للمحاكمة ويدافعون عنهم بشكل سافر وقال القاضي حسينيان : ان المتهم الأول الذي
انتحر سعيد إمامي بريء لأنه لم يحاكم ولم يدَن. تعيد قضية مسرحية (موج) واستغلالها
من قبل المحافظين ، الى الأذهان ، قصة الحكم بالإعدام الذي أصدره الامام الخميني
على سلمان رشدي قبل عشر سنين ، وذلك بعد قبول الخميني بوقف الحرب وتراجعه عن قراره السابق بمواصلة الحرب ضد العراق حتى إسقاط الرئيس
صدام حسين ، حيث أدى ذلك الى إثارة موجة من السخط في الشارع الإيراني وتساؤله عن
الهدف من وراء الإصرار على الاستمرار في الحرب طوال ثمانية أعوام ورفض الوساطات
العربية والإسلامية والدولية حتى تدمير البلدين الجارين العراق وإيران ، فخشي
الامام الخميني من تصاعد النقمة الشعبية عليه ، وهذا ما دفعه الى استغلال قضية كتاب
سلمان رشدي ليوجه الأنظار نحوه بعيدا عن الهزيمة في الحرب ، بصورة أدت الى انتشار
الكتاب المغمور والتعاطف الدولي مع المؤلف. وقام الخميني في تلك الأيام بإصدار
حكم بالإعدام على مسؤولين في الإذاعة الإيرانية لأنهم بثوا مقابلة مع فتاة إيرانية
قالت ان مثلها الأعلى : ممثلة يابانية اسمها (اوشين) كان التلفزيون الإيراني يبث
تلك الأيام مسلسلا عنها ، وعندما سألها المذيع الإيراني : وماذا عن السيدة فاطمة
الزهراء؟ قالت الفتاة: انها قصة من الماضي. فغضب الخميني لدى سماعه البرنامج وأصدر
من بيته حكما بالإعدام على المذيع والمسؤولين عن البرنامج. أما اليوم فان النظام الإيراني ، او
بالأحرى الجناح المحافظ فيه ، يحاول استغلال قضية الاستهزاء بالإمام المهدي ليس
لمقاومة الحركة الإصلاحية فقط وانما لتعزيز وجوده من الأساس ، إذ يعتبر المساس
بالمهدي المنتظر ( وهو حسب العقيدة الاثني عشرية يتمثل في الامام محمد بن الحسن العسكري
الذي ولد في سامراء قبل 1165 سنوات ولا يزال حيا وسوف يظهر في المستقبل ) مسا بأساس
نظام ولاية الفقيه ، الذي يأخذ الفقهاء الشرعية الدستورية فيه من (النيابة العامة
عن الامام المهدي) ويخولهم على أساس ذلك إلغاء الدستور والحكم بصورة
ديكتاتورية. وعلى رغم ان نظرية (النيابة
العامة او ولاية الفقيه) حادثة وضعيفة ولا يتفق عليها الشيعة ، بل يرفضها علماؤهم
المحققون ، الا ان النظام الإيراني وجد ان من مصلحته الترويج لها ، وبالذات
المحافظون الذين وجدوا فيها وسيلة لإضفاء هالة من القداسة على رموزهم وقياداتهم
تحول دون محاسبتهم او نقدهم او إسقاطهم لأنهم حسب زعمهم (نواب الامام المهدي) وليسوا نوابا عن الشعب ولا
يستمدون شرعيتهم منه. ومع ان قضية وجود وولادة الامام
المهدي (محمد بن الحسن العسكري) واستمرار حياته بصورة غير طبيعية حتى الآن ، كانت
قضية مشكوك فيها ومخالفة للظاهر من حياة الامام الحسن العسكري الذي لم يدع وجود ولد
له في السر أو العلن ، وان غالبية الشيعة الإمامية لم يؤمنوا بها في البداية ،
لأنهم بحثوا ولم يجدوا أثرا ولا دليلا علميا على ولادته ، وكان هناك قدر من الشك في
وقوف الخلفاء العباسيين وراء إشاعة القصص عن وجوده في السر في مقابل (المهدي
الفاطمي) الذي ظهر في شمال أفريقيا في أواخر القرن الثالث الهجري وهدد سلطانهم ،
خاصة وان اسم الخليفة العباسي الناصر
بالله لا يزال محفورا على أبواب (سرداب الغيبة) المزعوم في
سامراء. ورغم مضي أكثر من ألف ومائة
وخمسين عاما على دعوى ولادة المهدي (الامام محمد بن الحسن العسكري) ومرور الأمة
الإسلامية والشيعة بالخصوص بمراحل تاريخية حرجة لم تظهر أية أثار تدل على وجوده او
توجيهه للشيعة ، ولكن الإيمان به من قبل بعض الشيعة أدى بهم ، في مرحلة سابقة ، الى
الانسحاب السياسي ورفض اقامة الدولة او الثورة او حتى تنفيذ بعض الجوانب الحيوية من
الإسلام كصلاة الجمعة ، انتظارا لظهور المهدي. ولولا قيام بعض فقهاء الشيعة مؤخرا
بتطوير نظرية ولاية الفقيه لكانوا يعيشون الآن في سبات عميق ويحرمون فيه قيام
الدولة اية دولة. ولكن المشكلة التي رافقت هذا التطور الإيجابي النسبي هو ادعاؤهم
بأن الفقهاء (نواب عامان عن الامام المهدي) ولو كانوا يقيمون الدولة بعيدا عن هذه الفكرة
، أي على اسس عقلية بحتة وانطلاقا من ضرورة اقامة الدولة الإسلامية لسارت التجربة
الإيرانية في طريق آخر أكثر مدنية وديموقراطية. الا ان رجال الدين الذين قادوا
الثورة وتحولوا بعدها الى طبقة حاكمة وجدوا في نظرية وجود المهدي ونيابتهم العامة
عنه ، أفضل سلاح لمواجهة المطالب الديموقراطية والمشاركة الشعبية في السلطة ، ولذا
فقد رفضوا أي حديث او مراجعة لقضية الامام المهدي واعتبروها مقدسة ومفروغ عنها
ولا يجوز المساس بها او مناقشتها.
وعلى رغم انها قضية تاريخية جزئية لا توجد عليها نصوص صريحة من القرآن الكريم او
السنة النبوية او تراث أهل البيت ، الا انهم حولوها الى قضية أساسية وعقائدية مهمة
، ووجهوا مختلف وسائلهم الإعلامية الضخمة للتركيز عليها وترسيخها في نفوس العامة من
الناس . ومن المبكر القول ان الإصلاحيين او
الطلبة قرروا فتح ملف المهدي وموضوع وجوده لزعزعة اسس نظام ولاية الفقيه وتحقيق
المزيد من الديموقراطية ، ولكن من
المؤكد ان إصرار المحافظين على سحق الحركة الإصلاحية وسد المنافذ الديموقراطية
أمامها سيدفع بالحركة الإصلاحية وخاصة الطلبة والشباب ليس الى العنف فقط وانما الى
القيام بثورة جديدة تعيد النظر بأسس النظام الأيديولوجية وعلى رأسها موضوع وجود
(الامام المهدي) الذي يشكل اليوم قاعدة أساسية للنظام.وقد وجه وزير الثقافة عطاء
الله مهاجراني رسالة الى الحوزة العلمية ورئيسها الشيخ ناصر مكارم الشيرازي دعا
فيها الى مناقشة أساس الفكرة المهدوية والرد على كتابي (تطور الفكر السياسي الشيعي
من الشورى الى ولاية الفقيه) الذي قال انه ينفي نظرية ولادته من
الأساس. |