الاخ ابو جعفر الخادم
ان بحثي يتركز حول وجود وولادة (محمد بن الحسن العسكري) الذي اعتقد
انه لم يولد قط وانما افترضه بعض المتكلمين بعد وقوعهم في أزمة نظرية
نتيجة انقطاع سلسلة الامامة التي كانوا يؤمنون بها ، وقد مضت القرون
الطويلة ولم يظهر ذلك الامام ، فتخلى الشيعة الامامية اليوم عن نظرية
الامامة وفرضية الانتظار السلبية التي أضرت بهم كثيرا ، وآمنوا بدلا من
ذلك بولاية الفقيه واتنخاب الامام عبر الشورى
اما بالنسبة لظهور مهدي في المتسقبل ن فارجو منك القاء نظرية على
هذا المقال الذي يبين وجهة نظري في الموضوع:احمد الكاتب:
الرسول الأعظم يتنبأ بدورة الانحطاط والنهوض في المجتمع الاسلامي
كيف حول المسلمون فكرة المهدوية الايجابية الى حالة سلبية؟
عندما تنحدر أمة من الأمم الى مستويات حضارية متخلفة تقوم بتحويل
العناصر الإيجابية في ثقافتها الى عناصر سلبية تزيد في مشاكلها
وتخلفها. ولعل موضوع (الامام المهدي) هو افضل نموذج لتلك العناصر
الإيجابية التي تحولت في عصور انحطاط المسلمين الى عنصر سلبي يساهم في
مزيد من التخلف والانحطاط ، وذلك بسبب عدم فهم بعض المسلمين لهذا
الموضوع حق الفهم او أحاطته بكمية كبيرة من الخرافات والأساطير او
اتخاذه مادة للفرقة والتناحر بين المسلمين وتكفير بعضهم بعضا.
هناك حديث مروي عن الرسول الأعظم (ص) في حجة الوداع التي جاءت في
قمة انتصار الاسلام ونهاية بناء المجتمع الاسلامي ، وفيها وقف الرسول
الأعظم وتنبأ بمستقبل الأمة الاسلامية الوليدة واحتمالات انحطاطها
وتخلفها وتخليها عن القيم والتعاليم والأحكام الاسلامية ، ثم تحدث بعد
ذلك عن مجيء مصلح (مهدي) يهدي الناس الى الاسلام من جديد. وهو لم يتحدث
عن شخص معين محدد الاسم والهوية بقدر ما تحدث عن ظاهرة الانحطاط
والنهوض في المجتمع الاسلامي وأسمى ذلك المصلح بالمهدي.
وقد استخدم كثير من الثوار في التاريخ الاسلامي وخاصة من الشيعة هذه
الفكرة لدعم حركاتهم الثورية وتيمنوا بأن تكون هداية المسلمين
وانتشالهم من تخلفهم على أيديهم.
وقبل ان تتحدد الفكرة العامة لدى الشيعة الامامية الاثني عشرية بشخص
الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) في أواخر القرن الثالث
الهجري ، كانت الفكرة العامة تشكل أملا لكثير من المسلمين والمستضعفين
بتحقيق العدالة والحرية والانتصار حتى ذهب بعض المسلمين الذين عجزوا عن
فتح بعض البلاد كالقسطنطينية وكابل والخزر في حقب معينة ، الى تعليق
تلك المهام على عاتق الامام المهدي المنتظر.. كما ذهب بعض الغلاة
والمتطرفين من الشيعة الى نسج كثير من أحلامهم حول (الامام المهدي)
والأمل بالانتقام لهم من أعدائهم ونبش قبور مخالفيهم وإحراقهم وجلدهم
وما الى ذلك من الأحلام الخيالية العنيفة التي لم يجدوا بأسا في
روايتها عن أئمة اهل البيت (ع).
وذهب أولئك الغلاة من الشيعة وذهبت أحلامهم مع التاريخ ، ولكنها ظلت
مدفونة في بطون الكتب التراثية غير المحققة. وجاءت أجيال بعد أجيال
وتغيرت الدنيا وقامت دول وسقطت دول اخرى.. وبالرغم من الشيعة كانوا
يتعرضون على مدى التاريخ الى الحرمان والعزل والتصفية الجسدية أحيانا
فقد جاء من يفتش في بطون الكتب التاريخية المنسوبة الى الشيعة ليلتقط
بعض الروايات التي تتحدث عن المهدي وما يقوم به في المستقبل من أعمال
انتقامية مفترضة ، ويتخذ منها مادة إعلامية للتعبئة ضد الشيعة
المعاصرين ويحذر منهم ويحاسبهم او يعاقبهم على أعمال لم يقترفوها ولم
يسمعوا عنها شيئا ولم تحدث حتى الآن وانما يقال ان الامام المهدي الذي
ينتظرون خروجه سوف يقوم بها في المستقبل البعيد.
ولم يقف ذلك البعض المحرض ضد الشيعة ليتساءل عن مدى صحة تلك
الروايات وجديتها وقيمتها ومدى التزام الشيعة بها او معرفتهم لها وعن
صحة اتهام ملايين الناس بجريمة كتابة شخص مجهول او روايته لحديث مختلق
او فبركته لحلم فاسد ودسه في كتب التراث الصفراء.
وبقدر ما تعبر تلك الروايات الحالمة المغرقة في الخيال عن تطرف وغلو
فان الاهتمام بها من قبل البعض أخذها مأخذ الجد يدل على انخفاض مستوى
العقل والتفكير عند بعض المسلمين الذين يشغلون أنفسهم في قضايا وهمية
ويبحثون عما يوقد النار فيما بينهم وبين إخوانهم المسلمين.
لا اشك ان بعض الروايات الموضوعة الواردة حول المهدي وما يقوم به في
المستقبل عند ظهوره تثير الخوف والرعب والاشمئزاز وتصور الامام المهدي
وكأنه جزار سيصفي ثلثي العالم ويغرق الأرض بالدماء وانه سيقوم بالسيف
ويفعل كذا وكذا حتى يصفي كثيرا من أصحابه وأنصاره . وكانت المرحومة
جدتي تضيف اليها انه سوف يقتل سبعين ألفا من رجال الدين المنافقين.
ولذلك استقل أحد الخطباء المشهورين ، في احتفال أقيم مؤخرا في مؤسسة
اسلامية في لندن ، عدد أصحاب المهدي (313 رجلا) واحتمل ان يكون هؤلاء
قادة جيش المهدي الجرار الذي سوف يحارب العالم أجمع.
الا ان خطيبا آخر ارتقى المنبر بعده مباشرة ونسف فكرة قيام الامام
المهدي بالسيف في عصر الانترنت والمحطات الفضائية ورجح ان يقوم المهدي
بحركة ثقافية عالمية تؤدي الى استقطاب العالم وتحقيق أهدافه بالحكمة
والموعظة الحسنة ، مما دفع أحد المعلقين الى استخراج حديث يقول ان
المهدي عندما يظهر سوف يراه ويسمعه كل من في الشرق والغرب.
ومثلما كان بعض المسلمين السابقين يحلم بفتح القسطنطينية على يدي
المهدي فان بصري اتجه عام 1982 نحو الامام المهدي عند احتلال اسرائيل
لبيروت ، وخروج المقاومة الفلسطينية من لبنان ، وحلمت بتحرير لبنان
وفلسطين على يديه بعد ان شعرت بعجز العرب والمسلمين عن استعادة أراضيهم
المحتلة ويئست من تصدي العرب للعدوان الإسرائيلي الغاشم.
ولست أدري ما هو السر في قيام بعض الجنود الإسرائيليين بالطلب من
سكان الجنوب الشيعة التوقيع على أوراق بأنهم لم يعتدوا عليهم شخصيا ،
خوفا من انتقام الامام المهدي الذي سوف يكون زوال دولتهم على يديه ،
حسبما كان الجنود اليهود يقولون. وان كنت أظن انهم كانوا يستخدمون هذه
الفكرة بدهاء لانتزاع شهادات حسن سلوك من ضحاياهم لتسجيلها في التاريخ
او إبرازها في الأمم المتحدة.
ان ظروف الانهيار والإحباط والتمزق والتخلف التي تعيشها الامة
الاسلامية اليوم تشكل افضل مناسبة لإحياء الأمل والتعلق بحلم الامام
المهدي المنقذ والمخلص.. وهو شعور طبيعي وضروري للمحافظة على النفس من
الانهيار الكامل واليأس ، واذا كان فيه قدر من السلبية فهو يتمثل في
الانتظار الانطوائي المخدر الذي يعلق مهمة التغيير والإصلاح على الغيب
ويلغي دور الإنسان والامة ، كما كان شائعا لدى قطاعات واسعة من الشيعة
الامامية عبر التاريخ .. ولكن اذا حاولنا ان نفهم حديث الرسول الأعظم
في حجة الوداع الذي يشير الى قانون المهدوية والإصلاح في كل مجتمع وفي
كل زمان ومكان ، فاننا يمكن ان نحول الشعور بالتخلف والانحطاط الى طاقة
جبارة فاعلة ومنطلقا للعمل والتجديد والبناء والشعور بالمسؤولية عن كل
ذلك لدى كل شخص واع من أبناء الامة الاسلامية.
واذا كان الايمان بالإمام المهدي جزءا من الغيب فان تحقيق مهمة
الإصلاح والتغيير والتحرير واجب على كل مسلم بغض النظر عن هويته او
فئته او موقعه ، وان المقاومين للظلم والجور في أي زمان او مكان يشكلون
في الحقيقة تجسيدا للفكرة المهدوية وتحقيقا لمعنى نشر القسط والعدل
والتحرير ، وربما كان الرسول الأعظم يشير إليهم وهو يتحدث عن ظهور
المهدي الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا بعد ان تملأ ظلما وجورا.
اذا رفضنا التفسيرات الشخصية والغيبية والسلبية لمعنى الامام المهدي
وتحررنا من ركام الخرافات والأساطير التاريخية العالقة بهذه الفكرة
الإيجابية ، وابتعدنا عن الخلافات الطائفية حول هوية المهدي ، فانه
يمكننا ان نحول الفكرة الى عنصر إيجابي وقوة دافعة في البناء الحضاري
المطلوب وتحقيق المهمات الكبرى التي تنتظرها امتنا الاسلامية.
ماذا تريد امتنا اليوم من الامام المهدي؟
انها تريد منه ان يحررها من ربقة الأنظمة الديكتاتورية التي تجثم
على صدورها وتنهب ثرواتها وتكبلها بالقيود ، وتأمل ان يشيع بينها العدل
والحرية والشورى والديموقراطية.
وتريد منه ايضا ان يوحد بين أجزائها المهشمة ويزيل الحواجز المصطنعة
او يخفف قليلا من الحدود الإقليمية .
تريد منه ان يعلم الأميين ويشبع الفقراء والمساكين.
وتريد منه ايضا ان يعيد التوازن في علاقة الامة الاسلامية بالقوى
الكبرى بصورة عادلة
وتريد منه بالطبع ان ينشر الاسلام في ربوع الأرض.
وهناك طريقان لتحقيق هذه المهام الأساسية: طريق السيف والحرب والدم
، وطريق الحوار والسلم والكلمة الحسنة. واذا كانت الحضارات الأخرى
المعاصرة تتفوق علينا بالسلاح والاقتصاد والعلم والإعلام فان الحوار
معها لن يكون بالسيف والقوة ، خاصة وان الدين الاسلامي لم يقم بالسيف
وانا قام بالكلمة ، فليس من المستبعد ان تنحصر وسيلة التغيير والإصلاح
بالحوار والكلمة في المستقبل.
نحن لا نتحدث هنا عن مهام رجل معين اسمه الامام المهدي سوف يخرج من
رحم الغيب وينجز أهدافه بإعجاز من السماء ، وانما نتحدث عن مهمات
الهداية والإصلاح وآفاقها وطرقها ، ونتحدث عن أهداف عملية ضرورية يجب
ان يسعى كل واحد منا ليحققها او يحقق جزءا منها حسب استطاعته.
انها دعوة لكل من يشعر بالمسؤولية ويجد في نفسه الكفاءة لأن يكون
نموذجا مصغرا للامام المهدي.
· نشرت في صحيفة الزمان الصادرة في لندن بتاريخ 10/112/1999
أحمد الكاتب ------------------- أحب في الله من يبغضني في
الله
|